بسم الله الرحمن اارحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،

6) الأدب الديني : " مقدمة عدة العبد المنيب ":

الحمد لله رب العالمين،نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، والصلاة والسلام على سيد المرسلين،وآله وصحبه أجمعين،والعاقبة للمتقين،الحمد لله الذي خلق الجن والإنس ليعبدوه وعبودية الله تعالى هي الغاية فالعبد الرباني يقوم بأمر الله وأمر الله لا يعرف إلا بمعرفة محمد المصطفى، عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمن سار في الطريق إلى الله عرف الله،لذلك فالصلح مع الله تعالى ممكن بلمحة،كما يقول العارفون بالله.
( فالرسل يمثلون ذروة العبودية لله) كما يقول الشيخ سعيد حوى-1-، والعبد هو من يتعلق بالله ومن التعبد الخالص، التعلق القوي بكلام الله تعالى( فكلام الله تعالى هو التعبير عن إرادة الخلق والتكوين، والتعبير عن قضائه الرباني وقدره الوجودي ! وأن هذا القرآن العظيم لهو ترجمانه الأزلي، ودستوره الأبدي !)"2" .
فالعبد عند صدق توبته والإخلاص في إنابته قد يصير وليا لله، جنديا من جند الله، متزودا بكلمات الله، » منهاجا وبرنامجا « .
العبد يتذلل لمولاه،يرجو الرحمة ويطمع في المغفرة والرضوان، بصدق الإنابة وبتقوى الصادقين يعلمه الله تعالى،يقول عز وجل في كتابه العزيز: { واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} سورة البقرة ،الآية 282. "وقمة العلم هو القرآن المبين، هو العلم بالله وبأمر الله، به يتقرب العبد لمعرفة مولاه ونيل رضاه كما يقول الدكتور الشيخ الشاهد البوشيخي،والعبد يسير سيره،بفضل الله تعالى وبعونه،إلى الذات العلية ."ومثل جميع السائرين في الطريق إلى الله تعالى ينتقل من الدهشة إلى الذهول،ومن الذهول إلى بحر من العواطف المتلاطمة،التي تجعله ينحني من الخشية" كما يقول الداعية التركي،محمد فتح الله كولن-3-والعلم خشية الله ورأس الحكمة مخافة الله أساسهما الإخلاص لله،ثم إن للعبودية المطلقة أسرار: يرفع الله عبده درجات ليحيا مع الله، فيستسلم ويسجد ويقترب، ليزوده الله بالعدة للتزكية.
فيستعد للمجاهدة ليرتقي ويتدرج، متقلبا بين منازل شتى ودرجات سامية، من أنواع التعبد،فهو قد أتى الله بقلب منيب.يعمل لمعرفة شرع الله عن طريق المدارسة ليزوده اللطيف بلطفه كي يستعد للعبادة كعبد عابد.


1/ كتاب- الرسول صلى الله عليه وسلم- سعيد حوى.
2/ مجلة رسالة القرآن-العدد الثاني ،مارس 2005- صفحة 11من الافتتاحية.
3/ مجلة رسالة القرآن – العدد الثاني-صفحة 21.


الباب الأول : التوبة والإنابة

لقد عملنا - بفضل الله تعالى - في هذا الكتاب المتواضع، على جمع مسائل تعبدية متعلقة بأخلاق المسلم الموحد، من كتاب الله تعالى، ومن هدي سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ثم اعتمدنا على كنوز السابقين من الكتب القيمة المحققة، وكذا تفاسير اللاحقين،واجتهادات العلماء المسلمين الأجلاء،القدماء والمحدثين، في مسائل الأخلاق والتدرج في المراتب التعبدية عند عباد الرحمان،العباد الذين تأسوا واقتدوا بالنبي العدنان صلى الله عليه وسلم، فوضعنا العمل في نسق متكامل،وفق منهج محدد يوضح معالم الطريق للسالكين،من الاغتسال والتطهر إلى تقوى الله و التعبد بتذلل الفارين إلى الله،الراجين رحمته، والذين صدق فيهم قول الله تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يومنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يوتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولائك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}.
لذلك فإن عملنا المتواضع في هذا السياق يتوخى الانضباط لمناهج البحوث والدراسات الأكاديمية، حيث نحيل النصوص إلى مراجعها الأصلية،جريا على عادة علمائنا رعاهم الله.
كما حاولنا جادين للتخلص من الذات، والتعامل مع الحقيقة العلمية التي يتطلبها العلم الشرعي وتقتضيها الدراسة العلمية،زادنا في ذلك التوكل
على الله العلي الحكيم في التعامل مع قلب المؤمن الذي يزكو بالتقرب إلى المولى،ويسمو بالإيمان والمجاهدة وبالاجتهاد والجهاد ليصل إلى درجة العباد الجنود المستعملين الذين قال الله فيهم :{وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر}.
فالعبد العاصي يرجع، فيصدق الله في توبته ويجدد إيمانه ويجاهد في الله حق الجهاد،داعيا مناجيا مستسلما طمعا في رحمة الله التي وسعت كل شيء؛ليدنو ويقترب،فتسكن النفس ويطمئن القلب بحلاوة القرب،وهكذا يتدرج العبد بالتطهر والتزكية،واقفا على الباب، يقاوم النفس، وإبليس، والصعاب.
إن التدبر في رسالة القرآن الكريم ،وفي خلق الله العظيم أمر مطلوب من كل صاحب عقل سليم وقلب منيب ليهتدي إلى الحق ذلك أن ما بعد الحق إلا الضلال قال تعالى مخاطبا نبيه وأمته : {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب}.
ولا يحصل ذلك إلا بذكر الله وتلاوة القرآن الكريم مع الخشوع في الصلاة ليسمو العبد المتعطش إلى منازل الصالحين ومقام الأولياء المتقين.
فيخضع الخضوع التام والكامل للمولى العلي القدير، يصير عبدا متذللا بين يديه فتصبح حركاته وسكناته وحياته ومماته لله لأنه علم علم اليقين أن ما دون الله باطل، فيتفضل عليه الرب الأعلى برحمته،ليتقلب في منازل الأتقياء المنيبين، تقلب المتذلل المتعبد،يسعى للآخرة سعيها،ويرجوا رحمة ربه بالطاعة وبالامتثال للأوامر وباجتناب النواهي، مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم،همه رضا الله ورضوانه ومبتغاه الحسنى، نعيم الخلود مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا،راجيا من الله المزيد، بالنظر إلى وجهه العزيز.
فهو إذن عمل استقصائي تركيبي لأحوال العبد مع ربه،عبد في تدرج وسمو، بفضل الجليل الجميل، فمن المعاصي والخطايا إلى رحمة العفو القدير ومغفرة التواب الرحيم،عبد تاب فأناب، فتقدم بين يدي المولى الوهاب بالدعاء وبالمناجاة، ليهبه عفوه، ويرحمه من العذاب،عبد اغتسل وتطهر بالماء، ليتقدم متذللا، متصدعا من خشية الرب عز وجل ،طامعا في السمو إلى مقام المغفور لهم والمرحومين، ولنتأمل حديث الرسول عن سر الرحمة وفضائل الرحمان، فهو صلى الله عليه وسلم،بنفسه يرغب في رحمة المولى ويرجوها.
عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لن ينجي أحدا منكم عمله قال رجل ولا إياك يا رسول الله قال: ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ولكن سددوا. وحدثنيه يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج بهذا الإسناد غير أنه قال: برحمة منه وفضل ولم يذكر ولكن سددوا".-4-.
وهذا العبد الذي يفوز ويحظى برحمة الرحمان يتبوأ أعلى مقامات ودرجات العباد،بفضل الله، فالميت نناديه عادة بالمرحوم،لأنه بين يدي الرحمان الذي يفعل بعباده ما يشاء، والرحمة صفة من الصفات الربانية والميت لا يعلم مصيره إلا المولى عز وجل.
لكن العبد يطمع في رحمة أرحم الراحمين، وفي حسن الختام، وبالأخص في رضا الله تعالى يوم اللقاء ورضوانه، يوم لا ظل إلا ظل الله تعالى، الملك الجبار، عبد مفتقر لعفو المولى،لنظرة رحمة من الله تعالى.فالعبد،عبد الله هو عبد للرحمان.قال تعالى :" قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى."- سورة الإسراء، الآية 110.


فنحن بتوكلنا على الله نأمل في قراءة إسهامات مشايخ الإسلام، لتناول تدرج العبد المنيب، من لحظة اليقظة، ثم الاغتسال والتطهر ،فالانتقال من درجة إلى أخرى، ليصل إلى الطمع في رحمة الغفار الذي يرحم من تاب وآمن واستسلم وأناب، فإذا بالعبد يطرق باب المولى عز وجل ويفوز بالنظر إلى وجهه تعالى.
وبتدبرنا في كتاب الله ، بعونه وبفضله،نقف على أخلاق العباد ونعمل على تقديمها بأسلوب سليم،أسلوب العبد الرباني، التائب الصادق.فاللهم ارحمنا واشملنا بعفوك . قال تعالي: ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ).
فنحن سنعمل على نقل أقوال أهل العلم والاختصاص في مسالك العبد التائب المنيب،وذلك بتقديم مقامات التدرج والسمو على شكل أبواب
و فصول. هي في حد ذاتها متكاملة ومتداخلة،كلها تقود بإذن الله تعالى إلى النجاة والى السعادة بالدارين، والعبد يطرق باب العليم الحكيم فيتفقه بفضل الله في دينه،وذلكم هو الخير الكثير،وكما يقول الداعية الرباني فريد الأنصاري رحمه الله: "كانت وظيفة الأنبياء التربوية والدعوية قائمة على العلم والتعليم" وآية وظائف النبوة الواردة في أكثر من سياق من كتاب الله دالة على هذا،قال تعالى :{ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} آل عمران،164.

4/-شروح الحديث-2816- شرح النووي على مسلم- أبو زكريا النووي.

ولهذا - يضيف د. فريد الأنصاري رحمه الله - لم يكن عبثا أن يقرر الرسول ذلك بما يشبه الحصر في قوله صلى الله عليه وسلم:" إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا،ولكن بعثني معلما ميسرا".-5-.
إن العبد المنيب علم أن له ربا رحيما، فأناب وتاب، وعزيمة العبد بفضل الوهاب هي عبادة رب الأرباب، بعلم ؛ليكون نعم العبد لنعم المولى ولنعم النصير، فاللهم وفق كل عبادك للعلم،لأنه كما يقول العارفون بالله: "هو بدء كل شيء في الدين، وهو أساس كل حركة في الدعوة إليه،تربية وتزكية" والعلم كما يقول أهله:"العلم يكثر ويزكو بالإنفاق" "وعدة العبد المنيب" هو بالأساس زاد التقوى للمحتاجين، وهذا الأخير لن يتأتى إلا بعلم وعمل وتعبد يرفعك الله به درجات، فتكون العبد المرفوع،المستعين بالله العبد الوارث،المتبع لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وأخيرا العبد الراسخ في العلم، الساعي إلى الآخرة.
قال تعالى :} فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما،قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا{- سورة الكهف 65-66.


فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.آمين.
الحسن العبد بن محمد الحياني،
فاس - المغرب.