K

جديد المنتدي

النتائج 1 إلى 9 من 9
  1. #1
    مشرفة عالمك الجميل الصورة الرمزية فتاة العقيدة
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,648
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي الأدب جمال الحياة

    هشام محمد قربان


    الأدب كلمة صغيرة المَبنى، عظيمة المعنى، ويعرِّف الزَّبيدي صاحب "تاج العروس" الأدب بأنه: "ملكة تَعصِم مَن قامَت به عمَّا يَشينه".



    ولقد أدْرَك العلماء أهميَّة فَهْم الأدب وتعرُّفه، وأعملوا فِكْرَهم وبلاغتهم في وصفه.


    ينقل ابن القَيِّم في مصنَّفه المسمى: "مدارج السالكين" مقولةً جميلة جامعة في وصْف الأدب، سَبَرت أغواره، وأدْرَكَت دقائقه وأسراره: "يقول العالِم العابد ابن المبارك: قد أكْثَر الناسُ القول في الأدب، ونحن نقول: إنه معرفة النفس ورُعوناتها، وتجنُّب تلك الرُّعونات".


    ولقد بيَّن العلماء في مُصَنَّفاتهم طرائقَ الأدب، ودقائقه، وفضائله، وحثوا العامة والخاصة على تعلُّمه ومُجاهدة النفس في سلوك طُرقه.


    والأدب به تمام العقل، ولقد عدَّه الحُكماء أحد أربعة أمور بها يسود العبد، وهي: العلم، والأدب، والفقه، والأمانة.


    وكما أنَّ العزَّ والشرف في التزام الأدب، فإن الذُّلَّ والصَّغار في ترْك الأدب مع الله ومع الخَلْق، وحذَّر العلماء غاية التحذير من عقوبة ترْك الأدب.


    وأبْلَغُ ما قيل في هذا ما أوْرَدَه صاحب "مدارج السالكين": "أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلَّة أدبه عنوان شقاوته وبَواره، فما اسْتُجْلِب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا اسْتُجْلِب حِرمانهما بمثل قلَّة الأدب، فانظر إلى الأدب مع الوالدين كيف نجَّى صاحبه من حبس الغار حين انطبَقَت عليهم الصخرة، (يُشير ابن القَيِّم إلى حديث الثلاثة الذين حُبِسوا في الغار، ونجوا منه حين سألوا الله بصالح أعمالهم).


    وانظر إلى الإخلال بالأدب مع الأمِّ، كيف امتَحَن صاحبه بهدْم صومعته، وضرْب الناس له ورَمْيه بالفاحشة، (يُشير المصنِّف هنا إلى حديث جريج العابد الذي دَعَتْه أُمُّه وهو يصلي نفلاً، فلَم يُجبها، فأغْضَبَها، فدَعَت عليه بأمر سوء، فاستجابَ الله لها).


    إنَّ للأدب مراتبَ تختلف باختلاف المتأدَّب معه، فالأدب مع الله هو أعلى مراتب الأدب وأسماها، وأساسه العلم بالله وبأسمائه وصفاته وشرْعه، ويَنبثق من الأدب مع الله كلُّ مراتب الأدب الأخرى التي تتفاوَت درجاتها بحسَب قُرب المتأدَّب معه من الله - سبحانه وتعالى - لذا فإنَّ المرء لا يُعَدُّ من أهل الأدب والعقل مَهْما اجْتَهَد في التأدُّب مع الخلق، إذا ضيَّع أعلى مراتب الأدب وهي الأدب مع الله - عزَّ وجلَّ.


    ويلي مرتبة الأدب مع الله الأدب مع أنبيائه ورُسله عامة، ومع رسولنا محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - خاصة باتِّباع سُنته وتوقيرها، وتعظيم شخْصه؛ مَحبةً وإجلالاً، ولله دَرُّ الإمام مالك الذي كان يتغيَّر ويَخشع إذا ذُكِر الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.


    ويلي الأدبَ مع الله وأنبيائه ورُسله مرتبةُ الأدب مع عموم الخَلْق التي أبدَع وأجاد في وصفها ابن المقفع في كتابه "الأدب الصغير": "وعلى العاقل أن يجعلَ الناس طبقتين مختلفتين مُتباينتين، ويَلبس لها لباسين مختلفين، فطبقة من العامة - أي الجَهَلة والسُّوقة - يَلبس لهم لباسَ انقباض وتحفُّظ في كلِّ كلمة وخُطوة، ولا يعني بهذا الكبر، وطبقة من الخاصة - من أهل العلم والفضل - يَخلع عندهم لباسَ التشدُّد، ويَلبس الأنسة واللطف".


    ومن مراتب الأدب القليل ذِكرُها، مرتبة التأدُّب مع النفس بإعطائها نصيبَها من الحلال، وتخليتها مما لا يَليق ظاهرًا وباطنًا، وتَحْليتها بآداب السُّنة في المطعم والمشرب، والمأكل والملبس، وسائر أحوالها، وصدق الرسول الكريم - وهو المربي الاعظم - حين قال معلما أمته: " إن لنفسك عليك حقاً".


    ومما يُعين طالب الأدب التأمُّلُ في آداب الأنبياء والرُّسل والصالحين، الذين أبْلَوا بلاءً حسنًا في رياضة نفوسهم، وتأديب جوارحهم، وتطهير علانيتهم وسرِّهم، انظر إلى مَن أدَّبه ربُّه، فأحسَن تأديبه، ووصَف خُلقه بالعظمة، رسولنا محمد - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - الذي كان مثالاً مضيئًا مُشرقًا في الأدب، تَحسر دونه الأبصار.


    ويَصِف الله أدبه في حال المعراج، حين كان قابَ قوسين أو أدنى: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17]؛ أي: إنه في ذلك المشهد العظيم أقبل على الله بِكليَّته، ولَم يَزِغ قلبه فِكرًا، ولا نظرُه التفاتًا عن الله - سبحانه وتعالى - إلى غيره، والقرآن الكريم حافل بخطابات الأنبياء المُعطَّرة بآداب النبوَّة وحِكمتها، فهل من مُدَّكِر.


    إنَّ الأدب عنوان السعادة وجمال الحياة الذي به قوامُها وصلاح أمرها، والأدب مِفتاح فَهْم العلم، فإنَّ البون شاسعٌ بين مَن حاز العلم والأدب، ومَن حَفِظ العلم وحُرِمَ الأدب، ولقد أدْرَك السلف الصالح - عامَّتُهم وخاصَّتُهم - أنَّ الأدبَ ثمرة العلم ونوره وبَهجته؛ يقول الإمام مالك - رَحِمه الله تعالى -: "كانت أمي تُعَمِّمني - أي: تضع العمامة على رأسي - وتقول لي: اذهب إلى ربيعة، فتعلَّم مِن أدبه قبل عِلمه".


    من الأدب ما يكون جِبِلِّيًّا، وهبَه الله لبعض خَلقه لحِكمة هو يعلمها، ومنه ما يُنال اكتسابًا بحُسن التربية والتنشئة، وبدراسة سِيَر العظماء ومُحاكاتهم، وبحُسن اختيار الصحبة، ورياضة النفس ومُحاسبتها ومُراقبتها، وبسؤال الله نعمة حُسْنَ الأدب معه ومع خَلقه، والانتصار على النفوس ورُعوناتها، فهو المعبود والمستعان على عبادته.


    من أهم وسائل اكتساب الأدب على الإطلاق: تربية الوِلْدان عليه منذ نعومة أظفارهم، ولقد حرَص الصالحون والعقلاء والفضلاء على مَرِّ القرون على تنشئة أولادهم على حُسن الأدب وحَمْلهم عليه على أيدي أفضل المربِّين وأمهرهم من العلماء والفقهاء والحُكماء، والاستعانة بالمربي المختص والمؤهل أسلوب أثبت فاعليته وعظم أثره التربوي في ماضينا المشرق.


    وحري بنا في هذا العصر- الذي كثرت فيه المشاغل والملهيات - أن نحيي هذا الأسلوب ونفيد منه في حياتنا، ونعيده بطريقة منهجية مطورة ومنظمة، فنجهز المربين ونعدهم في معاهد خاصة ومعتمدة إعدادا علمياً ونفسياً وتربوياً، ونصدر لهم شهادات تثبث تأهيلهم وجاهزيتهم لهذه المهمة الجليلة، ونراقب أدائهم بأساليب علمية حديثة، ونتيح لهم فرصًا لتحسين أدائهم وتطويره على أيدي المختصين، ونجزل لهم الأجر حتى يكفيهم فلا ينصرفوا إلى مهن أخرى.


    وفي هذا السياق نحذر من استهانة البعض بمهمة المربي وإسنادها لسائق أو خادمة أتوا من بلاد بعيدة أو غرباء ومجهولين لا نعلم عن نشأتهم وأخلاقهم شيئاً.


    ومن أجمل ما يُبيِّن حِرْص السلف على تربية أبنائهم وصيَّة الخليفة عبدالملك بن مروان لمؤدِّب أبنائه، يرويها الإمام الذهبي عنه في سِيَر أعلام النبلاء: "علِّمه الصِّدق كما تعلِّمهم القرآن، واحْملهم على الأخلاق الجميلة، ورَوِّهم الشعر يُشجعوا ويُنجدوا، وجالِس بهم أشرافَ الناس وأهل العلم منهم، وجنِّبهم السِّفْلة والخَدم، ووقِّرهم في العلانية، وذلِّلهم في السرِّ، واضْرِبهم على الكذب؛ إذ الكذب يدعو إلى الفجور، والفجور يدعو إلى النار".


    إن التذكير بأهمية الأدب والتعريف بفضْله وتَبيين طُرق اكتسابه، كفيلٌ بأن يقوِّي أواصر المودَّة والرحمة في المجتمع المسلم، حتى يكون بحقٍّ خيرَ أُمَّة أُخْرِجت للناس، وهو في الوقت ذاته من أهم وسائل الدعوة إلى الله، فإنَّ الدليل بالفعل أبلغُ وأكثر تأثيرًا من الدليل بالقول.



    - كن مؤدباً في حزنك حامداً في دمعتك
    أنيقاً في ألمك فالحزن كما الفرح هدية من رب العباد
    سيمكث قليلاً ويعود إلى ربه حاملاً معه تفاصيل صبرك


  2. شكراً شكر هذه المشاركة منارة الجزائر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة منارة الجزائر
  3. #2
    مشرفة قسم الوعظ والإرشاد وقسم القوارير وإستمتع بحياتك
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    1,141
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    السّلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

    طرح قيّم بارك الله فيكِ ونفع بكِ ، في ميزان حسناتكِ


  4. شكراً شكر هذه المشاركة فتاة العقيدة
    أعجبني معجب بهذه المشاركة فتاة العقيدة
  5. #3
    مشرفة قسم علوم القرآن الصورة الرمزية kaoutar
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    7,540
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي




  6. #4
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,959
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    جميلٌ جدًّا هذا المقال بما حواه من
    حديث رائع عن الأدب وأهميته في حياتنا
    كأفراد وجماعات فهو الرقي في ميادين الحياة

    نسأل الله أن يُجملنا بالأدب معه عز وجل ثم
    مع خلقه وأنفسنا وأن يهدينا لأحسن الأخلاق
    وأن يجزيكِ فاضلتي القديرة جنة النعيم ووالديكِ

    لا عدمناكِ ولا عدمنا طيب عطائكِ يحفظكِ ربي
    ربِّ برحمتك إنْ تَخطفُنِي المَوتَ فاسْألك رضاكِ عنِّي

    وأعظم نعيم الجنة ، لذة النظر ورؤية الله تعالى ورضوانه .
    خشوع ، جـــزى الله معلمتي للفيزياء الفردوس الأعلى والمسلمين
    والرُّوحُ في المدينة النبوية ... اللهم الفردوس أبتغي .. ربِّ }

  7. شكراً شكر هذه المشاركة منارة الجزائر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة منارة الجزائر
  8. #5
    مشرفة عالمك الجميل الصورة الرمزية فتاة العقيدة
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,648
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نور السومحي مشاهدة المشاركة

    السّلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

    طرح قيّم بارك الله فيكِ ونفع بكِ ، في ميزان حسناتكِ
    وعليكم السلام ورحمةالله
    وفيكِ بارك ونفع شكر الله لكِ كريم المرور .

  9. #6
    مشرفة عالمك الجميل الصورة الرمزية فتاة العقيدة
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,648
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة kaoutar مشاهدة المشاركة


    وأنتِ من أهل الجزاء شكر الله لكِ ونفع بك.

  10. #7
    مشرفة عالمك الجميل الصورة الرمزية فتاة العقيدة
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    3,648
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة غــدَق مشاهدة المشاركة
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    جميلٌ جدًّا هذا المقال بما حواه من
    حديث رائع عن الأدب وأهميته في حياتنا
    كأفراد وجماعات فهو الرقي في ميادين الحياة

    نسأل الله أن يُجملنا بالأدب معه عز وجل ثم
    مع خلقه وأنفسنا وأن يهدينا لأحسن الأخلاق
    وأن يجزيكِ فاضلتي القديرة جنة النعيم ووالديكِ

    لا عدمناكِ ولا عدمنا طيب عطائكِ يحفظكِ ربي
    وإياك اختي شكر الله لك ونفع بك .

  11. #8

    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    المشاركات
    150
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    السلام عليكم ورحمة الله.
    بارك الله فيكي أرسلناك رساله ننتظر ردك علينا
    ربي لاتذرني فردا وأنت خير الوارثين
    أشفي زوجي وكل مريض
    وأعتق رقبة أبني أنك أرحم الراحمين وأنت القادر القدير
    اللهم ضع في طريقنا احد عبادك المؤمنين يرحمنا برحمة منك يالله.
    ربنا أنك سميع مجيب الدعاء.

  12. #9

    تاريخ التسجيل
    Jun 2019
    المشاركات
    7
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    جزاك الله خيرا

المواضيع المتشابهه

  1. || ايقاف النشر خلال شهر الصيام في واحة الأدب || رمضان مبارك
    بواسطة أجنادين في المنتدى منتـدى واحــة الأدب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-06-2016, 12:36 PM
  2. جمال الحياة..في معرفة الله
    بواسطة عبد الله الأحد في المنتدى منتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-08-2015, 08:54 PM
  3. *** جمال الحياة..في معرفة الله ***
    بواسطة ملكة باخلاقي و عفتي في المنتدى منتـدى الطرح العــام
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 19-11-2013, 06:06 AM
  4. جمال الحياة..في معرفة الله
    بواسطة فيصل بوزيان في المنتدى منتـدى الطرح العــام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 02-03-2013, 04:42 PM
  5. الحجاب جمال..والعري قبح
    بواسطة شــهد في المنتدى ملتقـى القـواريــر
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 28-04-2012, 01:37 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •