K

جديد المنتدي

صفحة 36 من 36 الأولىالأولى ... 26343536
النتائج 386 إلى 391 من 391
  1. #386
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    مذهب أهل السنة والجماعة في القدر




    بينا لك مذاهب الذين ضلوا في القدر ، وأحب هنا أن أذكر مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ، وقد دون مذهبهم كثير من أهل العلم ، وأنا أسوق هنا ما دوَّنه ثلاثة من علمائهم .




    المطلب الأول
    شيخ الإسلام ابن تيمية يلخص مذهبهم





    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأجزل له المثوبة : " مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب ما دلَّ عليه الكتاب والسنة ، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان : وهو أنَّ الله خالق كلّ شيء ومليكه ، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسنا وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد .
    وأنه سبحانه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يكون شيء إلا بمشيئته وقدرته ، لا يمتنع عليه شيء شاءَه ، بل هو القادر على كل شيء ولا يشاء شيئاً إلا وهو قادر عليه .
    وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف يكون ، وقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها ، وقد قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم : قدر آجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وكتب ذلك ، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة .
    فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء ، وقدرته على كل شيء ، ومشيئته لكل ما كان ، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون ، وتقديره لها ، وكتابته إياها قبل أن تكون " (1) .
    " وسلف الأمة وأئمتها متفقون على أن العباد مأمورون بما أمرهم الله به ، منهيون عما نهاهم الله عنه ، ومتفقون على الإيمان بوعده ووعيده الذي نطق به الكتاب والسنة .
    ومتفقون على أنه لا حجّة لأحد على الله في واجب تركه ، ولا محرّم فعله ، بل لله الحجة البالغة على عباده ." (2) .
    " ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء ، وأنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، وأن العباد لهم مشيئة وقدرة ، يفعلون بقدرتهم ومشيئتهم ما أقدرهم الله عليه مع قولهم : إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله " (3) .




    المطلب الثاني
    عقيدة الإمام أبي بكر محمد الحسين الآجُرِّي في القدر





    قال رحمه الله : " مذهبنا في القدر أن نقول : إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق النار ، ولكل واحدة منهما أهل ، وأقسم بعزته أنه يملأ جهنم من الجِنَّة والناس أجمعين.
    ثم خلق آدم عليه السلام ،واستخرج من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة . ثم جعلهم فريقين : فريق في الجنة وفريق في السعير .
    وخلق إبليس ، وأمره بالسجود لآدم عليه السلام ، وقد علم أنه لا يسجد للمقدور ، الذي قد جرى عليه من الشقوة التي سبقت في العلم من الله عز وجل ، لا معارض لله الكريم في حكمه ، يفعل في خلقه ما يريد ، عدلاً من ربنا قضاؤه وقدره .
    وخلق آدم وحواء عليهما السلام ، للأرض خلقهما ، أسكنهما الجنة ، وأمرهما أن يأكلا منها رغداً ما شاءا ، ونهاهما عن شجرة واحدة أن لا يقرباها ، وقد جرى مقدوره أنهما سيعصيانه بأكلهما من الشجرة . فهو تبارك وتعالى في الظاهر ينهاهما ، وفي الباطن من علمه : قد قدر عليهما أنهما يأكلان منها ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] . لم يكن لهما بُدُّ من أكلهما ، سبباً للمعصية ، وسبباً لخروجهما من الجنة ، إذ كانا للأرض خلقاً ، وأنه سيغفر لهما بعد المعصية ، كل ذلك سابق في علمه ، لا يجوز أن يكون شيء يحدث في جميع خلقه ، إلا وقد جرى مقدوره به ، وأحاط به علماً قبل كونه أنه سيكون .
    خلق الخلق ، كما شاء لما شاء ، فجعلهم شقياً وسعيداً قبل أن يخرجهم إلى الدنيا ، وهم في بطون أمهاتهم ، وكتب آجالهم ، وكتب أرزاقهم ، وكتب أعمالهم ، ثم أخرجهم إلى الدنيا ، وكل إنسان يسعى فيما كُتِبَ له وعليه .
    ثم بعث رسله ، وأنزل عليهم وحيه ، وأمرهم بالبلاغ لخلقه ، فبلغوا رسالات ربهم ، ونصحوا قومهم ، فمن جرى في مقدور الله عز وجل أن يؤمن آمن ، ومن جرى في مقدوره أن يكفر كفر ، قال الله عز وجل : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير ) [ التغابن : 2 ] أحب من أراد من عباده ، فشرح صدره للإيمان والإسلام ، ومقت آخرين ، فختم على قلوبهم ، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلن يهتدوا أبداً ، يضل من يشاء ويهدي من يشاء ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] .
    الخلق كلهم له ، يفعل في خلقه ما يريد ، غير ظالم لهم ، جل ذكره عن أن ينسب ربنا إلى الظلم ، إنما يظلم من يأخذ ما ليس له بملك ، وأما ربنا عز وجل فله ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ، وما تحت الثرَّى ، وله الدنيا والآخرة ، جل ذكره ، وتقدست أسماؤه ، أحب الطاعة من عباده ، وأمر بها ، فجرت ممن أطاعه بتوفيقه لهم ، ونهى عن المعاصي ، وأراد كونها من غير محبته منه لها ، ولا للأمر بها ، تعالى الله عز وجل أن يأمر بالفحشاء ، أو يحبها ، وجل ربنا وعز أن يجري في ملكه ما لم يرد أن يجري ، أو شيء لم يحط به علمه قبل كونه ، قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم ، وبعد أن يخلقهم ، قبل أن يعملوا قضاء وقدراً .
    قد جرى القلم بأمره عز وجل في اللوح المحفوظ بما يكون ، من برّ أو فجور ، يثني على من عمل بطاعته من عبيده ، ويضيف العمل إلى العباد ، ويعدهم عليه الجزاء العظيم ، لولا توفيقه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاء ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) [ الحديد : 21 ] وكذا ذم قوماً عملوا بمعصيته ، وتوعدهم على العمل بها ، وأضاف العمل إليهم بما عملوا ، وذلك بمقدور جرى عليهم ، يضل من يشاء ، ويهدي من يشاء .
    قال محمد بن الحسين رحمة الله تعالى : هذا مذهبنا في القدر " (4) .




    المطلب الثالث
    عقيدة الطحاوي في القدر





    يقول الطحاوي رحمه الله في القدر : " خلق الخلق بعلمه ، وقدر لهم أقداراً وضرب لهم آجالاً ، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم ، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم ، وأمرهم بطاعته ، ونهاهم عن معصيته .
    وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ، ومشيئته تنفذ ، لا مشيئة للعباد ، إلا ما شاء الله لهم ، فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .
    يهدي من يشاء ، ويعصم ويعافي فضلاً ، ويضل من يشاء ، ويخذل ويبتلي عدلاً .
    وكلهم متقبلون في مشيئته بين فضله وعدله .
    وهو متعال عن الأضداد والأنداد ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا غالب لأمره .
    آمنا بذلك كله ، وأيقنا أن كلاً من عنده " (5) .
    " وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة ، وعدد من يدخل النار ، جملة واحدة ، لا يزاد في ذلك العدد ، ولا ينقص منه .
    وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه ، وكل ميسر لما خلق له ، والأعمال بالخواتيم ، والسعيد من سعد بقضاء الله ، والشقي من شقى بقضاء الله .
    وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه ، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان ، وسلم الحرمان ، ودرجة الطغيان ، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة ، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ، ونهاهم عن مرامه ، كما قال الله تعالى : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) [ الأنبياء : 23 ] .
    فمن سأل : لِمَ فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب ، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين .
    فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى ، وهي درجة الراسخين في العلم ، لأن العلم علمان : علم في الخلق موجود ، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر ، وادعاء العلم المفقود كفر ، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود ، وترك العلم المفقود .
    ونؤمن باللوح والقلم ، وبجميع ما فيه قد قدر ، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى في أنه كائن ، ليجعلوه غير كائن ، لم يقدروا عليه ، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه ، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه .
    وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه ، فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ، ليس فيه ناقض ، ولا معقب ، ولا مزيل ولا مغير ، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه ، وذلك من عقد الإيمان ، وأصول المعرفة ، والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته ، كما قال تعالى في كتابه : ( وخلق كل شيء فقدره تقديراً ) [ الفرقان : 2] . وقال تعالى : ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) [ الأحزاب :38 ] ، فويل لمن صار في القدر لله خصيماً ، وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً ، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً ، وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً " (6) .




    --------------------------------
    (1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/ 449 .
    (2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/452 .
    (3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/459 .
    (4) الشريعة للآجري : 150 – 152 .
    (5) العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الشيخ ناصر الدين الألباني : ص21 .
    (6) العقيدة الطحاوية : 31 .
    بارك الله لنا ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الذكر الحكيم،،،

  2. #387
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    أسباب الضلال في القدر




    والسبب في ضلال كل من القدرية النفاة والقدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءاً من الحقيقة وعمي عن جزء منها ، فكان مثله مثل الأعور الذي يرى أحد جانبي الشيء ، ولا يرى الجانب الآخر ، فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا : إن الله لا يريد الكفر والذنوب والمعاصي ولا يحبها ولا يرضاها ، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد وفيها الكفر والذنوب والمعاصي .
    والقدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء ، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبّه ورضيه .
    وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها ، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفرقين ، ونفوا الباطل الذي تلبس كل واحد منها .
    فهم يقولون : " إن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً ، فهو لا يحبها ، ولا يرضاها ولا يأمر بها ، بل يبغضها وينهى عنها " .
    وهذا قول السلف قاطبة ، فيقولون : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال : والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله ، وإن كان واجباً أو مستحباً .
    ولو قال : إن أحب الله ، حنث إن كان واجباً أو مستحباً .
    والمحققون من أهل السنة يقولون : الإرادة في كتاب الله نوعان :
    إرادة قدرية خلقية ، وإرادة دينية شرعية .
    فالإرادة الشرعية هي المتضمنة المحبة والرضا ، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات .
    فالإرادة الشرعية كقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة :185 ] ، وقوله : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) [ المائدة : 6 ] ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم - والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً - يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ) [ النساء : 26 - 28 ] وقوله : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) [ الأحزاب : 33 ] .
    فهذا النوع من الإرادة لا تستلزم وقوع المراد ، إلا إذا تعلق به النوع الثاني من الإرادة ، وهذه الإرادة تدل دلالة واضحة على أنه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر ، ولا يأمر بها ولا يرضاها ، وإن كان شاءَها خلقاً وإيجاداً .
    وأنه يحب ما يتعلق بالأمور الدينية ويرضاها ويثبت عليها أصحابها ، ويدخلهم الجنة ، وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وينصر بها العباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين (1) .
    وهذه الإرادة تتناول جميع الطاعات حدثت أو لم تحدث (2) .
    والإرادة الكونية القدرية هي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات ، التي يقال فيها : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وهذه الإرادة مثل قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) [ الأنعام : 125 ] . وقوله : ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم . إن كان الله يريد أن يغويكم ) [هود : 34 ] . وقوله : ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) [ البقرة : 253 ] . وقوله : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) [ الكهف : 39 ] .
    وهذه الإرادة إرادة شاملة لا يخرج عنها أحد من الكائنات ، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله ومشيئته هذه ، وهذه يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر ، و أهل الجنة وأهل النار ، وأولياء الله وأعداؤه ، وأهل طاعته الذين يحبهم ويحبونه ، ويصلي عليهم هو وملائكته ، وأهل معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم اللاعنون (3) .
    وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي دون ما لم يحدث منها (4) .
    والمخلوقات مع كل من الإرادتين أربعة أقسام :
    الأول : ما تعلقت به الإرادتان ، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة ، فإن الله أراده إرادة دين وشرع ، فأمره وأحبه ورضيه ، وأراده إرادة كون فوقع ، ولولا ذلك ما كان .
    والثاني : ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة ، فعصى ذلك الكفار والفجار ، فتلك كلها إرادة دين ، وهو يحبها ويرضاها وقعت أم لم تقع .
    والثالث : ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط ، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي ، فإنه لم يأمر بها ، ولم يرضها ، ولم يحبها ، إذ هو يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
    والرابع : ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه ، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي (5) .
    والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراً ما أراد الله به تشريعاً ، والعبد الشقي من أراد الله به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً ، وأهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله وحق الفقه ، ولم يضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، علموا أنَّ أحكام الله في خلقه تجري على وفق هاتين الإرادتين ، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراً ، ومن نظر إلى الشرع دون القدر ، أو نظر إلى القدر دون الشرع كان أعور ، مثل قريش الذين قالوا : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا ولا حرمنا من شيء ) [ الأنعام :148 ] . قال الله تعالى : ( كذالك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قُلْ هَلْ عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) [ الأنعام : 148 ] (6) .




    --------------------------------
    (1) راجع شرح الطحاوية : ص116 . ومجموع فتاوى شيخ الإسلام: 8/188 ، 58 .
    (2) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام 8/ 198 .
    (3) راجع : شرح الطحاوية : ص 116 ومجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8 /198 ، 58 .
    (4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/198 .
    (5) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/189 .
    (6) راجع مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 8/198 .


  3. #388
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    ثمار الإيمان بالقدر




    بينا من قبل أن عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام مبرأة عبر التخاذل والكسل والخمول الذي أصاب قطاعاً كبيراً من الأمة الإسلامية عبر العصور باسم الإيمان بالقدر ، والمسؤول عن ذلك هو انحراف المسلمين في باب القدر حيث لم يفقهوه على وجهه .
    ومن تأمل في عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام وجد لها ثماراً كبيرة طيبة ، كانت ولازالت سبباً في صلاح الفرد والأمة .
    وسنحاول أن نجلي بعض ثماره التي ظهرت خلال هذه الدراسة .


    1- الإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك :

    لقد زعم كثير من الفلاسفة أن الخير من الله، والشر من صنع آلهة من دونه ، وإنما قالوا هذا القول فراراً من نسبة الشر إلى الله تعالى (1) .
    والمجوس زعموا أن النور خالق الخير ، والظلمة خالقة الشر .
    والذين زعموا من هذه الأمة أن الله لم يخلق أفعال العباد ، أو لم يخلق الضال منها أثبتوا خالقين من دون الله .
    ولا يتم توحيد الله إلا لمن أقرَّ أن الله وحده الخالق لكل شيء في الكون ،وأن إرادته ماضية في خلقه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فكل المكذبين بالقدر لم يوحدوا ربهم ، ولم يعرفوه حق معرفته ، والإيمان بالقدر مفرق طريق بين التوحيد والشرك . فالمؤمن بالقدر يُقرُّ بأن هذا الكون وما فيه صادر عن إله واحد ومعبود واحد ، ومن لم يؤمن هذا الإيمان فإنه يجعل من الله آلهة وأرباباً .


    2- الاستقامة على منهج سواء في السراء والضراء :

    العباد بما فيهم من قصور وضعف لا يستقيمون على منهج سواء ، قال تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعاً - إذا مسه الشر جزوعاً - وإذا مسه الخير منوعاً - إلا المصلين ) [ المعارج : 19-22 ] .
    والإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء ، لا تبطره النعمة ، ولا تيئسه المصيبة ، فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم وحسنات من الله ، لا بذكائه وحسن تدبيره ( وما بكم من نعمة فمن الله ) [ النحل : 53 ]. ولا يكون حاله حال قارون الذي بغى على قومه ، واستطال عليهم بما أعطاه الله من كنوز وأموال : ( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وأتيناه من الكنوز ما إنَّ مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين - وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأَحسِن كما أَحسَنَ الله إليك ولا تبغِ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين - قال إنما أوتيته على علم عندي ) [ القصص : 76 –78 ] .
    فإذا أصاب العبد الضراء والبلاء علم أن هذا بتقدير الله ابتلاء منه ، فلا يجزع ولا ييأس ، بل يحتسب ويصبر ، فيكسب هذا الإيمان في قلب العبد المؤمن الرضا والطمأنينة ( ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير - لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم ) [ الحديد : 22-23 ] .
    وقد امتدح الله عباده : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا لله وإنا إليه راجعون - أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) [ البقرة : 156 –157 ] .


    3- المؤمن بالقدر دائماً على حذر :

    المؤمنون بالقدر دائماً على حذر ( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) [الأعراف : 99 ] فقلوب العباد دائمة التقلب والتغير ، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، والفتن التي توجه سهامها إلى القلوب كثيرة ، والمؤمن يحذر دائماً أن يأتيه ما يضله كما يخشى أن يختم له بخاتمة سيئة ، وهذا لا يدفعه إلى التكاسل والخمول ، بل يدفعه إلى المجاهدة الدائبة للاستقامة ، والإكثار من الصالحات ، ومجانبة المعاصي والموبقات .
    كما يبقى قلب العبد معلقاً بخالقه ، يدعوه ويرجوه ويستعينه ، ويسأله الثبات على الحق ، كما يسأله الرشد والسداد .


    4- مواجهة الصعاب والأخطار بقلب ثابت :

    إذا آمن العبد بأنَّ كل ما يصيبه مكتوب ، وآمن أن الأرزاق والآجال بيد الله ، فإنه يقتحم الصعاب والأهوال بقلب ثابت وهامة مرفوعة ، وقد كان هذا الإيمان من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في ميدان النزال غير هيابين ولا وجلين ، وكان الواحد منهم بطلب الموت في مظانه ، ويرمى بنفسه في مضائق يظن فيها هلكته ، ثم تراه يموت على فراشه ، فيبكي أن لم يسقط في ميدان النزال شهيداً ، وهو الذي كان يقتحم الأخطار والأهوال .
    وكان هذا الإيمان من أعظم ما ثُبَّت قلوب الصالحين في مواجهة الظلمة والطغاة ، ولا يخافون في الله لومة لائم ، لأنهم يعلمون أن الأمر بيد الله ، وما قدر لهم سيأتيهم .
    وكانوا لا يخافون من قول كلمة الحق خشية انقطاع الرزق ، فالرزق بيد الله ، وما كتبه الله من رزق لا يستطيع أحد منعه ، وما منعه الله لعبد من عبيده لا يستطيع أحد إيصاله إليه .




    --------------------------------
    (1) شفاء العليل : ص14 .

  4. شكراً شكر هذه المشاركة اسوتي النبي
    أعجبني معجب بهذه المشاركة اسوتي النبي
  5. #389
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي





    (((( ثم الكتاب بفضل الله ومنته ))))

  6. #390

    تاريخ التسجيل
    Aug 2017
    المشاركات
    2
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    شكرا علي الموضوع الرائع ننتظر المزيز
    سبحان الله وبحمده

  7. #391
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    شكر الله لك، وجزاك الله خيرا،،،

صفحة 36 من 36 الأولىالأولى ... 26343536

المواضيع المتشابهه

  1. كتاب : العقيدة الميسرة من الكتاب العزيز والسنة المطهرة
    بواسطة الواحة الخضراء في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 18-10-2015, 12:53 AM
  2. سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة
    بواسطة خالد العازمي في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 23-01-2014, 10:48 PM
  3. الدعاء من الكتاب والسنة
    بواسطة القعقـــاع في المنتدى منتـدى العلـم الشــرعي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 16-03-2013, 02:46 PM
  4. زبدة التفسيرللشيخ محمد سليمان الأشقر
    بواسطة عيسى سالم في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-10-2011, 11:52 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •