K

جديد المنتدي

صفحة 12 من 36 الأولىالأولى ... 2101112131422 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 122 إلى 132 من 391
  1. #122
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    صفات الرّسُل



    المبحث الأول
    البشرية



    جاءت حكمة العليم الخبير أن يكون الرسل الذين يرسلهم إلى البشر من البشر أنفسهم ( قل إنَّما أنا بشرٌ مثلكم ) [ الكهف : 110 ] .
    وسنجلي هذا الموضوع في أربعة مطالب .


    المطلب الأول
    أهلية البشر لتحمّل الرسالة

    الذين يستعظمون ويستبعدون اختيار الله بعض البشر لتحمّل الرسالة لا يقدرون الإنسان قدره ، فالإنسان مؤهل لتحمّل الأمانة العظمى ، أمانة الله التي أشفقت السماوات والأرض والجبال من حملها ، ( إنَّا عرضنا الأمانة على السَّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنَّه كان ظلوماً جهولاً ) [ الأحزاب : 72 ] .
    والذين استعظموا اختيار الله البشر رسلاً نظروا إلى المظهر الخارجي للإنسان ، نظروا إليه على أنه جسد يأكل ويشرب وينام ، ويمشي في الأرض لتلبية حاجاته ( وقالوا مال هذا الرَّسول يأكل الطَّعام ويمشي في الأسواق ) [ الفرقان : 7 ] ، ولم ينظروا إلى جوهر الإنسان ، وهو تلك الروح التي هي نفخة من روح الله ( فإذا سوَّيته ونفخت فيه من رُّوحي فقعوا له ساجدين ) [ الحجر : 29 ] . وبهذه الروح تميز الإنسان ، وصار إنساناً ، واستخلف في الأرض ، وقد أودعه الله الاستعداد للاتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته ، فلا عجب أن يختار الله واحداً من هذا الجنس ، صاحب استعداد للتلقي ، فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلّما غام عليهم الطريق ، وما يقدم به إليهم العون كلّما كانوا بحاجة إلى العون (1) ( قالت لهم رسلهم إن نَّحن إلاَّ بشرٌ مثلكم ولكنَّ الله يمنُّ على من يشاء من عباده ) [إبراهيم : 11].
    ثمَّ إنّ الرسل يُعدّون إعداداً خاصّاً لتحمُّل النبوة والرسالة ، ويصنعون صنعاً فريداً ( واصطنعتك لنفسي ) [ طه : 41 ] ، واعتبر هذا بحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، كيف رعاه الله وحاطه بعنايته على الرغم من يتمه وفقره ( ألم يجدك يتيماً فآوى – ووجدك ضالاً فهدى – ووجدك عائلاً فأغنى ) [ الضحى : 6-8 ] ، وقد زكّاه وطهّره، وأذهب عنه رجس الشيطان ، وأخرج منه حظّ الشيطان منذ كان صغيراً ، فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه ، فصرعه ، فشقّ عن قلبه ، فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظُّ الشيطان منك ، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه ، ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه (2) ، يعني ظئره ، فقالوا : إن محمداً قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللّون ، قال أنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره " (3) .
    وحدث قريب من هذا عندما جاءه جبريل يهيئه للرحلة الكبرى للعروج به إلى السماوات العلى ، ففي حديث الإسراء : (( فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم ، ففرج صدري ، ثمّ غسله من ماء زمزم ، ثمّ جاء بطست من مذهب ممتلئ حكمة وإيماناً ، فأفرغها في صدري ، ثم أطبقه " متفق عليه (4) .




    --------------------------------
    (1) في ضلال القرآن : 19/2552 .
    (2) أمه من الرضاع ، وهي حليمة السعدية .
    (3) صحيح مسلم : 162 .
    (4) صحيح البخاري : 349 ، وصحيح مسلم : 263 ، واللفظ لمسلم .

    بارك الله لنا ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الذكر الحكيم،،،

  2. #123
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    المطلب الثاني
    لِمَ لَمْ يكن الرسل ملائكة ؟


    لقد كثر اعتراض أعداء الرسل على بعثة الرسل من البشر ، وكان هذا الأمر من أعظم ما صدّ الناس عن الإيمان، ( وما منع النَّاس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلاَّ أن قالوا أبعث الله بشراً رَّسولاً ) [ الإسراء : 94 ] وعدّوا اتباع الرسل بسبب كونهم بشراً فيما جاؤوا به من عقائد وشرائع أمراً قبيحاًً ، وعدُّوه خسراناً مبيناً ( ولئِن أطعتم بشراً مثلكم إنَّكم إذاً لخاسرون ) [ المؤمنون : 34 ] ، ( فقالوا أبشراً منَّا واحداً نَّتَّبعه إنَّا إذاً لفي ضلالٍ وسعرٍ ) [ القمر : 24 ] ، وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم ، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولاً من الملائكة ، ( وقال الَّذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربَّنا ) [ الفرقان : 21 ] ، ( وقالوا مال هذا الرَّسول يأكل الطَّعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملكٌ فيكون معه نذيراً ) [ الفرقان : 7 ] .
    وعندما نتأمل النصوص القرآنية يمكننا أن نرّد على هذه الشبهة من وجوه :
    الأول : أن الله اختارهم بشراً لا ملائكة لأنّه أعظم في الابتلاء والاختبار ، ففي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم في صحيحه : (( إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك )) (1) .
    الثاني : أن في هذا إكراماً لمن سبقت لهم منه الحسنى ، فإن اختيار الله لبعض عباده ليكونوا رسلاً تكريم وتفضيل لهم ، ( أولئك الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين من ذريَّة آدم وممَّن حملنا مع نوحٍ ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممَّن هدينا واجتبينا .. ) [مريم : 58] .
    الثالث : أنّ البشر أقدر على القيادة والتوجيه ، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة ، يقول سيد قطب رحمه الله في هذا : " وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر ، واحد من البشر يحسّ بإحساسهم ، ويتذوق مواجدهم ، ويعاني تجاربهم ، ويدرك آلامهم وآمالهم ، ويعرف نوازعهم وأشواقهم ، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم ..، ومن ثمّ يعطف على ضعفهم ونقصهم ، ويرجو في قوتهم واستعلائهم ، ويسير بهم خطوة خطوة ، وهو يفهم بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم ، لأنّه في النهاية واحد منهم ، يرتاد بهم الطريق إلى الله ، بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق .
    وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة ، لأنّه بشر مثلهم ، يتسامى بهم رويداً رويداً ، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أنّ الله قد فرضها عليهم ، وأرادها منهم ، فيكون بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم ، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم ، ينقلونها سطراً سطراً ، ويحققونها معنى معنى ، وهم يرونها بينهم ، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها ، لأنها ممثلة في إنسان " (2) .
    الرابع : صعوبة رؤية الملائكة ، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة ، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة لا يدركون طبيعة الملائكة ، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك .
    فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل ، فالرسول صلى الله عليه وسلم مع كونه أفضل الخلق ، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعاني من اتصال الوحي به شدّة ، ولذلك قال في الردّ عليهم : ( يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين ) [ الفرقان : 22 ] ، ذلك أنّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب ، فلو قُدِّر أنهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم .
    فكان إرسال الرسل من البشر ضرورياً كي يتمكنوا من مخاطبتهم والفقه عنهم ، والفهم منهم ، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك . ( وما منع النَّاس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلاَّ أن قالوا أبعث الله بشراً رَّسولاً – قل لَّو كان في الأرض ملائكةٌ يمشون مطمئِنين لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رَّسولاً ) [ الإسراء : 94-95 ] فلو كان سكان الأرض ملائكة لأرسل الله إليهم رسولاً من جنسهم ، أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ) [ آل عمران : 164 ] .
    وإذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهولة فيقتضي هذا – لو شاء الله أن يرسل ملكاً رسولاً إلى البشر – أن يجعله رجلاً ( ولو جعلناه ملكاً لَّجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم مَّا يلبسون ) [ الأنعام : 9 ] فالله يخبر أنه " لو بعث رسولاً ملكياً ، لكان على هيئة رجل ، ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه ، ولو كان كذلك لالتبس الأمر عليهم " (3) .
    والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل ، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكاً ، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو ، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب ، لكون الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم .




    --------------------------------
    (1) صحيح مسلم : 2865 .
    (2) في ظلال القرآن: 19/2553 .
    (3) تفسير ابن كثير : 3/9 .


  3. #124
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    المطلب الثالث
    مقتضى بشرية الأنبياء والرسل

    مقتضى كون الرسل بشراً أن يتصفوا بالصفات التي لا تنفك البشرية عنها ، وهي :


    أولاً : يأكلون ويشربون وينامون ويتزوجون ويولد لهم :

    الرسل والأنبياء يحتاجون لما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب ، ويحدِثونَ كما يحدث البشر ، لأنّ ذلك من لوازم الطعام والشراب ، ( وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نُّوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون – وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطَّعام وما كانوا خالدين ) [ الأنبياء : 7-8 ] .
    ومن ذلك أنهم ولدوا كما ولد البشر ، لهم آباء وأمهات ، وأعمام وعمات ، وأخوال وخالات ، يتزوجون ويولد لهم ، ( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذريَّةً ) [ الرعد : 38 ] .
    ويصيبهم ما يصيب البشر من أعراض ، فهم ينامون ويقومون ، ويصحون ويمرضون، ويأتي عليهم ما يأتي على البشر وهو الموت ، فقد جاء في ذكر إبراهيم خليل الرحمن لربه : ( والَّذي هو يطعمني ويسقين – وإذا مرضت فهو يشفين – والَّذي يميتني ثمَّ يحيين ) [الشعراء : 79-81] . وقال الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم : ( إنَّك ميتٌ وإنَّهم مَّيتون ) [ الزمر : 30 ] ، وقال مبيناً أنّ هذه سنته في الرسل كلهم : ( وما محمَّدٌ إلاَّ رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل أفإن مَّات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) [ آل عمران : 144 ] وقد جاء في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم : " كان بشراً من البشر : يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه " (1) .
    وقد صح أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأمّ سُلَيم : " يا أم سُلَيم ، أما تعلمين أني شرطي على ربي ، أني اشترطت على ربي ، فقلت : إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ، فأيّما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل ، أن يجعلها طَهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة " (2) .


    ثانياً : تعرض الأنبياء للبلاء :

    ومن مقتضى بشرية الرسل أنّهم يتعرضون للابتلاء كما يتعرض البشر ، فقد يسجنون كما سجن يوسف ( قال رب السجن أحبُّ إليَّ ممَّا يدعونني إليه ) [ يوسف : 33 ] ، وذكر الله أنه ( فلبث في السجن بضع سنين ) [ يوسف : 42 ] ، وقد يصيبهم قومهم بالأذى وقد يدمونهم ، كما أصابوا الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة أحد فأدموه ، وكسروا رباعيته ، وقد يخرجونهم من ديارهم كما هاجر إبراهيم من العراق إلى الشام ، وكما هاجر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، وقد يقتلونهم ( أفكلَّما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذَّبتم وفريقاً تقتلون ) [ البقرة : 87 ] وقد يصابون بالأمراض ، كما ابتلى الله نبيّه أيوب فصبر ، وقد صحّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم : " أن نبيّ الله أيوب لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه .. " (3) .
    وكان من ابتلائه أن ذهب أهله وماله ، وكان ذا مال وولد كثير ، ( وأيُّوب إذ نادى ربَّهُ أني مسني الضرُّ وأنت أرحم الرَّاحمين – فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرٍ وآتيناه أهله ومثلهم مَّعهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدين ) [ الأنبياء : 83-84 ] .
    والأنبياء لا يصابون بالبلاء فحسب ، بل هم أشدُّ الناس بلاءً ، فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ الناس أشدُّ بلاءً ؟ قال : الأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه صلباً اشتدّ بلاؤه ، وإن كان في دينه رقَّة ابتلي على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة " (4) .
    ودخل أبو سعيد الخدري على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يوعك ، فوضع يده على الرسول صلى الله عليه وسلم فوجد حرّه بين يديه فوق اللحاف ، فقال : يا رسول الله ، ما أشدها عليك! ‍‍قال : " إنا كذلك ، يُضّعَّف علينا البلاء ، ويُضَعَّف لنا الأجر " ، قلت : يا رسول الله ، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً ؟ قال : " الأنبياء ، ثم الصالحون ، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر ، حتى ما يجد إلا العباءة التي يُحَوِّيها ، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء " (5) . (6) .


    ثالثاً : اشتغال الأنبياء بأعمال البشر :

    ومن مقتضى بشريتهم أنهم قد يقومون بالأعمال والأشغال التي يمارسها البشر ، فمن ذلك اشتغال الرسول صلى الله عليه وسلم بالتجارة ، قبل البعثة ، ومن ذلك رعي الأنبياء للغنم ، فقد روى جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال : (( كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجني الكَبَاث (7) ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " عليكم بالأسود منه ، فإنّه أطيبه " ، قالوا : أكنت ترعى الغنم ؟ قال : " وهل من نبي إلا وقد رعاها " رواه البخاري في صحيحه (8) .
    ومن الأنبياء الذين نصّ القرآن على أنهم رعوا الغنم نبيّ الله موسى عليه السلام ، فقد عمل في ذلك عدةّ سنوات ، فقد قال له العبد الصالح : ( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حججٍ فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشقَّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصَّالحين – قال ذلك بيني وبينك أيَّما الأجلين قضيت فلا عدوان عليَّ والله على ما نقول وكيلٌ ) [ القصص : 27-28 ] قال ابن حجر : والذي قاله الأئمة أن الحكمة في رعاية الأنبياء للغنم ليأخذوا أنفسهم بالتواضع ، وتعتاد قلوبهم بالخلوة ، ويترقوا من سياستها إلى سياسة الأمم (9) .
    ومن الأنبياء الذي عملوا بأعمال البشر داود عليه السلام ، فقد كان حدّاداً يصنع الدروع ، قال تعالى : ( وعلَّمناه صنعة لبوسٍ لَّكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ) [ الأنبياء : 80 ] ، كان حداداً ، وفي نفس الوقت كان ملكاً ، وكان يأكل مما تصنعه يداه .
    ونبي الله زكريا كان يعمل نجاراً ، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كان زكريا يعمل نجاراً " (10) .


    رابعاً : ليس فيهم شيء من خصائص الألوهية والملائكية :

    ومقتضى كونهم بشراً أنهم ليسوا بآلهة ، وليس فيهم من صفات الألوهية شيء ، ولذلك فإنّ الرسل يتبرَّؤون من الحول والطول ويعتصمون بالله الواحد الأحد ، ولا يَدَّعون شيئاً من صفات الله تعالى ، قال تعالى مبيناً براءة عيسى مما نسب إليه : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنَّاس اتَّخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت علَّام الغيوب – ما قلت لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربَّكم وكنت عليهم شهيداً مَّا دمت فيهم فلما توفَّيتني كنت أنت الرَّقيب عليهم وأنت على كل شيءٍ شهيد ) [ المائدة : 116-117 ] .
    هذه مقالة عيسى في الموقف الجامع في يوم الحشر الأكبر ، وهي مقولة صدق تنفي تلك الأكاذيب والترهات التي وصف بها النصارى عبد الله ورسوله عيسى فطائفة قالت : الله هو المسيح ابن مريم حلّ في بطن مريم ( لقد كفر الَّذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ابن مريم ) [ المائدة : 72 ] ، وأخرى قالت : هو ثالث ثلاثة ( لَّقد كفر الَّذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاثةٍ ) [ المائدة : 73 ] وطائفة ثالثة قالوا : هو ابن الله ، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً : ( وقالوا اتَّخذ الرَّحمن ولداً – لَّقد جئتم شيئاً إدّاً ) [ مريم : 88-89 ] .
    لقد غلا النصارى في عيسى غلواً عظيماً ، وهم بمقالتهم الغالية هذه يسبُّون الله أعظم سبّ وأقبحه ، فهم يزعمون : " أنّ ربَّ العالمين نزل عن كرسي عظمته ، فالتحم ببطن أنثى ، وأقام هناك مدةً من الزمان ، بين دم الطمث في ظلمات الأحشاء ، تحت ملتقى الأعكان ، ثمّ خرج صبياً رضيعاً يشبُّ شيئاً فشيئاً ، ويبكي ، ويأكل ، ويشرب ، ويبول، ويتقلب مع الصبيان ، ثمّ أودع المكتب بين صبيان اليهود ، يتعلم ما ينبغي للإنسان ، هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان ، ثمّ جعل اليهود يطردونه من مكان إلى مكان ، ثمّ قبضوا عليه وأحلوه أصناف الذلّ والهوان ، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجاً من أقبح التيجان ، وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان ، ثمّ ساقوه إلى خشبة الصلب مصفوعاً مبصوقاً في وجهه ، وهم خلفه وأمامه وعن شمائله والأيمان ، ثمّ أركبوه ذلك المركب الذي تقشعرُّ منه القلوب مع الأبدان ، ثمّ شدّت بالحبال يده مع الرجلان ، ثمّ خالطهما تلك المسامير ، التي تكسر العظام ، وتمزق اللحمان ، وهو يستغيث ، ويقول : ارحموني ، فلا يرحمه منهم إنسان ، هذا وهو مدبر العالم العلوي والسفلي ، الذي يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ، ثمّ مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوّان ، ثمّ قام من القبر وصعد إلى عرشه وملكه بعد أن كان ما كان " (11) .
    فأيّ سبّ أعظم من هذا السبّ الذي نسبوه إلى الباري جل وعلا ! وأي ضلال أعظم من هذا الضلال !.




    --------------------------------
    (1) أخرجه أحمد في مسنده : 43/263 (26194) ، والبخاري في الأدب المفرد : (541) من حديث عائشة رضي الله عنها ، وإسناد أحمد صحيح على شرط مسلم ( انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ، حديث رقم (671) .
    (2) صحيح مسلم : 2603 .
    (3) رواه أبو يعلى في مسنده ، وأبو نعيم في الحلية ، والضياء في المختارة ، وابن حبان في صحيحه ( انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: حديث رقم 17 ) .
    (4) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، وأحمد ، وابن ماجة وغيرهم ( سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم : 143 ) .
    (5) أخرجه ابن ماجة ، وابن سعد والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، وقال الشيخ ناصر : وهو كما قالا ( انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم : 144 ) .
    (6) إذا كان هذا حال الأنبياء فينبغي للصالحين أن يعتبروا بذلك ، ولا يظنون بالله غير الحق إذا أصابهم البلاء ، وعلى الذين يرمون الصالحين بالتهم الباطلة لأنهم أصيبوا بالبلاء أن يقصروا عن غيهم .
    (7) الكباث : ثمر الأراك ، ويقال ذلك للنضيج منه .
    (8) صحيح البخاري : 3406 . ومسلم : 2050 .
    (9) فتح الباري : (6/439) .
    (10) صحيح مسلم : 2379 .
    (11) هداية الحيارى ( انظر الجامع الفريد : ص479 ) .

  4. #125
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    المطلب الرابع
    الكمال البشري


    لا شكّ أن البشر يتفاوتون فيما بينهم تفاوتاً كبيراً في الخَلْق والخُلُق ، والمواهب ، فمن البشر القبيح والجميل وبين ذلك ، ومنهم الأعمى والأعور والمبصر بعينه ، والمبصرون يتفاوتون في جمال عيونهم وفي قوة أبصارهم ، ومنهم الأصم والسميع وبين ذلك ، ومنهم ساقط المروءة ، ومنهم ذو المروءة والهمة العالية .
    ولا شكّ أن الأنبياء والرسل يمثلون الكمال الإنساني في أرقى صوره ، ذلك أنّ الله اختارهم واصطفاهم لنفسه ، فلا بدّ أن يختار أطهر البشر قلوباً ، وأزكاهم أخلاقاً ، وأجودهم قريحة ، ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] .
    والكمال البشري يتحقق فيما يأتي :


    1- الكمال في الخلقة الظاهرة :

    لقد حذرنا الله تعلى من إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى ، ( يا أيَّها الَّذين آمنوا لا تكونوا كالَّذين آذوا موسى فبرَّأه الله ممَّا قالوا وكان عند الله وجيهاً ) [ الأحزاب : 69 ] .
    وقد بين لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن إيذاء بني إسرائيل لموسى كان باتهامهم إياه بعيب خلقي في جسده ، ففي صحيح البخاري (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنّ موسى كان رجلاً حيياً ستَّيراً لا يرى من جلده شيء استحياءً منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يستتر هذا التستر إلاّ من عيب بجلده (2) : إما برص ، وإمّا أُدْرة (3) ، وإمّا آفة ، وإنّ الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ، فخلا يوماً وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ، ثمّ اغتسل ، فلمّا فرغ ، أقبل إلى ثيابه ليأخذها ، وإنّ الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملا من بني إسرائيل فرأوه عرياناً ، أحسن ما خلق الله ، وأبرأه مما يقولون ، وقام الحجر ، فأخذ بثوبه فلبسه ، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه ، فوالله إنّ بالحجر لندباً من أثر ضربه ، ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً ، فذلك قوله : ( يا أيَّها الَّذين آمنوا لا تكونوا كالَّذين آذوا موسى فبرَّأه الله ممَّا قالوا وكان عند الله وجيهاً ) [ الأحزاب : 69 ] .
    قال ابن حجر العسقلاني معقباً على الحديث : " وفيه أن الأنبياء في خَلقهم وخُلُقهم، على غاية الكمال ، وأن من نسب نبيّاً إلى نقص في خلقته فقد آذاه ، ويخشى على فاعله الكفر " (4) .


    الصور الظاهرة مختلفة :

    ليس معنى كون الرسل أكمل الناس أجساماً أنهم على صفة واحدة صورة واحدة ، فالكمال الذي يدهش ويعجب متنوع وذلك من بديع صنع الواحد الأحد وكمال قدرته .
    وقد وصف لنا الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الأنبياء والرسل ، يقول صلى الله عليه وسلم : (( ليلة أسري بي رأيت موسى ، وإذا هو رجل ضَرْبٌ من الرجال ، كأنه من رجال شَنوءة )) (5) .
    وقال في عيسى : " ورأيت عيسى ، فإذا هو رجل ربعة أحمر ، كأنما خرج من ديماس " (6) .
    وقال فيه أيضاً : " ليس بيني وبينه نبيٌّ ، وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع ، إلى الحمرة والبياض ، ينزل بين ممصرتين ، كأن رأسه يقطر ، وإن لم يصبه بلل " (7) .
    وقد وصف لنا الصحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قولهم : " كان ربعة من القوم ، ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير ، أزهر اللون ، ليس بالأبيض الأمهق ، ولا بالآدم ، ليس بجعد قَطِطٍ ، ولا سَبْطٍ رَجِلٍ " (8) ، وقالوا فيه : " كان أحسن الناس .. ربعة ، إلى الطول ما هو ، بعيد ما بين المنكبين ، أسيل الخدين ، شديد سواد الشعر ، أكحل العينين ، أهدب الأشفار ، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ، ليس له أخمص ، إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة " (9) .
    وكان الرسول أشبه الناس بنبي الله إبراهيم كما أخبرنا عليه السلام بذلك (10) .


    2- الكمال في الأخلاق :

    لقد بلغ الأنبياء في هذا مبلغاً عظيماً ، وقد استحقوا أن يثني عليهم ربّ الكائنات فقد أثنى الله على خليله إبراهيم عليه السلام فقال : ( إنَّ إبراهيم لحليم أوَّاه مُّنيبٌ ) [هود : 75] .
    وقالت ابنة العبد الصالح تصف موسى : ( يا أبت استأجره إنَّ خير من استأجرت القويُّ الأمين ) [ القصص : 26 ] .
    وأثنى الله على إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد ، ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنَّه كان صادق الوعد وكان رسولاً نَّبيَّاً ) [ مريم : 54 ] .
    وأثنى الله – جلّ جلاله ، وتقدست أسماؤه – على خلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثناءً عطراً ، فقال : ( وإنَّك لعلى خلقٍ عظيمٍ ) [ القلم : 4 ] .
    فقد وصف الله – سبحانه – خلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأنّه عظيم ، وأكّد ذلك بثلاثة مؤكدات : أكّد ذلك بالإقسام عليه بنون والقلم وما يسطرون ، وتصديره بإنّ، وادخال اللام على الخبر .
    ومن خلقه الكريم صلى الله عليه وسلم الذي نوَّه الله به ما جبله عليه من الرحمة والرأفة ( لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رَّحيمٌ ) [ التوبة : 128 ] .
    وقد كان لهذه الأخلاق أثر كبير في هداية الناس وتربيتهم ، هذا صفوان ابن أميّة يقول : " والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض خلق الله إليّ ، فما زال يعطيني حتى إنّه من أحبِّ الناس إليّ " (11) .
    وفي صحيح مسلم عن أنس أنّ رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين فأعطاه إياه ، فأتى قومه فقال : أي قوم ، أسلموا ، فوالله إن محمداً ليعطي عطاءً ، ما يخاف الفقر " (12) .
    ولو لم يتصف الرسل بهذا الكمال الذي حباهم الله به لما انقاد الناس إليهم ، ذلك أن الناس لا ينقادون عن رضاً وطواعية لمن كثرت نقائصه ، وقلت فضائله .


    3- خير الناس نسباً :

    الرسل ذوو أنساب كريمة ، فجميع الرسل بعد نوح من ذريته ، وجميع الرسل بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم ، قال تعالى : ( ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريَّتهما النُّبوَّة والكتاب .. ) [ الحديد : 26 ] .
    ولذلك فإنّ الله – سبحانه – يصطفي لرسالته من كان خيار قومه في النسب ، وفي الحديث الذي يرويه البخاري ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً ، حتى كنت من القرن الذي كنت منه " (13) .
    وفي مسند أحمد وسنن الترمذي عن الرسول ، صلى الله عليه وسلم قال : (( أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، إنّ الله – تعالى – خلق الخلق فجعلني في خيرهم ، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ، ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ، ثمّ جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً ، فأنا خيركم بيتاً ، وخيركم نفساً )) (14) .
    وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشاً من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم )) (15) .


    4- أحرار بعيدون عن الرق :

    ومن صفات الكمال أنّ الأنبياء لا يكونون أرقاء . يقول السفاريني في هذا : " الرق وصف نقص لا يليق بمقام النبوة ، والتي يكون داعياً للناس آناء الليل وأطراف النهار ، والرقيق لا يتيسر له ذلك ، وأيضاً الرقّيَّة وصف نقص يأنف الناس ويستنكفون من اتباع من اتصف بها ، وأن يكون إماماً لهم وقدوة ، وهي أثر الكفر ، والأنبياء منزهون عن ذلك " (16) (17) .


    5- التفرد في المواهب والقدرات :

    الأنبياء أُعطوا العقول الراجحة ، والذكاء الفذ ، واللسان المبين ، والبديهة الحاضرة ، وغير ذلك من المواهب والقدرات التي لا بدّ منها لتحمل الرسالة ثم إبلاغها ومتابعة الذين تقبلوها بالتوجيه والتربية .
    لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحفظ ما يُلقى إليه ولا ينسى منه كلمة ( سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى ) [ الأعلى : 6 ] .
    وقد كانوا يعرضون دين الله للمعارضين ويفحمونهم في معرض الحجاج ، وفي هذا المجال أسكت إبراهيم خصمه ( فبهت الَّذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين ) [ البقرة : 258 ] ، وقال الله معقباً على محاججة إبراهيم لقومه : ( وتلك حجَّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ مَّن نَّشاء ) [ الأنعام : 83 ] .
    وموسى كان يجيب فرعون على البديهة حتى انقطع ، فانتقل إلى التهديد بالقوة ( قال فرعون وما ربُّ العالمين – قال ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما إن كنتم مُّوقنين – قال لمن حوله ألا تستمعون – قال ربُّكم وربُّ آبائكم الأوَّلين – قال إنَّ رسولكم الَّذي أرسل إليكم لمجنون – قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون – قال لئن اتَّخذت إلهاً غيري لأجعلنَّك من المسجونين ) [ الشعراء : 23-29 ] .


    6- الكمال في تحقيق العبودية :

    بيّنا الكمال الذي حبا الله به رسله في صورهم الظاهرة ، وأخلاقهم الباطنة ، والمواهب والسجايا التي أعطاهم إياها في ذوات أنفسهم ، وهناك نوع آخر من الكمال وفق الله رسله وأنبياءه لتحصيله ، وهو تحقيق العبودية لله في أنفسهم .
    فكلّما كان الإنسان أكثر تحقيقاً للعبودية لله تعالى ، كلَّما كان أكثر رقيّاً في سلّم الكمال الإنساني ، وكلما ابتعد عن تحقيق العبودية لله كلما هبط وانحدر .
    والرسل حازوا السبق في هذا الميدان ، فقد كانت حياتهم انطلاقة جادة في تحقيق هذه العبودية ، وهذا خاتم الرسل وسيد المرسلين يثني عليه ربّه في أشرف المقامات بالعبودية ، فيصفه بها في مقام الوحي ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) [ النجم : 10 ] ، وفي مقام إنزال الكتاب ( تبارك الَّذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ) [ الفرقان : 1 ] ، وفي مقام الدعوة ( وأنَّه لمَّا قام عبد الله يدعوه ) [ الجن : 19 ] ، وفي مقام الإسراء ( سبحان الَّذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الَّذي باركنا حوله .. ) [ الإسراء : 1 ] وبهذه العبودية التامة استحق صلوات الله وسلامه عليه التقديم على الناس في الدنيا والآخرة ، ولذلك فإن المسيح عليه السلام يقول للناس إذا طلبوا منه الشفاعة بعد طلبها من الرسل من قبله : " ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فقد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " (18) .
    وإليك صورة من صور هذه العبودية ترويها لنا أمّنا عائشة – رضي الله عنها – قالت رضي الله عنها وعن أبيها : " قلت : يا رسول الله ، كُلْ – جعلني الله فداك – متكئاً ، فإنّه أهون عليك ، فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض ، وقال : بل آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد " رواه البغوي في شرح السنة ، وابن سعد ، والإمام أحمد في الزهد (19) .


    7- الذكورة :

    ومن الكمال الذي حباهم به أنه اختار جميع الرسل الذين أرسلهم من الرجال ، ولم يبعث الله رسولاً من النساء يدلُّ على ذلك صيغة الحصر التي وردت في قوله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك إلاَّ رجالاً نُّوحي إليهم ) [ الأنبياء : 7 ] .


    الحكمة من كون الرسل رجالاً :

    كان الرسل من الرجال دون النساء لحكم يقتضيها المقام فمن ذلك :
    1- أنّ الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة ، ومخاطبة الرجال والنساء ، ومقابلة الناس في السرّ والعلانية ، والتنقل في فجاج الأرض ، ومواجهة المكذبين ومحاججتهم ومخاصمتهم، وإعداد الجيوش وقيادتها ، والاصطلاء بنارها ، وكل هذا يناسب الرجال دون النساء .
    2- الرسالة تقتضي قوامة الرسول على من يتابعه ، فهو في أتباعه الآمر الناهي ، وهو فيهم الحاكم والقاضي ، ولو كانت الموكلة بذلك امرأة لَمْ يتم ذلك لها على الوجه الأكمل ، ولاستنكف أقوام من الاتباع والطاعة .
    3- الذكورة أكمل كما بينا آنفاً ، ولذلك جعل الله القوامة للرجال على النساء ( الرجال قوَّامون على النساء ) [ النساء : 34 ] وأخبر الرسول – صلى الله عليه وسلم – أنّ النساء ناقصات عقل ودين .
    4- المرأة يطرأ عليها ما يعطلها عن كثير من الوظائف والمهمات ، كالحيض والحمل والولادة والنفاس ، وتصاحب ذلك اضطرابات نفسية وآلام وأوجاع ، عدا ما يتطلبه الوليد من عناية ، وكل ذلك مانع من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها .




    --------------------------------
    (1) رواه البخاري : 3404 ، ومسلم : 339 .
    (2) هذا يوحى بأن اغتسال بني إسرائيل عراة كان جائزاً في شريعتهم .
    (3) الأدرة بضم الهمزة وسكون الدال : انتفاخ الخصية .
    (4) فتح الباري : 6/438 .
    (5) أخرجه أحمد في ((المسند)) : 16/484 (10830) ، والبخاري : (3394) ، ومسلم بنحوه : (172) (178) ، وشنوءة حي من اليمن . وضَرْبٌ من الرجال : هو الخفيف اللحم الممشوق المستدق .
    (6) البخاري : 3394 ، والديماس : الحمام .
    (7) رواه أبو داود وأحمد ( انظر صحيح الجامع : 5/90 ) وقوله ( ممصرتين ) الممصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة . راجع لسان العرب : (3/493) مادة مصر .
    (8) رواه البخاري : 3547 ، 3548 ، ومسلم : 2347 .
    (9) رواه البيهقي ، انظر صحيح الجامع : (4-199) .
    (10) صحيح البخاري : 3394 .
    (11) صحيح مسلم : 2313 .
    (12) صحيح مسلم : 2312 .
    (13) رواه البخاري : 3557 .
    (14) رواه أحمد والترمذي : ( صحيح الجامع : 2/22 ) . وقد حسنه الترمذي : 3607 .
    (15) صحيح مسلم : 2276 .
    (16) لوامع الأنوار البهية : ص2/265 .
    (17) قد يعترض على هذا بأن رسول الله يوسف باعه الذين استنقذوه من البئر وبذلك أصبح عبداً ، والإجابة على ذلك أن العبودية هنا كانت نوعاً من الابتلاء ، وإلاّ فهو حر وقع عليه الظلم ، ولم تستمر هذه العبودية طويلاً ، وأبدله الله بها ملكاً .
    (18) صحيح البخاري : 6565 .
    (19) انظر صحيح جامع الصغير : (1/122) .

  5. #126
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    نبوّة النساء


    ذهب بعض العلماء (1) إلى أنّ الله أنعم على بعض النساء بالنبوة ، فمن هؤلاء أبو الحسن الأشعري والقرطبي وابن حزم (2) .
    والذين يقولون بنبوة النساء متفقون على نبوة مريم ، ومنهم من ينسب النبوة إلى غيرها ، ويعدّون من النساء النبيات : حواء وسارة وأمّ موسى وهاجر وآسية .
    وهؤلاء عندما اعترض عليهم بالآية التي تحصر الرسالة في الرجال دون النساء ، قالوا: نحن لا نخالف في ذلك ، فالرسالة للرجال ، أمّا النبوة فلا يشملها النصُّ القرآني ، وليس في نبوة النساء تلك المحذورات التي عددتموها فيما لو كان من النساء رسول ، لأنَّ النبوة قد تكون قاصرة على صاحبها ، يعمل بها ، ولا يحتاج إلى أن يبلغها إلى الآخرين .


    أدلتهم :

    وحجّة هؤلاء أن القرآن أخبر بأن الله تعالى أوحى إلى بعض النساء ، فمن ذلك أنه أوحى إلى أمّ موسى : ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادُّوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) [ القصص : 7 ] ، وأرسل جبريل إلى مريم فخاطبها ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثَّل لها بشراً سويّاً – قالت إني أعوذ بالرَّحمن منك إن كنت تقيّاً – قال إنَّما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً .. ) [ مريم : 17-19 ] وخاطبتها الملائكة قائلة : ( يا مريم إنَّ الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين – يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الرَّاكعين .. ) [ آل عمران: 42-43 ] .
    فأبو الحسن الأشعري يرى أنّ كلَّ من جاءه الملك عن الله – تعالى – بحكم من أمر أو نهي أو بإعلام فهو نبي (3) ، وقد تحقق في أمّ موسى ومريم شيء من هذا ، وفي غيرهما أيضاً ، فقد تحقق في حواء وسارة وهاجر وآسية بنصّ القرآن .
    واستدلوا أيضاً باصطفاء الله لمريم على العالمين ( واصطفاك على نساء العالمين ) [ آل عمران : 42 ] وبقوله صلى الله عليه وسلم : (( كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران ، وآسية امرأة فرعون )) (4) .
    قالوا : الذي يبلغ مرتبة الكمال هم الأنبياء .


    الردّ عليهم :

    وهذا الذي ذكروه لا ينهض لإثبات نبوة النساء ، والرد عليهم من وجوه :
    الأول : أنّا لا نسلم لهم أن النبيَّ غير مأمور بالتبليغ والتوجيه ومخالطة الناس ، والذي اخترناه أن لا فرق بين النبيّ والرسول في هذا ، وأنَّ الفرق واقع في كون النبي مرسل بتشريع رسول سابق .
    وإذا كان الأمر كذلك فالمحذورات التي قيلت في إرسال رسول من النساء قائمة في بعث نبي من النساء ، وهي محذورات كثيرة تجعل المرأة لا تستطيع القيام بحقّ النبوة.
    الثاني : قد يكون وحي الله إلى هؤلاء النسوة أم موسى وآسية .. إنّما وقع مناماً ، فقد علمنا أنّ من الوحي ما يكون مناماً ، وهذا يقع لغير الأنبياء .
    الثالث : لا نسلم لهم قولهم : إن كل من خاطبته الملائكة فهو نبي ، ففي الحديث أن الله أرسل ملكاً لرجل يزور أخاً له في الله في قرية أخرى ، فسأله عن سبب زيارته له ، فلمّا أخبره أنه يحبّه في الله ، أعلمه أنَّ الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبّه ، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة ، وقد جاء جبريل يعلم الصحابة أمر دينهم بسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة يشاهدونه ويسمعونه (5) .
    الرابع : أنّ الرسول – صلى الله عليه وسلم – توقف في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأنّ الله أوحى إليه ( قلنا يا ذا القرنين إمَّا أن تعذب وإمَّا أن تتَّخذ فيهم حسناً ) [الكهف : 86] .
    الخامس : لا حجّة لهم في النصوص الدالة على اصطفاء الله لمريم ، فالله قد صرح بأنّه اصطفى غير الأنبياء : ( ثمَّ أورثنا الكتاب الَّذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مُّقتصدٌ ومنهم سابق بالخيرات ) [ فاطر : 32 ] ، واصطفى آل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، ومن آلهما من ليس بنبيّ جزماً ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) [ آل عمران : 33 ] .
    السادس : لا يلزم من لفظ الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به النبوة ، لأنّه يطلق لتمام الشيء ، وتناهيه في بابه ، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء ، وعلى ذلك فالكمال هنا غير كمال الأنبياء .
    السابع : ورد في بعض الأحاديث النصّ على أن خديجة من الكاملات (6) وهذا يبين أن الكمال هنا ليس كمال النبوة .
    الثامن : ورد في بعض الأحاديث أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلاّ ما كان من مريم ابنة عمران (7) ، وهذا يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية ، لأنّ فاطمة ليست بنبيّة جزماً وقد نصَّ الحديث على أنها أفضل من غيرها ، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتان لكانتا أفضل من فاطمة .
    التاسع : وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها ، قال تعالى: ( مَّا المسيح ابن مريم إلاَّ رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل وأمُّه صديقةٌ كانا يأكلان الطَّعام ) [ المائدة : 75 ] فلو كان هناك وصفاً أعلى من ذلك لوصفها به ، ولم يأت في نصّ قرآني ولا في حديث نبويّ صحيح إخبار بنبوة واحدة من النساء .
    وقد نقل القاضي عياض عن جمهور الفقهاء أنّ مريم ليست بنبيّة ، وذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنّه نقل الإجماع على أنّ مريم ليست نبيّة (8) ، ونسبه في (( شرح المهذب )) لجماعة ، وجاء عن الحسن البصري : ليس في النساء نبيّة ولا في الجنّ (9) .




    --------------------------------
    (1) يزعم اليهود أن مريم أخت موسى وهارون كانت نبيّة ( لوامع الأنوار البهية : 6/266 ) .
    (2) انظر فتح الباري : 6/447 – 448 ، 6/473 ، وانظر لوامع الأنوار البهية : 2/266 .
    (3) فتح الباري : 6/447 .
    (4) صحيح البخاري : 3769 . وصحيح مسلم : 2431 .
    (5) ارجع في هذه النصوص ، والنصوص المشابهة لها إلى الجزء الثاني من سلسلة مجموعة عقيدة المسلم للأستاذ .د . عمر الأشقر : ( عالم الملائكة الأبرار ) .
    (6) الحديث أخرجه ابن مردويه ، انظر البداية والنهاية : (2/61) .
    (7) رواه أحمد وإسناده جيد ، ( فتح الباري : 6/477 ) .
    (8) الإجماع لا يتم بعد معرفة من خالف في ذلك من العلماء إلا أن يكون إجماعاً سابقاً على هذا الخلاف .
    (9) فتح الباري : 6/471 ، 473 .

  6. #127
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    أمور تفرّد بها الأنبياء




    تفرد الأنبياء والرسل على غيرهم من البشر بالأمور التالية :


    1- الوحي :

    خصّ الله الأنبياء دون سائر البشر بوحيه إليهم ، قال تعالى : ( قل إنَّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليَّ أنَّما إلهكم إله واحد ) [ الكهف : 110 ] .
    وهذا الوحي يقتضي عدة أمور يفارقون بها الناس ، فمن ذلك تكليم الله بعضهم ، واتصالهم ببعض الملائكة ، وتعريف الله لهم شيئاً من الغيوب الماضية أو الآتية ، وإطلاع الله لهم على شيء من عالم الغيب .
    فمن ذلك الإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ، والعروج به إلى السماوات العُلى ، ورؤيته للملائكة والأنبياء ، وإطلاعه على الجنّة والنار ، ومن ذلك سماعه للمعذبين في قبورهم ، وفي الحديث عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر )) (1) .
    وعن أيوب قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس فسمع صوتاً ، فقال : " يهود تعذب في قبورها " (2) .


    2- العصمة :

    وقد خصصنا لهذا الأمر فصلاً مستقلاً .


    3- الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم :

    ومما اختصهم الله تعالى به أنّ أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام ، فعن أنس في حديث الإسراء : " والنبيُّ نائمة عيناه ، ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم " رواه البخاري في صحيحه (3) ، وهذا وإن كان من قول أنس إلا أن مثله لا يقال من قبل الرأي كما يقول ابن حجر (4) ، وقد ورد هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد صحّ عنه أنّه قال : " إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا " ، وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه : " إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي " (5) .


    4- تخيير الأنبياء عند الموت :

    مما تفرد به الأنبياء أنّهم يخيَّرون بين الدنيا والآخرة ، فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من نبي يمرض إلاّ خيّر بين الدنيا والآخرة " ، وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحّة شديدة ، فسمعته يقول : ( مع الَّذين أنعم الله عليهم من النَّبيين والصديقين والشُّهداء والصَّالحين ) [ النساء : 69 ] فعلمت أنه خيَّر (6) .
    وقد سبق أن أوردنا حديث تخيير ملك الموت لموسى وضرب موسى لملك الموت وقلع عينه (7) .


    5- لا يقبر نبي إلا حيث يموت :

    ممّا خص به الأنبياء بعد موتهم أمور تتعلق بهم في القبر ، منها :
    الأول : أنّه لا يقبر نبيٌّ إلاّ في الموضع الذي مات فيه ، ففي الحديث : " لم يقبرني نبيٌّ إلا حيث يموت " (8) ولهذا فإنّ الصحابة – رضوان الله عليهم – دفنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة حيث قبض .


    6- لا تأكل الأرض أجسادهم :

    ومن إكرام الله لأنبيائه ورسله أنّ الأرض لا تأكل أجسادهم ، فمهما طال الزمان وتقادم العهد تبقى أجسادهم محفوظة من البلى ، ففي الحديث " إنّ الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " (9) .
    ويذكر أهل التاريخ قصة فيها عجب وغرابة ، روى ابن كثير في البداية والنهاية (10) عن يونس بن بكير قال : لما فتحنا تستر [ مدينة في فارس ] وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف ، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر ، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية ، فأنا أوّل رجل من العرب قرأه ، قرأته مثل ما اقرأ القرآن هذا .
    فقلت لأبي العالية : ما كان فيه ؟ قال : سيركم وأموركم ولحون كلامكم ، وما هو كائن بعد .
    قلت : فما صنعتم بالرجل ؟ قال حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة ، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلّها ، لنعميه على الناس فلا ينبشونه (11) .
    قلت : فما يرجون منه ؟ قال : كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون .
    قلت : من كنتم تظنون بالرجل ؟ قال : رجل يقال له دانيال .
    قلت : مذ كم وجدتموه ؟ قال : قد مات منذ ثلاثمائة سنة .
    قلت : ما تغير منه شيء ؟ قال : لا إلاّ شعرات من قفاه ، إن لحوم الأنبياء لا يبليها الأرض ، ولا تأكلها السباع .
    قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية .
    ويبدو أن هذا من أنبياء بني إسرائيل ، وقد ظنَّ الصحابة أنّه دانيال ، لأنّ دانيال أخذه ملك الفرس ، فأقام عنده مسجوناً ، ويبدو أنَّ تقدير الذين وجدوه لم يكن صواباً ، فإنّ دانيال كان قبل الإسلام بثمانمائة سنة ، فإن كان تقديرهم صواباً فليس بنبي ؛ لأنّه لا نبي بين عيسى ورسولنا محمد عليهما الصلاة والسلام ، فيكون عبداً صالحاً ليس بنبي ، وكونه نبياً أرجح ، لأنّ الذين تحفظ أجسادهم هم الأنبياء دون غيرهم ، ويرجح هذا أيضاً ذلك الكتاب الذي وجد عند رأسه ، لا شكّ أنه كتاب نبيّ ، فالأمور الغيبيّة التي تضمنها لا تكون إلا وحياً سماوياً ، وترجيحنا لكونه من بني إسرائيل لأمرين :
    الأول : ظن الصحابة أنّه دانيال ، ويكونون قد علموا ذلك من قرائن لم تذكر .
    والثاني : الكتاب الذي وجد عند رأسه ، ويبدو أنه كان مكتوباً بالعبرانية ، لأنّ الذي ترجمه هو أبيّ بن كعب ، وقد كان قبل إسلامه يهودياً .


    7- أحياء في قبورهم :

    صحَّ عن النبيَّ أنّ " الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون " (12) ، وروي أيضاً أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " مررت على موسى ليلة أسري به عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره " (13) .
    وروى مسلم عن أبي هريرة في قصة الإسراء : " وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فإذا موسى قائم يصلي .. ، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي ، وإذا إبراهيم قائم يصلي " (14) .




    --------------------------------
    (1) صحيح مسلم : 2868 .
    (2) صحيح البخاري : 1375 ، وصحيح مسلم: 2689 ، واللفظ لمسلم .
    (3) صحيح البخاري : 3570 .
    (4) فتح الباري : 6/579 .
    (5) رواه ابن سعد وابن حبان : ( انظر صحيح الجامع الصغير : 3/55) .
    (6) رواه البخاري : 4586 .
    (7) انظر كتاب أ.د. عمر الأشقر : عالم الملائكة من هذه السلسلة .
    (8) رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح : ( انظر صحيح الجامع الصغير : 5/46 ) .
    (9) رواه أبو داود : (1531) وعزاه ابن حجر أيضاً إلى النسائي وصححه ابن خزيمة وغيره ( انظر فتح الباري : 6/488 ) .
    (10) البداية والنهاية : (2/40) .
    (11) وهذا يدل على فقه المسلمين في ذلك الوقت ، فإنّ إكرام الميت دفنه ، سواء أكان نبياً أم غير نبي ، وحفرهم القبور الكثيرة لتعمية أمره على الناس حتى لا ينبشوا قبره ، وفي ذلك إيذاء لهذا النبي الكريم، وقد يتخذون قبره عيداً ، ويقيمون عليه مسجداً ، ويقصدونه بالدعاء والتبرك كما يفعل كثير من الذين ضلوا عن سواء الصراط في كثير من ديار الإسلام .
    (12) رواه الجماعة عن أنس ( انظر صحيح الجامع 2/414 ) .
    (13) صحيح مسلم : 2375 .
    (14) صحيح مسلم : 172 .

  7. #128
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    عِصمَة الرّسُل




    هل الرسل معصومون عن الخطأ والمعصية ، وهل هي عصمة عامّة شاملة ؟ هذا ما سنحاول بيانه في هذا الفصل .


    المبحث الأول
    العِصمة في التحمّل وفي التبليغ


    اتفقت الأمة على أنَّ الرسل معصومون في تحمّل الرسالة (1) ، فلا ينسون شيئاً مما أوحاه الله إليهم إلاّ شيئاً قد نُسخ ، وقد تكفل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقرئه فلا ينسى شيئاً مما أوحاه إليه ، إلا شيئاً أراد الله أن ينسيه إياه : ( سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى – إلاَّ ما شاء الله ) [ الأعلى : 6-7 ] ، وتكفل له بأن يجمعه في صدره : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به – إنَّ علينا جمعه وَقُرْآنَهُ – فإذا قَرَأْنَاهُ فاتَّبع قُرْآنَهُ ) [ القيامة : 16-18 ] .
    وهم معصومون في التبليغ ، فالرسل لا يكتمون شيئاً ممّا أوحاه الله إليهم ، ذلك أن الكتمان خيانة ، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك ، قال تعالى : ( يا أيُّها الرَّسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته ) [ المائدة : 67 ] ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير لما أوحاه الله ، فإن عقاب الله يحلّ بذلك الكاتم المغيّر ( ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل – لأخذنا منه باليمين – ثمَّ لقطعنا منه الوتين ) [ الحاقة : 44-46 ] .
    ومن العصمة ألاّ ينسوا شيئاً مما أوحاه الله إليهم ، وبذلك لا يضيع شيء من الوحي، وعدم النسيان في التبليغ داخل في قوله تعالى : ( سَنُقْرِؤُكَ فلا تنسى ) [ الأعلى : 6 ] وما يدل على عصمته في التبليغ قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى – إن هو إلاَّ وحي يوحى ) [ النجم : 3-4 ] .


    عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من القتل :

    عصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من القتل حتى يبلغ رسالة ربه ، قال تعالى : ( يا أيُّها الرَّسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لَّم تفعل فما بلَّغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] ، قال سفيان الثوري فيما نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية : " بلغ أنت رسالتي ، وأنا حافظك ، وناصرك ومؤيدك على أعدائك ، ومظفرك بهم ، فلا تخف ولا تحزن ، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك " (2). وقد أورد ابن كثير في تفسيره هذه الآية الأحاديث التي تفيد أنّ الصحابة كانوا يحرسون الرسول صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية ، فلما نزلت ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس (3) .
    وقد جعل اليهود في شاة مصلية أهدتها يهودية لرسول الله صلى الله عليه وسلم سمّاً لتقتله ، فلما سألهم عما حملهم على ذلك قالوا : " أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك ، وإن كنت صادقاً لم يضرك " رواه البخاري (4) .
    ولما سأل المرأة قالت : " أردت قتلك " فقال : ما كان الله ليسلطك على ذلك " رواه البخاري ومسلم وأبو داود (5) .
    فقد عصم الله رسوله أن يقتله السم ، وأكل معه بعض أصحابه فماتوا كما أفادته بعض الأحاديث التي روت الواقعة .


    عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من الشيطان :

    وعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الشيطان ، وقد أعان الله رسوله على قرينه الشيطان فأسلم ، فلا يأمره إلا بخير ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ، قالوا : وإياك ؟ قال : وإياي ، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير " (6) وفي حديث عائشة أنه سمى القرين شيطاناً (7) .




    --------------------------------
    (1) نقل الإجماع على العصمة في هذا أكثر من واحد انظر : مجموع الفتاوى 10/291 ، ولوامع الأنوار البهية : (2/304) .
    (2) تفسير ابن كثير : 3/1205 .
    (3) المصدر السابق : 3/1206 .
    (4) جامع الأصول : 11/326 . ورقمه فيه : 1886 .
    (5) جامع الأصول : 11/327 ، ورقمه فيه : 327 .
    (6) صحيح مسلم : (2814) .
    (7) صحيح مسلم: (2815) .


  8. #129
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    المبحث الثاني
    عدم العصمة من الأعراض البشريّة كالخوف والنسيان


    الأعراض البشرية كالخوف والغضب والنسيان تقع من الرسل والأنبياء ، وهي لا تنافي عصمتهم والأمثلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة ، فمن ذلك :


    1- خوف إبراهيم عليه السلام من ضيوفه :

    أوجس إبراهيم عليه السلام في نفسه خيفة عندما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى الطعام الذي قدمه لهم ، ولم يكن يعلم أنّهم ملائكة تشكلوا في صور البشر ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ) [ هود : 70 ] .


    2- عدم صبر موسى عليه السلام على تصرفات العبد الصالح :

    وموسى وعد الخضر بأن يصبر في صحبته له ، فلا يسأله عن أمر يفعله العبد الصالح حتى يحدث له منه ذكراً ، ولكنه لم يتمالك نفسه ، إذ رأى تصرفات غريبة ، فكان في كل مرّة يسأل أو يعترض أو يوجه (1) ، وفي كل مرّة يذكّره العبد الصالح ويقول له : ( قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ) [ الكهف : 75 ] . وعندما كشف له عن سر أفعاله قال له: ( ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ) [ الكهف : 82 ] .


    3- تصرفات موسى عليه السلام عندما رأى قومه يعبدون العجل :

    وغضب موسى غضباً شديداً ، وأخذ برأس أخيه يجره إليه ، وألقى الألواح وفي نسختها هدى – عندما عاد إلى قومه بعد أن تمّ ميقات ربه ، فوجدهم يعبدون العجل ، ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) [ الأعراف : 150 ] وفي الحديث : " ليس الخبر كالمعاينة ، إنَّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل ، فلم يلق الألواح ، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت " (2) .


    4- نسيان آدم وجحوده :

    ومن ذلك نسيان آدم عليه السلام وجحوده ، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كلٍّ منهم وبيصاً من نور ، ثمّ عرضهم على آدم ، فقال : أي ربِّ مَن هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك ، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي ربّ من هذا ؟ فقال : هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك ، يقال له داود ، فقال : ربِّ كم جعلت عمره ؟ قال : ستين سنة ، قال : أي ربِّ زده من عمري أربعين سنة ، فلما انقضى عمر آدم ، جاءه ملك الموت ، فقال : أو لم يبق من عمري أربعون سنة ، قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟ قال : فجحد آدم ، فجحدت ذريته ، ونسي آدم ، فنسيت ذريته ، وخطئ آدم فخطئت ذريته " (3) .


    5- نبي يحرق قرية النمل :

    ومن ذلك ما وقع من نبي من الأنبياء غضب إذ قرصته نملة ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فعاتبه الله على ذلك ، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرة ، فلدغته نملة ، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ، ثمّ أمر ببيتها فأحرق بالنار ، فأوحى الله إليه : فهلاّ نملة واحدة " (4) .


    6- نسيان نبينا صلى الله عليه وسلم وصلاته الظهر ركعتين :

    ومن ذلك نسيان الرسول صلى الله عليه وسلم في غير البلاغ ، وفي غير أمور التشريع ، فمن ذلك ما رواه ابن سيرين عن أبي هريرة قال : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إحدى صلاتي العشيّ (5) ، فصلى ركعتين ، ثمّ سلّم ، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد ، فاتكأ عليها كأنّه غضبان ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ، وشبّك بين أصابعه ، ووضع خدّه الأيمن على ظهر كفه اليسرى ، وخرجت السرعان من أبواب المسجد ، فقالوا : قصرت الصلاة ، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يكلماه .
    وفي القوم رجل يقال له ذو اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال : لم أنس ، ولم تقصر ، فقال : أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم . فتقدم فصلّى ما ترك ، ثمّ سلّم ، ثمّ كبّر ، وسجد مثل سجود أو أطول ، ثمّ رفع رأسه وكبّر ، وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثمّ رفع رأسه وكبّر ، فربما سألوه ، ثمّ سلّم ، فيقول : أنبئت أنّ عمران بن حصين ، قال : ثمّ سلّم " متفق عليه ، وليس لمسلم فيه وضع اليد على اليد ولا التشبيك .
    وفي رواية ، قال : " بينما أنا أصلّي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلّم من ركعتين ، فقام رجل من بني سليم ، فقال : يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ " وساق الحديث ، رواه أحمد ومسلم .
    وهذا يدل على أنّ القصة كانت بحضرته وبعد إسلامه .
    وفي رواية متفق عليها لما قال : " لم أنس ولم تقصر ، قال : بلى ، قد نسيت " وهذا يدل على أن ذا اليدين تكّلم بعدما علم عدم النسخ كلاماً ليس بجواب سؤال (6) .
    وقد صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بطروء النسيان عليه كعادة البشر ، ففي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ولكنّي إنّما أنا بشر ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني " (7) قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات .
    أمّا الحديث الذي يروى بلفظ : " إني لا أنسى ، ولكن أُنسَّى لأسنّ " فلا يجوز أن يعارض به الحديث السابق ، لأنّ هذا الحديث – كما يقول ابن حجر – لا أصل له ، فإنّه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد (8) .




    --------------------------------
    (1) كانت المرة الأولى من موسى نسياناً ، أمّا الثانية والثالثة فكان متعمداً .
    (2) رواه أحمد في مسنده ، والطبراني في الأوسط ، بإسناد صحيح : ( انظر صحيح الجامع الصغير : 5/87 ) .
    (3) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه الحاكم في مستدركه ، وقال : صحيح على شرط مسلم : ( البداية والنهاية 1/87 ) .
    (4) صحيح البخاري : 3319 . وصحيح مسلم : 2241 .
    (5) قال الأزهري : العشى عند العرب ما بين زوال الشمس وغروبها ، فيكون المراد بهما الظهر أو العصر ، ( نيل الأوطار : 3/115 ) ، وقد حصل الجزم بأنها الظهر في إحدى الروايات .
    (6) نص الحديث برواياته كما نقلها من منتقي الأخبار للمجد ابن تيمية انظر شرحه نيل الأوطار : 3/114 .
    (7) رواه الجماعة إلاّ الترمذي ( نيل الأوطار : 3/125 ) .
    (8) نيل الأوطار : 3/117 .

  9. #130
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    المبحث الثالث
    مدى العصمة في إصابة الحق في القضاء


    الأنبياء والرسل يجتهدون في حكم ما يعرض عليهم من وقائع ، ويحكمون وفق ما يبدو لهم ، فهم لا يعلمون الغيب ، وقد يخطئون في إصابة الحق ، فمن ذلك عدم إصابة نبي الله داود في الحكم ، وتوفيق الله لابنه سليمان في تلك المسألة .
    فعن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " كانت امرأتان معهما ابناهما ، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت صاحبتها : إنّما ذهب بابنك ، وقالت الأخرى : إنّما ذهب بابنك ، فتحاكمنا إلى داود ، فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان بن داود ، فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين أشقّه بينهما ، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله ، هو ابنها ، فقضى به للصغرى " (1) .
    وقد وضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القضية وجلاّها ، فقد روت أمُّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم ، فقال : " إنّما أنا بشر ، وإنّه يأتيني الخصم ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صدق ، فأقضى له بذلك ، فمن قضيت له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها " (2) .


    الذين ينفون عن الرسل والأنبياء هذه الأعراض مخالفون للنصوص :

    ذهبت الشيعة الإمامية الاثنا عشرية (3) إلى أن العصمة تقتضي ألا يقع من الأنبياء سهو ولا نسيان ولا خطأ ، ولا خوف ولا غير ذلك من الأعراض البشرية ، وقد سقنا لك النصوص من الكتاب والسنة الدالة على خلاف ذلك ، وهي نصوص لا تقبل تحويلاً ولا تأويلاً ، فعليك بالكتاب والسنة ففيهما الهداية .





    --------------------------------
    (1) صحيح البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قوله تعالى : ( ووهبنا لداوود سليمان ) [ ص : 30 ] حديث رقم : 2428 .
    (2) رواه البخاري ، كتاب المظالم ، باب إثم من خاصم في الباطل ورقمه : 2458 ، ورواه مسلم : 1713 .
    (3) انظر عقائد الإمامية لمحمد رضا المظفر : ص79 .

  10. #131
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    العصمة من الشرك والمعاصي والذّنوب




    المطلب الأول
    العصمة من الكبائر


    الأمة الإسلامية مجمعة على عصمة الأنبياء والرسل من الكبائر من الذنوب وقبائح العيوب ، كالزنى والسرقة والمخادعة ، وصناعة الأصنام وعبادتها ، والسحر ، ونحو ذلك ، وقد برأ كتاب الله وسنة رسوله أنبياء الله ورسله مما افتراه عليهم اليهود والنصارى في المحرف من كتبهم ، وإليك بعض ما نسبوه إليهم :


    أولاً : ما نسب اليهود إلى الأنبياء والمرسلين من القبائح :

    1- زعموا أن نبيّ الله هارون صنع عجلاً ، وعبده مع بني إسرائيل ، [ إصحاح (32) عدد (1) من سفر الخروج ] .
    وقد بيّن ضلالهم هذا القرآن عندما حدثنا أنّ الذي صنع لهم عجلاً جسداً له خوار هو السامري ، وأن هارون قد أنكر عليهم إنكاراً شديداً .
    2- أن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قدّم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها . [ إصحاح (12) عدد (14) من سفر التكوين ] .
    وقد كذبوا على خليل الرحمن ، وقد قص علينا الرسول صلى الله عليه وسلم قصة إبراهيم هذه عند دخوله لمصر ، وفيها أن ملك مصر كان طاغية ، وكان إذا وجد امرأة جميلة ذات زوج قتل زوجها وحازها لنفسه ، فلما سئل إبراهيم عنها قال هي أخته ، يعني أخته في الإسلام ، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله حفظ سارة عندما ذهبت إلى الطاغية ، فلم يمسها بأذى .
    3- ومن ذلك أن لوطاً عليه السلام شرب خمراً حتى سكر ، ثمّ قام على ابنتيه فزنى بهما الواحدة بعد الأخرى .. [ سفر التكوين ، إصحاح (19) عدد (30) ] ومعاذ الله أن يفعل لوط ذلك ، وهو الذي دعا إلى الفضيلة طيلة عمره ، وحارب الرذيلة ، ولكنّه الحقد اليهودي يمتد إلى الكملة من البشر ، فلعنة الله على الظالمين .
    4- وأن يعقوب عليه السلام سرق مواشٍ من حميّه ، وخرج بأهله خلسة دون أن يُعلمه .. [ سفر التكوين ، إصحاح (31) عدد (17) ] .
    5- وأن روابين زنى بزوجة أبيه يعقوب ، وأن يعقوب عليه السلام ، علم بهذا الفعل القبيح وسكت .. [ سفر التكوين ، إصحاح (35) عدد (32) ] .
    6- وأن داود عليه السلام زنى بزوجة رجل من قواد جيشه ، ثم دبر حيلة لقتل الرجل ، فقتل ، وبعدئذ أخذ داود الزوجة وضمها إلى نسائه ، فولدت له سليمان . [ سفر صموئيل الثاني إصحاح (11) عدد (1) ] .
    7- وأن سليمان ارتد في آخر عمره ، وعبد الأصنام ، وبنى لها المعابد .. [ سفر الملوك الأول ، إصحاح (11) عدد (5) ] .
    هذه بعض المخازي والقبائح والكبائر التي نسبتها هذه الأمة المغضوب عليها إلى أنبياء الله الأطهار ، وحاشاهم مما وصفوهم به ، ولكنها النفوس المريضة تنسب إلى خيرة الله من خلقه القبائح ، ليسهل عليهم تدبير ذنوبهم ومعايبهم عندما ينكر عليهم منكر ، ويعترض عليهم معترض .


    ثانياً : ما نسبه النصارى من القبائح إلى الأنبياء :

    والنصارى ليسوا بأفضل من اليهود في هذا ، فقد نسبوا إلى الأنبياء والرسل القبائح ، وذلك بتصديقهم بالتوراة المحرفة المغيرة الموجودة اليوم والتي فيها ما ذكرنا ، بالإضافة إلى ما في الإنجيل المحرف ومما فيه :
    1- ورد في إنجيل (متى) أن عيسى من نسل سليمان بن داود ، وأن جدهم فارض الذي هو من نسل الزنى من يهوذا بن يعقوب .. [ إصحاح متى الأول ، عدد (10) ] .
    2- وفي إنجيل [ يوحنا إصحاح (2) عدد (4) ] أن يسوع أهان أمَّه في وسط جمع من الناس ، فأين هذا مما وصفه به القرآن ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ) [ مريم : 32 ] .
    3- وأن يسوع شهد بأن جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل هم سراق ولصوص .. [ إنجيل يوحنا ، إصحاح (10) عدد (8) ] .
    هذا غيض من فيض مما تطفح به تلك الأناجيل المحرفة من وصف الأنبياء والرسل بما هم بريئون منه (1) ، إن الأنبياء والرسل أزكى الناس وأطهرهم وأفضلهم ، ووالله إن هؤلاء لضالون فيما وصفوا به أنبياء الله الأبرار الأطهار .
    ولذا فإن الأمة الإسلامية هي المدافعة عن الأنبياء والرسل ، المشيدة بمآثرهم ، فهي وراثة الأنبياء ، المقيمة لدينهم ، بخلاف ما عليه اليهود والنصارى تجاه أنبيائهم .



    المطلب الثاني
    العصمة من الصغائر


    ذهب أكثر علماء الإسلام إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر ، وقال ابن تيمية : " القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف ، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام ، كما ذكر أبو الحسن الآمدي أنّ هذا قول أكثر الأشعرية ، وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلاّ ما يوافق هذا القول .." (2) .


    الأدلة :

    وقد استدل جماهير العلماء على دعواهم بأدلة :
    1- معصية آدم بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها ، ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى - فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى - إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى - فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى - فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) [ طه : 116-121 ] .
    والآية في غاية الوضوح والدلالة على المراد ، فقد صرحت بعصيان آدم ربه .
    2- ونوح دعا ربه في ابنه الكافر ( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) [ هود : 45 ] ، فلامه ربه على مقالته هذه ، وأعلمه أنّه ليس من أهله ، وأن هذا منه عمل غير صالح ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) [هود : 46] فاستغفر ربّه من ذنبه وتاب وأناب ( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ) [ هود : 47 ] .
    والآية صريحة في كون ما وقع منه كان ذنباً يحتاج إلى مغفرة ( وإلاَّ تغفر لي وترحمني .. ) .
    3- وموسى أراد نصرة الذي من شيعته ، فوكز خصمه فقضى عليه ( قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ - قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) [ القصص : 15-16 ] ، فقد اعترف موسى بظلمه لنفسه ، وطلب من الله أن يغفر له ، وأخبر الله بأنه غفر له .
    4- وداود عليه السلام تسّرع في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني ، فأسرع إلى التوبة فغفر الله له ذنبه ( فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعاً وأناب – فغفرنا له ذلك ) [ ص : 24-25 ] .
    5- ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم عاتبه ربه في أمور ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ التحريم : 1 ] نزلت بسبب تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه ، أو تحريم مارية القبطية .
    وعاتبه ربه بسبب عبوسه في وجه الأعمى ابن أم مكتوم ، وانشغاله عنه بطواغيت الكفر يدعوهم إلى الله ، والإقبال على الأعمى الراغب فيما عند الله هو الذي كان ينبغي أن يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم : (عَبَسَ وَتَوَلَّى - أَن جَاءهُ الْأَعْمَى - وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى - أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى .. ) [ عبس : 1-4 ] .
    وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم من أسرى بدر الفدية فأنزل الله تعالى : ( لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ الأنفال : 68 ] .
    هذه أمثلة اكتفينا بذكرها عن غيرها ، وإلاّ فقد ورد في القرآن مغاضبة يونس لقومه، وخروجه من قومه من غير إذن من ربه ، وما صنعه أولاد يعقوب بأخيهم يوسف في إلقائه في غيابة الجبِّ ، ثم أوحى الله إليهم وجعلهم أنبياء .


    القائلون بعصمة الأنبياء من الصغائر :

    يستعظم بعض الباحثين أن ينسب إلى الأنبياء صغائر الذنوب (3) التي أخبرت نصوص الكتاب والسنة بوقوعها منهم ، ويذهب هؤلاء إلى تهويل الأمر ، ويزعمون أنّ القول بوقوع مثل هذا منهم فيه طعن بالرسل والأنبياء ، ثم يتحملون في تأويل النصوص ، وهو تأويل يصل إلى درجة تحريف آيات الكتاب كما يقول ابن تيمية (4) ، وكان الأحرى بهم تفهم الأمر على حقيقته ، وتقديس نصوص الكتاب والسنة ، واستمداد العقيدة في هذا الأمر وفي كل أمر من القرآن وأحاديث الرسول ، وبذلك نحكمها في كل أمر ، وهذا هو الذي أمرنا به ، أمّا هذا التأويل ، والتحريف بعد تصريح الكتاب بوقوع مثل ذلك منهم فإنّه تحكيم للهوى ، ونعوذ بالله من ذلك .
    وقد انتشرت هذه التأويلات عند الكتاب المحدثين ، وهي تأويلات فاسدة من جنس تأويلات الباطنية والجهمية ، كما يقول ابن تيمية (5) .


    شبهتان (6) :

    الذين منعوا من وقوع الصغائر من الأنبياء أوردوا شبهتين :
    الأولى : أن الله أمر باتباع الرسل والتأسي بهم ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب : 21 ] ، وهذا شأن كل رسول ، والأمر باتباع الرسول يستلزم أن تكون اعتقاداته وأفعاله وأقواله جميعها طاعات لا محالة ، لأنه لو جاز أن يقع من الرسول معصية لله تعالى لحصل تناقض في واقع الحال ، إذ يقتضي أن يجتمع في هذه المعصية التي وقعت من الرسول الأمر باتباعها وفعلها من حيث كوننا مأمورين بالتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم ، والنهي عن موافقتها من حيث كونها معصية منهي عنها ، وهذا تناقض ، فلا يمكن أن يأمر الله عبداً بشيء في حال أنه ينهاه عنه .
    وقولهم هذا يكون صحيحاً ، لو بقيت معصية الرسول خافية غير ظاهرة ، بحيث تختلط علينا الطاعة بالمعصية ، أمّا وأنّ الله ينبه رسله وأنبياؤه إلى ما وقع منهم من مخالفات ويوفقهم إلى التوبة منها ، من غير تأخير فإنّ ما أوردوه لا يصلح دليلاً بل يكون التأسي بهم في هذا منصباً على الإسراع في التوبة عند وقوع المعصية ، وعدم التسويف في هذا ، تأسياً بالرسل والأنبياء الكرام في مبادرتهم بالتوبة من غير تأخير .
    الثانية : أنّ هؤلاء توهموا أن الذنوب تنافي الكمال ، وأنها تكون نقصاً وإن تاب التائب منها ، وهذا غير صحيح ، فإنّ التوبة تغفر الحوبة ، ولا تنافي الكمال ، ولا يتوجه إلى صاحبها اللوم ، بل إنّ العبد في كثير من الأحيان يكون بعد توبته من معصيته خيراً منه قبل وقوع المعصية ، وذلك لما يكون في قلبه من الندم والخوف والخشية من الله تعالى ، ولما يجهد به نفسه من الاستغفار والدعاء ، ولما يقوم به من صالح الأعمال ، يرجو بذلك أن تمحو الصالحات السيئات ، وقد قال بعض السلف : " كان داود عليه السلام بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة " ، وقال آخر : " لو لم تكن التوبة أحبّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه " .
    وقد ثبت في الصحاح " أن الله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلته ناقته بأرض فلاة ، وعليها طعامه وشرابه ، فنام نومة فقام فوجد راحلته فوق رأسه فقال : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح " (7) .
    وفي الكتاب الكريم : ( إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) [البقرة : 222] وقال تعالى مبيناً مثوبة التائبين : ( إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ... ) [ الفرقان : 70 ] .
    وفي يوم القيامة " يدني الله المؤمن ، فيضع عليه كنفه ويستره ، فيقول : أتعرف ذنب كذا ، أتعرف ذنب كذا ، فيقول : نعم ، أي رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه هلك ، قال : سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم " (8) .
    ومعلوم أنه لم يقع ذنب من نبي إلا وقد سارع إلى التوبة والاستغفار منه ، يدلنا على هذا أن القرآن لم يذكر ذنوب الأنبياء إلا مقرونة بالتوبة والاستغفار ، فأدم وزوجه عصيا فبادرا إلى التوبة قائلين : ( ربَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ الأعراف : 23 ] وما كادت ضربة موسى تسقط القبطي قتيلاً حتى سارع طالباً الغفران والرحمة قائلاً : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) [ القصص : 16 ] . وداود ما كاد يشعر بخطيئته حتى خرّ راكعاً مستغفراً ( فاستغفر ربَّه وخرَّ راكعاً وأناب ) [ص : 24] .
    فالأنبياء لا يقرون على الذنب ، ولا يؤخرون التوبة ، فالله عصمهم من ذلك ، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها .
    وبذلك انهارت هاتان الشبهتان ، ولم يثبتا في مجال الحجاج والنقاش ، وحسبنا بالأدلة الواضحة البينة التي تهدي للتي هي أقوم .


    السبب في عصمة الأنبياء مما عصموا منه وعدم عصمتهم مما لم يعصموا منه :

    الرسل والأنبياء بشر من البشر ، عصمهم الله في تحمل الرسالة وتبليغها ، فلا ينسون شيئاً ، ولا ينقصون شيئاً ، وبذلك يصل الوحي الذي أنزله الله إلى الذين أرسلوا إليهم كاملاً وافياً ، كما أراده الله جلّ وعلا ، وهذه العصمة لا تلازمهم في كلّ أمورهم فقد تقع منهم المخالفة الصغيرة ، بحكم كونهم بشراً ، ولكنّ رحمة الله تتداركهم ، فينبههم الله إلى خطئهم ، ويوفقهم للتوبة والأوبة إليه .
    يقول الشيخ مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر : " إنّ الوحي لا يلازم الأنبياء في كلّ عمل يصدر عنهم ، وفي كلِّ قول يبدر منهم ، فهم عرضة للخطأ ، يمتازون عن سائر البشر بأنّ الله لا يقرّهم على الخطأ بعد صدوره ، ويعاتبهم عليه أحياناً " (9) .


    تكريم الأنبياء وتوقيرهم :

    هذه الصغائر التي تقع من الأنبياء لا يجوز أن تتخذ سبيلاً للطعن فيهم ، والإزراء عليهم ، فهي أمور صغيرة ومعدودة غفرها الله لهم ، وتجاوز عنها ، وطهرهم منها ، وعلى المسلم أن يأخذ العبرة والعظة لنفسه من هذه ، فإذا كان الرسل الكرام الذين اختارهم الله واصطفاهم عاتبهم الله ولامهم على أمور كهذه ، فإنّه يجب أن نكون على حذر وتخوف من ذنوبنا وآثامنا ، وعلينا أن نتأسى بالرسل والأنبياء في المسارعة إلى التوبة والأوبة إلى الله، وكثرة التوجه إليه واستغفاره .




    --------------------------------
    (1) راجع لمزيد من الأمثلة كتاب : ( محمد نبي الإسلام ) ص146 .
    (2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 4/319 .
    (3) الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مجمعون على عدم وقوع صغائر الذنوب من الأنبياء والأئمة ، راجع عقائد الإمامية لمحمد رضا ص 80 ، 95 وعقائد الإمامية الاثني عشرية لإبراهيم الموسوي الزنجاني ص157 .
    (4) مجموع الفتاوى : (10/313) .
    (5) المصدق السابق .
    (6) ممن أشبع الكلام على هاتين الشبهتين والإجابة عليهما شيخ الإسلام ابن تيمية ، انظر مجموع الفتاوى : 10/293 – 313 ، 15/150 .
    (7) انظر روايات الحديث في صحيح البخاري : 6308 ، 6309 ، وفي صحيح مسلم كتاب التوبة ، باب في الحض على التوبة والفرح بها الأحاديث : 2744 – 2747 .
    (8) صحيح البخاري : 2441 ، وصحيح مسلم : 2768 .
    (9) حياة محمد لهيكل ، انظر مقدمة الكتاب بقلم الشيخ المراغي ص 11 .


  11. #132
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    عصمَة غير الأنبيَاء




    أهل السنة والجماعة لا ينسبون العصمة لغير الأنبياء والمرسلين ، حتى أفضل هذه الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم وهم الصحابة – رضوان الله عليهم – وفيهم أبو بكر وعمر ليسوا بمعصومين ، وقد قال الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق في أولّ خطبة يخطبها بعد توليه الخلافة : " أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أخطأت فقوِّموني " . وعندما اعترضت امرأة على عمر بن الخطاب وجاءت بالدليل قال : أصابت امرأة وأخطأ عمر .
    وقد نسب أقوام العصمة لغير الأنبياء من غير دليل ولا برهان ، افتراء على الله ، وسنعرض لبعض من ادعيت فيهم هذه الدعوى .
    عصمة المُعِزّ الفاطمي ( العُبيدي ) :
    يزعم أتباع (( المعز معد بن إسماعيل ، أبو تميم )) وهو الذي يسميه بعض الناس : المعزّ لدين الله الفاطمي – أنّه معصوم هو وأولاده عن الذنوب والأخطاء .
    وهذا الزعم زعم باطل ، أرادوا به إضلال الناس بتنصيب هذا الطاغية في مقام النبوة، لتكون كلمته ديناً يتبع ، وإلاّ فإن هذا الذي يسمونه المعزّ ، وأولئك الذين كانوا يسمّون بالفاطميين ليسوا من سلالة فاطمة ، وإنما هم من سلالة عبيد الله القداح ، كانوا يقولون بمثل هذه العصمة لأئمتهم ونحوهم ، مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد الغزالي في كتابه الذي صنعه في الردّ عليهم : " ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض " (1) .


    عصمة أئمة الشيعة الاثني عشرية :

    يزعم الشيعة أن أئمتهم الاثني عشر معصومون عن الخطأ ، والعصمة التي ينسبونها لهم هي العصمة التي ينسبونها للأنبياء ، يقول أحد مُقدَّمي الشيعة المعاصرين مبيناً مفهوم عصمة الأئمة عندهم : " الأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة ، ونعتقد فيهم الإحاطة بكلّ ما فيه مصلحة للمسلمين " (2) وينقل إبراهيم الموسوي الزنجاني عن الصدوق قوله : " اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة أنهم معصومون مطهرون من كل دنس ، وأنهم لا يذنبون ذنباً لا صغيراً ولا كبيراً ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون " (3) .
    وهو يكفِّر الذين لا يقولون بعصمة الأئمة ، يقول بعد كلامه السابق مباشرة : " ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهَّلهم ، ومن جهلهم فهو كافر " (4) ، ثمّ قال : " واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان " (5) .
    وقال المجلسي : " أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمداً وخطأً ونسياناً ، قبل النبوة والإمامة وبعدهما ، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله تعالى ، ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد ابن بابويه وشيخه ابن الوليد ، فإنهما جوزا الإسهاء من الله تعالى لا السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام " (6) ، وعصمة الأئمة عندهم مسألة اعتقادية رئيسة ، ولذا فإنهم يكفرون مخالفيهم فيها ، ويترتب عليها أمور كثيرة منها : أنّ الكلام المنسوب إلى الأئمة يعتبرونه دليلاً شرعياً كالقرآن والسنة ، ولذا فإن التشريع لم ينته عندهم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو مستمر إلى حين غيبة إمامهم الثاني عشر، بل يرون أنّه يمكن أن يتلقوا رسائل من الإمام الغائب بواسطة نوابّه .
    ومن ذلك أنهم أحقّ بالخلافة من غيرهم ، فهم أحقّ من أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة .


    السر في دعوى العصمة (7) :

    الأنبياء والرسل معصومون بالوحي ، ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [ النجم : 3-4 ] . فما سر عصمة الأئمة ؟ يقول علماء الشيعة الإمامية : إنّ الله جعل في الأئمة أرواحاً يسددهم بها ، فقد عنون الكليني في كتابه أصول الكافي لهذا الموضوع بقوله : " باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة " (1/271-272) و " باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة " (1/273-274) ، وفي هذا الباب ستة أخبار منها عن أبي عبد الله قال في الروح الذي في هذه الآية ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ) [الشورى : 52] خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله – عز وجل – أعظم من جبريل وميكائيل ، كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ، ويسدده ، وهو مع الأئمة من بعد .
    وفي الباب الأسبق ذكر عن الإمام الصادق أن روح القدس خاصة بالأنبياء ، فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار مع الإمام ، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو ، والإمام يرى به (8) ، وفسر في الحاشية الرؤية بقوله : يعني ما غاب عنه في أقطار الأرض ، وما في عنان السماء ، وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى .
    وفي كتاب بحار الأنوار للمولى محمد باقر المجلسي (25/47-99) " باب الأرواح التي فيهم " " أي في الأئمة " وأنهم مؤيدون بروح القدس وقال ابن بابوية القمي في " رسالة للصدوق في الاعتقادات " (ص108-109) .. " اعتقادنا في الأخبار الصحيحة عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله ، متفقة المعاني ، غير مختلفة ، لأنها مأخوذة من طريق الوحي عن الله سبحانه " وهذا لقمي صاحب كتاب " فقيه من لا يحضره الفقيه " أحد كتب الحديث الأربعة المعتمدة عند الجعفرية يقول : " ويرى علماء الشيعة أنّ النبي إذا لم يوص فإنّه ناقص النبوة والرسالة ، وأنه قد ضيع أمته " (9) .
    ومما يدلُّ على بطلان مدعاهم في الأئمة أنّ المعصوم يجب اتباعه من غير دليل ، ومخالفة غير المعصوم جائزة ، بل تكون واجبة إذا علمنا أنّه خالف النصَ ، وقد أمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله ، وغير رسوله يطاع إن أمر بطاعة رسوله ، فإن تنازعنا رددنا الأمر إلى كتاب الله وسنة رسوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) [ النساء : 59 ] فلو كان الأئمة معصومين لكان أوجب الرد إلى الله وإلى الرسول والأئمة ، فدلّ عدم إيجاب الرد عليهم حال التنازع على عدم عصمتهم .
    وقد كان عليّ وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضاً في العلم والفتيا ، كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضاً ، ولو كانوا معصومين لكان مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة، ولقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ، ويكره كثيراً مما يفعله ، ويرجع علي في آخر الأمر إلى رأيه ، وتبين له في آخر الأمر أنّه لو فعل غير الذي فعله لكان الصواب ، وله فتاوى رجع ببعضها عن بعض ، والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان ، إلا أن يكون أحدهما ناسخاً للآخر . وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ، ولا يطلب هذا الأمر ، ولو كان معصوماً لما جاز للحسين مخالفته (10) .




    --------------------------------
    (1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام : 4/320 .
    (2) الحكومة الإسلامية للخميني : ص91 .
    (3) عقائد الإمامية الاثني عشرية : ص157 .
    (4) المصدر السابق .
    (5) المصدر السابق .
    (6) بحار الأنوار للمولى محمد باقر المجلسي : (25/350-351) (انظر الإمامة للسالوس : ص21) .
    (7) النقول المثبتة هما بمصادرها أخذناها من كتاب الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة د. علي أحمد السالوس : (ص20) .
    (8) انظر عقائد الإمامية الاثني عشرية لإبراهيم الموسوي الزنجاني: ص161 .
    (9) المصدر السابق : ص171 .
    (10) راجع مجموع فتاوى : 35/120 ، 126 .


صفحة 12 من 36 الأولىالأولى ... 2101112131422 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. كتاب : العقيدة الميسرة من الكتاب العزيز والسنة المطهرة
    بواسطة الواحة الخضراء في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 18-10-2015, 12:53 AM
  2. سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة
    بواسطة خالد العازمي في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 23-01-2014, 10:48 PM
  3. الدعاء من الكتاب والسنة
    بواسطة القعقـــاع في المنتدى منتـدى العلـم الشــرعي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 16-03-2013, 02:46 PM
  4. زبدة التفسيرللشيخ محمد سليمان الأشقر
    بواسطة عيسى سالم في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-10-2011, 11:52 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •