K

جديد المنتدي

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 23 إلى 31 من 31
  1. #23
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي اخلع نظارة اليأس







    اخلع نظارة اليأس ،،

    أسباب الهموم والمكدّرات في هذه الحياة كثيرة، وفي المقابل؛ فإن أسبابَ السعادةِ والانشراح كثيرة ومتعددة،
    يعجز الإنسان عن عدّها.
    ومن قرأ القرآنَ وجدَ أنه وصَفَ كثيراً من المباحات بكلماتٍ تبعث على الفأل والسرور؛
    فسمّى البنينَ والمالَ (زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[الكهف: 46].

    والقرآنُ صريحٌ جداً في التحذير من اليأس والقنوط، سواء في أمر التوبة بين العبد وبين ربّه،
    أو في علاقةِ العبدِ مع أقدار الله المؤلمة! فكيف ييأس مُذنبٌ وهو يسمع هذا النداء الذي يَسري إلى القلب
    من الرب الغني الكريم الرحيم:
    (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
    يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
    [الزمر: 53]؟!

    وفي الصحيح: (لو يعلم المؤمنُ ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحدٌ،
    ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد)
    ([1]).
    وحين اشتدت الكربةُ بيعقوب عليه السلام لم يقنط، بل حذّر بنيه من ذلك فقال لهم:
    (يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون)
    [يوسف: 87].

    وفي السيرة النبوية يجد الإنسانُ ما يُدهشه من عيشه صلى الله عليه وسلم الفألَ في كل أحواله،
    بل في أشدّ الأزمات لا تُسمعُ منه كلمةُ يأسٍ أو قنوط، ومِن ألطف المواقف في هذا المعنى:
    أنه لما كانت النفوس مشحونة في صلح الحديبية بسبب الشروط ـ التي كانت في ظاهرها غبناً للمسلمين ـ
    وجاء سهيل بن عمرو مندوباً عن المشركين، قال صلى الله عليه وسلم مباشرة: "سَهُل لكم من أمركم"
    ([2])..
    سبحان الله!
    حتى في هذا المقام لم يدع الفأل باسم سهيل! ولسان الحال:
    وماذا يصنع اليأسُ إلا القعود وشماتة العدو والحاسد؟!
    وماذا يفعل الفأل في النفوس إلا الانطلاق في فسحة الحياة الرحْبة، والعمل المثمر الجاد ..؟!

    فأين اليائسون من واقع الأمة عن هذا الموقف،
    وموقفه صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، وغيرها من المواقف التي تهدّ الصمَّ الصِّلاب؟!

    وفي الحثِّ على اختيار الأسماء الحسنة، وتغيير السيئة مراعاةٌ لهذا المعنى بلا شك.
    ومع هذا كلّه يأبى بعضُ الناس إلا أن يُردّد مفردات اليأس والقنوط! سواء فيما يخصه أو يخص واقع الأمة،
    وأننا حالةٌ استثنائية من موضوع الفأل، فهو يعيش اليأسَ في كل تصرفاته، ولا يكاد يفرح بشيء،
    ولا ينتظر شيئاً حسناً، بل حتى الأشياء الحسنة تنقلب في عينه إلى سيئة! ولسان حاله يتمثل قول ذاك اليائس:
    لو اتجّرتُ ببيع الطواقي والكوفيات، لخلق اللهُ أناساً بلا رؤوس !

    المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد ..
    بل إن سيطرة هذه المشاعر تُقْعد الإنسانَ عن القيام بأمورٍ نافعة كثيرة؛ لأنه حكم على نفسه بالفشل،
    وذبح نفسَه بسكينِ اليأس.

    تَرِدُ عليّ كما تَرِد على غيري رسائلُ تنضح باليأس من أمورٍ ثبت بالتجربة والواقع أن الفرج في مثلها حصل لأناس كثيرين ..
    والمشاكلُ التي يعبّر عنها اليائسون كثيرة، كمن تيأس من الزواج لظنها أن القطار فاتها، أو تيأس من الولد بعد زواجها،
    وثالث ييأس من حصوله على مصدر رزق مناسب، ورابع ييأس أن يتخلص من عادة سيئة لازَمَها .. وهكذا دواليك،
    وربمّا أكّد لك بعضُهم صدق يأسه بأنه من عشر سنوات يدعو والأمرُ كما هو!

    قارِن بين هذه النفوس الغارقة في اليأس وبين قول مُوَرّق العجلي ـ رحمه الله ـ:
    «قد دعوتُ الله بحاجة منذ أربعين سنة، فما قضاها لي، فما يئستُ منها» !
    ([3]).
    ومن شؤم التشاؤم: أن بعضَ هؤلاء إذا حدّثتَه بنصوصِ حسن الظن،
    وسيرة يعقوب ويوسف ونبينا عليهم الصلاة والسلام؛
    قال لك: هؤلاء أنبياء! يعني: لا مجال للمقارنة بيننا! وكأنه يقول: إنها مجرد قصص للتسلية فحسب!
    ونسي أو تناسى أن الله تعالى ختم سورة يوسف بقوله: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)[يوسف: 111]،
    وأن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90].

    وفي كتاب "الفرج بعد الشدة" قصصٌ كثيرة مدهشة، تبعث على الفأل وحسن الظن.
    كثير من الأمراض النفسية التي قيّدتْ بعضَ الناس ـ ـ عافانا الله وإياكم منها ـ هي ذاتها أصابت آخرين،
    ولكنها لم تقيّدهم ولم تُقعِدهم، بل انطلقوا في فسحة الحياة، ومشوا في مناكبِ الأرض، والفرقُ بين الفريقين:
    هو كيفية التعامل معها؛ فالأول استسلم، والآخر هزم اليأسَ بالتوكل على الله، وذبحه بحسن الظن، والفأل الجميل.

    فيا كل من أوجعته سياطُ المصائب، هل ترى مَن حولك مِن السعداء؟
    إنهم يعيشون ذات الوقت والزمان الذي تَعيشه .. يُكابدون ما تُكابِد، ويُعانُون ما تُعاني
    - بل ربما أشدّ - فلستَ وحدك!
    لكن الفرق بينك وبينهم:
    أنهم نظروا إلى الحياة بعين التفاؤل؛ فرأوا الجمالَ شائعاً في كلِّ ذراته، وأحسنوا الظنّ بالله،
    وأيقنوا أن خِيرتَه تعالى لهم خيرٌ من خيرتهم لأنفسهم، وأن قدَرَه فيهم أحسن من تقديرهم لأنفسهم.

    إنك تستطيع ـ إذا أردت التغيير ـ وتوكلتَ على الله، وفعلت ما بوُسْعِك من أسبابٍ أن تبدِّل الأسوأ بالأحسن؛
    إذا لم ترضَ بالأسوأ، وعملت لتغييره بروح التفاؤل، ولسان حالك يقول:

    وَإِنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ حَتَّى كَأَنَّنِي ** أَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللَّهُ صَانِعُ
    وتذكّر:
    سيفتحُ الله باباً كنت تحسبهُ ** من شدة اليأسِ لم يُخلق بمفتاحِ

    -------------

    ([1])
    مسلم ح(2755).
    ([2]) البخاري ح(2731).
    ([3]) الورع لابن أبي الدنيا، رقم (47).



    كتبه : الشيخ عمر المقبل


    همسة :
    لا تيأس وثقْ بربك .. فرحمته واسعة
    واحمد الله تعالى فذاك دفٌْ في زمهرير أوجاع الحياة
    دُثرتم بالسعادة والتوفيق







    ربِّ برحمتك إنْ تَخطفُنِي المَوتَ فاسْألك رضاكِ عنِّي

    وأعظم نعيم الجنة ، لذة النظر ورؤية الله تعالى ورضوانه .
    خشوع ، جـــزى الله معلمتي للفيزياء الفردوس الأعلى والمسلمين
    وستزهر الأيام فرحًا فلنثق بالله ... اللهم الفردوس أبتغي .. ربِّ }

  2. #24
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي المعروف الممزق







    المعروف الممزق ،،

    جاء محتاجٌ إلى أحد الأصدقاء يَعْرِضُ عليه الشفاعة في تفريج كربته ؛ فبكى صديقي!
    فتعجب صاحبُ الحاجة من بكائه ! واعتذر إن كان سبّب له حرَجاً..
    فقال: بل أبكي فرحاً بفضل الله تعالى أن اختارني من بين الناس لأكون موضعاً لقضاء حاجتك!

    يا لهذه النفوس الكبيرة ! التي قلبت إحسانها فجعلت الطالبَ مُحسناً !
    ولستُ أكتم القارئ سرّاً إن قلتُ: إنني أتنفس الفخر، وأشم أريج المروءة؛ كلما تذكرتُ هذا
    الموقف، وفي المقابل أشعر بالأسى والحزن العميق؛ كلما سمعتُ شخصاً ـ ممن منّ الله عليه
    بقضاء حوائج الناس ـ يمزّق معروفه، ويبدِّد حسنات الإحسان بالحديثِ عنها في المجالس،
    وعمّن أحسن إليهم، ومَنْ الذي قابل معروفه والذي تنكّر له! وأسوأ من هذا: أن يواجِه
    من أحسن إليهم بمثل هذا!

    إن من كمال عقل الإنسان، وتمام مروءته : أن يستقل كثير المعروف من نفسه، وأن يستكثر
    قليل المعروف من غيره، وأن يكمّل معروفه بإخفائه وتعجيله، كما قيل: إذا اصطنعت المعروف
    فاستره، وإذاصنع إليك فانشره، ولسان الحال يقول:
    خِلٌّ إذاجئتَه يوماً لتسأله ** أعطاك ماملكت كفاه واعتذرا
    يخفي صنائعه، واللهُ يظهرها ** إنّ الجميلَ إذا أخفيته ظهرا

    ولا أدري هل يشعر المانُّ بمعروفه، والمتحدّثُ به أنه أتعب نفسَه بلا جدوى، وأذهب أجرَه، وأوصد
    البابَ على نفسه؟ فإن الناس متى علموا أنه من أهلّ المنّ تجنّبوه! فمَنْ مَنَّ بمعروفه أسقط شكره.

    ويذكر أن ابن سيرين سمع رجلا يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت! فقال له:
    اسكت فلا خير في المعروف إذا أُحصِي! ([1])

    ولا دواء لهذا الداء إلا أن يستعشر - مَنْ أكرمه الله بنفع الخلق - أن المنّة أولاً وآخراً
    وظاهراً وباطناً لله وحده، فالله هو المانّ عليه إذْ استعمله في الإحسان، والمنة لله على ذلك
    الشخص أن سخّر له من ينفعه في دينه أو دنياه.

    وأن يتذكر أيضاً أن هذا عمل صالح لا يقبله الله إذا لم يكن خالصاً، فلا يطلب ممن أحسن
    إليه جزاء ولا شكورا، كما قال الأبرارُ ـ جعلنا الله منهم ـ:
    ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان: 9].

    "ومن الناس مَنْ يحسنُ إلى غيره ليمن عليه أو يرد الإحسان له بطاعته إليه وتعظيمه أو
    نفع آخر، وقد يمنّ عليه، فيقول: أنا فعلت بك كذا، فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه، ولا عمل لله
    ولاعمل بالله، فهو المرائي! وقد أبطل الله صدقة المنّان وصدقة المرائي، قال تعالى:
    ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ
    وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ...)
    البقرة: 264] الآياتين
    ([2])،
    "ولهذا كان المحققون للإخلاص لا يطلبون من المُحْسَنِ إليه لا دعاءً ولاثناءً ولا غير ذلك،
    فإنه إرادةُ جزاءٍ منه؛ فإنّ الدعاءَ نوعٌ من الجزاء على الإحسان والإساءة؛
    كما جاء في الحديث: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه؛
    فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه»
    ([3])
    ذلك ليبقى أجرهم على الله تعالى، ولا يكونوا قد اعتاضوا منه، كما كانت عائشة رضي الله عنها
    إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للمرسل:
    اسمع مايدعون به لنا، حتى ندعو لهم بمثل مادعوا لنا، ويبقى أجرنا على الله تعالى"
    ([4])*.
    اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.


    -------------

    ([1]) أدب الدنيا والدين (ص: 204).

    ([2]) مجموع الفتاوى (14/ 329 - 331).

    ([3]) سنن أبي داود ح(1672)، وصححه ابن حبان ح(3408)،
    والحاكم في المستدرك ح(2369)، والعراقي في المغني (ص: 264).


    ([4]) بيان التلبيس (1/ 527).

    ::
    كتبه : الشيخ عمر المقبل


    همسة :
    وما عند الله تعالى خير وأبقى ..
    دُثرتم بالرضا ووفقتم للخيرات








  3. #25
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي كنت في المدينة







    كنت في المدينة ،،

    كلمّا زرتُ مدينةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحت لي صورٌ من المواقف الكثيرة التي وقعت على ذلك
    الثرى الطاهر..
    سواء على مستوى شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم، أم على مستوى بيته وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين،
    أم مع بقية الركب الميمون من أصحابه العرانين الكرام
    ([1]) ، رضوان الله عليهم أجمعين.
    يجلسُ أحدنا في المسجد النبوي فتتداعى أمامه الآيات المدنية التي نزلت سواءٌ ههنا في هذا المسجد الشريف،
    أم في تلك الحجرات التي كانت تضم أطهر النساء، اللاتي امتنّ الله عليهن بقوله:
    ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) [الأحزاب: 34].

    تلك الحجرات بسيطة البناء .. صغيرة المساحة .. حجرات حين دخلها مَلِكٌ من ملوك العرب -وهو عدي بن حاتم-
    وقلّب بصرَه فيها، فلم ير فيها أكثرَ من فراش يضم زوجين وعلى وسادة صغيرة! ومشجباً تُعَلّقُ عليه الثياب..
    فلم يجد بُداً حين خرج أن قال: ليست هذه بيوت الملوك.. إنها بيوت الأنبياء ! فأسلم.

    هذه الحجرات ببساطتها وعظمتها في الوقت ذاته؛ لم تَفُتْ شاعرَ الإسلام حسانَ -وهو يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم-
    فقال:
    بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَا ** مِنْ اللَّهِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ
    ومن تلك الحجرات: حجرةُ الطاهرة المطهّرة عائشة رضي الله عنها، التي ضمّت الجسدَ الطاهر له صلى الله عليه وسلم،
    ثم قبْرَي صاحبيه رضي الله عنهما.

    يمرُّ بها المؤمنُ وتتبادرُ لذهنه فواتحُ سورة النور، التي نزل جزءٌ منها مبرئاً صاحبةَ تلك الحجرة، بأعظم براءةٍ تسمعُ بها أُذُن.
    وحينما يزور المحبُّ لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قبرَه الشريف، وقبرَيْ صاحبيه، وَزِيْرَيْ الصِدْقِ:
    أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ فإنه يغبطهما على تلك الكرامة العظيمة التي أكرمهما اللهُ بها دون غيرهما من
    الصحْب الكرام، إذْ لا يزور أَحَدٌ قبرَه صلى الله عليه وسلم ويسلِّم عليه إلا وسلّم عليهما ودعا لهما.

    وإن الذي اختار لنبيه أحسنَ الصحاب في الحياة الدنيوية؛ لم يختر له إلا أحسن الجوار في الحياة البرزخية.
    وحين يوفّق الإنسان لقراءة السور المدنية في المسجد الشريف، كسورةِ "المنافقون"، أو مطلع سورة "البقرة" أو "التوبة"
    أو "الفتح" أو "الحشر"؛ فإنه سيجد لها وقْعاً آخر.. حيث تمرُّ أمام ناظريه تلك الفلول المخذولة من أئمة المنافقين في هذه الأمة:
    ابن أُبيّ وأصحابه! ويتساءل: أين هُم الآن ؟ أين ذهبت مؤامراتهم ؟ أين انتهت مكائدُهم؟ لقد خلّد القرآنُ ذِكرهم بأسوأ الذِّكر!
    وآلَ أمرُهم إلى شر مصيرٍ ينتظره ميِّت ! وبقي دينُ الله - رغم مكائدهم ومؤامراتهم مع أعداء الملة- عزيزاً شامخاً،
    وسيبقى كذلك حتى يأتي أمر الله.

    مَن الذي يزورُ جبل أُحُدٍ ولا يتذكر عشرات الآيات التي نزلت في سورة آل عمران؟
    ما بين تذكيرٍ بمنة الله على الصحابة -رضوان الله عليهم- ببعثته صلى الله عليه وسلم، وعتابٍ على ما وقع مِن نزول الرُّماة،
    وحديثٍ عن منازل الشهداء عند ربهم.

    ومَن الذي يزور المدينة في وقت الشتاء، وفي ليلة شهباء([2])، ولا يتذكر مطلع سورة الأحزاب ؟ التي مايز الله
    فيها بين قلوب المؤمنين الذين
    ( صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)، والمنافقين الكاذبين الذين قالوا: ( مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا )
    ولم ينفعهم تحزّبهم مع أعداء الله من الوثنيين واليهود.

    وإذا ذُكِر المنافقون ذُكِر إخوانهم من أهل الكتاب -واليهود تحديداً- والذين أبدى القرآن في ذِكرهم وأعاد، فبقيت
    آياتُ الله ناطقةً بفجورهم، ونقضِهم للعهود، وخياناتهم المتكررة، بقيت هذه الآيات تتجلى لأهل القرآن عبر القرون،
    لا يطمسها مؤتَمر، ولا يمحوها بيان، ولا تتيه في خريطة طريقٍ يرسمها المجرمون المتغلبون!

    ويبقى لـ"طَيبة الطيِّبة" و"طابة"([3])، والمسجدِ النبويِّ مكانتهما العظيمة في نفس كل مسلمٍ أكرمه اللهُ باتباع
    هذا النبي الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، فإذا أتى تلك البقاعَ الطاهرة، التي يتضوّع منها أرَجُ الوحي الإلهي([4])،
    فليُمعن النظرَ وليُطِل التوقُّفَ، وليُحرِّك الذهنَ، وليَشحذ الذاكرةَ لتُعيدَه أربعةَ عشر قرْناً للوراء؛ فيتذكر كم
    بذل صلى الله عليه وسلم وأصحابُه الغالي والنفيس ليصل إلينا هذا الدين كما أراده الله.

    إن زيارة المدينة أو مكّة ليست مجرد سياحةٍ عابرةٍ يُجَدّدُ فيها نشاط البدن دون نشاط القلب، والموفَّق
    من رُزِقَ الأمرين معاً.


    -------------

    ([1]) تاج العروس (35/ 390):
    العِرْنينُ مِن كلِّ شيءٍ: أَوَّلُه.


    ([2]) الليلة الشهباء هي الليلة الباردة.

    ([3]) هكذا سمّاها النبي صلى الله عليه وسلم.
    انظر مثلاً: صحيح البخاري ح(1481)،
    ح(4589)، وصحيح مسلم ح(1384).


    ([4]) مقاييس اللغة (1/ 94):
    الْأَرَجُ وَالْأَرِيجُ رَائِحَةُ الطِّيبِ.



    ::
    كتبه : الشيخ عمر المقبل


    همسة :
    وأكتفي ؛ والقلوب في المدينة النبوية ..









  4. #26
    مشرفة قسم الوعظ والإرشاد وقسم القوارير وإستمتع بحياتك
    تاريخ التسجيل
    Apr 2012
    المشاركات
    1,141
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله فيكِ ونفع بك وجعل الله ماتقدميه في ميزان حسناتكِ


  5. #27
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    ^
    وعليكِ السلام ورحمة ورحمة الله وبركاته
    مرحبًا وحُييتِ مشرفتي وفاضلتي نور السومحي
    آمين وإيــــاكِ وفيكِ بارك الله عز وجل
    جزاكِ الله عنا خير الجزاء وبلَّغكِ الرضوان

    حفظكِ ربي ولا عدمنـــاكِ

  6. #28
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي التفكير بالمفقود







    التفكير بالمفقود ،،
    المشاهَد أن لغةَ التذمُّر من الزمن، ومِن الواقع المُعاش -سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي-
    ترتفع بشكل مستمر، ساعد على ذلك: مواقع التواصل الاجتماعي؛ التي صارت متَنَفَّساً للتعبير عن الظروف
    التي يمرّ بها أكثرُ الناس، خاصة ما يتعلق بالأقدار المؤلمة، والأحوال الاقتصادية السيئة.

    وبثُّ الشكوى قد يُخفِّف من الألم، على حد قول الشاعر:
    ولا بُدّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ ** يواسيك أو يسليكَ أو يتوجّعُ
    لكن ثمةَ طريقةٌ مجرّبة في التعاطي مع الظروف التي تمرّ بالإنسان، وهي ما يمكن تسميته بـ"التفكير بالمفقود"،
    وهو أسلوب ناجِع ومجرّب، وقد طبّقه العقلاءُ من المسلمين وغيرهم.

    وفي القصة المشهورة عن عروة بن الزبير (ت: 94هـ) ما يوضح المراد بشكل أدقّ؛ فقد ابتُلي عروةُ ـ رحمه الله ـ
    في وقتٍ واحدٍ بفَقد ولدٍ له، ركَلهَ حصانٌ فمات، وسرى داءُ الآكِلة إلى رجله فقُطعت! فأتته قريشٌ والأنصار يعزونه في ابنِه ورِجله؛
    فقال له عيسى بن طلحة بن عبيد الله: أبشر يا أبا عبد الله، قد صنع الله بك خيراً، والله ما بك حاجةٌ إلى المشي.
    قال: ما أحسن ما صنع اللهُ إلي! وهبَ لي سبعةَ بنين، فمتعني بهم ما شاء، ثم أخذ واحداً وترك ستةً، ووهب لي
    ست جوارح، فمتعني بهن ما شاء، ثم أخذ واحدة، وأبقى لي خمسةً -يدين ورجلاً وسمعاً وبصراً- ثم قال:
    اللهم لئن كنتَ أخذتَ لقد أبقيتَ، ولئن كنتَ ابتليتَ لقد عافيتَ ([1]).

    فتأمل في كلمات عروة ـ رحمه الله ـ إذْ نَسب المفقود إلى الموجود؛ فوجد أنه في خير عظيم، فلئن ذهب
    ولدٌ فلقد أبقى له ستة، ولئن ذهبت جارحة فلقد أبقى اللهُ له الكثير.

    لو أردنا أن نُعبّر عن هذه المصيبة على طريقة المتذمرين؛ لوجدنا أنه سيقارن نفسَه بمن لم يفقد أي جارحة، وبمن لديه
    أولاد أكثر منه، أو من لم يبتلوا بفَقْد أحدهم! وهذا كله لا يُجدي على صاحبه شيئاً، فلن يُعيد هذا التذمرُ عَجَلة الزمن،
    ولن يعيد له ولدَه ولا قَدَمَه، مع زيادةٍ في الهمّ والغمّ قد تُذهب الأجر وتَجلب الوزر -إن صحبه تسخط- وربما تبع ذلك
    مشاعر سلبية -من القلق والاكتئاب- تزيد الطينَ بلّة.

    إن هذا الأسلوب في التفكير ـ التفكير بالمفقود ـ يحتاج إليه الأبُ والزوجُ حين يكثر الإلحاحُ من داخل البيت على
    شراء الكماليات بدافع التقليد والمحاكاة للآخرين، وذلك بذِكر ما عندهم وفقَدَه الآخرون، وليس العكس؛
    مستشعراً قوله صلى الله عليه وسلم وهو يربي أمّتَه على التعامل مع ما يراه أحدنا من تميّز غيرنا علينا في أمر الدنيا:
    «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أَجدَر أن لا تزدروا نعمةَ الله عليكم»([2])،
    وهذا كلُّه ليس تهرباً من النفقة، ولكن لكبح جماح الرغبة في الشراء لمجرد الشراء والتقليد، وليس الحاجة.

    وهذا الأسلوب في طريقة التفكير، كما هو مفيد في التعامل مع أقدار الله المؤلمة؛ فهو مفيد أيضاً في باب التذكير والتنبيه
    على الفضائل، ومن الأمثلة على ذلك: أن أحد الإخوة أراد أن يتحدث عن فضل صلاة الجماعة؛ فقرَّر أن يغير طريقةَ
    الطرح المعتادة ـ مع أهميتها ـ ولكن هذه المرة بأسلوب "التفكير بالمفقود"، فذكر الفضائلَ المتعلقة بحضور الجماعة،
    وما الذي يخسره من لم يحضرها؟ ومن جملةِ ما ذَكر:

    إذا كان الذي يحضر الجماعةَ يَفضُل صلاةَ الفَذِّ بسبع وعشرين درجة؛ فهذا يعني أن الفذ "يفقد"
    مائة وخمسة وثلاثين درجة يومياً، وقرابة الألف درجة أسبوعياً!

    وإذا كان الذي يحضر الجماعةَ يناله هذا الفضل:
    «من غدا إلى المسجد، أو راح ([3])؛ أعدّ اللهُ له في الجنة نُزُلاً([4])كلما غدا أو راح»([5])،
    فكم نُزُلاً "يفقِد" المتخلفُ عنها يومياً؟([6])

    وإذا كان الذي يحضر الجماعة "لم يخط خطوة، إلا رُفعت له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة"([7])؛
    فكم سيفوت المتخلف عنها مِن رفعةٍ للدرجات وحطٍ للخطايا؟

    وهكذا، يمكن تفعيل هذا النوع من التفكير في نظرتنا لسائر أنماطنا في الحياة، فأنا واثق أن النتائج ستكون ـ
    بإذن الله ـ أكثر إيجابية، وأعظم نفعاً.


    -------------

    ([1]) ينظر: "التعازي" للمدائني (ص: 56).
    ([2]) رواه مسلم ح(2963).
    ([3]) أصل غدا: خرج بغدوة، أي مبكرًا.
    وراح: رجع بعشي،
    وقد يستعملان في الخروج مطلقًا توسعًا، وللحديث روايتين
    يتبين بهما أن المراد بالغدوّ: الذهاب، وبالرواح: الرجوع.
    انظر: شرح القسطلاني (2/ 33).

    ([4]) النُّزُل: ما يهيأ للضيف. انظر: كشف المشكل (3/ 402).
    ([5]) البخاري ح(662)، مسلم ح(669).
    النُّزُل: ما يُهيأ للضيف. انظر: كشف المشكل (3/ 402).

    ([6]) وهذا الفضل فقط لمن غدا أو راح! قال ابن بطال:
    "فما ظنك بما يُعِدُّ له ويتفضل عليه بالصلاة فى الجماعة واحتساب أجرها
    والإخلاص فيها لله تعالى!" شرح صحيح البخارى لابن بطال (2/ 285).

    ([7]) البخاري ح(647).



    ::
    كتبه : الشيخ عمر المقبل


    همسة :
    وأكتفي ؛ من رضي فله الرضا ..









  7. #29
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي قناة يوتيوبية







    قناة يوتيوبية ،،
    أثبتَ الجيلُ الجديد من الشباب وجوده بل وتأثيره في استخدام الإعلام الجديد
    للتعبير عن بعض همومه، وللحديثِ بالطريقة التي يراها مناسبةً لمخاطبةِ أقرانه من الشباب
    الذين يمثلون القطاع الأكبر من مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، متخففين بذلك من
    العقبات التي قد تواجهم في الإعلام التقليدي.


    عدّادُ الإحصاءات "اليوتيوبي" يؤكد أن أعدادَ المشتركين في القنوات الفردية لبعض الشباب تجاوزت
    ـ وبشكل مضاعف ـ أعدادَ المشتركين في القنوات اليوتيوبية التي تملكها قنواتٌ فضائيةٌ مشهورة،
    مشاهدوها بعشرات الملايين!


    وهذا كله مؤشر واضح على نجاح هؤلاء إعلامياً وفنيّاً ـ بغض النظر عن مضمون هذه القنوات ـ
    في مخاطبة هذه الطبقة من المجتمع، والتي هي من أصعب مراحل العمر، لكثرة ما يعتريها من
    تقلبات فسيولوجية ونفسية وفكرية.


    وبعد اطلاعي على مضامين بعض هذه القنوات، وجدتُ أن الهادفَ منها، أو الذي يجمع بين الترفيه
    والإفادة معاً قليل بالنسبة لباقي القنوات التي خلا أكثرها ـ وللأسف ـ من الجمع بين الترفيه والإفادة، بل
    بعضها تضمن محاذير شرعية واضحة، كالتهاون في إدراج الموسيقى، أو صور ومقاطع لنساء متبرجات،
    وأخطرُ من هذا بعض المضامين الفكرية الخطيرة التي تتضمنها بعض هذه المقاطع، من سخرية بالشعائر
    الدينية والأحكام الشرعية!


    ومع كثرةِ هذه القنوات التي تزداد يوماً بعد يوم، أردتُ أن أرسل هذه الرسالة إلى إخواني وأبنائي ملاك
    هذه القنوات والمقدّمين فيها، وإلى المشجعين لهم من المشتركين، والتي أرجو أن تصل إلى قلوبهم
    كما خرجت من قلبي، فأقول:


    - رؤيةُ آثار النجاح شيء يبعث على السرور، ويدفعُ للمزيد، فهل فكّرنا في مضمون ما نقدّم؟
    وأنه على أقلّ الأحوال لا يجلب لنا سيئاتٍ إذا أفضينا إلى ربنا تعالى، فإن ميزان النجاحِ والفوزِ هناك
    إنما هو برجحان الحسنات على السيئات فقط لا غير، لا شهرة، ولا كثرة مشتركين أو متابعين!
    {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}[آل عمران: 185].


    - الوصولُ إلى الناس، والرغبةُ في كثرة المشتركين لا يجوز أن تكون على حساب القفز على المسلمات
    والثوابت الدينية، ولا بإقحام المَشَاهِدِ التي فيها محاذير شرعية.


    - إن كلَّ مسلمٍ يكرهُ أن يعصي الله في نفسه، فضلاً عن أن يجلب لنفسه ملايين السيئات على حساب
    ملايين المشاهَدات ! والموفّق هو من يستولي عليه همّ رضى الله قبل همّ الأرقام المليونية للمشاهدات.


    وإني أعيذك بالله أن تكون سبباً في تجرئة فئام من الشباب والفتيات على الطعن في الثوابت، أو السخرية
    بالمسلَّمات بسبب مقطعٍ أو مشهدٍ من المشاهد، فإن هؤلاء لن ينفعوك إذا وقفت بين يدي ربك حافياً عارياً،
    بل سيكونون خصماء لك؛ لأنهم سيحتجون أمام الله عليك بأنك مَنْ دللتهم على ذلك، وأدَعُ لك المجال
    لتسبح في التفكر في الفرق بين هذين النموذجين اللذين ذكرهما نبيك صلى الله عليه وسلم بقوله:
    «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا،
    ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا
    »
    ([1]) ،
    فمن أي الفريقين تحب أن تكون؟.


    - هل فكرت ـ أخي ـ كم ستبقى هذه المقاطع بعد موتك؟ خمس أم عشر سنين؟ أم ربع قرن؟ أم كم؟
    ما الذي ستتمناه حين تُوَسّد في قبرك، وقد تركتَ خلفك هذه التركة من عشرات ومئات المقاطع؟


    - حاول ـ قبل أن تنشر أي مقطع ـ أن تجيب على بعض الأسئلة: هل هذا الذي سأقدمه يرضي الله؟
    هل سيكون في رصيد حسناتي أم سيئاتي؟ ما الذي سيضيفه للمجتمع والأمة؟ وإلا فاحفظ وقتك،
    وسخّر جهدك للأنفع.


    - سيأتي بعض الأنبياء يوم القيامة وليس معه أحد! وهو نبيٌّ مؤيد بالوحي، وهو على حق، وسيكون
    في أعلى منازل الجنّة! أرأيت؟ فميزان الرفعة عند الله في الدنيا والآخرة لا يركنُ إلى الأرقام؛
    بل إلى سلامة المنهج.


    والمقصود من هذا ليس دعوةً إلى ترك هذا الميدان، بل هي دعوة للنظر في مضامين ما نقدّم، وأن نعتني
    كثيراً بالنظر في المستقبل الأخروي قبل الدنيوي، فهو المستقبل الأبدي، وهو الذي لا يُخْفَضُ فيه من
    ارتفع، ولا يرتفعُ فيه من انخفض.




    -------------

    ([1]) مسلم : ح (2647 ).


    ::
    كتبه : الشيخ عمر المقبل


    همسة :
    ونتمتم ؛ ربِّ استعملنا في طاعتك ..









  8. #30
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي منعشات الروح







    منعشات الروح ،،
    في مجلسٍ من المجالسِ العابقةِ بأنفاسه صلى الله عليه وسلم؛ جاءته هديةٌ،
    يبدو من خلال قراءة كلام الراوي أنها غريبة وعزيزة، لقد كانت عبارة عن ثوب حرير!

    يقول الراوي: فجعلنا نلمسه، ونتعجب منه! لِمَ؟ إنهم الصحابة الذين تدثّر أغلبهم
    ألبِسةَ الفقر وشظفَ العيش.. فمِن أين لهم مثل هذه؟ لذا؛ فهم لما أبصروا المناديل
    لم يخفوا فرط اندهاشهم، وظهرَ ذلك الاستغرابُ على تصرفاتهم بشكل عفوي،
    صوّرها الراوي بقوله:
    "فجعلنا نلمسه"! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتعجبون من هذا؟))
    قلنا: نعم، قال:
    ((والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا))
    ([1]).
    هكذا يربي صلى الله عليه وسلم صحابتَه على التعلُّق بالآخرة، ويهتبل الفرص،
    ويغتنم المواقف للتذكير بها، والذي يورث تذكرُها والتعلقُ بها الزهدَ في الدنيا،
    ذلك الزهدُ الذي لا يُقْعِدُ عن عمارتها، بل يسير وفق المنهج القرآني:
    ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)
    [القصص: 77].

    إن هذا المنهج النبوي في التعليق بالآخرة؛ يُنعِش الروحَ التي تَنصب وتَتعب
    وهي تتطلع إلى بهرج الدنيا ومتاعها الزائل، تطلعاً يملأ القلبَ حسرةً على
    فوات ما يراه مما يتنعّم به أهلُ الملك والثراء الفاحش.

    ويكفي في تصور خطورةِ الانغماس في الدنيا تدبُّرُ هذه الآية العظيمة:
    ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا
    وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ
    فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
    [التوبة: 24].

    وأما الأثر الملموس للانغماس فيها فلا يحتاج لاستدلال كثير؛ فيكفي من آثاره:
    الغفلة عن الآخرة، وتشتت القلب وقسوته، وما يتبع ذلك من رِقّةٍ في الدين،
    وأمراض قلبية مهلكة؛
    كالشحّ والكذب، والاستهانة بالمكاسب المحرمة، والسعي للتصدر، واستعداء كل قوةٍ
    ممكنة ضد من يحول بينه وبين ذلك.

    ولأجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتنم كل فرصة مناسبة ليقرر هذه الحقيقة،
    ومن ذلك:
    أنه دخل السوق مرةً، فمرّ بجدْيٍ أَسَكَّ -أي: صغير الأذنين أو مقطوعهما-
    ميّت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: ((أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟))
    فقالوا:
    ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟)) قالوا:
    والله لو كان حياً؛ كان عيباً فيه، لأنه أسكّ، فكيف وهو ميت؟ فقال:
    ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم))
    ([2]).
    فانظر
    كيف استعمل النبيُّ المربي صلى الله عليه وسلم لأمته الحرير مرةً -وهو أنعم ما يكون-
    والجديَ الأسكّ مرةً أخرى -وهو شيء تنفر النفوس عنه-، كيف استخدمها وسيلةً إيضاحية؛
    لغرس
    القيمة التربوية، وذلك ما أدركته التربية الحديثة لاحقاً من أثر هذه الوسائل في ترسيخ المعاني!

    ويخرج صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون
    في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع،
    قال: ((اللهم إن العيش عيش الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره))
    ([3]).
    نعم كان صلى الله عليه وسلم يعلِّق قلوبَ أصحابه بالآخرة،
    ويزرع فيها الزهد في هذا المتاع الزائل، ويدفعهم دفعاً نحو حثِّ الخطى في السير إلى الله،
    لكن هل انتهت الحكايةُ عند مستوى الدفع نحو ذلك الطريق؟ لا، فقد كان من
    هديه صلى الله عليه وسلم الدفعُ والرفعُ: الدفعُ نحو الطريق، والرفع لمن مال عنه
    -وإن كان مسرعاً- ففي زمنه صلى الله عليه وسلم كان هناك ثلاثة نفرٍ سألوا عن
    عبادة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكأنهم تقالّوها، فقالوا:
    أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر!
    قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطِر!
    وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
    ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر،
    وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))
    ([4]).

    فما أجدر الآباء والمربين أن يسلكوا هذا المنهج مع مَنْ تحت أيديهم من الأبناء والنشء،
    خاصة في هذا العصر الذي أضحت وسائل الإعلام التقليدي والجديد تضخُّ من البرامج
    والأفلام والدعايات ما يُصادِم هذه القيمة الشرعية المتوازنة، بل صارت تُعَظِّمُ الدنيا في العين والقلب،
    فيبكي ويضحك لأجلها، ويحزن ويفرح لها، ويوالي ويعادي عليها، بل صار الطفل الصغير
    يتحدث عن أمانٍ دنيوية بحتة، لم يكن يتحدث فيها ابن الأربعين قبل عقدين من الزمان!

    حقاً إن حاجات الروح تتعارض في جملتها مع كثيرٍ من مترفات عصرنا المادي، الذي يدغدغ
    أجسادَنا بالنعيم الزائل، ويذَرُ أرواحنا ظامئةً تذروها الرياح!



    -------------

    ([1]) البخاري ح(3249) من حديث البراء،
    وفي مسلم ح(2469)
    من حديث أنس. رضي الله عنهما.


    ([2]) مسلم ح(2957).

    ([3]) البخاري ح(2834)، مسلم ح(1804).

    ([4]) البخاري ح(4776).



    ::
    كتبه : الشيخ عمر المقبل


    همسة :
    ونتمتم ؛ ربِّ اجعلنا من أهل الآخرة ..
    فلا عيش إلا عيش الآخرة









  9. #31
    الصورة الرمزية غــدَق
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    المشاركات
    7,771
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رمضان حياة







    رمضان حياة ،،
    الحياة كلمة جميلة، جُبلت النفوس على محبتها، "فكلنا يكره الموت"، لكن هذه الكلمة غالباً
    ما تنحصر عند كثيرين - عند سماعها - بحياة الأبدان ونعيمها، بيد أن نصوص القرآن والسنة،
    مع عنايتهما بمقومات حياة البدن ؛ إلا أن عنايتهما بحياة القلب أعظم وأشد:

    فقوت الروح أرواح المعاني *** وليس بأن طعمتَ ولا شربتا
    ومن هنا تبوأت العبادات القلبية مكانتها العالية في الشريعة، فرُكن الإحسان، وأركان الإيمان الستة،
    كلها عبادات قلبية، فضلاً عن بقية أعمال القلوب التي لا يعلم تفاصيلها إلا الله.

    وما مواسم الخير - ومن أجلّها رمضان - إلا نفحة من نفحات الرب الكريم؛ لتحيا القلوب
    بعد موتها، وتتعافى بعد مرضها، وتزداد حياة مع حياتها؛ لذا فإن الموفَّقين من عباد الله، من يبحثون بجِد
    عن جواب هذا السؤال: كيف يكون ""رمضان حياة""؟

    لقد ارتبط رمضان بالقرآن، والقرآن برمضان؛ فكانت الحياة!
    حياة الدنيا كلها منذ نزلت أول خمس آيات من القرآن:
    {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *
    عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}
    [العلق: 1 - 5
    وتَتابع الوحي، حتى اكتملت به الهداية، وتمت به النعمة.

    وكانت حياة القلوب:
    {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا }
    [الأنعام: 122]
    فاهتدت بالنور، وخرجت من رحم الظلام، ودياجير الجهل؛ فكانت الحياة.

    إذاً .. فرمضان لم ولن يكون حياً إلا بارتباط القلب بأصل حياته: وهو إقباله على ربه،
    وإخباته وخضوعه، ولن يتم هذا على الوجه الأكمل بدون التعلق بهذا القرآن: تلاوة وتدبراً.

    ولك أن تتأمل في مشهد من مشاهد الحياة في هذا الشهر العظيم، الذي لخّصه الفقيه الجليل،
    والصاحب الجليل عبدالله ابن عباس - رضي الله عنهما - بقوله:
    «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
    وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم القرآن،
    فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة»
    ([1]).
    هكذا، تلاقى أفضل رسولٍ مَلَكي مع أفضل رسولٍ بشري؛ ليتدارسوا هذا القرآن العظيم، فكانت
    الثمرات العظيمة، ولكلّ متأسٍ بهما نصيب من هذا الأثر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    سيكون ""رمضان حياة"" حينما نستشعر معنى وقوفنا بين يدي ربنا في صلاة التراويح، ونحن
    نستمع لكلام الله، وبقلبٍ مفتوحٍ يتلقى رسالاتِه، ويشعر أنه هو المخاطب بكل آية تقرع أذنه.

    سيكون ""رمضان حياة"" حينما تمتد أيدينا لتساعد محتاجاً، وتغيث ملهوفاً، ونبادر بذلك قبل
    أن يَسأل المحتاج؛ حفظاً لماء وجهه مِن ذلّ السؤال، ومرارة مدّ اليد.

    سيكون "رمضان حياة" حينما تَصِل ما انقطع من حبالٍ بينك وبين قرابتك؛ بكلمة طيبة، أو هدية ماسحة
    لغبار الهجر؛ لتحيي بذلك ما اندرس من معاني الصلة والمودة، وتغيض الشيطان الذي يفرح بالتحريش بين المؤمنين
    : {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}
    [الإسراء: 53].

    سيكون "رمضان حياة" حينما تبتهل ساعات الصفاء، ولين القلب؛ لترفع يديك بالدعاء لنفسك،
    ولمن له حق عليك من والد ومعلم ومحسنٍ سبق إليك إحسانُه، ولإخوانك المسلمين في كل مكان، خاصة مَنْ
    كان يعاني ما يعاني مِن ظلمٍ وجورٍ وتهجيرٍ وقتل، فلذلك لذة يجدها الإنسان، ويذوق معها معنى من معاني
    حياة القلب، فهو يدعو ولا ينتظر جزاء ولا شكوراً، بل هو ساعٍ في تحقيق العبودية لله بالدعاء،
    وتحقيق ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه -:
    ((ترى المؤمنين في
    تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم؛ كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى))
    ([2]).
    سيكون "رمضان حياة" حينما نشعر بأن قلوبنا فقيرة إن لم تغتنِ بالقرآن، وأنها مريضة إن لم
    تستشفِ
    بالقرآن، وضالة إن لم تهتد بالقرآن، وميتة إن لم تحيَ بالقرآن.

    وإن من الغبن البيِّن أن يكون رمضان وغيره من الأشهر سواء ! حين لا يكون رمضان لنا حياة!


    -------------
    ([1]) البخاري ح(1902)، مسلم ح(1803).

    ([2]) البخاري ح(6011) واللفظ له، مسلم ح(2586).



    ::
    كتبه : الشيخ عمر المقبل
    نقلته بتصرف بسيط

    همسة :
    ونتمتم ؛ ربِّ اجعلنا من أهل الحياة في رمضان ..









صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

المواضيع المتشابهه

  1. مجالس شرح الأربعين النووية لفضيلة الشيخ عمر المقبل حفظه الله (متجدد)
    بواسطة نبراس الجنة في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 32
    آخر مشاركة: 23-12-2013, 09:17 AM
  2. لئن أدركت رمضان ليَرينَّ اللهُ ما أصنع !! للشيخ عمر المقبل -حفظه الله تعالى-
    بواسطة إبراهيم العثمان في المنتدى ..][ مواسم الطاعات ][ ..
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 30-08-2011, 10:39 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •