K

جديد المنتدي

صفحة 1 من 36 12311 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 11 من 391
  1. #1
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، لعمر سليمان الأشقر للمبتدئين والمتخصصين (متجدد)



    سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة

    لعمر سليمان الأشقر


    الفهرس المختصر

    · الكتاب الأول: العقيدة في الله
    - أسماء الله الحسنى
    - أنواع العبادات التي لا يجوز أن يقصد بها غير الله



    · الكتاب الثاني: عالم الملائكة الأبرار
    - الملائكة والمؤمنون



    · الكتاب الثالث: عالم الجن والشياطين
    - طعام الجن وشرابهم
    - طبيعة الشياطين وهل يمكن أن يسلم
    - الجن وعالم الغيب



    · الكتاب الرابع: الرسل والرسالات
    - وظائف الرسل ومهماتهم
    - صفات الرسل
    - دلائل النبوة
    - تأييد الله لرسله
    - الإيمان بالرسالات


    · الكتاب الخامس: القيامة الصغرى
    - هول القبر
    - أسباب عذاب القبر
    - هل تموت النفوس
    - أقسام علامات الساعة
    - العلامات التي لم تقع بعد
    - خروج المهدي
    - قبل خروج الدجال
    - ابن صياد والدجال


    · الكتاب السادس: القيامة الكبرى
    - أرض المحشر
    - حال الأتقياء
    - أول ما يحاسب عليه العبد
    - مرور المؤمنين على الصراط


    · الكتاب السابع: الجنة والنار
    - الذين يدخلون الجنة بغير حساب
    - تربة الجنة
    - الذين توفوا قبل التكليف
    - فرش أهل الجنة
    - دركات النار
    - كثرة أهل النار


    · الكتاب الثامن: الإيمان بالقضاء والقدر
    - مذهب أهل السنة والجماعة في القدر




    الفهرس المفصل


    - الرد على شبهات الملحدين في نشأة الكون (المصادفة)


    - التعريف بالله وربط القلوب به


    - العلماء يبينون عجائب صنع الله في خلقه
    ( الجزء الأول )


    - مزيد من عجائب هداية الله مخلوقاته


    - 18- اتفاق جميع الأحياء في التنفس وإن اختلفت طرائقه


    - التعرف إلى الله من خلال النصوص


    - ( مباحث الصفات والأسماء )


    - 4- لله سبحانه يدان


    - 8- استواؤه على العرش


    - جملة من الصفات التي جاءت بها النصوص
    ( الجزء الثاني )


    - 18- علم الله


    - المطلب الثالث
    أسماء الله الحسنى (1)


    - المطلب الرابع
    المنهج الذي تُفهم صفات الله في ضوئه (1)


    - المطلب الخامس
    أقسام الصفات عند علماء الكلام ( الجزء الأول )


    - أقسام الصفات عند علماء الكلام ( الجزء الثاني )
    الصفات الجامعة


    - المطلب السادس
    قواعد مهمة في صفات الله وأسمائه


    - المطلب السابع
    مذهب أهل السنة والجماعة في صفات الله


    - توحيد الله (1)
    معناه وأقسامه


    - كلمة التوحيد :
    معناها ، فضلها ، شروطها


    - العبادة
    المطلب الأول
    تعريف العبادة


    - المطلب الثالث
    أركان العبادة


    - المطلب الرابع
    أنواع العبادات التي لا يجوز أن يقصد بها غير الله


    - ما يضاد التوحيد وينافيه


    - نظرة في تاريخ العقيدة
    هل تطورت العقيدة عبر الزمان


    - تاريخ العقيدة كما يرويه القرآن الكريم


    - تصورات الأمم الضالة للمعبود


    - الرّب عند الرومان (1)


    - الإله عند اليهود (1)


    - انحراف العرب عن التوحيد






    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 08-04-2017 الساعة 01:10 AM
    بارك الله لنا ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الذكر الحكيم،،،

  2. #2
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، لعمر سليمان الأشقر للمبتدئين والمتخصصين (متجدد)

    سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة
    لعمر سليمان الأشقر

    الكتاب الأول









    أهمية الإيمان بالله




    الأصل الأول من الأصول الاعتقادية هو الإيمان بالله ، وهذا الأصل هو أهمّ الأصول الاعتقادية والعملية ، وعليه مدار الإسلام ، وهو لبّ القرآن ، ولا نبالغ إذا قلنا : إنّ القرآن كلّه حديث عن هذا الإيمان ، لأنّ القرآن إمّا حديث مباشر عن الله تعالى : ذاته وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، كآية الكرسي ، وسورة الإخلاص .
    وإمّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له ، وترك ما يُعبد من دونه من آلهة باطلة ، وهذا كله تعريف بالله ، ودعوة للقيام بحقّه ، ونهيٌ عن صرف ذلك لغيره .
    وإما أمر بطاعته سبحانه ، ونهي عن معصيته ، وهذا من لوازم الإيمان .
    وإمّا إخبار عن أهل الإيمان وما فعل بهم في الدنيا من الكرامة ، وما يثيبهم به في الآخرة ، وهذا جزاء أهل الإيمان بالله .
    وإمّا إخبار عن الكافرين ، وما فعل الله بهم في الدّنيا من النكال ، وما سيفعل بهم في الآخرة في دار العذاب ، وهذا جزاء من أعرض عن الإيمان .
    فالقرآن كله حديث عن الإيمان بالله ، يوضح هذا أننّا نجد أنّ ذكر الله قد تكّرر في القرآن باسم من أسمائه ، أو صفة من صفاته (10062) مرة أي في الصفحة الواحدة قرابة عشرين مرة في المتوسط .
    إننا نستطيع أن نقول : إنّ الإيمان بالله بالنسبة لبقية الأصول والفروع كأصل الشجرة بالنسبة للسوق والفروع ، فهو أصل الأصول ، وقاعدة الدّين ، وكلما كان حظ المرء من الإيمان بالله عظيماً كان حظه في الإسلام كبيراً .
    مسائل الإيمان بالله :
    مسائل هذا الباب التي لا بدّ للباحث من عرضها وتمحيصها هي :
    أولاً : أدلة وجود الله – تعالى – وردّ الشبهات التي تثار حول هذا الموضوع .
    ثانياً : التعريف بالله – سبحانه – وهذا يتمّ في القرآن من خلال طريقتين :
    1- بيان ما في المخلوقات من إبداع وإعجاز تدل على عظيم قدرة الله وبديع صنعه .
    2- دراسة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الله حديثاً مباشراً : ذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله .
    ثالثاً : توحيد الله وحده لا شريك له ، ونبذ ما يعبد من دونه .
    رابعاً : نظرة في تاريخ العقيدة الإلهية ، وتحقيق القول في ذلك .





    أدلة وجود الخالق جلّ وعلا


    الدليل الأول
    دليل الفطرة




    الفطرة السليمة تشهد بوجود الله من غير دليل :

    لم يطل القرآن في الاستدلال على وجود الله تعالى ، لأنّ القرآن يقرّر أنّ الفطر السليمة ، والنفوس التي لم تتقذر بأقذار الشرك ، تُقرّ بوجوده من غير دليل ، وليس كذلك فقط ، بل إنّ توحيده – سبحانه – أمر فطري بدهي (
    فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) [ الروم : 30 ] .
    هذه الفطرة هي التي تفسر الظاهرة التي لاحظها الباحثون في تاريخ الأديان ، وهي أنّ الأمم جميعاً – التي درسوا تاريخها – اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها . (1)
    وقد يقال هنا : لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس في مختلف العصور آلهة شتى .
    والجواب : أنّ الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكنّ الإنسان تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق .
    فيما يغرسه الآباء في نفوس الأبناء ، وما يلقيه الكتّاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة يبدّل هذه الفطرة ويقذرها ، ويلقي عليها غشاوة ، فلا تتجه إلى الحقيقة .
    وقد نصّ الرسول صلى الله عليه وسلم على صدق هذا الذي قررناه ، ففي الصحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
    كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ) (2) . ولم يقل يُسلمانِه ، لأنّ الإسلام مُوافقٌ للفطرة .
    وقد يقال : إذا تركنا الطفل من غير أن نُؤثّر في فطرته هل يخرج موحداً عارفاً بربّه ، فنقول : إذا ترك شياطين الإنس البشر ، ولم يدّنسوا فطرهم ، فإنّ شياطين الجنّ لن يتركوهم ، فقد أخذ الشيطان على نفسه العهد بإضلال بني آدم : (
    قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين – إلا عبادك المخلصين ) [ ص : 82-83 ] .
    وأعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى قلب الإنسان ، كما في الحديث الصحيح (
    إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً ) أو قال : ( شيئا ً ) . (3)
    والقرآن وصف الشيطان المطلوب الاستعاذة منه بأنّه ( ...
    يوسوس في صدور الناس ) [ الناس : 5 ] ، وقد صح أيضاً أنّ لكل إنسان قريناً من الجنّ يأمره بالشرّ ، ويحثه عليه ، وفي القرآن ( قال قرينه ربَّنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيدٍ ) [ ق : 27 ] .
    ولا يتخلص المرء من هذا إلا بالالتجاء إلى الله (
    قل أعوذ برب الناس – ملك الناس – إله الناس – من شر الوسواس الخناس – الذي يوسوس في صدور الناس – من الجنة والناس ) [ الناس : 1-6 ] .
    وشياطين الجنّ يقومون بدور كبير في إفساد الفطرة وتدنيسها ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم ، فكان مما جاء في خطبته : (
    ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا : كلّ مال نحلته (4) عبادي حَلالٌ ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ) . (5)


    المصائب تصفي جوهر الفطرة :



    وكثيراً ما تنكشف الحجب عن الفطرة ، فتزول عنها الغشاوة التي رانت عليها عندما تصاب بمصاب أليم ، أو تقع في مأزق لا تجد فيه من البشر عوناً ، وتفقد أسباب النجاة ، فكم من ملحد عرف ربّه وآب إليه عندما أحيط به ، وكم من مشرك أخلص دينه لله لضرّ نزل به (
    حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئنِ أنجيتنا من هذه لنكوننَّ من الشاكرين ) [ يونس : 22 ] .
    وقد سمعنا كيف آب ركاب طائرة ما إلى ربّهم عندما أصاب طائرتهم خلل ، فأخذت تهتز وتميل ، وتتأرجح في الفضاء ، والطيار لا يملك من أمره شيئاً فضلاً عن الركاب ، هناك اختفى الإلحاد ، وضجّت الألسنة بالدّعاء ، ورغبت القلوب إلى ربها بصدق وإخلاص ، ولم يبق للشرك والإلحاد وجود في مثل هذا الموقف الرهيب .



    المشركون الذين بُعث إليهم الرسول كانوا يقرّون بوجود الخالق :


    العرب الذين جابههم الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا مقرّين بوجود الله ، وأنّه الخالق وحده للكون ، كما يقرّون بأنّه وحده الرزاق النافع الضّار ، ... ولكنهم كانوا يبعدون غيره معه ، ولا يخلصون دينهم لله وحده .
    وفي معرض إلزام المشركين بالعبودية لله وحده ، وإخلاص الدّين له كان يسألهم عن الخالق المالك للسماء والأرض ، فكانوا يعترفون ، ولا ينكرون ، (
    ولئِن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنَّ الله ) [ لقمان : 25 ] .
    وفي سورة المؤمنون (
    قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون – سيقولون لله قل أفلا تذكرون – قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم – سيقولون لله قل أفلا تتقون – قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون – سيقولون لله قل فأنَّى تسحرون ) [ المؤمنون : 84-89] . ومن المعروف أنّ العرب كانوا يُعظمون الكعبة ، ويحجون ، ولهم بقية من عبادات يتنسّكون بها .



    كفر النّاس – اليوم أعظم :


    كان حريّاً بنا ألا نقف عند أدلة وجود الله كثيراً ، لأنّ الفطرة الإنسانية تشهد بذلك ، ولا يكاد يعرف منكر لوجود الخالق في الماضي إلا النزر اليسير ، وهم لا يمثلون في البشرية نسبة تذكر .
    إلا أن الانحراف اليوم وصل الدّرك الأسفل ، فأصبحنا نرى أقواماً يزعمون أن لا خالق ، ويجعلون هذه المقولة مذهباً يقيمون عليه حياتهم ، وقامت دول على هذا المذهب تعدّ بمئات الملايين من البشر .
    وانتشرت هذه المقولة في كل مكان ، وألفت فيها كتب ، وأصبح لها فلسفة تدرس ، وحاول أصحابها أن يسموها بالمنهج العلمي ، ويدللوا عليها .
    من أجل ذلك كان لا بّد أن نتوسع شيئاً ما في الاستدلال على هذه القضية .







    الدليل الثاني
    المخلوق لا بدّ له من خالق


    يحتجّ القرآن على المكذّبين المنكرين بحجة لا بدّ للعقول من الإقرار بها ، ولا يجوز في منطق العقل السليم رفضها ، يقول تعالى : (
    أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون – أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) [ الطور : 35-36 ] .
    يقول لهم : أنتم موجودون هذه حقيقة لا تنكروها ، وكذلك السماوات والأرض موجودتان ، ولا شك .
    وقد تقرر في العقول أنّ الموجود لا بدّ من سبب لوجوده ، وهذا يدركه راعي الإبل في الصحراء ، فيقول : " البعرة تدلّ على البعير ، والأثر يدلّ على المسير ، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ، ألا تدل على العليم الخبير " . ويدركه كبار العلماء الباحثين في الحياة والأحياء .
    وهذا الذي أشارت إليه الآية هو الذي يعرف عند العلماء باسم : ( قانون السببية ) . هذا القانون يقول : إن شيئاً من ( الممكنات ) (( لا يحدث بنفسه من غير شيء )) ؛ لأنه لا يحمل في طبيعته السبب الكافي لوجوده ، (( ولا يستقل بإحداث شيء )) ؛ لأنّه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئاً لا يملكه هو .



    ولنضرب مثالاً نوضح به هذا القانون :


    منذ سنوات تكشفت الرّمال في صحراء الربع الخالي إثر عواصف هبت على المنطقة عن بقايا مدينة كانت مطموسة في الرمال ، فأخذ العلماء يبحثون عن محتوياتها ويحاولون أن يحققوا العصر الذي بنيت فيه ، ولم يتبادر إلى ذهن شخص واحد من علماء الآثار أو من غيرهم أن هذه المدينة وجدت بفعل العوامل الطبيعية من الرياح والأمطار والحرارة والبرودة لا بفعل الإنسان .
    ولو قال بذلك واحد من الناس لعده الناس مخرّفاً يستحقّ الشفقة والرحمة ، فكيف لو قال شخص ما : إنّ هذه المدينة تكونت في الهواء من لا شيء في الأزمنة البعيدة ، ثم رست على الأرض ؟ إنّ هذا القول لا يقلّ غرابة عن سابقه ، بل يفوقه .
    لماذا ؟ لأنّ العدم لا يوجد شيئاً هذا أمر مقرر في بدائه العقول ، ولأن الشيء لا يستطيع أن يوجد نفسه .
    والمدينة على النحو الذي نعرفه لا بد لها من موجد ، والفعل يشي ، ويعرّف بصانعه ، فلا بدّ أن تكون المدينة صناعة قوم عقلاء يحسنون البناء والتنسيق .
    ولو رأينا إنساناً انتقل من أسفل بناية إلى أعلاها فلا نستنكر ذلك ، ولا نستغربه ، لأنّ الإنسان لديه القدرة على ذلك .
    فإذا رأينا حجراً كان في ساحة البناية قد انتقل إلى أعلاها ، فإنّنا نجزم بأنّه لم ينتقل بنفسه ، بل لا بدّ من شخص رفعه ونقله ؛ لأنّ الحجر ليس لديه خاصية الحركة والصعود .
    ومن الغريب أنّ الناس يجزمون بأنّ المدينة لا يمكن أن توجد من غير موجد ، ولا يمكن أن تبني نفسها ، ويجزمون بأنّه لا بدّ للحجر من شخص صعد به إلى أعلى ، ولكن يوجد فيهم من يجيز أن يصنع الكون من غير صانع ، ويوجد من غير موجد ، مع أنّ بناء الكون أشدّ تعقيداً وأعظم خلقة (
    لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) [ غافر : 57 ] .
    ولكنّ المنكرين عندما يواجهون بذلك بمنطق علمي يخاطب العقل ، لا يستطيعون إلا أن يقروا أو يكابروا .
    وبهذا الدليل كان علماء الإسلام ولا يزالون يواجهون الجاحدين ، فهذا أحد العلماء يعرض له بعض الزنادقة المنكرين للخالق ، فيقول لهم : ما تقولون في رجل يقول لكم : رأيت سفينة مشحونة بالأحمال ، مملوءة من الأنفال ، قد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة ، ورياح مختلفة ، وهي من بينها تجري مستوية ، ليس لها ملاح يُجريها ، ولا متعهد يدفعها ، هل يجوز في العقل ؟ .
    قالوا : هذا شيء لا يقبله العقل .
    فقال ذلك العالم : يا سبحان الله ، إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجر ، فكيف يجوز قيام هذه الدّنيا على اختلاف أحوالها ، وتغيّر أعمالها ، وسعة أطرافها ، وتباين أكنافها من غير صانع ولا حافظ ؟! فبكوا جميعاً ، وقالوا : صدقت وتابوا .
    هذا القانون الذي سلمت به العقول وانقادت له هو الذي تشير إليه الآية الكريمة : (
    أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) [ الطور : 35 ] وهو دليل يُرغم العقلاء على التسليم بأنّ هناك خالقاً معبوداً ، إلا أن الآية صاغته صياغة بليغة مؤثرة ، فلا تكاد الآية تلامس السمع حتى تزلزل النفس وتهزها .
    روى البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ، فلما بلغ هذه الآية (
    أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون – أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون – أم عندهم خزائِن ربك أم هم المصيطرون ) [ الطور : 35-37 ] كاد قلبي أن يطير " . (6)
    قال البيهقي (7) : قال أبو سليمان الخطابي : " إنما كان انزعاجه عند سماع هذه الآية لحسن تلقيه معنى الآية ، ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة ، فاستدركها بلطيف طبعه ، واستشف معناها بزكي فهمه ... " .
    واختار الخطابي في معنى ( أم خلقوا من غير شيء ) [ الطور : 35 ] " فوجدوا بلا خالق ، وذلك ما لا يجوز أن يكون ، لأنّ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأمر ، فلا بدّ له من خالق ، فإذ قد أنكروا الإله الخالق ، ولم يجز أن يوجدوا بلا خالق خلقهم ، أفهم الخالقون لأنفسهم ؟ وذلك في الفساد أكثر ، وفي الباطل أشد ، لأنّ ما لا وجود له كيف يجوز أن يكون موصوفاً بالقدرة ، وكيف يخلق ؟ وكيف يتأتى منه الفعل ، وإذا بطل الوجهان معاً قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقاً ، فليؤمنوا به .
    ثم قال : (
    أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) [ الطور : 36 ] وذلك شيء لا يمكنهم أن يدّعوه بوجه ، فهم منقطعون والحجة قائمة عليهم " .
    وهذا الذي قرر الخطابي أن الكفار لا يمكن أن يدعوه فائدة ذكره والسؤال عنه قطع الحجاج والخصام ؛ إذ قد يوجد جاحد مكابر يقول : " أنا خلقت نفسي " كما زعم مثيل له من قبل بأنه يحي ويميت (
    ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتَاهُ الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أُحْيِي وأميت ... ) [ البقرة : 258 ] .
    فماذا كان الجواب ؟ سؤال آخر أبان عجزه وأكذبه في زعمه الأول ( ...
    قال إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ... ) [ البقرة : 258 ] فكانت النتيجة : ( ... فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين ) [ البقرة : 258 ] .
    وهنا هَبْ شخصاً قال : " أنا خلقت نفسي " فهل يستطيع أن يزعم أنّه خلق السماوات والأرض ؟! فإذا كان العدم لا يُوجِد سماء ولا أرضاً ، وإذا كانت السماء والأرض لم توجدا نفسيهما ، وإذا كان هؤلاء لا يستطيعون الادعاء بأنّهم أوجدوا ذلك كله ، فإنّه لا بدّ لهذا كله من موجد ، وهذا الموجد هو الله سبحانه وتعالى .



    موقف العلوم التجريبية من هذا القانون :


    إنّ طاقة البشر وطبيعة المخلوق ، أعجز من أن تحصي مراحل الأسباب مرحلة مرحلة ، وتتابع سلسلتها حلقة حلقة ، حتى تشهد بداية العالم ، ولذلك يئست العلوم التجريبية من معرفة أصول الأشياء ، وأعلنت عدولها عن هذه المحاولة ، وكان قصاراها أن تخطو خطوات معدودة إلى الوراء ، تاركة ما بعد ذلك إلى ساحة الغيب التي يستوي في الوقوف دونها العلماء والجهلاء .



    لا بدّ للعقل من الاعتراف :


    ولكنّ هذا اليأس الإنساني من معرفة أطوار الكائنات تفصيلاً في ماضيها ومستقبلها ، يقابله يقين إجمالي ينطوي كلّ عقل على الاعتراف به طوعاً أو كرهاً ، وهو أنّه مهما طالت الأسباب الممكنة ، وسواء أفرضت متناهية أو غير متناهية ، فلا بدّ لتفسيرها وفهمها ومعقولية وجودها من إثبات شيء آخر يحمل في نفسه سبب وجوده وبقائه ، بحيث يكون هو الأول الحقيقي الذي ليس قبله شيء ، وإلا لبقيت كلّ هذه الممكنات في طيّ الكتمان ( إن لم يكن لها مبدأ ذو وجود مستقل ) .




    [البقية تأتي بإذن الله]









    --------------------------------
    (1) حتى الشيوعيين اليوم الذين أرادوا أن يتحرروا من عبادة الآلهة بزعمهم يعبدون مؤسس المذهب ، فتراهم يمرون أمام جثته المحنطة في الميدان الأحمر في ذكرى يوم وفاته خاضعين حانين رؤوسهم ، لقد جعلوه إلهاً ، وبدلاً من أن يعبدوا خالق البشر عبدوا ميتاً من البشر ، فبعداً لهم . هذا ما دونته قبل خمس عشرة سنة ، وقبل سنوات هدم القائمون على المذهب الشيوعي مذهبهم ، وألقوا جثث قادة المذهب ، كما ألقوا عقائدهم وأفكارهم .
    (2) صحيح البخاري : 3/245 ، ورقمه : 1385 ، ورواه مسلم في صحيحه : 4/2047 ، ورقمه : 2658 .
    (3) رواه مسلم في صحيحه : 4/1712 . ورقمه : 2175 .
    (4) نحلته : منحته .
    (5) صحيح مسلم : 4/2197 ، ورقمه : 2865 .
    (6) صحيح البخاري : 8/603 ، ورقمه : 4854 .
    (7) الأسماء والصفات للبيهقي : 1/391 .

  3. #3
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    الرد على شبهات الملحدين في نشأة الكون (المصادفة)

    نسمع ونقرأ شبهات قيلت في القديم ، وتقال اليوم ، يحاول أصحابها أن يعللوا بها وجود الكون ، وسنحاول أن نعرض لبعض هذه الشبهات ، ثم نبين ما فيها من باطل .


    ا- القول بالمصادفة

    بعد توضيح الدليل القرآني الذي يخاطب العقول ، ويلزمها بالاعتراف بوجود الخالق المعبود ، يبدو القول إنّ هذا الكون خلق مصادفة من غير خالق ليس قولاً بعيداً عن الصواب فحسب ، بل قول بعيد عن المعقول يدخل صاحبه في عداد المخرفين الذين فقدوا عقولهم أو كادوا ، فهم يكابرون في الدليل الذي لا يجد العقل بُدّاً من التسليم به .
    لقد وجد من يقول : " لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة ، وظلت تضرب على حروفها بلايين السنين ، فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبتها قصيدة من قصائد شكسبير ، فكذلك الكون الموجود الآن ، إنما وجد نتيجة لعمليات عمياء ، ظلت تدور في (( المادة )) لبلايين السنين " .
    يقول وحيد الدين خان (1) بعد نقله لهذه الفقرة من كلام ( هكسلي ) (2) : " إنَّ أيّ كلام من هذا القبيل لغو مثير بكل ما تحويه هذه الكلمة من معان ، فإنّ جميع علومنا تجهل – إلى يوم الناس هذا – أية مصادفة أنتجت واقعاً عظيماً ذا روح عجيبة ، في روعة الكون " .
    وينقل عن عالم آخر إنكاره لهذه المقالة قوله : " إنّ القول إن الحياة وجدت نتيجة حادث اتفاقي شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة " .
    ويقرر وحيد الدين خان : " أنّ الرياضيات التي تعطينا نكتة المصادفة ، هي نفسها التي تنفي أيّ إمكان رياضي في وجود الكون الحالي بفعل قانون المصادفة " .
    وخذ هذا المثال الذي نقله وحيد الدين خان عن العالم الأمريكي ( كريستي موريسون ) يبين فيه استحالة القول بوجود الكون مصادفة :
    قال : " لو تناولت عشرة دراهم ، وكتبت عليها الأعداد من واحد إلى عشرة ، ثم رميتها في جيبك ، وخلطتها جيداً ، ثم حاولت أن تخرج من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي بحيث تلقي كلّ درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى ، فإمكان أن نتناول الدرهم المكتوب عليه واحد في المحاولة الأولى هو واحد في العشرة ، وإمكان أن نخرج الدراهم من (1-10) بالترتيب واحد في عشرة بلايين ".(3)
    وعلى ذلك فكم يستغرق بناء هذا الكون لو نشأ بالمصادفة والاتفاق ؟ إنَّ حساب ذلك بالطريقة نفسها يجعل هذا الاحتمال خيالياً يصعب حسابه فضلاً عن تصوره .
    إنَّ كلَّ ما في الكون يحكي أنَّه إيجاد موجد حكيم عليم خبير ، ولكنَّ الإنسان ظلوم جهول (
    قتل الإنسان ما أكفره – من أي شيء خلقه – من نطفةٍ خلقه فقدره – ثم السبيل يسره – ثم أماته فأقبره – ثم إذا شاء أنشره – كلا لمّا يقض ما أمره – فلينظر الإنسان إلى طعامه – أنا صببنا الماء صباً – ثم شققنا الأرض شقاً – فأنبتنا فيها حباً – وعنباً وقضباً – وزيتوناً ونخلاً ) [ عبس : 17-29 ] .
    كيف يمكن أن تتأتى المصادفة في خلق الإنسان وتكوينه ، وفي صنع طعامه على هذا النحو المقدّر الذي تشارك فيه الأرض والسماء ، وصدق الله في وصفه للإنسان ( إنَّه كان ظلوماً جهولاً ) [ الأحزاب : 72 ] . (4)


    2- قالوا الطبيعة هي الخالق

    وهذه فرية راجت في عصرنا هذا ، راجت حتى على الذين نبغوا في العلوم المادّية ، وعلل كثيرون وجود الأشياء وحدوثها بها ، فقالوا : الطبيعة هي التي تُوجد وتُحدِث .
    وهؤلاء نوجه لهم هذا السؤال : ماذا تريدون بالطبيعة ؟ هل تعنون بالطبيعة ذوات الأشياء ؟ أم تريدون بها السنن والقوانين والضوابط التي تحكم الكون ؟ أم تريدون بها قوة أخرى وراء هذا الكون أوجدته وأبدعته ؟
    إذا قالوا : نعني بالطبيعة الكون نفسه ، فإننا لا نحتاج إلى الردّ عليهم ، لأنّ فساد قولهم معلوم ممّا مضى ، فهذا القول يصبح ترديداً للقول السابق إنّ الشيء يوجد نفسه ، أي : إنّهم يقولون الكون خلق الكون ، فالسماء خلقت السماء ، والأرض خلقت الأرض ، والكون خلق الإنسان والحيوان ، وقد بيّنا أنّ العقل الإنساني يرفض التسليم بأنّ الشيء يوجد نفسه ، ونزيد الأمر إيضاحاً فنقول : والشيء لا يخلق شيئاً أرقى منه ، فالطبيعة من سماء وأرض ونجوم وشموس وأقمار لا تملك عقلاً ولا سمعاً ولا بصراً ، فكيف تخلق إنساناً سميعاً عليماً بصيراً ! هذا لا يكون .
    فإن قالوا : خُلق ذلك كله مصادفة ، قلنا : ثبت لدينا يقيناً أن لا مصادفة في خلق الكون ، وقد تبينا ذلك فيما سبق .


    نظرية التولد الذاتي ( شبهة ثبت بطلانها ) :

    وكان مما ساعد على انتشار الوثنية الجديدة ( القول إنّ الطبيعة هي الخالق ) هو ما شاهده العلماء الطبيعيون من تكون (دود) على براز الإنسان أو الحيوان ، وتكوّن بكتيريا تأكل الطعام فتفسده ، فقالوا : ها هي ذي حيوانات تتولد من الطبيعة وحدها .
    وراجت هذه النظرية التي مكنت للوثن الجديد ( الطبيعة ) في قلوب الضالين التائهين بعيداً عن هدى الله الحق ، لكنّ الحق ما لبن [لبث] أن كشف باطل هذه النظرية على يد العالم الفرنسي المشهور ( باستير ) الذي أثبت أنّ الدود المتكون ، والبكتيريا المتكونة المشار إليها لم تتولد ذاتياً من الطبيعة ، وإنّما من أصول صغيرة سابقة لم تتمكن العين من مشاهدتها ، وقام بتقديم الأدلة التي أقنعت العلماء بصدق قوله ، فوضع غذاء وعزله عن الهواء ، وأمات البكتريا بالغليان ، فما تكونت بكتيريا جديدة ، ولم يفسد الطعام ، وهذه النظرية التي قامت عليها صناعة الأغذية المحفوظة ( المعلبات ) . (5)


    الطبيعة هي القوانين التي تحكم الكون :

    ويرى فريق آخر أنّ الطبيعة هي القوانين التي تحكم الكون ، وهذا تفسير الذين يدّعون العلم والمعرفة من القائلين إنّ الطبيعة هي الخالق ، فهم يقولون : إنّ هذا الكون يسير على سنن وقوانين تسيّره وتنظم أموره في كل جزئية ، والأحداث التي تحدث فيه تقع وفق هذه القوانين ، مثله كمثل الساعة التي تسير بدقة وانتظام دهراً طويلاً ، فإنها تسير بذاتها بدون مسيّر .
    وهؤلاء في واقع الأمر لا يجيبون عن السؤال المطروح : من خلق الكون ؟
    ولكنهم يكشفون لنا عن الكيفية التي يعمل الكون بها ، هم يكشفون لنا كيف تعمل القوانين في الأشياء ، ونحن نريد إجابة عن موجد الكون وموجد القوانين التي تحكمه .
    يقول وحيد الدين خان : " كان الإنسان القديم يعرف أنّ السماء تمطر ، لكننا اليوم نعرف كلّ شيء عن عملية تبخر الماء في البحر ، حتى نزول قطرات الماء على الأرض ، وكلّ هذه المشاهدات صور للوقائع ، وليست في ذاتها تفسيراً لها ، فالعلم لا يكشف لنا كيف صارت هذه الوقائع قوانين ؟ وكيف قامت بين الأرض والسماء على هذه الصورة المفيدة المدهشة ، حتى إنّ العلماء يستنبطون منها قوانين علمية .
    إنّ ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطبيعة أنّه قد كشف تفسير الكون ليس سوى خدعة لنفسه ، فإنّه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة .


    إن الطبيعة لا تفسّر شيئاً ( من الكون ) وإنّما هي نفسها بحاجة إلى تفسير .

    واقرأ هذه المحاورة التي يمكن أن تجرى بين رجل نابِه ، وأحد الأطباء الأفذاذ في علمهم :
    السائل : ما السبب في احمرار الدم ؟
    الطبيب : لأنّ في الدّمِ خلايا حمراء ، حجم كل خلية منها : 1/700 من البوصة .
    السائل : حسناً ، ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء ؟
    الطبيب : في هذه الخلايا مادة تسمى ( الهميوجلوبين ) ، وهي مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأكسجين في القلب .
    السائل : هذا جميل ، ولكن من أين تأتي هذه الخلايا التي تحمل ( الهميوجلوبين ) ؟
    الطبيب : إنها تصنع في كبدك .
    السائل : عجيب ! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء الكثيرة من الدّم والخلايا والكبد وغيرها ، بعضها ببعض ارتباطاً كلياً وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدّقة الفائقة ؟
    الطبيب : هذا ما نسميه بقانون الطبيعة .
    السائل : ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا يا سيادة الطبيب ؟
    الطبيب : المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية والكيماوية .
    السائل : ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائماً إلى نتيجة معلومة ؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء ، ويعيش السمك في الماء ، ويوجد إنسان في الدّنيا ، بجميع ما لديه من الإمكانات والكفاءات العجيبة المثيرة ؟
    الطبيب : لا تسألني عن هذا ، فإنّ علمي لا يتكلم إلا عما يحدث ، وليس له أن يجيب : لماذا يحدث ؟

    يتضح من هذه الأسئلة مدى صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والأسباب وراء هذا الكون : إن مثل الكون كمثل آلة تدور تحت غطائها ، لا نعلم عنها إلا أنّها تدور (( ولكن لو فتحنا غطاءها فسوف نشاهد كيف ترتبد هذه الآلة بدوائر وتروس كثيرة ، يدور بعضها ببعض ، ونشاهد حركاتها كلّها . هل معنى هذا أنّنا قد علمنا خالق هذه الآلة بمجرد مشاهدتنا لما يدور بداخلها ؟ كيف يفهم منطقياً أن مشاهدتنا هذه أثبتت أن الآلة جاءت من تلقاء ذاتها ، وتقوم بدورها ذاتياً ؟! " . (6)


    الطبيعة قوة :

    فإن وجد من يقول : إن الطبيعة قوة أوجدت الكون ، وإنها قوة حيّة سميعة بصيرة حكيمة قادرة ... فإنّنا نقول لهم : هذا صواب وحقّ ، وخطؤكم أنكم سمّيتم هذه القوة (الطبيعة) ، وقد دلتنا هذه القوة المبدعة الخالقة ، على الاسم الذي تستحقه وهو ( الله ) ، الله عرّفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، فعلينا أن نسميه بما سمّى به نفسه سبحانه وتعالى .

    كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم :

    هؤلاء الذين نسبوا الخلق إلى الطبيعة لهم سلف قالوا قريباً من قولهم ، وهم الدهرية الذين نسبوا الأحداث إلى الدهر ، فقد شاهدوا أنّ الصغير يكبر ، والكبير يهرم ، والهرِم يموت بمرور الزمان ، وتعاقب الليل والنهار ، فنسبوا الحياة والموت إلى الدهر (
    وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علمٍ إن هم إلا يظنون ) [ الجاثية : 24 ] .
    أولئك نسبوا الأحداث إلى الزمان ، وهؤلاء إلى ذوات الأشياء فهما صنوان في الضلال .


    الرد على شبهات الملحدين في نشأة الكون ( دارون )
    3- نظرية دارون (7)


    حاول أصحاب هذه النظرية أن يعللوا بها وجود الأحياء ، وقد شاعت هذه النظرية ، وعمل كثيرون على نشرها بحسن نية ، لظنّهم أنّها حقيقة علمية ، وعمل آخرون على نشرها بسوء نية ، لأنّها وافقت أهواءهم ، فهي تكذب بالأديان التي وصفت خلق الإنسان ، وبذلك يجد الطاعنون في الدِّين دليلاً من العلم يرتكزون عليه ، ويدلِّسون على النَّاس به .
    ماذا تقول هذه النظرية ؟
    تزعم هذه النظرية أنّ أصل المخلوقات حيوان صغير ، نشأ من الماء ، ثم أخذت البيئة تفرض عليه من التغييرات في تكوينه ممّا أدّى إلى نشوء صفات جديدة في هذا الكائن ، أخذت هذه الصفات المكتسبة تورث في الأبناء حتى تحولت مجموع هذه الصفات الصغيرة الناشئة من البيئة عبر ملايين السنين إلى نشوء صفات كثيرة راقية جعلت ذلك المخلوق البدائي مخلوقاً أرقى ، واستمر ذلك النشوء للصفات بفعل البيئة والارتقاء في المخلوقات ، حتى وصل إلى هذه المخلوقات التي انتهت بالإنسان .


    أساس النظرية :

    1- تعتمد النظرية على أساس ما شوهد في زمن (( دارون )) من الحفريات الأرضية ، فقد وجدوا أنّ الطبقات القديمة تحتوي على كائنات أولية ، وأنّ الطبقات التي تليها تحتوي على كائنات أرقى فأرقى . فقال (( دارون )) : " إنّ تلك الحيوانات الراقية قد جاءت نتيجة للنشوء والارتقاء من الحيوانات والكائنات الأولى " .
    2- وتعتمد أيضاً على ما كان معروفاً في زمن (( دارون )) من تشابه جميع أجنّة الحيوانات في أدوارها الأولى ، فهو يوحي بأنّ أصل الكائنات واحد ، كما أنّ الجنين واحد ، وحدث التطور على الأرض كما يحدث في أرحام الكائنات الحيّة .
    3- كما تعتمد النظرية على وجود الزائدة الدودية في الإنسان التي هي المساعد في هضم النباتات ، وليس لها الآن عمل في الإنسان مما يوحي بأنّها أثر بقي من القرود لم يتطور ؛ لأنها تقوم بدورها في حياة القرود .


    شرح (( دارون )) لعملية التطور وكيف تمّت :
    1- الانتخاب الطبيعي : تقوم عوامل الفناء بإهلاك الكائنات الضعيفة الهزيلة ، والإبقاء على الكائنات القوية ، وذلك ما يسمّى بزعمهم بقانون (( البقاء للأصلح )) ، فيبقى الكائن القوي السليم الذي يورث صفاته القوية لذريته ، وتتجمع الصفات القوية مع مرور الزمن مكونة صفة جديدة في الكائن ، وذلك هو (( النشوء )) الذي يجعل الكائن يرتقي بتلك الصفات الناشئة إلى كائن أعلى ، وهكذا يستمر التطور ، وذلك هو الارتقاء .
    2- الانتخاب الجنسي : وذلك بوساطة ميل الذكر والأنثى إلى التزوج بالأقوى والأصلح ، فتورث بهذا صفات الأصلح ، وتنعدم صفات الحيوان الضعيف لعدم الميل إلى التزاوج بينه وبين غيره .
    3- كلما تكونت صفة جديدة ، ورثت في النسل .


    تفنيد الأساس الذي قامت عليه النظرية :

    علم الحفريات لا يزال ناقصاً ، فلا يدّعي أحد أنّه قد كمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار ، فلم يجد شيئاً جديداً ينقض المقررات السابقة .
    وعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فإنّ وجود الكائنات الأولى البدائية أولاً ، ثم الأرقى ليس دليلاً على تطور الكائنات الراقية من الكائنات الأدنى ، بل هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود ، وإذا كانت الحفريات في زمن (( دارون )) تقول : إنّ أقدم عمر للإنسان هو ستمائة ألف سنة ، فإنّ الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدّرت أنّ عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين .
    أليس هذا أكبر دليل على أنّ علم الحفريات متغيّر لا يبنى عليه دليل قطعيّ ، وأنّه قد ينكشف في الغد من الحقائق عكس ما كنّا نؤمل ؟
    ولقد كتب الدكتور مصطفى شاكر سليم تعليقاً على كتاب (( الإنسان في المرآة )) للمؤلف ( كلايد كلوكهون ) حول إنسان ( يناندرتال ) الذي يزعم أنصار نظرية (دارون) أنّه أوّل إنسان تطور من القرود أو الغوريلا . فقال الدكتور مصطفى : ويتصف ( إنسان يناندرتال ) بالصفات الطبيعية الرئيسة الآتية : مخ أكبر حجماً من مخ الإنسان المعاصر ، وجمجمة كبيرة عريضة . إلى أن قال : إلى جانب أنّ السلسلة التي تغطيها الحفريات مقطعة غير متصلة بما يسمى ( الحلقات المفقودة ) .
    يقول الدكتور ( سوريال ) في كتابه (( تصدّع مذهب دارون )) :
    1- إنّ الحلقات المفقودة ناقصة بين طبقات الأحياء ، وليست بالناقصة بين الإنسان وما دونه فحسب ، فلا توجد حلقات بين الحيوانات الأولية ذات الخلية الوحيدة والحيوانات ذوات الخلايا المتعددة ، ولا بين الحيوانات الرخوية وبين الحيوانات المفصلية ، ولا بين الحيوانات اللافقرية وبين الأسماك والحيوانات البرمائية ، ولا بين الأخير وبين الزحافات والطيور ، ولا بين الزواحف وبين الحيوانات الآدمية ، وقد ذكرتها على ترتيب ظهورها في العصور الجيولوجية .
    2- تشابه أجنة الحيوانات : ذلك خطأ كبير وقع فيه بعض العلماء ، نتيجة لعدم تقدم الآلات المكبّرة التي تبين التفاصيل الدقيقة التي تختلف بها أجنة الحيوانات بعضها عن بعض في التكوين والتركيب والترتيب ، إلى جانب التزييف الذي قام به واضع صور الأجنّة المتشابهة العالم الألماني ( أرنست هيكل ) فإنّه أعلن بعد انتقاد علماء الأجنة له أنّه اضطرّ إلى تكملة الشبه في نحو ثمانية في المئة من صور الأجنّة لنقص الرسم المنقول .
    3- أما وجود الزائدة الدودية في الإنسان كعضو أثري للتطور القردي فليس دليلاً قاطعاً على تطور الإنسان من القرد ، بل يكون سبب وجودها هو وراثتها من الإنسان الجدّ الذي كان اعتماده على النباتات ، فخلقت لمساعدته في هضم تلك النباتات ، كما أنّ العلم قد يكشف أنّ لها حقيقة لا تزال غائبة عنّا حتى اليوم .
    فالعلم كل يوم إلى ازدياد ، وإذا كانت الخنوثة من صفات الكائنات الأولية الدنيا ، والزوجية من خصائص الكائنات الراقية ، فإنّ الثدي من أمارات الأنوثة ، ونجد الفيل الذكر له ثدي كما للإنسان ، في حين ذكور ذوات الحافر كالحصان والحمار لا ثدي لها إلا ما يشبه أمهاتها . فكيف بقي أثر الخنوثة في الإنسان ، ولم يبق فيما هو أدنى منه ؟ مع أنّ ( دارون ) يزعم أنّ الإنسان تطوّر مما هو أدنى منه .


    تفنيد شرح دارون لعملية التطور :

    1- يقول ((دارون)) : إنّ هناك ناموساً أو قانوناً يعمل على إفناء الكائنات الحية ، فلا يبقى إلا الأصلح الذي يورث صفاته لأبنائه ، فتتراكم الصفات القوية حتى تكون حيواناً جديداً ، حقاً هناك نظام وناموس وقانون يعمل على إهلاك الكائنات الحية جميعها قويها وضعيفها ، لأنّ الله قدّر الموت على كلّ حي ؛ إلا أنّ نظاماً وناموساً يعمل بمقابلة هذا النظام ، ذلك هو قانون التكافل على الحياة بين البيئة والكائن ، لأنّ الله قدّر الحياة فهيّأ أسبابها ، فنجد الشمس والبحار والرياح والأمطار والنباتات والجاذبية ، كلّ هذه وغيرها تتعاون للإبقاء على حياة الإنسان وغيره من الحيوانات .
    فالنَّظر إلى عوامل الفناء وغض النظر عن عوامل البقاء يُحدث خللاً في التفكير ، فإذا كان هناك سنة للهلاك ، فهناك سنة للحياة ، ولكلٍ دورٌ في الحياة ، وإذا كانت الظروف الطبيعية : من رياح ورعد وحرارة وماء وعواصف وغيرها قادرة على تشويه الخلق أو تدمير صنعه كطمس عين أو تهديهم بناء ، فإنّه من غير المعقول أن تقدر هذه الظروف الطبيعية الميتة الجامدة والبليدة أن تنشئ عيناً ، لمن لا يملك عيناً ، أو تصلح بناء فيه نقص .
    إنَّ العقل يقبل أن تكون الظروف الطبيعية صالحة لإحداث الخراب والهلاك ، لكنَّه من غير المعقول أن تكون هذه الظروف صالحة لتفسير الخلق البديع والتصوير والتكوين المنظم المتقن ، إن أي عضو من أعضاء الكائنات الحية قد رُسم بإتقان ، وكوّن بنظام ، ورتبت أجزاؤه بحكمة بالغة محيّرة ، ونسق عمله مع غيره في غاية الإبداع ، ومن المحال أن ينسب ذلك الإتقان والنظام البديع إلى خبط الظروف الطبيعية العشواء .
    قال (( جمال الدين الأفغاني )) في كتابه (( الردّ على الدهريين )) بعد نقاش لهذه النظرية : وبعد ذلك فإني سائلهم كيف اطلع كلّ جزء من أجزاء المادة مع انفصالها على مقاصد سائر الأجزاء ؟ وبأية آلة أفهم كلّ جزء منها بقية الأجزاء بما ينويه من مطلبه ؟ وأي ( برلمان أو سينات ) – مجلس الشيوخ – عقدت لإبداع هذه المكونات العالمية التركيب البديعة التأليف ؟ وأنّى لهذه الأجزاء أن تعلم – وهي في بيضة العصفور – ضرورة ظهورها في هيئة الطير يأكل الحبوب ، فمن الواجب أن يكون له منقار وحوصلة لحاجته في حياته ؟ .
    إنّ هذا المبدأ الذي أطلقه (دارون) (البقاء للأصلح) قد دمّر الحياة البشرية ، لأنّه أعطى المسوغ لكلّ ظالم فرداً كان أو حكومة ، لأنّ الظالم وهو يمارس غصبه وظلمه وحربه ومكره لا يمارس رذائل خلقية ، إنّما هو يمارس قانوناً من قوانين الفطرة كما زعم ( دارون ) ، إنه يمارس قانون ( البقاء للأصلح ) ، وذلك الزعم هو الذي أعطى حركة الاستعمار كلّ بشاعتها .
    2- أمّا الانتخاب الطبيعي الذي يكون به الميل في التناسل بين الأفراد القويّة مما سبب اندثار الأفراد الضعاف ، وبقاء الأقوى ، فليس ذلك دليلاً على حدوث تطور في النوع ، بل يفهم منه بقاء النوع القوي من النوع نفسه واندثار النوع الضعيف .
    أمَّا إذا قيل : إنَّ تطوراً يحدث على كائن ما فإنَّه يحدث فيه فتوراً جنسياً ؛ لأنّ الألفة بين الذكور والإناث تنقص بقدر التباعد والاختلاف بينهما في الشكل . ذلك ما يقوله (دوير زانسكي) أشهر المختصين بالجيولوجية النوعية عام 1958م بعد قرن من (دارون) ، فمن قوله في هذا : " المخالفة في الشكل تضعف الميل التناسلي منه ، فالميل إلى التناسل يضعف بين الأشكال والأنواع المختلفة بقدر ذلك الاختلاف . وليس صحيحاً أنّ الصفات المحسنة في فرد من الأفراد تنقل بوساطة الوراثة .
    فمثلاً هذا الحداد القويّ العضلات لا تنتقل قوة عضلاته إلى ذريته ، كما أنّ العالم الغزيز العلم لا ينتقل علمه بالوراثة إلى أبنائه " .
    3- أما القول بحدوث نشوء لبعض الخصائص والصفات العارضة ، ثم توريثها في النسل ، فذلك ما يرفضه علم الوراثة الحديث . فكلّ صفة لا تكمن في الناسلة ، ولا تحتويها صبغة من صبغاتها فهي صفة عارضة ، لا تنتقل إلى الذرية بالوراثة .
    يقول الأستاذ ( نبيل جورج ) أحد ثقات هذا العلم : " إنّ الانتخاب الطبيعي لأجل هذا لا يصلح لتعليل مذهب النشوء ، أو مذهب التطور ؛ لأنّه يعلل زوال غير الصالح ونشأة المزايا الموروثة بين الأفراد ، والقائلون بالطفرة يقصدون أنّ الحيوان الذي لم يكن له عين تتكون له العين فجأة بوساطة بعض الأشعة .
    فقد ثبت لدى المختصين أنّ الأشعة السينية تغيّر العدد في الناسلات ، لكنّ أثر الأشعة تغيير لما هو موجود ، لا إنشاء ما ليس له وجود ، فعدد ناسلات القرد غير عدد ناسلات الإنسان ، والأشعة لا تؤثر إلا في الناسلات الموجودة فضلاً من أن تحدث هذه الأشعة التي لا عقل لها ولا إدراك عقلاً للإنسان يتميز به عن القرد وغيره من سائر الحيوانات .
    إنّ الأشعة تؤثر في الناسلات تأثيراً أقرب إلى التشويه منه إلى الإصلاح كما يحدث من الأشعة الذريّة . وإلى جانب مخالفة علم الوراثة ( لنظرية دارون ) فإنّ التجربة تنقضه ، فها هم اليهود والمسلمون من بعدهم يختنون أبناءهم ، ولكن ذلك كله لم يسبب أن وُلد أطفالهم بعد مرور السنين مختونين ، وهكذا فكلما تقدم العلم أثبت بطلان نظرية (دارون).


    النظرية لا يؤيدها الواقع المشاهد :

    1- لو كانت النظرية حقا لشاهدنا كثيراً من الحيوانات والإنسان تأتي إلى الوجود عن طريق التطور ، لا عن طريق التناسل فقط . وإذا كان التطور يحتاج إلى زمن طويل فذلك لا يمنع من مشاهدة قرود تتحول إلى آدميين في صورة دفعات متوالية .
    2- لو سلمنا أنّ الظروف الطبيعية والانتخاب الطبيعي ؛ قد طورت قرداً إلى رجل – مثلاً – فإنّا لن نسلم أبداً بأن هذه الظروف قد قرّرت أيضاً أن تكون امرأة لذلك الرجل ، ليستمرا في التناسل والبقاء مع الموازنة بينهما .
    3- إن القدرة على التكيف التي نشاهدها في المخلوقات كالحرباء التي تتلون بحسب المكان ، هي مقدرة كائنة في تكون المخلوقات ، تولد معها ، وهي عند بعضها وافرة ، وعند بعضها الآخر تكاد تكون معدومة ،وهي عند جميع المخلوقات محدودة لا تتجاوز حدودها ، فالقدرة على التكيف صفة كامنة ، لا صفة متطورة تكونها البيئة كما يزعم أصحاب النظرية ، وإلا كانت البيئة فرضت التكيف على الأحجار والأتربة وغيرها من الجمادات .
    4- تمتاز الضفادع على الإنسان بمقدرة على الحياة في البر والماء ، كما تمتاز الطيور عليه بمقدرة الطيران والانتقال السريع وذلك بدون آلة ، كما أن أنف الكلب أشدّ حساسية من أنف الإنسان ، فهل أنف الكلب أكثر رقياً من أنف الإنسان ؟
    وهل الضفادع والطيور أرقى من الإنسان في بعض الجوانب ؟
    كما أنَّ عين الجمل أو الحصان أو الحمار ترى في النهار وفي المساء على السواء ، في حين تعجز عين الإنسان عن الرؤية في الظلام ، كما أن عين الصقر أشدّ حدة من عين الإنسان . فهل الصقر أو الحمار أرقى من الإنسان ؟ وإذا أخذنا الاكتفاء الذاتي أساساً للرقي كما هو بالنسبة لحال الدول فإنّ النبات يفوق الإنسان وجميع الحيوانات ، لأنّه يصنع طعامه وطعام غيره دون أن يحتاج لغذاء من غيره .
    وإذا أخذنا الضخامة أساساً للرقي ، عندئذ يجب أن يكون الجمل والفيل وحيوانات ما قبل التاريخ الضخمة أرقى من الإنسان .


    موقف علماء الطبيعة من النظرية :

    1- المؤيدون للنظرية وتأييدهم كان أكثره انتصاراً لحرية الفكر الذي كانت الكنيسة تحاربه وتقاومه ، فقد شن علماء الطبيعة حرباً ضد قسس الكنيسة وأفكارهم بعد أن نشبت حرب طاحنة بين الفريقين .
    2- المعارضون ، وهم المطالبون بدليل محسوس على فعل ( الانتخاب الطبيعي ) في تحويل الأنواع ، ولا سيما نوع الإنسان ، فالمعترضون عليه طلباً للأدلة الطبيعية لا يقلون عدداً أو اعتراضاً عن المعترضين اللاهوتيين في أوربا .

    وهذه بعض آراء العلماء المعارضين كما نقلها الأستاذ إبراهيم حوراني : " إنّ العلماء لم يثبتوا مذهب ((دارون)) بل نفوه ، وطعنوا فيه ، مع علمهم أنّه بحث فيه عشرين سنة " . ومنهم العلامة ((نشل)) ، والعلامة ((دلاس)) قال ما خلاصته : " إنّ الارتقاء بالانتخاب الطبيعي لا يصدق على الإنسان ، ولا بد من القول بخلقه رأساً " .
    ومنهم ((فرخو)) قال : " إنّه يتبين لنا من الواقع أن بين الإنسان والقرد فرقاً بعيداً ، فلا يمكننا أن نحكم بأنّ الإنسان سلالة قرد أو غيره من البهائم ، ولا يحسن أن نتفوّه بذلك " .
    ومنهم ((ميفرت)) قال بعد أن نظر في حقائق كثيرة من الأحياء : " إنّ مذهب ((دارون)) لا يمكن تأييده ، وإنّه من آراء الصبيان " .
    ومنهم العلامة ((فون بسكون)) قال بعد أن درس هو و ((فرخو)) تشريح المقابلة بين الإنسان والقرد : " إنّ الفرق بين الاثنين أصلي وبعيد جداً ... " .
    ومنهم العلامة ((أغاسيز)) قال في رسالة في أصل الإنسان تليت في ندوة العلم الفيكتورية ، ما خلاصته : إنّ مذهب (دارون) خطأ على باطل في الواقع ، وأسلوبه ليس من العلم في شيء ، ولا طائل تحته .
    ومنهم العلامة ((هكسلي)) وهو من (اللاأدرية) وصديق (لدارون) قال : إنَّه بموجب ما لنا من البينات لم يثبت قط أن نوعاً من النبات أو الحيوان نشأ بالانتخاب الطبيعي أو الانتخاب الصناعي .
    ومنهم العلامة ((تندل)) وهو مثل ((هيكل)) قال : " إنّه لا ريب في أنّ الذين يعتقدون بالارتقاء يجهلون أنّه نتيجة مقدمات لم يعلم بها ، ومن المحقق عندي أنه لا بدّ من تغيير مذهب (دارون) " .


    نظرية لا حقيقة :

    لذلك كله فقد أطلق على ما قاله (دارون) بشأن التطور (نظرية التطور) ، وهناك فرق كبير لدى العلماء بين النظرية والحقيقة أو القانون . فالنظرية في اصطلاحهم هي ما تحتمل التصديق والتكذيب ، أما الحقيقة أو القانون فلا يحتمل وجهاً من أوجه الباطل .


    لماذا انتشرت إذن؟
    سبب انتشار هذه النظرية هو مَجيئُها في وقت أذن الله فيه أن يظهر باطل ذلك الدّين المحرف المغير ( النصرانية ) على أيدي جماعة من أبنائه ، فكان لتقدم العلوم أثر كبير في كشف زيف ذلك الدين ، مما أدّى إلى نشوب معركة ضارية ذهب ضحيتها آلاف من علماء الطبيعة ، وفي المعترك الحامي أخذ كل فريق في استخدام كل سلاح ضد خصمه ، فانتشرت هذه النظرية سلاحاً أشهره علماء الطبيعة في وجه دينهم ، ثمّ في وجه كلّ دين وطئت أقدامهم المستعمرة أرضه ؛ لاعتقادهم بصدق هذه النظرية ، وانتقاماً من ذلك الدّين الباطل الذي وقف حجر عثرة أمام البحث في ميادين العلوم الطبيعية ، ثم وسيلة لتحطيم أديان الأمم المستعمرة حتى يسهل على المستعمرين السيطرة على هذه الشعوب .
    وهكذا فرض التعليم الاستعماري هذه النظرية بعد أن حطم دينها في مناهج الدراسة ، وقدمها في ثوب ( علمي ) حتى يستطيع أن يقنع الطلاب بصدق هذه النظرية ليقرر ما ألقي في أذهان الطلاب من خلاف بين العلم الذي زيفوه والدّين ، فيكفر الناس بدينهم .
    ويكفي أن يعرف القارئ أنّه بوساطة هذه النظرية انحرف كثير من أبناء الإسلام عن دينهم ، ولذلك فقد حرص الاستعمار على تعليم هذه النظرية لأبناء المسلمين في مدارسنا في الوقت الذي يحرّم فيه القانون الأمريكي تعليم هذه النظرية في المدارس منذ سنة 1935م .
    ولكن أوربا بعد أن قضت على دينها المحرف عادت لتعلن أنّ نظرية (دارون) التي استخدمتها في المعركة لدعم موقفها ليست حقيقة علمية ، وإنما هي نظرية كلما تقدمت العلوم كشفت عن باطلها .


    القرآن ونظرية دارون :

    حين يتكلم القرآن في الحقائق الأزلية فعلى الناس أن يصغوا وينصتوا ( وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) [ الأعراف : 204 ] ، لأنه من العليم الخبير الذي أحاط بكل شيء علماً ، وما عِلم الإنسان؟ !‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍ إنّه لا شيء بجانب علم الله ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) [ البقرة : 216 ] .
    وكيف لا يعلم أمر خلقه وهو الذي خلقهم (
    ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [ الملك : 14 ] .
    وكيف يسمح النّاس لأنفسهم أن يتحدثوا عن أصلهم البعيد وهم لم يشهدوا ذلك الخلق (
    مَّا أشهدتُّهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) [ الكهف : 51 ] .
    وما داموا لم يشهدوا ، فإنّ صوابهم في هذا المجال قليل ، وخطؤهم كثير .


    عكس هذه النظرية هو الصواب :

    الذي يقرره العليم الخبير خالق الإنسان مخالف تماماً لما قرره هؤلاء الجاهلون ، فالله يخبرنا أنّه خلق الإنسان خلقاً مستقلاً مكتملاً ، وقد أخبر ملائكته بشأن خلقه قبل أن يوجده (
    وإذ قال ربك للملائِكة إنّي جاعلٌ في الأرض خليفةً ) [ البقرة : 30 ] .
    وحدثنا عن المادة التي خلقه منها ، فقد خلقه من تراب (
    فإنَّا خلقناكم من ترابٍ ) [الحج : 5] .
    وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (
    إنّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، منهم الأحمر والأبيض والأسود ، وبين ذلك ، والسهل والحزْنُ ، والخَبِيثُ والطيبُ ) . (8)
    والماء عنصر في خلق الإنسان (
    والله خلق كل دابةٍ من مَّاءٍ ) [ النور : 45 ] ، فهو من ماء وتراب : ( هو الذي خلقكم من طينٍ ) [ الأنعام : 2 ] .
    هذا الطين تحوّل إلى صلصال كالفخار (
    خلق الإنسان من صلصالٍ كالفخَّار ) [الرحمن : 14] .
    وقد خلقه الله بيديه (
    قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) [ص:75] .
    وقد خلقه مجوّفاً منذ البداية ، ففي الحديث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لما صوَّر الله آدم في الجنَّة تركه ما شاء الله أن يتركه ، فجعل إبليسُ يطيفُ به ينظر ، فلمّا رآهُ أجوف عرف أنّه خُلق خلقاً لا يتمالك ) . (9)
    هذا الطين نفخ الله فيه من روحه ، فدّبت فيه الحياة ، فأصبح سميعاً بصيراً متكلماً عاقلاً واعياً ، فقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم حين ينفخ فيه الروح ، وتدبّ فيه الحياة (
    فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) [ ص : 72 ] .
    وأخبرنا الله بالمكان الذي أسكنه فيه بعد خلقه (
    وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) [ البقرة : 35 ] .
    وبمجرد أن تمّ خلقه أخذ يتكلم ويفقه ما يقال له ، ففي القرآن (
    وعلم آدم الأسماء كلها ثمَّ عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين – قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم – قال يا آدم أنبئهم بأسمائِهم ) [ البقرة : 31-33 ] .
    وفي حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
    لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس ، فقال : الحمد لله ، فحمد الله بإذنه ، فقال له ربه : يرحمك الله يا آدم ، اذهب إلى أولئك الملائكة – إلى ملأٍ منهم جلوسٌ فَقُل : السلام عليكم . قالوا : عليك السلام ورحمة الله .. ) . (10)
    هذا الإنسان الأول هو آدم وهو أبو الناس كافة ، وخلق الله من آدم زوجه حواء ، (
    يا أيُّها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها )[النساء:1] .
    ولم يكن خلق الإنسان ناقصاً ثم اكتمل ، كما يقول أصحاب نظرية التطوّر ؛ بل كان كاملاً ، ثمّ أخذ يتناقص الخلق ، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : (
    خلق الله آدم وطولُهُ : سِتّون ذراعاً ) . (11)
    ولذلك فالمؤمنون يدخلون الجنّة مكتملين على صورة آدم ، ففي بقية الحديث السابق : ( فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً ) ، ثم يقول صلى الله عليه وسلم : ( فلم يزل الخلق ينقُصُ بعده حتّى الآن ) . (12)
    وقد أخبرنا الحق أنه مسخ بعض الضالين من البشر قردة وخنازير ، فالمستوى الراقي من الخلق يمكن أن ينحدر إلى المستوى الأدنى ، أمّا أن تُحوّل القرود والخنازير بشراً فهذا لا يوجد إلا عند أصحاب العقول الضعيفة .
    هذه لمحة مما حكاه القرآن وأخبرت به الأحاديث عن خلق الإنسان الأول ، لم نستقص النصوص من الكتاب والسنّة في ذلك ، وإلا فالقول في ذلك أوسع وطويل ، وهو يعطي صورة واضحة لأصل الإنسان ليس فيها غبش ولا خيال ، وهذا الذي يبيّنه الإسلام أصل كريم يعتز الإنسان بالانتساب إليه ، أمّا ذلك الإنسان الذي يصوّره أصحاب نظرية التطور ، ذلك القرد الذي ترقى عن فأر أو صرصور فإنّه أصل يخجل الإنسان من الانتساب إليه .
    وذلك الإنسان الذي يُدَرّسه علماء التاريخ للأطفال : الإنسان المتوحش الذي لا يفقه الكلام ، ولا يحسن صنع شيء ، الذي يتعلم من الحيوان ... فيه الكثير من التجني على أصل الإنسان الكريم .


    وبعد :
    فقد آن أن نفيق وأن نعود إلى ديننا الذي جاء به كتاب ربنا ، ففيه الخير ( فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من ابتغى الهدى من غيره أضله الله ... ) .
    آن لنا أن نِعفّ عن نتاج العقول الآسنة المتعفنة في مثل هذه المجالات ، أعني المجالات التي قال الله فيها كلمة الفصل ، ولم يترك لأحد فيها قولاً .
    يجب أن تتوقف هذه الهزيمة الفكرية التي تجعلنا نسارع إلى قبول كل جديد بدون رويّة وتفكر ، ثم لا نفيق على خطأ ما أخذناه إلا بعد أن يهدمه بناتُه .


    --------------------------------
    (1) الإسلام يتحدى : ص 66 .
    (2) ( هكسلي ) هو الكاتب الملحد الذي كتب كتابه المعروف ( الإنسان يقوم وحده ) ، فسخّر الله له عالماً من ملته هو ( أ. كريستي موريسون رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك وعضو سابق في المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة ) ، فسطر كتابه القيم ( الإنسان لا يقوم وحده ) رداً على (هكسلي) وقد ترجم هذا الكتاب تحت عنوان ( العلم يدعو إلى الإيمان ) .
    (3) انظر : العلم يدعو إلى الإيمان : ص 51 .
    (4) وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة عند الكلام على الآيات الكونية إن شاء الله تعالى .
    الرد على شبهات الملحدين في نشأة الكون ( الطبيعة )
    (5) كتاب التوحيد ، للزنداني 2/74 .
    (6) الإسلام يتحدى ، لوحيد الدين خان : 29-31 ، وقد ضمّن كلامه نقولاً عن غيره من علماء الغرب .

    (7) كتاب التوحيد ، للزنداني : 3/81 .
    (8) رواه أحمد والترمذي وأبو داود ( مشكاة المصابيح 1/36 . ورقمه : 100) .
    (9) صحيح مسلم : 4/2016 ، ورقمه : 2611 .
    (10) رواه الترمذي : مشكاة المصابيح 2/542 ، ورقمه : 4662 . وقال محقق المشكاة : صححه الحاكم ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
    (11) صحيح البخاري : 6/362 ، ورقمه : 3326 ، ورواه مسلم في صحيحه : 4/2183 ، ورقمه : 2841 ، واللفظ للبخاري .
    (12) المصدران السابقان ، إلا أن اللفظ هنا لمسلم .

  4. #4
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    التعريف بالله وربط القلوب به



    تمهيد :



    ما كان لنا أن نطيل في عرض المسألة الأولى لولا ما أثير حولها من شكوك وشبهات تقتضي من الباحث أن يبين عوارها :
    وقد آن لنا أن نبسط القول في المسألة الثانية ، وهي أهم مسائل هذا الباب ، وصلب هذه المباحث .
    وقد سبق أن قررنا أن القرآن سلك سبيلين لتقرير هذه الحقيقة الكبيرة :
    الأولى : الحديث عن بديع صنع الله في خلقه ، وبيان ما في هذا الكون من إعجاز يشي بعظمة الخالق سبحانه .
    الثانية : الحديث المباشر عن الله : ذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، ونعمه ومخلوقاته ، وسنحاول – إن شاء الله تعالى – أن نفصل القول في ذلك ، والله المستعان .


    دلالة الآيات الكونية على خالقها ومبدعها



    المطلب الأول


    منهج القرآن في الاستدلال بالآيات الكونية


    1- ارتياد الكون عبر آيات القرآن

    يأخذنا القرآن في جولات وجولات نرتاد آفاق السماء ، ونجول في جنبات الأرض ، ويقف بنا عند زهرات الحقول ، ويصعد بنا إلى النجوم في مداراتها ، وهو في كلّ ذلك يفتح أبصارنا وبصائرنا ، فيرينا كيف تعمل قدرة الله وتقديره في المخلوقات ، ويكشف لنا أسرار الخلق والتكوين ، ويهدينا إلى الحكمة من الخلق والإيجاد والإنشاء ، ويبين عظيم النعم التي حبانا بها في ذوات أنفسنا وفي الكون من حولنا .
    إنه حديث طويل في كتاب الله يطالعك في طوال سوره وقصارها ، وهو حديث مشوق تنصت إليه النفس ، ويلذه السمع ، ويستثير المشاعر والأحاسيس .
    ولقد طالعت الكثير مما توصل إليه العلم والعلماء في شتى جوانب الحياة يبينون أسرار الخلق ، ودلالة الخلق على الخالق ، فما وجدت في شيء من ذلك كلّه ما وجدته في القرآن من جمال وصف ، ووفرة علم ، واستثارة مشاعر ، وحسن توجيه ، ودقة استنتاج ، وكيف لا يكون كذلك وهو تنزيل الحكيم الحميد !!

    فعل الله في الكون :

    تعال معي لنقوم بجولة مع الآيات القرآنية ؛ نرتاد هذا الكون ليرينا كيف تعمل قدرة الله في مختلف أرجاء الكون : في الحبّة تلقى في التربة فتنفلق ، وتضرب بجذورها في التربة ، فيخرج من الحبّة الجامدة حياة تتمثل في سوق ، وأوراق ، وأزهار تفوح بالشذى ، وثمار يتغذى بها الإنسان والحيوان . وفي الإصباح وهو ينبلج ... وفي سكون اليل ... ومسير الشمس والقمر .. (
    إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنَّى تؤفكون – فالق الإصباح وجعل اليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 95-96 ] .
    وانظر إلى مشهد السحاب كيف يصنعه الله ، والبرَد كيف يكوّنه ويصرفه (
    ألم تر أن الله يُزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبالٍ فيها من برَدٍ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) [ النور : 43 ] .
    ويحدثنا الله عن فعله في الظلّ : (
    ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً – ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ) [ الفرقان : 45-46 ]
    وانظر إلى تصريفه شؤون الحياة والأحياء والليل والنهار : (
    قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذلُّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيٍ قديرٌ – تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) [ آل عمران : 26-27 ] .
    لا يكتفي القرآن بأن يرينا قدرة الله وهي تعمل في الكون ، وعلمه يحيط بالمخلوقات ، وتصريفه للشؤون المختلفة ... ولكنّه – مع ذلك – يعرفنا بالغاية التي خلق الكون من أجلها .
    خلق الله هذه الأرض من أجل الإنسان (
    هو الذي خلق لكم مَّا في الأرض جميعاً ) [البقرة : 29] خلقها لنا على نحو يتوافق مع طبيعتنا وتكويننا ويحقق لنا الصلاح ، وهذا ما سماه القرآن بالتسخير .
    وهو لا يخبرنا بذلك مجرد إخبار ، وإنّما يوقفنا على هذا التسخير الذي جعله الله في الكون ، (
    ألم تروا أنَّ الله سخَّر لكم ما في السَّماوات وما في الأرض ) [ لقمان : 20] فالنجوم خلقت لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر : ( وهو الذَّي جعل لكم النُّجوم لتهتدوا بها في ظلمات البّرِ والبحرِ قد فصِّلنا الآيات لقومٍ يعلمون ) [ الأنعام : 97 ] .
    والأرض والسماء ، وإنزال الماء من السماء ، والسفن السابحة في البحر ، والأنهار الجارية في جنبات الأرض ، والشمس والقمر ، وتعاقب الليل والنهار ... كلّ ذلك مخلوق لنا ولخيرنا ولصلاحنا (
    الله الذي خلق السَّماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخِّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخَّر لكم الأنهار – وسخَّر لكم الشمس والقمر دائِبين وسخِّر لكم الليل والنَّهار – وَآتَاكُم من كلّ ما سألتموه ) [ إبراهيم : 32-34 ] .

    2- نعم الله في الكون

    عرّفنا القرآن بأنّ الله خلق هذا الكون وسخّره لنا ، فجعله متوافقاً مع جبلتنا ، وقدّره تقديراً تصلح به حياة الإنسان ، والقرآن يتخذ من هذا الحديث والبيان سبيلاً ليشكر الإنسان ربّه ، إذ الإنسان مفطور على حب من أحسن إليه (
    هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان ) [ الرحمن : 60 ] .
    ولذلك فقد أفاض القرآن في ذكر النعم التي حباها الله عباده في ذوات أنفسهم ( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ) [الملك : 23] ، وفي الكون من حولهم : ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون – والذي نزَّل من السماءِ ماء بقدرٍ فأنشرنا به بلدةً مَّيتاً كذلك تخرجون – والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون – لتستووا على ظهوره ثمَّ تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) [ الزخرف : 10-13 ] .
    وخلق لنا الشمس والقمر على نحو يحقق النفع والصلاح (
    هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) [ يونس : 5 ] .
    والأنعام من الجمال والأبقار والأغنام ، وكذلك الخيل والبغال والحمير خلقها لنا على نحو يفيدنا ويتناسب مع طبائعنا وتكويننا (
    والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون – ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون – وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إنَّ ربَّكم لرءوفٌ رحيمٌ – والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون ) [ النحل : 5-8 ] .
    والبحر مخلوق لنا أيضاً ، وفي خلقه على ما هو عليه ما يحقق لنا الشيء الكثير (
    وهو الذَّي سخَّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلَّكم تشكرون ) [ النحل : 14] .
    والنحل خلقه الله ليقوم بذلك العمل الرائع ، لينتج لنا ذلك الشراب المختلف الألوان ، ليتغذى به البشر ، ويكون لهم شفاء (
    وأوحى ربُّك إلى النَّحل أن اتَّخذي من الجبال بيوتاً ومن الشَّجر وممَّا يعرشون – ثمَّ كلى من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للنَّاس إنَّ في ذلك لأيةً لقومٍ يتفكرون ) [النحل : 68-69] .
    التعرف على الله من خلال آياته الكونية سبيلٌ حثَّ عليه القرآن :
    حث القرآن عباد الله على النظر في آيات الله الكونية : الأرض ، والسماء ، وما فيهما وما بينهما ، وجعل النظر والتأمل في ذلك من الذكرى التي تنفع المؤمنين .
    وقد أعجبني تسمية بعض المعاصرين لهذا المنهج ( بقانون السير والنظر ) لكثرة حث الآيات القرآنية على ذلك ، وقد يكون السير والنظر حسيّان ، فيسير المرء بقدميه ، وينتقل من بلد لآخر ، كما قد يكون النظر بالبصر ، وقد يكونان بالفكر والعقل .
    وقد جاء الأمر في القرآن أمراً عاماً (
    قل انظروا ماذا في السَّماوات والأرض ) [ يونس : 101] . وقد يأتي أمراً خاصاً ( فلينظر الإنسان ممَّ خلق ) [ الطارق : 5] ، ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) [ عبس : 24 ] .

    3- استدلال القرآن بالآيات الكونية على استحقاق الخالق الربوبية والألوهية وبطلان ما يعبد من دون الله

    يتخذ القرآن من الآيات الكونية مادة يناقش بها المشركين ، ويقيم بها الحجة عليهم (
    أولم ير الذين كفروا أنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كلَّ شيٍ حىٍ أفلا يؤمنون – وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلَّهم يهتدون – وجعلنا السَّماء سقفاً مَّحفوظاً وهم عن آياتها معرضون – وهو الذي خلق الليل والنَّهار والشَّمس والقمر كلٌ في فلكٍ يسبحون ) [ الأنبياء : 30-32 ] .
    ويبين لهم فساد معتقداتهم في معبوداتهم ، فهي لا تملك صفات الربوبية والألوهية التي تستحق أن تعبد بها ، وتتخذ آلهة من دون الله : ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آللَّهُ خير أمَّا يشركون – أمَّن خلق السَّماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائِق ذات بهجةٍ مَّا كان لكم أن تنبتوا شجرها أَإِلَهٌ مع الله بل هم قومٌ يعدلون – أمَّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أَإِلَهٌ مع الله بل أكثرهم لا يعلمون – أمَّن يجيب المضطرَّ إذا دعاه ويكشف السُّوء ويجعلكم خلفاء الأرض أَإِلَهٌ مع الله قليلاً ما تذكَّرون – أمَّن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أَإِلَهٌ مع الله تعالى الله عمَّا يشركون – أمَّن يَبْدَأُ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السَّماء والأرض أَإِلَهٌ مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) [ النمل : 59-64 ] .
    إنّ الآيات تبين عدم صلاحية الآلهة المدعاة للعبادة ، فالله وحده الخالق للسماء والأرض ، المنزل للماء من السماء ، والمنبت به الحدائق التي تسرّ النفس ، وتبهج النظر ، وهو الذي جعل الأرض قراراً وسيّر خلالها الأنهار ، وثبتها بالجبال ... ، فهو المعبود الحق ، وغيره لم يفعل شيئاً ، فلا يستحق أن يعبد من دون الله .
    وعلينا أن نستخدم هذا النوع من الاستدلال في مواجهة الكفرة والملحدين ، فقد استخدمه الرسل من قبل ، وأكثروا من الاحتجاج به ، فهذا إبراهيم خليل الرحمن يناقش الملحد ، ويقيم عليه الحجة بهذا النوع من الاستدلال بحيث يخرس لسانه ويدهش فكره
    (
    ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتَاهُ الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يُحيي ويميت قال أنا أُحْيِي وأُميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشَّمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين ) [ البقرة : 258 ] .
    وهذا موسى كليم الله يستخدم الاستدلال نفسه في مواجهة طاغية عصره فرعون ، ولا يزال يأتيه بالدليل في إثر الدليل حتى يعجزه ، فيلجأ إلى التهديد والوعيد : ( قال فرعون وما ربُّ العالمين – قال ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين – قال لمن حوله ألا تستمعون – قال ربكم وربُّ آبَائِكُمُ الأوَّلين – قال إنَّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنونٌ – قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون – قال لئِن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنَّك من المسجونين ) [ الشعراء : 23-29 ] .
    بل إن هذا النوع من الاستدلال طريقة جميع الرسل ، ارجع إلى سورة إبراهيم (آية 9 ، 10 ) واقرأ ما قالته الأقوام المكذبة قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، ثم إجابة الرسل حيث قالوا : (
    أفي الله شكٌ فاطر السَّماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم ) [إبراهيم : 10] .
    فاستدلوا على صدق دعوتهم بأن الله – سبحانه – فاطر السَّماوات والأرض أي موجدهما وخالقهما .

    الكفر مُستَنكَر مستعجب مع وضوح الأدلة :

    ولذلك يسأل القرآن سؤالاً يشي بالعجب من كفر الكافرين مع وضوح الأدلة والبراهين (
    كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يحييكم ثُمَّ إليه ترجعون ) [ البقرة : 28 ] .
    ويسأل في آية أخرى (
    يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم – الذي خلقك فسوَّاك فعدلك – في أي صورة ما شاء ركَّبك ) [ الانفطار : 6-8 ] .
    إن مقتضى نظر الإنسان في نفسه وفي الكون من حوله يوجب عليه التوجه إلى خالقه وتعظيمه ، ولذلك كان غريباً كفر الكافرين وجحد الجاحدين (
    مَّا لكم لا ترجون لله وقاراً – وقد خلقكم أطواراً – ألم تروا كيف خلق الله سبع سمواتٍ طباقاً – وجعل القمر فيهنَّ نوراً وجعل الشَّمس سراجاً – والله أنبتكم من الأرض نباتاً – ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ) [ نوح : 13-18 ] .

    4- الذين ينتفعون بآيات الكون هم أولو الألباب
    إن آيات الله في الكون لا تتجلى على حقيقتها الموحية إلا للقلوب الذاكرة العابدة ؛ لأن هذه القلوب انكشفت عنها الحجب وتفتحت واتصلت بالكون العجيب ، فالقرآن أقام الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل ، وهذه الوصلة هي التي تجعل للنظر في كتاب الكون والتعرف إليه أثراً في هذا القلب البشري ، وقيمة في الحياة البشرية . هذه هي الوصلة التي يقيمها القرآن بين المعرفة والعلم وبين الإنسان الذي يعلم ويعرف ، ولذلك نصّ القرآن على أن الذي يهتدي بآيات الكون هم صنف معين من الناس ( إنَّ في خلق السَّماوات والأرض واختلاف الليل والنَّهار لآياتٍ لأولي الألباب – الَّذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكَّرون في خلق السَّماوات والأرض ربَّنا ما خلقت هذا باطلاً سُبحانك فقنا عذاب النَّار ) [ آل عمران : 190-191 ] .
    هؤلاء هم الذين ينتفعون بآيات الكون ، لأنهم لم يقفوا عند حدود المنظر المشهود البادي للعيان ؛ بل نظروا إلى اليد التي تسيره والقدرة التي تصنعه ، إنهم يستخدمون أبصارهم وأسماعهم وعقولهم وأفكارهم على خير وجه في هذا المجال ، مسترشدين بآيات الكتاب التي تعين السمع والبصر والفكر والعقل على التوصل إلى خير ما يمكن للإنسان أن يصل إليه (
    ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون – ومن آياته خلق السَّماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنَّ في ذلك لآياتٍ للعالمين – ومن آياته منامكم بالليل والنَّهار وابتغاؤكم من فضله إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يسمعون – ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السَّماء ماءً فُيحيي به الأرض بعد موتها إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون ) [ الروم : 21-24 ] .
    فالآيات تتكشف للذين يتفكرون ويسمعون ويعقلون ؛ أي على وجه الحقيقة المؤدية إلى المطلوب .
    أما الكفار فإنهم يشاهدون الحدث ولا يتجاوزونه بعقولهم وأفكارهم إلى صانعه وخالقه ، ولا يدركون الحكمة من وراء الخلق ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدُّنيا ) [ الروم : 7 ] .
    ولذلك لم ينتفعوا بالآيات الكونية ؛ لأنهم لم ينظروا إليها من خلال المنظار القرآني : (
    قل انظروا ماذا في السَّماوات والأرض وما تغني الآياتُ والنُّذر عن قومٍ لا يؤمنون ) [يونس : 10 ] .
    ولذلك فإن القرآن ينكر على الكافرين والجاحدين تركهم النظر والاعتبار (
    أولم ينظروا في ملكوت السَّماوات والأرض وما خلق الله من شيءٍ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأيّ حديث بعده يؤمنون ) [ الأعراف : 185 ] .

    5- العلوم الحديثة تقطع الوشيجة بين الناس والكون

    يقول سيد قطب – رحمه الله – : " إن مناهج البحث التي يسمونها ((علمية)) في هذا الزمان تقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه .
    فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون ، وإلا حين تقوم وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير ، وكل معرفة بنجم من النجوم ، أو فلك من الأفلاك ، أو خاصة من خواص النبات والحيوان ، أو خواص الكون كله على وجه الإجمال ، وما فيه من عوالم حية وجامدة – إذا كانت هناك عوالم جامدة – أو أي شيء واحد جامد في هذا الوجود !
    كل معرفة ‍((علمية)) يجب أن تستحيل في الحال إلى إيقاع في القلب البشري ، وإلى ألفة مؤنسة بهذا الكون ، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء ، وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموحية المؤثرة في حياة البشر ، هي معرفة ناقصة ، أو علم زائف ، أو بحث عقيم .
    إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح الذي يُقرأ بكل لغة ، ويدرك بكل وسيلة ، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة وساكن الكوخ ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور ، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده ، فيجد فيه زاداً من الحق ، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق ، وهو قائم مفتوح في كل آن ( تبصرةً وذكرى لكل عبدٍ منيبٍ ) [ ق : 8 ] .
    ولكن العلم الحديث يطمس هذه التبصرة ، أو يقطع الوشيجة بين القلب البشري والكون الناطق المبين ، لأنه في رؤوس مطموسة رانت عليها خرافة ( المنهج العلمي ) ، المنهج الذي يقطع ما بين الكون والخلائق التي تعيش فيه .
    والمنهج الإيماني لا ينقص شيئاً من ثمار (( المنهج العلمي )) في إدراك الحقائق المفردة ، لكنه يزيد ربط هذه الحقائق المفردة بعضها ببعض ، وردها إلى الحقائق الكبرى ، ووصل القلب البشري بها ، أي وصله بنواميس الكون وحقائق الوجود ، وتحويل هذه النواميس والحقائق إلى إيقاعات مؤثرة في مشاعر الناس وحياتهم ، لا معلومات جامدة جافة متحيزة في الأذهان لا تفضي لها بشيء من سرّها الجميل ، والمنهج الإيماني هو الذي يجب أن تكون له الكرة في مجال البحوث والدراسات ليربط الحقائق العلمية التي يهتدي إليها ، بهذا الرباط الوثيق ... ". (1)

    6- دلالة الخلق على صفات الخالق

    إذا نظرنا إلى آلة دقيقة الصنع ، بديعة التكوين ، غاية في القوة والمتانة ، تقوم بعملها على خير وجه ، فلا بدّ أن ندرك بلا كثير تفكير أن صانعها يتصف بصفة الحياة والعلم ولديه قدرة وإرادة ... إلى آخر تلك الصفات التي تنبئنا عنها الآلة .
    وهذا الكون يشي ويعرّف بكثير من صفات الخالق ، فمن ذلك :
    قدرته وعلمه : هذا الكون الهائل الضخم الشاسع الواسع السائر وفق نظام دقيق لا بدّ أن يكون صانعه قديراً عليماً ، والله خلق الخلق بهذا التكوين الهائل وهذا النظام الكامل ليعرفنا بقدرته وعلمه ( الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهنَّ يتنزَّلُ الأمر بينهنَّ لتعلموا أنَّ الله على كل شيءٍ قديرٌ وأنَّ الله قد أحاط بكل شيءٍ علما ) [الطلاق :12] .
    ولا بد أن يكون العلم الذي يحكم هذا الكون شاملاً كاملاً (
    ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبَّةٍ في ظُلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلاَّ في كتابٍ مبينٍ ) [ الأنعام : 59 ] .
    وهو حكيم : فالنظر في هذا الكون يشي بأنّه محكم متقن قد وضع كلّ شيء منه في موضعه المناسب ، وخُلق بالمقدار المناسب ، في غاية الجودة والإتقان (
    وترى الجبال تحسبها جامدةً وهي تمرُّ مرَّ السَّحاب صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ ) [ النمل : 88 ] ، ( الذي أحسن كلَّ شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طينٍ ) [ السجدة : 7 ] .
    ولذلك فإن الناظر المتبصر في خلق الله لا يرى إلا الكمال والإتقان ، ولو بحث عن عيب في الخلق لأعجزه (
    الذي خلق سبع سماواتٍ طباقاً مَّا ترى في خلق الرحمن من تفاوتٍ فارجع البصر هل ترى من فطورٍ – ثم ارجع البصر كرَّتين ينقلب إليك البصر خاسِئاً وهو حسيرٌ ) [ الملك : 3-4 ] .

    صفات أُخرى :

    ما ذكرناه من دلالة الخلق على بعض صفات خالقه أردنا به التمثيل ، لا الحصر والاستقصاء ، وهو تمثيل يفتح الباب للاستدلال والبحث ، وإلا ففي الكون الكثير من الآيات الدالة على عظمة الله وعزته ولطفه ، واستمع إلى الصفات الإلهية التي ذكرها الله في ختام كلّ آية من الآيات التالية (
    ألم تر أنَّ الله أنزل من السَّماء ماءً فتصبح الأرض مخضرَّةً إنَّ الله لطيف خبيرٌ – له ما في السَّماوات وما في الأرض وإنَّ الله لهو الغنيُّ الحميد – ألم تر أنَّ الله سخَّر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السَّماء أن تقع على الأرض إلاَّ بإذنه إنَّ الله بالنَّاس لَرَؤُوفٌ رحيمٌ ) [ الحج : 63-65 ].

    7- الله وحده المستحق للعبادة

    الهداية التي يجلبها النظر والتفكر في الآيات الكونية توجه إلى عبادة الله وحده ، فالله وحده هو الخالق المدبر المقيم للسماوات والأرض الرازق المحيي المميت ... ؛ لذلك فهو المستحق للعبادة دون سواه :
    (
    يا أيَّها النَّاس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلَّكم تتَّقون – الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسَّماء بناءً وأنزل من السَّماء ماءً فأخرج به من الثَّمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) [ البقرة : 21-22] .
    (
    يا أيَّها النَّاس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السَّماء والأرض لا إله إلاَّ هو فأنَّى تؤفكون ) [ فاطر: 3 ] .
    وبهذا الطريق – كما سبق – أثبت القرآن بطلان الآلهة المدعاة وعدم استحقاقها شيئاً من العبادة (
    خلق السَّماوات بغير عمدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبثَّ فيها من كل دابةٍ وأنزلنا من السَّماء ماءً فأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ كريم ٍ – هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظَّالمون في ضلالٍ مبينٍ ) [ لقمان : 10-11 ] .
    ولذلك فإنّه يذكّر خلقه بالآيات الكونية وتصريفه الأمور وتدبيره الشؤون ثم يعقب على ذلك في كثير من آي القرآن بقوله : ( ذلكم الله ربُّكم ) [ الزمر : 6 ] أي ذلكم الإله الذي يستحق العبادة دون سواه .
    استمع إلى هذه الآيات وتأمل التعقيب عليها : (
    خلق السَّماوات والأرض بالحقَّ يكور الليل على النَّهار ويكور النَّهار على الليل وسخَّر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجلٍ مسمى ألا هو العزيز الغفَّار – خلقكم من نفسٍ واحدةٍ ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواجٍ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلقٍ في ظُلماتٍ ثلاثٍ ذلكم الله ربُّكم له الملك لا إله إلا هو فأنَّى تُصرفون ) [ الزمر : 5-6 ] .



    --------------------------------
    1) في ظلال القرآن : تفسير سورة (ق) ، آية ( تبصرةً وذكرى لكل عبدٍ منيبٍ ) .

  5. #5
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    العلماء يبينون عجائب صنع الله في خلقه
    ( الجزء الأول )


    وكان العلماء ولا يزالون يبينون عجائب صنع الله في خلقه ، ويعظون أنفسهم بذلك ، كما يعظون غيرهم ، وسننقل طرفاً مما توصل إليه
    العلماء في هذا المجال في القديم والحديث .
    وأحب أن يضع القارئ نصب عينيه وهو يقرأ هذه المقتطفات قول موسى لفرعون : (
    قال ربُّنا الذي أعطى كلَّ شيءٍ خلقه ُثمَّ هدى ) [ طه : 50 ] . فالله أعطى كل شيء خلقه الذي يناسبه ، وهداه لما فيه صلاحه .. ، وسنرى نماذج من هذا الإعطاء وتلك الهداية .


    1- تكون الأجسام من الخلايا وانقسامها


    أ- مم تتكون أجسام الأحياء وكيف ؟

    يقول باحث معاصر هو الدكتور يوسف عز الدين مجلياً هذا الموضوع : " معظم الحيوانات والنباتات تتكون من عدد هائل من تلك الوحدات الدقيقة الحجم التي نسميها (الخلايا) ، كما يتكون المبنى من مجموعة من الأحجار المرصوصة " .

    ب- لماذا تنقسم الخلايا دائماً ؟

    ويتابع الدكتور يوسف عز الدين كلامه مبيناً السر في انقسام الخلايا فيقول : " وخلايا أجسامنا وأجسام غيرنا من الحيوانات دائمة الانقسام ، وذلك الانقسام قد يكون لنمو الجسم ، أو لتعويض ما يفقد أو يموت من الخلايا لأسباب عديدة . وكلّ خلية من هذه الخلايا تتكون أساساً من مادة عجيبة نطلق عليها اسم (( البروتوبلازم )) .
    وتوجد بداخل كل خلية محتويات عديدة ذات وظائف محددة ، ومن هذه المحتويات أجسام دقيقة تحمل عوامل وراثية هي التي نطلق عليها اسم ((الكروموسومات)) .
    وعدد هذه ((الكروموسومات)) ثابت في خلايا كلّ نوع من أنواع الحيوانات والنباتات المختلفة ، فعددها في خلايا القط – مثلاً – يختلف عن عددها في خلايا الكلب أو الفيل أو نبات الجزر أو الفول .
    وفي كل خليّة من الخلايا التي يتكون منها جسم الإنسان يوجد ستة وأربعون من هذه (الكروموسومات) .
    وعندما تنقسم الخلية إلى خليتين داخل أجسامنا فإنّ كلّ خلية جديدة لا بدّ أن تحتوي على العدد نفسه من (الكروموسومات) ، وهي ستة وأربعون ، إذ لو اختل هذا العدد لما أصبح الإنسان إنساناً . والخلايا كما ذكرت دائمة الانقسام ، يحدث هذا في جميع ساعات اليوم حتى في أثناء نومنا ، ونحن حتى الآن لا ندرك حقيقة القوى المهيمنة على هذه العملية المذهلة : عملية انقسام الخلايا ، بل يكتفي العلم بوصف الخطوات العملية التي يمكن ملاحظتها تحت عدسات (الميكروسكوب) العادي أو عن طريق (الميكروسكوب الإلكتروني) الذي يكبر الأشياء تكبيراً أكثر بكثير من تكبير الميكروسكوب العادي " .

    جـ - لماذا تختلف الخلايا التناسلية عن غيرها ؟
    وذكر الدكتور يوسف : " أن جميع الخلايا الناتجة عن عمليات الانقسام في جسم الإنسان لا بدّ أن تحتوي على ستة وأربعين (كروموسوماً) فيما عدا نوعين من الخلايا ، هما الخلايا التناسلية ، أي الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى ، وعندما تنقسم خلايا الأنسجة لتكوين هذه الخلايا التناسلية فإنها تنتج خلايا لا تحتوي على الستة والأربعين (كروموسوماً) ، بل تحتوي على نصف هذا العدد ، أي يصبح في كل خلية تناسلية ذكرية أو أنثوية ثلاثة وعشرون (كروموسوماً) فقط " .
    ثم بين لماذا يحدث ذلك ، فقال : " يحدث هذا لحكمة بالغة ولهدف عظيم ، إذ إنّ الخلية الذكرية (الحيوان المنوي) لا بدّ أن تندمج مع الخلية الأنثوية (البويضة) لتكوين أول خلية في جسم الجنين ، وهي التي نطلق عليها اسم (الخلية الملقحة) ، حيث ينضم الثلاثة والعشرون (كروموسوماً) التي في الخلية الذكرية إلى الثلاثة والعشرين (كروموسوماً) التي في الخلية الأنثوية لكي يعود عدد (الكروموسومات) في الخلية الجديدة إلى العدد الأصلي ، وهو ستة وأربعون (كروموسوماً) .
    وهذه الخلية الملقحة التي أصبحت تحتوي على ستة وأربعين (كروموسوماً) توالي انقسامها ، فتصبح خليتين ، ثم أربع خلايا ، ثم ثماني خلايا وهكذا ، حتى يتم تكوين الجنين الذي يخرج من رحم أمه ، ويستمر نموه عن طريق انقسام الخلايا حتى يصبح إنساناً كامل النمو في كلّ خلية من خلاياه ستة وأربعون (كروموسوماً) كما هو الحال في خلايا جسد أبيه وأمه وأجداده وجميع أفراد الجنس البشري " .
    " إنَّ اختزال عدد (الكروموسومات) إلى النصف عند تكوين الخلايا التناسلية بالذات لكي تندمج فيعود العدد الأصلي (للكروموسومات) في الخلايا لا يمكن مطلقاً أن يكون نتيجة مصادفة عمياء ، بل لا بدّ أن يكون نتيجة تقدير دقيق من قوة عليا تعلم ماذا تفعل .
    وهي في الوقت نفسه لا يمكن أن تخضع للتجربة واحتمال الخطأ ، إذ لو حدث خطأ مرة واحدة عند بدء الخلق لقضي على الكائن الحي قبل تكوين الجيل الثاني . أي أنّ هذا الترتيب لا بد أن يكون قد تم منذ تكوين أول جنين ظهر في الوجود ، ألا يكفي هذا وحده دليلاً على وجود قوة عليا مدبرة مقدرة حكيمة ؟ " .

    د- لماذا لا تنقسم خلايا المخ ؟

    أما النوع الآخر من الخلايا التي تخالف بقية خلايا الجسم فهي خلايا الدماغ ، وهي تخالف بقية الخلايا في كونها لا تنقسم ، وعن السر في عدم انقسامها يقول الدكتور يوسف عز الدين :
    " لا يمكن أن يكون عن طريق التجربة واحتمال الخطأ والصواب أن الخلايا الوحيدة التي لا تنقسم هي الخلايا العصبية التي يتكون منها المخ وباقي الجهاز العصبي ، لو انقسمت كما يحدث لباقي الخلايا لحدثت كارثة مروعة ، إنّ خلايا المخ في هذه الحالة لن يمكنها الاحتفاظ بشخصية الإنسان ، وسوف تتلاشى جميع معالم الذاكرة في خلال ساعات قلائل .
    إنَّ عدد خلايا المخ عند ولادة الإنسان أو أي حيوان آخر لا تزيد عليها خلية واحدة حتى وفاته ، بينما نجد أنّ الكرات الدموية الحمراء التي تسبح في الدم ، ما هي إلا خلايا تموت ، ويحلّ محلها خلايا جديدة كلّ نحو مائة يوم . وتتكون الخلايا الحمراء (الكرات الحمراء) في نخاع العظام ، ثم تنطلق لكي تسبح في تيار الدم ؛ لتحل محل الخلايا التي استهلكت " .

    هـ- السر في تفاوت قوة عضلات الجسم :

    ويتحدث الدكتور عن هذا الموضوع فيقول : " أقوى عضلات في جسم الإنسان أو الحيوانات الثديية هي عضلات الرحم عند الأنثى ، تلك هي التي تدفع الجنين ليخرج من بطن أمه ، إذ لو لم تكن هذه العضلات بهذه القوة منذ بدء خلق الإنسان أو غيره من الحيوانات لما خرج إلى الوجود أول جنين من بطن أمه .
    وتلي عضلات الرحم في القوة عضلات القلب والفكين ، فعضلات القلب لا بد أن تكون قوية لتصمد للعمل ليلاً ونهاراً لدفع الدم إلى الأوعية الدموية لمدة قد تطول لأكثر من مائة عام ، وكذلك الحال في عضلات الفكين التي ينبغي أن تظلّ قادرة على دفع الأسنان لينطبق بعضها على بعض لكي تمضغ أطناناً من الطعام طوال حياة الإنسان " .


    2- مقاومة الأحياء لعوامل الفناء


    ويقرر الدكتور يوسف : " وجود صفة مهمة تشترك فيها جميع الكائنات الحية من أدناها إلى أرقاها ، هذه الصفة هي مقاومة عوامل الفناء ، إذ إنّ خالق جميع هذه الكائنات يريد لها البقاء .
    إنَّ ( فيروس الأنفلونزا ) يتشكل من آنٍ لآخر بأشكال مختلفة ؛ لتصعب مقاومته والقضاء عليه ، والحشرات مع توالي الأجيال تكتسب مناعة ضدّ المبيدات الكيميائية ؛ لكي تقاوم عوامل الفناء وانقراض الجنس .
    بل في الإنسان نفسه لوحظ كثرة الإنجاب في فترات الحروب ، كما لوحظ أنّ أية سيدة تواظب على تناول حبوب منع الحمل مدة طويلة ثم تسهو عن تناولها بعض الأيام – فإنّ النتيجة في معظم الأحيان تكون إنجاب عدة توائم ؛ لتعويض النقص في الذرية الذي حدث في أثناء فترة الامتناع عن الحمل . وإذا استأصل الإنسان إحدى الكليتين لسبب من الأسباب فإنّ الكلية الباقية يزداد حجمها وتؤدي عمل الكليتين ؛ وكأن في الجسم عقلاً يدرك به ما حدث من نقص فيسرع لتعويضه .
    الله وحده هو الذي زود هذه المخلوقات بهذه القدرة العجيبة على التوازن حتى لا تنقرض وتتعرض للفناء ، كما زود العديد من الحيوانات بوسائل للدفاع عن أنفسها لا يختلف في ذلك الإنسان عن العقرب أو الثعبان أو أم أربعة وأربعين أو غيرها .
    لا يمكن أن يكون هذا المبدأ أو القانون الذي يسود جميع الكائنات الحية من صنع مصادفة عمياء تتخبط في الظلام ، إذ إنّ المصادفة لا يمكن أن تتخذ مظهر قانون عام تخضع له جميع الكائنات " .



    3- هداية النحل وشيء من عجائب صنع الله فيه

    ويحدثنا ابن القيم (1) رحمه الله تعالى عن بدائع صنع الله في خلقه ، مبيناً هداية الله للنحل في أمور معاشه : " وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب وذلك أن لها أميراً ومدبراً ، وهو اليعسوب ، وهو أكبر جسماً من جميع النحل ، وأحسن لوناً وشكلاً .
    وإناث النحل تلد في إقبال الربيع (2) ، وأكثر أولادها يكنّ إناثاً ، وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها ، بل إما أن تطرده ، وإما أن تقتله ، إلا طائفة يسيرة منها ، وذلك أن الذكور منها لا تعمل شيئاً ولا تكسب .
    والنحل تقسم فرقاً ، فمنها فرقة تلزم الملك ، ولا تفارقه ، ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصنعه ، والشمع هو ثفل العسل ، وفيه حلاوة كحلاوة التين ، وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل ، فينظفه النحل ، ويصفيه ، ويخلصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها ، وفرقة تبني البيوت ، وفرقة تسقي الماء , وتحمله على متونها ، وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل ، وإذا رأت بينها نحلة مهينة بطالة قطعتها وقتلتها حتى لا تفسد عليهن بقية العمال ، وتعديهن ببطالتها ومهانتها .
    وأول ما يبنى في الخلية مقعد الملك وبيته ، فيُبنى له بيت مربع يشبه السرير والتخت ، فيجلس عليه ، ويستدير حوله طائفة من النحل يشبه الأمراء ، والخدم والخواص ، لا يفارقنه ، ويجعل النحل بين يديه شيئاً يشبه الحوض يصب فيه من العسل أصفى ما يقدر عليه ، ويملأ منه الحوض ، ويكون ذلك طعاماً للملك وخواصه .
    ثم يأخذن في ابتناء البيوت على خطوط متساوية كأنها سكك ومحال ، وتبني بيوتها مسدسة متساوية الأضلاع ، كأنها قرأت كتاب إقليدس ، حتى عرفت أوفق الأشكال لبيوتها ؛ لأنّ المطلوب من بناء الدور هو الوثاقة والسعة ، والشكل المسدس دون سائر الأشكال إذا انضمت بعض أشكاله إلى بعض صار شكلاً مستديراً كاستدارة الرحى ، ولا يبقى فيه فروج ولا خلل ، ويشد بعضه بعضاً ، حتى يصير طبقاً واحداً محكماً ، لا يدخل بين بيوته رؤوس الإبر .
    فتبارك الذي ألهمها أن تبني بيوتها هذا البناء المحكم الذي يعجز البشر عن صنع مثله ، فعلمت أنها محتاجة إلى أن تبني بيوتها من أشكال موصوفة بصفتين : إحداهما : أن لا تكون زواياها ضيقة حتى لا يبقى الموضع الضيق معطلاً . والثانية : أن تكون تلك البيوت مشكلة بأشكال إذا انضم بعضها إلى بعض ، وامتلأت العرصة منها فلا يبقى منها ضائعاً ، ثم إنها علمت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هو المسدس فقط ؛ فإن المثلثات والمربعات ، وإن أمكن امتلاء العرصة منها إلا أن زواياها ضيقة ، وأما سائر الأشكال وإن كانت زواياها واسعة إلا أنها لا تمتلئ العرصة منها ، بل يبقى فيما بينها فروج خالية ضائعة ، وأما المسدس فهو موصوف بهاتين الصفتين ، فهداها – سبحانه – إلى بناء بيوتها على هذا الشكل من غير مسطرة ولا آلة ، ولا مثال يحتذى عليه ، وأصنع بني آدم لا يقدر على بناء بيت المسدس إلا بالآلات الكبيرة .
    فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها على قوتها وتأتيها ذللاً لا تستعصي عليها ، ولا تضل عنها ، وأن تجتني أطيب ما في المراعي وألطفه ، وأن تعود إلى بيوتها الخالية ، فتصب فيها شراباً مختلفاً ألوانه ، فيه شفاء للناس ، إن في ذلك لآيات لقول يتفكرون .
    فإذا فرغت من بناء البيوت خرجت خماصاً تسيح سهلاً وجبلاً ، فأكلت من الحلاوات المرتفعة على رؤوس الأزهار وورق الأشجار ، فترجع بطاناً .
    وجعل – سبحانه – في أفواهها حرارة منضجة تنضج ما جنته ، فتعيده حلاوة ونضجاً ، ثم تمجه في البيوت ، حتى إذا امتلأت ختمتها ، وسدت رؤوسها بالشمع المصفى ، فإذا امتلأت تلك البيوت عمدت إلى مكان آخر إن صادفته ، فاتخذت فيه بيوتاً ، وفعلت كما فعلت في البيوت الأولى ، فإذا برد الهواء ، وأخلف المرعى ، وحيل بينها وبين الكسب ، لزمت بيوتها ، واغتذت بما ادخرته من العسل ، وهي في أيام الكسب والسعي تخرج بكرة وتسيح في المراتع ، وتستعمل كل فرقة منها بما يخصها من العمل ، فإذا أمست رجعت إلى بيوتها .
    وأما الملك فلا يكثر الخروج من الخلية إلا نادراً إذا اشتهى التنزه ، فيخرج ، ومعه أمراء النحل والخدم ، فيطوفُ في المروج والرياض والبساتين ساعة من النهار ، ثم يعود إلى مكانه .
    ومن عجيب أمره أنه ربما لحقه أذى من النحل أو من صاحب الخلية أو من خدمه ، فيغضب ويخرج من الخلية ، ويتباعد عنها ، ويتبعه جميع النحل ، وتبقى الخلية خالية .
    فإذا رأى صاحبها ذلك ، وخاف أن يأخذ النحل ، ويذهب بها إلى مكان آخر احتال لاسترجاعه وطلب رضاه ، فيتعرف موضعه الذي صار إليه بالنحل ، فيعرفه باجتماع النحل إليه ، فإنها لا تفارقه ، وتجتمع عليه حتى تصير عليه عنقوداً ، وهو إذا خرج غضباً جلس على مكان مرتفع من الشجرة ، وطافت به النحل ، وانضمت إليه ، حتى يصير كالكرة ، فيأخذ صاحب النحل رمحاً أو قصبة طويلة ، ويشد على رأسه حزمة من النبات الطيب الرائحة العطر النظيف ، ويدنيه إلى محل الملك ، ويكون معه إما مزهر أو يراع أو شيء من آلات الطرب فيحركه ، وقد أدنى إليه ذلك الحشيش ، فلا يزال كذلك إلى أن يرضى الملك ، فإذا رضي غضبه طفر ووقع على الضغث ، وتبعه خدمه وسائر النحل ، فيحمله صاحبه إلى الخلية ، فينزل ويدخلها هو وجنوده ، ولا يقع النحل على جيفة ولا حيوان ولا طعام .

    ومن عجيب أمرها أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة ، ولا تدين لطاعتها ، والنحل الصغار المجتمعة الخلق هي العسالة ، وهي تحاول مقاتلة الطوال القليلة النفع وإخراجها ونفيها عن الخلايا ، وإذا فعلت ذلك جاد العسل ، وتجتهد أن تقتل ما تريد قتله خارج الخلية صيانة للخلية عن جيفته .
    ومنها صنف قليل النفع كبير الجسم ، وبينها وبين العسالة حرب ، فهي تقصدها وتغتالها وتفتح عليها بيوتها ، وتقصد هلاكها ، والعسالة شديدة التيقظ والتحفظ منها ، فإذا هجمت عليها في بيوتها حاولتها وألجأتها إلى أبواب البيوت فتتلطخ بالعسل ، فلا تقدر على الطيران ، ولا يفلت منها إلا كلّ طويل العمر ، فإذا انقضت الحرب وبرد القتال عادت إلى القتلى ، فحملتها وألقتها خارج الخلية .
    وفي النحل كرام عمال لها سعي وهمة واجتهاد ، وفيها لئام كسالى قليلة النفع مؤثرة للبطالة ، فالكرام دائماً تطردها وتنفيها عن الخلية ، ولا تساكنها خشية أن تعدي كرامها وتفسدها .
    والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه ، ولذلك لا تلقي زبلها إلا حين تطير ، وتكره النتن والروائح الخبيثة ، وأبكارها وفراخها أحرس وأشد اجتهاداً من الكبار ، وأقل لسعاً وأجود عسلاً ، ولسعها إذا لسعت أقل ضرراً من لسع الكبار .
    ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه فقد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته بما لم يشركها فيه غيرها ، وكان الخارج من بطونها مادة الشفاء من الأسقام والنور الذي يضيء في الظلام بمنزلة الهداة من الأنام كان أكثر الحيوان له أعداء ؛ وكان أعداؤه من أقل الحيوان منفعة وبركة ، هذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم " . (3)
    الباحثون المعاصرون يتحدثون عن عالم النحل (4)
    تقدم العلم اليوم ، وبتقدمه تعرفنا على كثير من عجائب الخلق وأسرار الكون ، لقد أكد لنا العلماء ما عرفناه من قبل أن من أن عالم النحل ينقسم إلى ثلاثة أقسام : النحلة الملكة ، والنحلة الذكر ، والنحلة الشغالة .

    أما ملكة النحل فهي أم الخلية كلها ، وجميع النحل في الخلية أبناؤها ، ويكفي أن تعلم أن الملكة تضع في كل يوم تطلع فيها الشمس ما بين (1500) بيضة إلى (2000) بيضة ، بل يزيد العدد إلى (3500) بيضة . ويستمر هذا على امتداد موسم التكاثر الذي يبدأ من إقبال الربيع ، وينتهي بانتهاء الصيف .
    وما هذا العدد الهائل من البيض إلا لمواجهة النقص المستمر الذي يصيب خلية النحل ، فالنحلة عمرها قصير ، فهو يتراوح بين خمسة أسابيع وسبعة أسابيع ، ولذلك فإنّ الخلية تحتاج إلى أجيال جديدة ترفد الخلية بأعداد كبيرة تواجه النقص الذي يلحق بها ، كي تستمرّ الخلية في القيام بالواجبات التي يحتاج إليها عالم النحل ، وحتى تستطيع الدفاع عن نفسها في مواجهة الأعداء والأخطار ، ولولا ذلك لانقرضت الخلية وبادت .
    ومن بديع صنع الله في ملكة النحل أنها تضع بيضها في البيوت التي تبنيها الشغالة بمقاسات مختلفة ، فالمقاس الكير يعده النحل لملكة المستقبل ، والبيضة التي تضعها الملكة فيه تكون ملكة ، والبيضة التي تضعها الملكة في البيت الأصغر حجماً ومقاسه ربع إنش تصبح نحلة ذكراً ، أما البيضة التي تضعها في البيت الصغير ومقاسه خمس إنش فتنتج نحلة شغالة ، بقي أن نعلم أن الملكة تضع مع بيضة النحلة الشغالة ثلاثة إلى أربعة حيوانات منوية لإخصابها ، فتكون نحلة شغالة ، بينما تضع ، في بيت النحلة الذكر بيضة غير مخصبة .
    ومن عجيب صنع الله في النحلة الملكة أنها لا تُلِّقحُ إلا في الهواء في أثناء طيرانها ، ولذلك سّر عجيب ، فالنحلة الذكر لا يمكنها تلقيح الملكة وهي رابضة على الأرض ، ذلك أن عضو التذكير عندها كامن ، ولا يمكن ظهوره إلا إذا حلقت في الفضاء ، وعند ذلك تمتلئ أكياس موجودة في النحلة الذكر بالهواء ، فتنتفخ في أثناء الطيران ، ويؤدي انتفاخها إلى الضغط على عضو التذكير ، فيخرج من مكمنه .

    ومن عجائب صنع الله في الملكة العذراء قدرتها على دعوة الذكر لتلقيحها ، وذلك بأصوات تصدرها تدعو بها الذكور إليها ، وتخرج من خليتها حائمة حولها مصدرة تلك الأصوات ، وتستقبل الذكور هذه الدعوة لا في الخلية وحدها ، بل في جميع الخلايا المجاورة ، وتنطلق أسراب الذكور خلف الملكة ، وهي تغذ السير منطلقة في الفضاء الرحب ، ويفوز بتلقيحها أقوى الذكور وأشدها وأسرعها ، ولكنه يفقد حياته بعد ذلك ، ذلك أنه بعد تلقيحه الملكة يفقد عضو تذكيره ، إذ يبقى عضوه فيها مما يسبب له نزيفاً يفقده حياته .
    ويسأل القارئ عن كيفية سماع الذكور لدعوة الملكة ، والجواب : أن الله زود كل نحلة بقرني استشعار ، وهذان القرنان يتألفان من حلقات متصل بعضها ببعض ، عليها عدد كبير من الثقوب ، ويبلغ عدد الحلقات في الذكر اثنتا عشرة حلقة ، في حين أن عددها في الشغالة أو الملكة إحدى عشرة حلقة .
    وتبلغ عدد ثقوب الحواس الكائنة على قرن الاستشعار عند الذكر (2800) ثقبٍ ، وفي الشغالة (2400) ، وفي الملكة (1600) .
    والحقيقة أن قرني الاستشعار في النحلة بمنزلة هوائي الإذاعة يستخدمه لالتقاط الأصوات الصادرة من الملكة ، ولغير ذلك من الأصوات ، كما تستخدمه في الشم والسمع واللمس .
    وإذا فقدت النحلة الشغالة أو الذكر أو الملكة قرني الاستشعار فإنها لا تستطيع أن تقوم بدورها ، ففيه يتركز معظم حواسها : السمع والشم واللمس كما سبق .
    وتكوين النحلة الذكر يتناسب مع المهمة التي خلق من أجلها ، فهو كبير قوي ، يأكل كثيراً ، ولا يعمل شيئاً ، فلا يجمع الرحيق ، ولا يصنعه ، ولا يبني ، ولا يحرس ، حتى طعامه ، تضعه النحلة الشغالة في فمه ، كل ما يستطيع القيام به هو تلقيح الملكة ، ولذا فإن النحلة الشغالة بعد انتهاء مهمته تمتنع عن إمداده بالغذاء ، وأكثر من هذا تهاجم الشغالة الذكور فتقتلها أو تطردها .

    بقي أن نعلم أن عدد الذكور من النحل قليل بالنسبة لتعداد النحل ، فلا يتجاوز عددها في الخلية الواحدة المائتين .
    أما النحلة الشغالة فإنها تكون العدد الأكثر في الخلية ، كما أنها العنصر الفعال فيها ، وهي التي تقوم بالأعمال المختلفة ، والمهمات الصعبة .
    فهي التي تجني الرحيق ، وتجمع غبار الطلع ، وتصنع العسل ، وتمدّ الملكة بغذائها الخاص ، وتبني الأقراص التي يحفظ فيها العسل ، وتربي فيها الأجيال الجديدة من النحل ، وتحرس الخلية ، وتقوم بتنظيفها ، والمحافظة عليها ، بل تقوم بتهويتها وتدفئتها .
    والمهمات في الخلية موزعة في تخصصات وهذه التخصصات ترتبط بعمر النحلة ، فلكل سن من النحل عمل يقوم به ، وكلما امتد العمر بالنحلة فإنها تتحول إلى عمل آخر ، وبذلك تقوم النحلة بعد أن تستكمل عمرها بالمرور على كل الأعمال والمهمات التي تحتاج إليها الخلية ، ويلاحظ أن النحلة تبدأ بالأعمال السهلة التي لا تحتاج إلى جهد كبير ، وتنتهي إلى أشق الأعمال وأصعبها وهي الجولان في الحقول ، وجني الرحيق وغبار الطلع والماء ، ثم صنع العسل وتخزينه ، ونلاحظ أيضاً أنها تتدرج في الوظائف بحسب تكامل الخصائص التي يهبها الله إياها ، فكل مهمة تصير إليها وتعمل فيها تتواءم مع تكامل أجهزتها التي تمكنها من القيام بالدور الجديد والمهمة الجديدة .
    فالنحلة الشغالة في يومها الأول والثاني تقوم بمهمة تنظيف البيوت التي خرجت منها أجيال النحل التي تكامل خلقها ، فتنظف هذه البيوت ، وتعدها لأجيال أخرى ، ولا تضع الملكة البيض في هذه البيوت إلا بعد أن تتفحصها وتجدها نظيفة تماماً .
    وفي يومها الثالث والرابع تقوم بدور الحاضنة ليرقات النحل الشغالة والذكور التي يزيد عمرها على ثلاثة أيام ، فتقدم لها ما يسميه العلماء ( بخبز النحل ) وهو مزيج من العسل وحبوب اللقاح ، تأخذه مما خزنته النحل في العيون السداسية .

    وبعد اليوم الخامس حتى اليوم الثاني عشر من عمر النحلة تقوم بتغذية النحلة الملكة بالغذاء الملكي طيلة عمرها ، كما تمدّ الغذاء الفاخر صغيرات الشغالة والذكور في يومهن الأول والثاني والثالث ، والنحل يقوم بهذه المهمة في هذه السن (5-12) لنمو غدد خاصة في هذه الفترة في جانبي البلعوم ، تتمكن بها النحل من صناعة الغذاء الملكي .
    وبعد اليوم الثاني عشر تتمكن النحلة من الطيران ، ولكنها لا تذهب بعيداً ، كل ما تفعله أن تتعلم وتتمرن ، ومهمتها الرئيسية من اليوم الثاني عشر إلى اليوم الثامن عشر هو بناء الأقراص الشمعية التي تعد لتخزين العسل ، وتربية أجيال النحل الجديدة .
    والسبب في تخصصها بهذا الدور في هذه السن هو نمو أربعة أزواج من الغدد الموجودة على حلقات البطن ، ومن هذا الشمع تقوم النحلة باستخدام فكيها في هذه السن ببناء تلك البيوت التي بلغت الغاية في الدقة والإتقان بأبعاد محددة وأشكال هندسية في غاية الروعة والتنظيم .
    وفي اليوم التاسع عشر واليوم العشرين تقوم النحلة بتنظيف الخلية وحراستها ، وبعد اليوم العشرين تقوم النحلة بالانطلاق إلى الحقول وجمع الرحيق وغبار الطلع وصنع العسل ، وجلب الماء إلى الخلية ، وهذه المرحلة الأخيرة تمثل الجزء الأكبر من عمر النحلة .
    أجيال تذهب من النحل ، وأجيال تأتي ، ويترقى النحل في سلسلة متوالية من الأعمال تضمن القيام بالأعمال كلها باستمرار من غير أن تتخصص طائفة من النحل بعمل طيلة عمرها ، ولكن التخصص يأتي في كل مرحلة من مراحل العمر .
    سبحان الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي خلق هذه الكائنات الصغيرة ، وعلمها أن تقوم بهذه الأعمال بمثل هذه الدقة والإتقان ، إنه إبداع وإعجاز يدل على العليم الخبير .

    ومن الإبداع الإلهي في النحلة هذا التكوين الذي أعطاه الله إياها ، فقد جعل لها الباري سبحانه معدتين ، إحداهما تستعملها لجمع المواد الأولية التي تستخلصها من رحيق الأزهار ، أو تحمل بها الماء ، وتنقله إلى الخلية ، والمعدة الأخرى مخصصة للطعام الذي تهضمه وتتغذى به .
    ومن عجب أن النحلة إذ تجمع في معدتها الأولى ما تجنيه من الرحيق ، لا تكتفي بنقله ، ولكنها في أثناء حملها له وتوصيله للخلية تقوم بعملية أولية لتحويله إلى العسل ، وذلك بإفراز الخمائر اللازمة لتحقيق ذلك .
    والنحلة تحتاج إلى غبار الطلع لأمور مختلفة في الخلية ، وقد زودها خالقها بتجويف خاص لخزن هذه الحبوب في الوجه الخارجي لساق الرجل الخلفية ، تسمى سلة الطلع ، وجعل لها على الوجه الداخلي لرسغ الرجل الخلفية ما يشبه الفرشاة تستعملها الشغالة في تمشيط غبار الطلع وتكتيله تمهيداً لجمعه في سلة الطلع .
    ومن العجائب المذهلة التي اكتشفها العلماء في النحلة ، تلك الغدة التي في مؤخرة البطن ، وقد سماها العلماء ( غدة ناسانوف) ، وهذه الغدة تفرز رائحة خاصة ، ومن العجيب أن نحل كل خلية يتعارف على رائحة تميز نحلها عن غيره ، وتستطيع النحلة أن تعود إلى بيتها من مكان بعيد تهديها تلك الرائحة المميزة عن رائحة غيرها من النحل ، وبوابو الخلية وحراسها يعرفون النحلة التي تتبع الخلية عن طريق تلك الرائحة المميزة المنبعثة من النحلة .
    والعجب أن النحل قادر على التعارف على رائحة جديدة عندما يحصل ما يستدعي ذلك ، فمثلاً عندما تخرج طائفة من النحل لتشكل خلية جديدة ، فإن الخلية الجديدة تتعارف على رائحة جديدة ، وعندما مزج العلماء بطريقة علمية طائفة من النحل مع طائفة أخرى وجدوا أن النحل بعد دمجه تعارف على رائحة واحدة جديدة تميزه عن غيره .
    ومن عجائب هداية النحل أنه يبني جدران البيوت السداسية من الشمع الخالص الذي لا ينفذ منه الهواء ، ولكنه عندما يغلق أبواب البيوت التي تحوي يرقات النحل يخلط الشمع بحبوب اللقاح ، وبهذا يتسرب الهواء من خلال حبوب اللقاح ، فتبقى اليرقات حيّة ، ولو لم يهدها ربها إلى ذلك لماتت اليرقات ، وزال النحل من فوق ظهر البسيطة .
    وقد حدثنا ربنا فيما حدثنا عنه من آياته الباهرة التي تستدعي التأمل والتفكر إلى هدايته العجيبة للنحل ( وأوحى ربُّك إلى النَّحل أن اتَّخذي من الجبال بيوتاً ومن الشَّجر ومما يعرشون – ثُمَّ كلي من كل الثَّمرات فاسلكي سبل ربك ذُللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للنَّاس إنَّ في ذلك لآيةً لقومٍ يتفكرون )[النحل: 68-69] .
    وقد اهتدى المسلمون للمنافع العظيمة التي في العسل ، ولكن الضالون عن هدى الله لم يكتشفوا ما فيه من المنافع إلا في هذه الأيام ، وقد اكتشف الباحثون حقائق مذهلة ، فوجدوا أن العسل غذاء ودواء ، وهو غذاء من نوع راق ، يحوي على خصائص لا تكاد توجد في غيره ، ووجدوا أنه علاج يكاد يصلح لجميع أنواع الأمراض ، ولا يزال العلم يكتشف في كل يوم في العسل نفعاً جديداً .

    كيف يدل النحل بعضه بعضاً على مكان الغذاء ؟

    مما لاحظه العلماء المعاصرون الطريقة التي يدل بها النحل بعضه بعضاً على مكان الغذاء ، يقول الدكتور يوسف عز الدين : " لو اكتشف أحد عمال النحل حقلاً أو كمية من النباتات تعتبر مصدراً للغذاء ، فإنّه يعود للمستعمرة ليخبر باقي العمال ، عن هذا الكنز الذي اكتشفه ، وذلك عن طريق طقوس رقص عجيبة تفعلها النحلة بطريقة غريزية دون أن تدري لماذا تفعل هذا .
    إنها ترقص رقصات غريبة ذات مدلولات معينة ، إذ إن جسمها يصنع في أثناء الرقص زاوية تدل على زاوية الشمس ،وإذا كان الحقل الذي اكتشفه قريباً من المستعمرة فإنّ الرقصة في هذه الحالة تختلف عنها في حالة بُعد الحقل مسافة أطول .
    ومن هذه الرقصات يفهم النحل أنّ حقلاً من البرسيم أو غيره من النباتات ذات الأزهار التي يحضر النحل غذاءه منها ، يقع على بعد معين ، والطريق إليه يقتضي السير بزاوية معينة بالنسبة لمكان الشمس .
    فيؤدي بعض العمال الرقصة نفسها ، عند ذلك تطمئن النحلة التي اكتشفت الحقل إلى أنّ باقي النحل قد فهم ما تريد أن تقوله ، فيطير باقي الأفراد ، ويصلون مباشرة إلى ذلك الحقل لإحضار مزيد من الغذاء .
    إنّ النحلة المكتشفة قد نقلت إلى النحل الذي في المستعمرة عدداً من المعلومات برقصتها ، ولو حاولنا نحن البشر أن نتوصل إلى ما توصل إليه النحل من فهم لهذه الطلاسم عن طريق رسم بياني لاستغرق منا وقتاً لا يقل عن ثلث ساعة إن كان لدينا إلمام كاف بالعلوم الرياضية ، ولكن النحل يفهم كلّ ذلك في الحال ، ويطير نحو الحقل في خط مستقيم ليحضر ما يلزمه من غذاء .
    شيء مذهل لا يمكن تفسيره إلا إذا آمنا بوجود نفحة إلهية أودعها خالق الكون في هذه الكائنات الصغيرة التي لا تملك قدراً من العقل أو قدرة على التفكير تمكنها من القيام بما يلزمها " .

    رؤية النحل ما لا نراه من الألوان

    ويذكر لنا الدكتور يوسف أن من عجائب النحل رؤيته " لوناً لا نراه نحن البشر ، ولا يمكن أن نتصوره ، وهو اللون فوق البنفسجي الذي نراه نحن أسود ، فالنحل يرى الأشعة فوق البنفسجية " ، ثم يبين لنا الحكمة من وراء رؤية النحل لذلك اللون فيقول : " والحكمة في ذلك هي أن تلك الأشعة هي الوحيدة القادرة على اختراق السحاب .

    والنحل قد يعيش في مناطق يكسوها السحاب معظم شهور السنة ، ورؤية الشمس ضرورية لمعرفة مكان الحقول التي بها الغذاء ، وهنا تكمن الحكمة في رؤية النحل لذلك اللون فوق البنفسجي ، فإنها بذلك يصبح في إمكانها رؤية الشمس من خلال السحب ، فلا يموت النحل جوعاً في حالة اختفاء الشمس خلف الغمام ، حقيقة مذهلة تدلّ على وجود خالق مدبر ومقدر يعلم ما يصنع ، إذ إن القدرة على رؤية ذلك اللون لا يمكن أن تكون قد اكتسبها النحل مع مرور الزمن ، بل لا بد أن تكون قد وجدت منذ أول لحظة خلق الله فيها النحل ، إذ لو لم توجد من أول الأمر ، لانقرض النحل في تلك المناطق منذ أمد بعيد " .


    4- هداية النمل وعجائب صنع الله فيه

    ويحدثنا ابن القيم عن نوع آخر من مخلوقات الله ، ويبين لنا هداية الله لها في معاشها فيقول :
    " وهذا النمل من أهدى الحيوانات ، وهدايتها من أعجب شيء ، فإن النملة الصغيرة تخرج من بيتها وتطلب قوتها ، وإن بعدت عليها الطريق ، فإذا ظفرت به حملته وساقته في طرق معوجة بعيدة ذات صعود وهبوط في غاية من التوعر حتى تصل إلى بيوتها ، فتخزن فيها أقواتها في وقت الإمكان .
    فإذا خزنتها عمدت إلى ما ينبت منها ففلقته فلقتين ؛ لئلا ينبت فإن كان ينبت مع فلقه باثنتين فلقته بأربعة ، فإذا أصابه بلل وخافت عليه العفن والفساد انتظرت به يوماً ذا شمس فخرجت به ، فنشرته على أبواب بيوتها ، ثم أعادته إليها ، ولا تتغذى منها نملة مما جمعه غيرها .
    ويكفي في هداية النمل ما حكاه الله – سبحانه – في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها : ( يا أيَّها النَّمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنَّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) [ النمل : 18 ] ، فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته ، ثم أتت بالاسم المبهم ، ثم أتبعته بما يثبته من اسم الجنس إرادة العموم ، ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم فيتحصنون من العسكر ، ثم أخبرت عن سبب هذا الدخول ، وهو خشية أن يصيبهم معرّة الجيش ، فيحطمهم سليمان وجنوده ، ثم اعتذرت عن نبي الله وجنوده بأنهم لا يشعرون بذلك ، وهذا من أعجب الهداية .
    وتأمل كيف عظم الله – سبحانه – شأن النمل بقوله : ( وحشر لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطَّير فهم يوزعون ) [ النمل : 17 ] ، ثم قال : ( حتَّى إذا أتوا على واد النَّمل ) [ النمل : 18 ] ، فأخبر أنهم بأجمعهم مروا على ذلك الوادي ، ودل على أن ذلك الوادي معروفٌ بالنمل كوادي السباع ونحوه ، ثم أخبر بما دل على شدة فطنة هذه النملة ودقة معرفتها حيث أمرتهم أن يدخلوا مساكنهم المختصة بهم ، فقد عرفت هي والنمل أن لكل طائفة منها مسكناً لا يدخل عليهم فيه سواهم ، ثم قالت : ( لا يحطمنَّكم سليمان وجنوده ) [ النمل : 18 ] ، فجمعت بين اسمه وعينه ، وعرفته بهما ، وعرفت جنوده وقائدهم ، ثم قالت : ( وهم لا يشعرون ) [ النمل : 18 ] فكأنها جمعت بين الاعتذار عن مضرة الجيش بكونهم لا يشعرون وبين لومة أمة النمل حيث لم يأخذوا حذرهم ، ويدخلوا مساكنهم ، ولذلك تبسم نبي الله ضاحكاً من قولها ، وإنه لموضع تعجب وتبسم .
    وقد روى الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عيينة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( نهى عن قتل النمل والنحلة والهدهد والصرد )) (5) ، وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة ، فلدغته نملة ، فأمر بجهازه فأخرج ، وأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله إليه : أن قرصتْك نملة أحرقت أمة من الأمم تُسبحُ ! فهلا نملة واحدة !)) . (6)
    وروى عوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير ، قال : قال أبو موسى الأشعري : إن لكل شيء سادة حتى للنمل سادة .
    ومن عجيب هدايتها أنها تعرف ربها بأنه فوق سمواته على عرشه ، كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد من حديث أبي هريرة يرفعه ، قال : (
    خرج نبيٌّ من الأنبياء بالناس يَسْتَسْقُون ، فإذا هم بنملة رافعة قَوائِمها إلى السماء تدعو مُستلقية على ظهرها ، فقال : ( ارجعوا فقد كفيتم أو سقيتم بغيركم ) ولِهذا الأثر عدة طرق ، ورواه الطحاوي في التهذيب وغيره .
    وفي مسند الإمام أحمد : (
    أن سليمان بن داود خرج يستسقي ، فرأى نملة مُستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقولُ : اللهم إنا خلق من خلقك ، ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك ، فإما أن تُسقينا وترزقنا ، وإما أن تهلكنا ، فقال : ارجعوا فقد سُقيتُمْ بدعوة غَيركم ) .
    ولقد حُدّثت أن نملة خرجت من بيتها ، فصادفت شق جرادة ، فحاولت أن تحمله فلم تطق ، فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها ، قال : فرفعتُ ذلك من الأرض ، فطافت في مكانه فلم تجده ، فانصرفوا وتركوها .
    قال : فوضعته ، فعادت تحاول حمله فلم تقدر ، فذهبت ، وجاءت بهم ، فرفعته ، فطافت فلم تجده فانصرفوا ، قال : فعلت ذلك مراراً ، فلما كان في المرة الأخرى استدار النمل حلقة ووضعوها في وسطها ، وقطعوها عضواً عضواً ، قال شيخنا : وقد حكيت له هذه الحكاية فقال : هذا النمل فطرها الله – سبحانه – على قبح الكذب وعقوبة الكذاب .
    والنمل من أحرص الحيوانات ، ويضرب بحرصه المثل ، ويذكر أن سليمان صلوات الله وسلامه عليه لما رأى حرص النملة وشدة ادخارها للغذاء استحضر نملة ، وسألها : كم تأكل النملة من الطعام كل سنة ؟ فقالت : ثلاث حبات من الحنطة ، فأمر بإلقائها في قارورة ، وسد فم القارورة ، وجعل معها ثلاث حبات حنطة ، وتركها سنة بعد ما قالت : ثم أمر بفتح القارورة عند فراغ السنة ، فوجد حبة ونصف حبة ، فقال : أين زعمك ؟ أنت زعمت أن قوتك كل سنة ثلاث حبات .
    فقالت : نعم ، ولكن لما رأيتك مشغولاً بمصالح بني جنسك حسبت الذي بقي من عمري فوجدته أكثر من المدة المضروبة ، فاقتصرت على نصف القوت ، واستبقيت نصفه استبقاء لنفسي ، فعجب سليمان من شدة حرصها ، وهذا من أعجب الهداية والعطية .
    ومن حرصها أنها تكدّ طول الصيف ، وتجمع للشتاء علماً منها بإعواز الطلب في الشتاء ، وتَعَذّرِ الكسب فيه ، وهي على ضعفها شديدة القوى ، فإنها تحمل أضعاف أضعاف وزنها ، وتجره إلى بيتها .
    وليس للنمل قائد ورئيس يدبرها كما يكون للنحل إلا أن رائداً يطلب الرزق ، فإذا وقف عليه أخبر أصحابه فيخرجن مجتمعات ، وكل نملة تجتهد في صلاح العامة منها غير مختلسة من الحب شيئاً لنفسها دون صواحباتها .
    ومن عجيب أمرها أن الرجل إذا أراد أن يحترز من النمل لا يسقط في عسل أو نحوه ، فإنه يحفر حفيرة ويجعل حولها ماء أو يتخذ إناء كبيراً ، ويملؤه ماء ، ثم يضع فيه ذلك الشيء ، فيأتي الذي يطيف به فلا يقدر عليه ، فيتسلق في الحائط ، ويمشي على السقف إلى أن يحاذي ذلك الشيء ، فتلقي نفسها عليه ، وجربنا نحن ذلك .
    وأحمى صانع مرة طوقاً بالنار ورماه على الأرض ليبرد . واتفق أن اشتمل الطوق على نمل ، فتوجه في الجهات ليخرج ، فلحقه وهج النار ، فلزم المركز ووسط الطوق ، وكان ذلك مركزاً له ، وهو أبعد مكان من المحيط " . (7)

    النمل الأبيض غذاؤه ومساكنه :

    يحدثنا الأستاذ يوسف عز الدين : عما كشف العلم من أسرار هذا الكائن : " ومن الغرائز التي وهبها الله لمثل هذه الكائنات الضئيلة ما هو مذهل ، يجعل كل ذي عقل من البشر يخرّ ساجداً للخالق العظيم .

    على سبيل المثال ما نراه في مستعمرة نوع من الحشرات نطلق عليه اسم ( النمل الأبيض ) ، تعيش هذه الحشرات أيضاً في مستعمرات ، إذا زاد أفراد المستعمرة عن الحد المعقول بالنسبة لكمية الغذاء المتاحة ، فإنّ هذه الحشرات تدرك هذه الحقيقة عن طريق الغريزة ، فتبدأ الأفراد في التهام عدد كبير من البيض ، وبذلك يسهم في حلّ مشكلة زيادة أفراد المستعمرة ومشكلة الغذاء ، إذ أن التهام البيض يعتبر تغذية ، وفي الوقت نفسه يقلل من عدد الذرية .
    إنّ هذه الحشرات لا تدرك لماذا تفعل ذلك ، ولكنّها النفحة الإلهية التي تلهمها لعمل ما لا يمكن أن تدركه من الأشياء التي تعود عليها بالفائدة وتجنبها الفناء .
    هذه الحشرات نفسها تتغذى على الأخشاب وتلتهمها بشراهة ، إذ في بعض الأماكن الموبوءة بها قد يتناول أفراد الأسرة طعامهم على منضدة الطعام ، ثم يذهبون في الصباح لتناول إفطارهم ، فيجدون تلك المنضدة قد تقوضت أركانها ، وانهارت في ليلة واحدة .
    وفي بعض جهات استراليا الموبوءة بتلك الحشرات المدمرة قد يسأل أحد السائحين وهو ناظر من نافذة القطار عن اسم القرية التي رآها على مدى البصر ، فيعتريه الذهول عندما يخبرونه أن تلك القرية لا تضم آدميين ، ولكنها المساكن التي أقامها النمل الأبيض ليعيش بها .
    هذه المساكن ترتفع عن سطح الأرض عدة أمتار وتصنعها الحشرات من مادة غريبة ، هي خليط من لعابها وبعض المواد الأخرى ، وهي أقوى من الإسمنت المسلح ، ولا يمكن أن تخترقها الحشرات أو يتسرب إليها الماء من خلال جدرانها ، وبداخلها أنفاق متشعبة يعيش فيها النمل الأبيض .
    وتستخدم هذه الحشرات للتخابر عن بعد نوعاً من الشيفرة تشبه شيفرة التلغراف ، إذ تدق على جدران النفق برأسها عدة دقات فيفهم باقي النمل ما تريد عن طريق تلك الدقات الشفرية ، تفعل ذلك دون أن تدري ماذا تفعل ، إذ إنها تفعلها عن طريق الإلهام المسمى الغريزة .
    ولقد احتار العلماء فترة طويلة من الزمن في تفسير إمكان حياة مثل هذه الحشرات عن طريق الغذاء على الأخشاب ، والخشب لا يحتوي على أية مواد عضوية قابلة للهضم ، وأخيراً اكتشفوا السر .
    لقد وجدوا في داخل الجهاز الهضمي لأفراد هذه الحشرات حيوانات دقيقة أولية يتكون جسمها من خلية واحدة ، وهذه الحيوانات الأولية تفرز أجسامها إفرازات تحول الخشب إلى مواد غذائية قابلة للهضم هي التي تغذي النمل الأبيض .
    ومن العجيب أنّه لم يحدث إطلاقاً أن اكتشفت نملة بيضاء واحدة تخلو أمعاؤها من هذه الحيوانات الأولية ، ولو لم توجد هذه الحيوانات داخل أمعاء النمل الأبيض منذ بدء خلقها لما أمكنها الحياة ، ولانقرضت منذ أول جيل من أجيالها ، هل من الممكن أن يحدث هذا عن طريق المصادفة أم هو شيء مقدر مدبر مرسوم ؟ " .

    النمل يربي المواشي ويفلح الأرض :

    ومن عجائب النمل ما ذكره الدكتور يوسف عز الدين ، فقد ذكر أن النمل استأنس مئات من الأجناس من الحيوانات الأدنى منه شأناً ، بينما لم يستأنس الإنسان سوى نحو عشرين من الحيوانات الوحشية التي سخرها لمنفعته ومتعته ، ولقد عرف النمل الزرع والرعي عن طريق الغريزة .
    إنَّ حشرات المن التي يطلق عليها أحياناً ( قمل النبات ) التي نراها على أوراق بعض النبات يرعاها النمل ليستفيد منها . ففي الربيع الباكر يرسل النمل الرسل لتجمع له بيض هذا المن ، فإذا جاؤوا به وضعوه في مستعمراتهم حيث يضعون بيضهم ، ويهتمون ببيض هذه الحشرات كما يهتمون ببيضهم ، فإذا فقس بيض المن وخرجت منه الصغار أطعموها وأكرموها ، وبعد فترة قصيرة يأخذ المن يدر سائلاً حلواً كالعسل كما تدر البقرة اللبن ، ويتولى النمل حلب هذا المن للحصول على هذا السائل وكأنها أبقار .
    ولا يعتني النمل بتربية ((المواشي)) هذه وحدها ، بل يعتني كذلك بالزرع وفلاحة الأرض ، لقد شاهد أحد العلماء في إحدى الغابات قطعة من الأرض قد نما بها أرز قصير من نوع نصف بري ، كانت مساحة القطعة خمسة أقدام طولاً في ثلاثة عرضاً ، وكان طول الأرز نحو ستة ((سنتيمترات)) ، ويتراءى للناظر إلى هذه البقعة من الأرض أنّ أحداً لا بد يعتني بها ، فالطينة حول الجذور كانت مشققة ، والأعشاب الغريبة كانت مستأصلة ، والغريب أنّه لم يكن على مقربة من هذا المكان عود آخر من الأرز ، فهذا الأرز لم ينم من تلقاء نفسه ، وإنّما زرعه زارع .
    ولوحظ أن طوائف النمل تأتي إلى هذا المزروع وتذهب عنه ، فانبطح العالم على الأرض يلاحظ ما يصنعه ، ولم يلبث أن عرف أنّ هذا النمل هو القائم بزراعة الأرز في تلك البقعة من الأرض ، وأنه اتخذ من زراعتها مهنة له ، تشغل كل وقته ، فبعضه كان يشق الأرض ويحرثها ، وبعض آخر كان يزيل الأعشاب الضارة ، فإذا ظهر عود من عشب غريب قام إليه بعض النمل ، فيقضمونه ، ثم يحملونه بعيداً عن المزرعة .
    نما الأرز حتى بلغ طوله ستين سنتيمتراً ، وكانت حبوب الأرز قد نضجت ، فلما بدأ موسم الحصاد شاهد صفاً من شغالة النمل لا ينقطع متجهاً نحو العيدان ، فيتسلقها إلى أن يصل إلى حبوب الأرز ، فتنزع كل شغالة من النمل حبة من تلك الحبوب ، وتهبط بها سريعاً إلى الأرض ، ثم تذهب بها إلى مخازن تحت الأرض .
    بل الأعجب من ذلك أنّ طائفة من النّمل كانت تتسلق الأعواد ، فتلتقط الحب ، ثم تلقي به ، بينما طائفة أخرى تتلقاه ، وتذهب به إلى المخازن ..
    ويعيش هذا النوع من النمل عيشة مدنية في بيوت كبيوتنا ذات شقق وطبقات ، أجزاء منها تحت الأرض ، وأجزاء فوق الأرض ، في هذه المدن نجد الخدم والعبيد .
    بل الأعجب من ذلك نجد الممرضات اللاتي تعني بالمرضى ليلاً ونهاراً ، ونجد منها من يرفع جثث من يموت من النمل ....
    يفعل ذلك النوع من النمل كلّ هذا بدون تفكير ، إذ يتم بالغريزة التي أودعها الله في أجسامهم الصغيرة .


    5- هداية الهدهد وعجائب صنع الله فيه

    ويحدثنا ابن القيم بأسلوبه السهل الأخاذ عن نوع آخر من مخلوقات الله التي لها في كتاب الله ذِكْر ، ألا وهو الهدهد ، متحدثاً عن هداية الله له فيقول :
    " وهذا الهدهد من أهدى الحيوان وأبصره بمواضع الماء تحت الأرض ، لا يراه غيره ، ومن هدايته ما حكاه الله عنه في كتابه أنه قال لنبي الله سليمان ، وقد فقده وتوعده ، فلما جاء بَدَره بالعذر قبل أن ينذره سليمان بالعقوبة ، وخاطبه خطاباً هيجه به على الإصغاء إليه والقبول منه ، فقال : ( أحطت بما لم تُحط به ) [ النمل : 22 ] ، وفي ضمن هذا أني أتيتك بأمر قد عرفته حق المعرفة بحيث أحطت به ، وهو خبر عظيم له شأن ، فلذلك قال : ( وجئتك من سبإ بنبإٍ يقينٍ ) [ النمل : 22 ] ، والنبأ هو الخبر الذي له شأن ، والنفوس متطلعة إلى معرفته ، ثم وصفه بأنه نبأ يقين ، لا شك فيه ولا ريب ، فهذه مقدمة بين يدي إخباره لنبي الله بذلك النبأ استفرغت قلب المخبر لتلقي الخبر ، وأوجبت له التشوق التام إلى سماعه ومعرفته ، وهذا نوع من براعة الاستهلال وخطاب التهييج .
    ثم كشف عن حقيقة الخبر كشفاً مؤكداً بأدلة التأكيد ، فقال : ( إنّي وجدت امرأةً تملكهم ) [ النمل : 23 ] ، ثم أخبر عن شأن تلك الملكة ، وأنها من أجلّ الملوك بحث أوتيت من كل شيء يصلح أن تؤتاه الملوك ، ثم زاد في عظيم شأنها بذكر عرشها الذي تجلس عليه ، وأنه عرش عظيم ، ثم أخبره بما يدعوه إلى قصدهم ، وغزوهم في عقر دارهم بعد دعوتهم إلى الله ، فقال : ( وجدتُّها وقومها يسجدون للشَّمس من دون الله ) [ النمل : 24 ] .
    وحذف أداة العطف من هذه الجملة ، وأتى بها مستقلة غير معطوفة على ما قبلها ، إيذاناً بأنها هي المقصودة ، وما قبلها توطئة لها ، ثم أخبر عن المغوي لهم ، الحامل لهم على ذلك ، وهو تزيين الشيطان لهم أعمالهم ، حتى صدهم عن السبيل المستقيم ، وهو السجود لله وحده ، ثم أخبر أن ذلك الصد حال بينهم وبين الهداية والسجود لله الذي لا ينبغي السجود إلا له .
    ثم ذكر من أفعاله – سبحانه – إخراج الخبء في السماوات والأرض ، وهو المخبوء فيهما من المطر والنبات والمعادن وأنواع ما ينزل من السماء ، وما يخرج من الأرض ، وفي ذكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب تعالى بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض .
    قال صاحب الكشاف : وفي إخراج الخبء إمارة على أنه من كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض ، وذل بإلهام مَنْ يخرج الخبء في السماوات والأرض جلت قدرته ولطف علمه ، ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من المعلم في روائه ومنطقه وشمائله ، فما عمل آدمي عملاً إلا ألقى عليه رداء عمله " .


    6- هداية الحمام وعجائب صنع الله فيه

    أما حديث ابن القيم عن الحمام وبدائع صنع الله فيه ، وعجيب هدايته إلى ما هداه إليه فحديث طويل ممتع ، يدل على أن التفكير في خلق الله منهج أخذ به أهل العلم أنفسهم تحقيقاً لأمر الله لعباده ، وفي هذا يقول ابن القيم :
    وهذا الحمام من أعجب الحيوان هداية ، حتى قال الشافعي : أعقل الطير الحمام ، وبُردُ الحمام هي التي تحمل الرسائل والكتب ، وربما زادت قيمة الطير منها على قيمة المملوك والعبد ، فإن الغرض الذي يحصل به لا يحصل بمملوك ولا بحيوان غيره ؛ لأنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها ، وتنهي الأخبار والأغراض ، والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الممالك والدول .
    والقيمون بأمرها يعتنون بأنسابها اعتناء عظيماً ، فيفرقون بين ذكورها وإناثها وقت الفساد ، وتنقل الذكور عن إناثها إلى غيرها ، والإناث عن ذكورها ، ويخافون عليها من فساد أنسابها وحملها من غيرها ، ويتعرفون صحة طرقها ومحلها ، ولا يأمنون أن تفسد الأنثى ذكراً من عرض الحمام فتعتريها الهجنة ، والقيمون بأمرها لا يحفظون أرحام نسائهم ويحتاطون لها كما يحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون لها .

    والقيمون لهم في ذلك قواعد وطرق يعتنون بها غاية الاعتناء بحث إذا رأوا حماماً ساقطاً لم يخف عليهم حسبها ونسبها وبلدها ، ويعظمون صاحب التجربة والمعرفة ، وتسمح أنفسهم بالجعل الوافر له .
    ويختارون لحمل الكتب والرسائل الذكور منها ، ويقولون : هو أحن إلى بيته لمكان أنثاه ، وهو أشد متناً ، وأقوى بدناً وأحسن اهتداء ، وطائفة منهم يختار لذلك الإناث ، ويقولون : الذكر إذا سافر وبعد عهده حنّ إلى الإناث وتاقت نفسه إليهن ، فربما رأى أنثى في طريقه ومجيئه فلا يصبر عنها ، فيترك السير ، ومال إلى قضاء وطره منها .
    وهدايته على قدر التعليم والتوطين ، والحمام موصوف باليُمْن والإلف للناس ، ويحب الناس ويحبونه ، ويألف المكان ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه ، وإن أساء إليه ، ويعود إليه من مسافات بعيدة ، وربما صد فترك وطنه عشر حجج ، وهو ثابت على الوفاء ، حتى إذا وجد فرصة واستطاعة عاد إليه .
    والحمام إذا أراد السفاد يلطف للأنثى غاية اللطف ، وإذا علم الذكر أنه أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد يقوم هو والأنثى بطلب القصب والحشيش وصغار العيدان ، فيعملان منه أفحوصة ، وينسجانها نسجاً متداخلاً في الوضع الذي يكون بقدر حيمان الحمامة ، ويجعلان حروفها شاخصة مرتفعة ، لئلا يتدحرج عنها البيض ، ويكون حصناً للحاضن ، ثم يتعاودان ذلك المكان ، ويتعاقبان الأفحوص يسخنانه ، ويطيبانه وينفيان طباعه الأول ، ويحدثان فيه طبعاً آخر مشتقاً ومستخرجاً من طباع أبدانهما ورائحتهما ، لكي تقع البيضة إذا وقعت في مكان هو أشبه المواضع بأرحام الحمام ، ويكون على مقدار من الحر والبرد والرخاوة والصلابة .
    ثم إذا ضربها المخاض بادرت إلى ذلك المكان ، ووضعت فيه البيض ، فإن أفزعها رعد قاصف رمت بالبيضة دون ذلك المكان الذي هيأته كالمرأة التي تُسقط من الفزع .
    فإذا وضعت البيض في ذلك المكان لم يزالا يتعاقبان الحضن ، حتى إذا بلغ الحضن مداه وانتهت أيامه انصدع عن الفراخ ، فأعاناه على خروجه ، فيبدآن أولاً بفتح الريح في حلقه حتى تتسع حوصلته ، علماً بأن الحوصلة تضيق عن الغذاء ، فتتسع الحوصلة بعد التحامها ، وتنفتق بعد ارتتاقها .
    ثم يعلمان أن الحوصلة وإن كانت قد اتسعت شيئاً فإنها في أول الأمر لا تحتمل الغذاء ، فيزقانه بلعابهما المختلط بالغذاء ، وفيه قوى الطعم .
    ثم يعلمان أن طبع الحوصلة تضعف عن استمرار الغذاء ، وأنها تحتاج إلى دفع وتقوية ، لتكون لها بعض المتانة ، فيلقطان من الغيطان الحب اللين الرخو ، ويزقانه الفرخ ، ثم يزقانه بعد ذلك الحب الذي هو أقوى وأشد .
    ولا يزالان يزقانه بالحب والماء على تدريج بحسب قوة الفرخ ، وهو يطلب ذلك منهما ، حتى إذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع ، ليحتاج إلى اللقط ويعتاده ، وإذا علما أن رئته قد قويت ونمت ، وأنهما إن فطماه فطماً تاماً قوي على اللقط وتبلغ لنفسه ضرباه إذا سألهما الزق ، ومنعاه .
    ثم تنزع تلك الرحمة العجيبة منهما ، وينسيان ذلك التعطف المتمكن حين يعلمان أنه قد أطاق القيام بالتكسب بنفسه ، ثم يبتدآن ابتداء ذلك النظام .
    ومن عجيب هداها أنها إذا حملت الرسائل سلكت الطرق البعيدة عن القرى ومواضع الناس ؛ لئلا يعرض لها من يصدها ، ولا يرد مياههم ، بل يرد المياه التي لا يردها الناس .
    ومن هداية الحمام أن الذكر والأنثى يتقاسمان أمر الفراخ ، فتكون الحضانة والتربية والكفالة على الأنثى ، وجلب القوت والزق على الذكر ، فإنّ الأب هو صاحب العيال والكاسب لهم ، والأم هي التي تحبل وتلد وترضع .
    ومن عجيب أمرها ما ذكره الجاحظ : أن رجلاً كان له زوج حمام مقصوص ، وزوج طيار ، وللطيار فرخان ، قال : ففتحت لهما في أعلى الغرفة كوة للدخول والخروج وزق فراخهما ، قال : فحبسني السلطان فجأة ، فاهتممت بشأن المقصوص غاية الاهتمام ، ولم أشك في موتهما ؛ لأنها لا يقدران على الخروج من الكوة ، وليس عندهما ما يأكلان ويشربان .
    قال : فلما خلي سبيلي ، لم يكن لي هم غيرهما ، ففتحت البيت فوجدت الفراخ قد كبرت ، ووجدت المقصوص على أحسن حال ، فعجبت ، فلم ألبث أن جاء الزوج الطيار ، فدن الزوج المقصوص إلى أفواههما يستطعمانهما كما يستطعم الفرخ فزقاهما .
    فانظر إلى هذه الهداية ، فإن المقصوصين لما شاهدا تلطف الفراخ ، للأبوين وكيف يستطعمانهما إذا اشتد بهما الجوع والعطش ، فعلا كفعل الفرخين ، فأدركتهما رحمة الطيارين ، فزقاهما كما يزقان فرخيهما .
    ومن هدايتها أيضاً أنه إذا رأى الناس في الهواء عرف أي صنف يريده ، وأي نوع من الأنواع ضده ، فيخالف فعله ليسلم منه ، ومن هدايته أنه في أول نهوضه يغفل ، ويمر بين النسر والعقاب ، وبين الرخم والبازي ، وبين الغراب والصقر ، فيعرف من يقصده ، ومن لا يقصده ، وإن رأى الشاهين فكأنه يرى السم الناقع ، وتأخذه حيرة كما يأخذ الشاة عند رؤية الذئب ، والحمار عند مشاهدة الأسد .





    ---------------------
    (1) شفاء العليل : 101 ، وما نقلناه عن ابن القيم يدلنا على أن السلف الصالح كانوا يعنون بالتأمل في خلق الله ، ويدلنا على أن ملاحظة العلماء المسلمين بلغت مبلغاً كبيراً ، إلا أنها لم تخل من أخطاء ، فالنحل ليس له ملك بل ملكة .
    (2) الذي يبيض من النحل ملكة النحل فحسب .
    (3) شفاء العليل : ص 101 .
    (4) المعلومات التي أوردناها في هذا المبحث مأخوذة من كتاب : (( النحلة تسبح لله )) ، لمحمد حسن حمصي ، ولكن بتصرف كثير في الصياغة ، والتقديم والتأخير والاختصار .
    (5) عزاه المجد ابن تيمية في المنتقى ص : 759 إلى أحمد وأبي داود وابن ماجة بلفظ : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع : (( النملة ، والنحلة ، والهدهد ، والصرد )) .
    (6) صحيح البخاري : 6/154 ، ورقمه : 3019 ، وانظر : 6/356 ، ورقمه : 3318 ، ورواه مسلم : 4/1759 ، ورقمه : 2241 ، والحديث مأخوذ من مجموع الروايات الواردة فيه .
    (7) شفاء العليل ، لابن القيم : ص 104 .
    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 03-01-2016 الساعة 08:38 PM سبب آخر: تكبير حجم الخط في بعض الفقرات ليتناسب مع سياق الموضوع

  6. شكراً شكر هذه المشاركة اسوتي النبي, خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة اسوتي النبي, خاشعة بالذكر
  7. #6
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    مزيد من عجائب هداية الله مخلوقاته


    ويعرض علينا ابن القيم جملة من عجائب هداية الله في مخلوقاته مما توصل إليه أهل العم في زمانه ، ولاحظوه من الوقائع في عهدهم فمن ذلك :

    7- كلبة ترضع طفلاً مات أهله

    قال الجاحظ : لما وقع الطاعون الجارف أتى على أهل دار ، فلم يشك أهل تلك المحنة أنه لم يبق منهم أحد ، فعمدوا إلى باب الدار فسدوه ، وكان قد بقي صبي صغير يرضع ، ولم يفطنوا له ، فلما كان بعد ذلك بمدة تحول إليها بعض ورثة القوم ، ففتح الباب ، فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدار فراعه ذلك ، فلم يلبث أن أقبلت كلبة قد كانت لأهل الدار ، فلما رآها الصبي حبا إليها ، فأمكنته من أطبائها ، فمصها ، وذلك أن الصبي لما اشتد جوعه ورأى جراء الكلبة يرتضعون من أطباء الكلبة حبا إليها ، فعطفت عليه ، فلما سقته مرة أدامت له ذلك ، وأدام هو الطلب .

    8- المكاء يقتل الأفعى

    وذكر ابن الأعرابي قال : أكلت حية بيض مكاء ، فجعل المكاء يصوت ويطير على رأسها ، ويدنو منها ، حتى إذا فتحت فاها وهمت به ألقى حسكة ، فأخذت بحلقها حتى ماتت ، وأنشد أبو عمر الشيباني في ذلك قول الأسدي :
    إن كنت أبصرتني عيلاً ومصطلماً ××× فربما قتل المكاء ثعباناً

    9- هداية الثعلب وحيله

    ومن عجيب هداية الثعلب أنه إذا امتلأ من البراغيث أخذ صوفة بفمه ، ثم عمد إلى ماء رقيق ، فنزل فيه قليلاً ، حتى ترتفع البراغيث إلى الصوفة ، فيلقيها في الماء ويخرج .
    ومن عجيب أمره أن ذئباً أكل أولاده ، وكان للذئب أولاد وهناك زبية ، فعمد الثعلب وألقى نفسه فيها ، وحفر فيها سرداباً يخرج منه ، ثم عمد إلى أولاد الذئب فقتلهم ، وجلس ناحية ينتظر الذئب ، فلما أقبل وعرف أنها فعلته هرب قدامه ، وهو يتبعه ، فألقى نفسه في الزبية ، ثم خرج من السرداب ، فألقى الذئب نفسه وراءه فلم يجده ، ولم يطق الخروج ، فقتله أهل الناحية .
    ومن عجيب أمره أن رجلاً كان معه دجاجتان ، فاختفى له ، وخطف إحداهما وفر ، ثم أعمل فكره في أخذ الأخرى ، فتراءى لصاحبها من بعيد وفي فمه شيء شبيه بالطائر ، وأطمعه في استعادتها بأن تركه وفر ، فظن الرجل أنها الدجاجة ، فأسرع نحوها ، وخالفه الثعلب إلى أختها ، فأخذها وذهب .
    ومن عجيب أمره أنه أتى إلى جزيرة فيها طير ، فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئاً فلم يطق ، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير ففزع منه ، فملا عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها ، فعاد لذلك مرة ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته ، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك ، فدخل عليها وعبر إلى الطير ، فلم يشك الطير أنه من جنس ما قبله ، فلم تنفر منه ، فوثب على طائر منها وعدا به .
    ومن عجيب أمره أنه إذا اشتد به الجوع انتفخ ، ورمى بنفسه في الصحراء كأنّه جيفة ، فتتداوله الطير ، فلا يظهر حركة ولا نفساً ، فلا تشك أنه ميت ، حتى إذا نقر بمنقاره ، وثب عليها ، فضمها ضمة الموت .
    ومن عجيب أمره أنه إذا أصاب القنفذ ، قَلَبَهُ لأجل شوكه ، فيجتمع القنفذ حتى يصير كبة شوك ، فيبول الثعلب على بطنه ما بين مغرز عجبه إلى فكيه ، فإذا أصابه البول اعتراه الأسر ، فانبسط ، فيسلخه الثعلب من بطنه ، ويأكل مسلوخه .

    10- من عجائب الذئاب

    ومن عجيب الذئب أنه عرض لإنسان يريد قتله ، فرأى معه قوساً وسهماً ، فذهب وجاء بعظم رأس جمل في فيه ، وأقبل نحو الرجل ، فجعل الرجل كلما رماه بسهم اتقاه بذلك العظم حتى أعجزه ، وعاين نفاد سهمه ، فصادف من استعان به على طرد الذئب .

    11- من عجائب القرود

    ومن عجيب أمر القرود ما ذكره البخاري في صحيحه ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، قال : رأيت في الجاهلية قرداً وقردة زنيا ، فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا ، فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم .

    12- من عجائب البقر

    وهذه البقر يضرب ببلادتها المثل ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنّ رجلاً بينما هو يسُوق بقرة إذ ركبها فقالت : ( لم أخلق لهذا ) فقال الناس : سبحان الله بقرة تتكلم ؟! فقال : ( فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر ، وما هما ثَمّ ) .
    قال : ( وبينما رجل يرعى غنماً له إذا عدا الذئبُ على شاة منها فاستنفذها منه ، فقال الذئب : هذه استنفذتها مني ، فمن لها يوم السبُع يوم لا راعي لها غيري ) ، فقال الناس : سبحان الله ذئب يتكلم ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني أومنُ بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثمّ ) .

    13- من عجائب الفئران

    ومن عجيب أمر الفئران أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلى الجرة فنقص وعزّ عليها الوصول إليه ذهبت ، وحملت في أفواهها ماءً وصبته في الجرة ، حتى يرتفع الزيت فتشربه .

    14- من عجائب الحيوان استخدامه الدواء

    والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار ، إذا تعسر عليه الذرق جاء إلى البحر المالح ، وأخذ بمنقاره منه واحتقن به ، فيخرج الذرق بسرعة .
    وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصتر النهري ، فأكلاه كالترياق لذلك .
    وهذا الثعلب إذا أصابه صدع أو جرح يأتي إلى صبغ معروف ، فيأخذ منه ، ويضعه على جرحه كالمرهم ، والدبّ إذا أصابه جرح يأتي إلى نبت قد عرفه ، وجهله صاحب الحشائش ، فيتداوى به فيبرأ !

    15- تعلم الإنسان من الحيوان

    وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أموراً تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحربه وحزمه وصبره ، وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى : ( أمّ تحسب أنَّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون عن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً ) [ الفرقان : 44 ] قال أبو جعفر الباقر : والله ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام ، حتى جعلهم أضل سبيلاً منها ، فن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياماً تهرب به من الذر والنمل ، لأنها تضعه كقطعة من لحم ، فهي تخاف عليه الذر والنمل ، فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد .
    وقال ابن الأعرابي : قيل لشيخ من قريش : مَنّ علمك هذا كله ، وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب ؟ قال : علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعاً نصيبهما من حضانتها ، ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد .
    وقيل لآخر : مَنْ علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها ؟ قال : مِنْ علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ، ثم تصعد ، ثم تسقط مراراً عديدة ، حتى تستمر صاعدة .
    وقيل لآخر : مَنْ علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به ؟ قال : من علم الطير تغدو خماصاً كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها ، لا تسأم ذلك ، ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض .
    وقيل لآخر : مَنْ علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك ، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته ؟ فقال : الذي علم السِّنَّورة أن ترصد جحر الفأرة ، فلا تتحرك ولا تتلوى ، ولا تختلج كأنها ميتة ، حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد .
    وقيل لآخر : مَنْ علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون ؟ قال : من علم ابا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة ، والمشي والتعب وغلظة الجمّال وضربه ، فالثقل والكل على ظهره ، ومرارة الجوع والعطش في كبده ، وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ذلك عن الصبر .
    وقيل لآخر : مَنْ علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل ؟ قال : من علم الديك يصادف الحبة في الأرض ، وهو يحتاج إليها فلا يأكلها ؛ بل يستدعي الدجاج ويطلبهن طلباً حثيثاً ، حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها ، وهو مسرور بذلك طيب النفس به ، وإذا وضع له الحب الكثير فرّقه هنا وها هنا ، وإن لم يكن هناك دجاج ، لأن طبعه قد ألف البذل والجود ، فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام .
    وقيل لآخر : مَنْ علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله ؟ قال : من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها ، وهي أكثر من أن تذكر .
    ومَنْ علم الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفى أثره ويطلب ، عفى أثر مشيته بِذَنَبِه ، ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه ، فينفخ في منخريه ، لأن اللبوة تضعه جرواً كالميت ، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك ! .
    ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها ، وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع !
    ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه ، لأنها دون الحيوانات لا تلد إلا قائمة ، لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان ، وهي عالية ، فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق ، فتأتي ماء وسطاً تضعه فيه يكون كالفراش اللين والوطاء الناعم .
    ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر !
    ومَنْ علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره ، والذكر من الأنثى ، فيقصد الذكر مع علمه بأنّ عدوه أشد وأبعد وثبة ، ويدع الأنثى على نقصان عدوها ؛ لأنّه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطاً أو شوطين حقن ببوله ، وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن ، وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو ، فيقل عدوه ، فيدركه الكلب ، وأما الأنثى فتحذف بولها لسعة القبل وسهولة المخرج ، فيدوم عدوها !.
    ومَنْ علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد انخسف ، فيعلم أن تحته حجر الأرانب ، فينبشه ، ويصطادها علماً منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق !
    ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوباً بين عينيه ، فينام بإحداهما ، حتى إذا نعست الأخرى نام بها ، وفتح النائمة ! حتى قال بعض العرب :
    ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ××× بأخرى المنايا فهو يقظان نائم
    ومَنْ علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث ، فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء ، فيطيرون حول الفرخ ، ويحركونه بأفعالهم ، ويحدثون له قوة وهمة وحركة ، حتى يطير معهم !
    قال بعض الصيادين : ربما رأيت العصفور على الحائط ، فأومي بيدي كأني أرميه فلا يطير ، وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئاً فلا يتحرك ، فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي .
    ومن علم (( اللبب )) وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ، ويجمع نفسه ، فيرى الذبابة أنه لاه عنها ، ثم يثب عليها وثوب الفهد !
    ومن علم العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة ، وتجعل في أعلاها خيطاً ثم تتعلق به ، فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة تدلت إليها فاصطادتها !
    ومن علم الظبي أن لا يدخل كناسه إلا مستدبراً ، ليستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه !
    ومن علم السنور إذا رأى فأرة في السقف أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ، ثم يشير إليها بالرجوع ، وإنما يريد أن يدهشها فتزلق فتسقط !
    ومن علم اليربوع أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء ، ويعمقه ثم يتخذ يف زواياه أبواباً عديدة ، ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزاً رقيقاً ، فإذا أحس بالشر فتح بعضها بأيسر شيء ، وخرج منه ، ولما كان كثير النسيان لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو صخرة علامة له على البيت ، إذا ضل عنه!
    ومن علم الفهد إذا سمن أن يتوارى لثقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن ، ثم يظهر !
    ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى ، لأنّ سلاحه قد ذهب ، فيسمن لذلك ، فإذا كمل نبات قرنه تعرض للشمس والريح ، وأكثر من الحركة ليشتد لحمه ، ويزول السمن المانع له من العدو .
    وهذا باب واسع جداً ، ويكفي فيه قوله – سبحانه – ( وما من دابَّةٍ في الأرض ولا طائِرٍ يطير بجناحيه إلاَّ أمم أمثالكم مَّا فرَّطنا في الكتاب من شيء ثمَّ إلى ربهم يحشرون – والَّذين كذَّبوا بِآيَاتِنَا صمٌّ وبكمٌ في الظُّلمات من يَشَإِ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراطٍ مستقيمٍ ) [ الأنعام : 38-39 ] .

    وجه المماثلة بين الحيوانات وبني الإنسان :

    قال ابن عباس في رواية عطاء : ( إلاَّ أمم أمثالكم ) [ الأنعام : 38 ] ، ويريد : يعرفونني ، ويوحدونني ، ويسبحونني ، ويحمدونني ، مثل قوله تعالى : ( وإن من شيءٍ إلاَّ يسبح بحمده ) [ الإسراء : 44 ] ، ومثل قوله : ( ألم تر أنَّ الله يسبح له من في السَّماوات والأرض والطَّير صافاتٍ كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه ) [ النور : 41 ] .
    ويدل على هذا قوله تعالى : ( ألم تر أنَّ الله يسجد له من في السَّماوات ومن في الأرض والشَّمس والقمر والنُّجوم والجبال والشَّجر والدَّواب ) [ الحج : 18 ] وقوله : ( ولله يسجد ما في السَّماوات وما في الأرض من دابّةٍ والملائكة وهم لا يستكبرون ) [النحل : 49 ] ، ويدل عليه قوله تعالى : ( يا جبال أوّبي معه والطَّير ) [ سبأ : 10 ] ، ويدل عليه قوله : ( وأوحى ربُّك إلى النَّحل ) [ النحل : 68 ] ، وقوله : ( قالت نملةٌ يا أيُّها النَّمل ) [ النمل : 18 ] ، وقول سليمان ( عُلّمنا منطق الطَّير ) [ النمل : 16 ] .
    وقال مجاهد : أمم أمثالكم ، أصناف مصنفة تعرف بأسمائها ، وقال الزجاج : أمم أمثالكم في أنها تبعث .
    وقال ابن قتيبة : أمم أمثالكم في طلب الغذاء ، وابتغاء الرزق ، وتوقي المهالك .
    وقال سفيان بن عيينة : ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم ، فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي عليها الطعام الطيب عافته ، فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه ، فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين كلمة لم يحفظ واحدة منها ، وإن أخطأ رجل ترّواه وحفظه .
    قال الخطابي : ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة ، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعاً لظاهره وجب المصير إلى باطنه ، وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة ، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة ، وعدم من جهة النطق والمعرفة ، فوجب أن يكون منصرفاً إلى المماثلة في الطباع والأخلاق .
    والله – سبحانه – قد جعل بعض الدواب كسوباً محتالاً ، وبعضها متوكلاً غير محتال ، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته ، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقاً مضموناً وأمراً مقطوعاً ، وبعضها لا يعرف ولده ألبتة ، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه ، وبعضها تضيع ولدها ، وتكفل ولد غيرها ، وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها ، وبعضها يدخر ، وبعضها لا تكسب له ، وبعض الذكور يعول ولده ، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه .
    وجعل بعض الحيوانات يُتمها من قِبل أمهاتها ،وبعضها يُتمها من قبل آبائها ، وبعضها لا يلتمس الولد ، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه ، وبعضها يعرف الإحسان ويشكره ، وبعضها ليس ذلك عنده شيئاً ، وبعضها يؤثر على نفسه ، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحداً يدنو منه .
    وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم ، وبعضها يستوحش منهم ، وينفر غاية النفار ، وبعضها لا يأكل إلا الطيب ، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث ، وبعضها يجمع بين الأمرين .
    وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها ، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها ، وبعضها حقود لا ينسى الإساءة ، وبعضها لا يذكرها ألبتة ، وبعضها لا يغضب ، وبعضها يشتد غضبه ، فلا يزال يسترضى حتى يرضى ، وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس ، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك ألبتة ، وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه ، وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده ، وبعضها يقبل التعليم بسرعة ، وبعضها مع الطول ، وبعضها لا يقبل ذلك بحال .
    وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه ، وعلى إتقان صنعه ، وعجيب تدبيره ، ولطيف حكمته ، فإن فيما أودعها من غرائب المعارف ، وغوامض الحيل ، وحسن التدبير ، والتأني لما تريده ، ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ، ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته ، وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثاً ، ولم يترك سدى ، وأن له – سبحانه – في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهاناً قاطعاً ، يدل على أنه رب كل شيء ومليكه ، وأنه المتفرد بكل كمال دون خلقه ، وأنه على كل شيء قدير ، وبكل شيء عليم .

    16- هداية الخالق الكائنات لطريقة التكاثر

    يقول الدكتور يوسف عز الدين موضحاً هذا الموضوع : " من الأشياء العجيبة التي تشترك فيها جميع الكائنات الحية القدرة على التكاثر ، لتكوين ذرية يكون من شأنها الاستمرار بالحياة ، واستمرار بقاء النوع وعدم انقراضه .
    وتتم عملية إنجاب الذرية في الكائنات الحية المختلفة بطرق شتى ، ولكنّها تصل إلى الهدف المنشود . (فالبكتريا) (وهي من النباتات) تتكاثر ، وكذلك تفعل باقي النباتات والحيوانات على اختلاف درجة فيها . ولا يمكن من وجهة نظر العلوم الرياضية أن تحدث مصادفات يكون من شأنها إيجاد ذكر أو أنثى في آلاف من النباتات والحيوانات لهدف مرسوم ومحدد وهو إنجاب ذرية تبقى بعد الفناء .
    ومن الحيوانات والنباتات ما لا يتميز فيها ذكر وأنثى ، ومع ذلك فإنّها تتكاثر وتنجب ذرية ، فحيوان صغير الحجم أوّلي مثل حيوان (الأميبا) الذي يعيش في الماء والمكّون جسمه من خلية واحدة يتكاثر بطريقة عجيبة ، إذ إنّ الحيوان الواحد ينقسم إلى قسمين ، وكل قسم يتحول إلى حيوان ، والحيوانات المتكونة من الانقسام تنقسم بدورها إلى حيوانين وهكذا ... يحدث هذا عندما تكون ظروف الحياة ملائمة وعادية .
    أمَّا إذا شعر هذا الحيوان بما ينذر بالخطر فإنّه يتحوصل ؛ أي يفرز حول جسمه حوصلة ، وينقسم إلى حيوانين ، بل عشرات الحيوانات داخل الحوصلة ؛ لكي يعوض الوقت الذي قد يضيع هباء داخل الحوصلة إلى حين رجوع الظروف الملائمة لحياته .
    ويحدث التكاثر عن طريق الانقسام في الحيوانات أولية عديدة غير ( الأميبا ) مثل الحيوان المسمى : (البراميسيوم) وهو يعيش في الماء ، ويتكاثر أيضاً بالانقسام الثنائي في الظروف الملائمة كما تنقسم (الأميبا) ، ولكنه من آن لآخر يحتاج إلى تجديد نشاطه وحيويته ، فيلجأ إلى طريقة أخرى للتكاثر بالغة التعقيد يكون من شأنها تجنيد النَّوى ( ولكل خلية نواة كما هو معلوم ) حيث ينجب كل فرخ في هذه الحالة أربعة أفراد بدلاً من انقسام حيوان إلى حيوانين فقط .
    وفي الحيوانات الأرقى من هذه الحيوانات الأولية ، إذا كانت ظروف الحياة تحول دون سهولة التقاء الأنثى بالذكر لإنجاب الذرية ، فإنّ الحيوان في هذه الحالة يصبح أنثى ذكراً في الوقت نفسه ، أي يصبح خنثى حيث يضم جسمه أعضاء التناسل الأنثوية والذكرية جنباً إلى جنب ، فيستطيع بذلك أن ينجب ذريته دون حاجة إلى انتظار فرصة التقاء الجنسين ، يحدث هذا مثلاً في الدودة الكبدية التي تعيش في القنوات المرارية لبعض الحيوانات حيث يصعب على أحد الجنسين التنقل والتجول في هذا المكان الضيق للعثور على الجنس الآخر ، وفي الوقت نفسه إذا حدث أن التقى حيوانان من هذه الديدان من الممكن أن يلقح أحدهما الآخر حيث يصبح أحدهما وكأنه أنثى ، ويصبح الآخر وكأنه ذكر .
    إن حدوث ملايين المصادفات في آن واحد لهدف معين مشترك وفي حيوانات مختلفة وبوسائل متباينة شيء لا يقره العلم ، ولا تقره علوم الرياضيات ، وفي هذه الحالة لا بدّ أن يسلم بوجود قوة خالقة عاملة وراء هذا كله .
    ومنذ وجود أول حيوان ثديي على هذه الأرض ، والأنثى مزودة بمصنع لإنتاج اللبن ، وذلك لكي يضمن الصغير الحصول على غذائه بمجرد خروجه من بطه أمه ، ولو لم يجد هذا الثدي الذي يبرز من جسم الأم منذ أول حيوان ثديي لما أتيحت فرصة النمو والبقاء على قيد الحياة لأول مولود ، أي أنها عملية مدبرة ومقدرة منذ البداية ، ولا تخضع للتجربة والخطأ ، إذ أنها لا تحتمل الخطأ مرة واحدة .
    فهل يمكن أن يتصور أيّ إنسان عاقل أن تزويد الأم بطعام الصغير المولود يأتي نتيجة مصادفة عمياء ؟ ولبن أنثى الحيوانات الثديية – علاوة على فائدته الغذائية – نجده مزوداً بمواد تحمل للمولود مناعة ضد الأمراض إلى أن يشب عن الطوق ، ويمكن جسمه من الدفاع عن نفسه . وجميع الجهود التي تضافرت لصنع الألبان اللازمة لتغذية الصغار فشلت في صنع الألبان التي تحمل نفس صفات اللبن الذي أمد الله به الأنثى " .

    أهمية الغريزة الجنسية :

    ويحدثنا الدكتور يوسف عن الغريزة الجنسية وأهميتها وعظيم أثرها فيقول : " ومن الأشياء التي حيرت العلماء كنه الغريزة الجنسية ، تلك الغريزة التي تجعل الذكر ينجذب إلى الأنثى ، والأنثى تنجذب إلى الذكر .
    والغريزة الجنسية هي أقوى الغرائز ؛ لأنها أهما بالنسبة لبقاء النوع وعدم انقراضه ، والهدف الرئيسي لبقاء بعض الحيوانات هو إتمام الالتقاء الجنسي ، ثم يموت بعد ذلك .
    فالطور الكامل للحشرات المسماة (ذباب مايو) ، لا يزيد عن بضعة أيام ، وهي في طورها الكامل هذا لا تتغذى إذ لا توجد بها أجزاء للفم تصلح لتناول الطعام إطلاقاً ، وإنما وظيفتها الرئيسية في هذه الفترة القصيرة من العمر هي التقاء الذكر بالأنثى لإنجاب الذرية ، حيث تموت الأم بعد ذلك مباشرة بعد أن تكون أدّت رسالتها وكذلك يموت الأب .

    17- هداية الخالق تعويض ما يفقده من أجزاء جسمه

    ويتعرض الدكتور يوسف في مقالاته في جريدة الأهرام عما زود الله به مخلوقاته من خاصية تعويض الحيوان عما يفقده من أجزاء جسده فيقول : " ومن الصفات الأخرى المذهلة التي نجدها في جميع الحيوانات والنباتات القدرة على تعويض الأجزاء المفقودة ، وتوجد بدرجات مختلفة في الكائنات الحية .
    ففي حيوانات عديدة مثل ذلك الحيوان المسمى ((الهيدرا)) نجد شيئاً عجيباً يكتفي العلم بوصفه ، ولكنّه لا يستطيع له تفسيراً ، هذا الحيوان يعيش في الماء ، وهو أنبوبي الشكل لا يزيد طوله عن بضعة مليمترات ، ذو قاعدة مقفلة وفتحة أمامية تستخدم كفم لدخول الطعام ، وفي الوقت نفسه تستعمل كفتحة (( است )) تخرج منها الفضلات . وحول تلك الفتحة نجد عدداً من الزوائد المجوفة ، يتصل تجويفها بتجويف الجسم .
    إذا قطعنا هذا الحيوان إلى نصفين ، نصف علوي ، ونصف سفلي ، فإننا نجد أنّ بعض الخلايا في كل نصف تتكاثر بحث تستكمل الأجزاء الناقصة ، فتكون النتيجة تكوين حيوانين يشبهان الحيوان الأصلي ، ولا يقتصر الأمر على ذلك ، إذ أننا لو قطعنا ذلك الحيوان ، إلى عدة أجزاء فإنّ كل جزء ينمو ويعوض جميع الأجزاء المفقودة ، ويصبح حيواناً كامل التكوين .
    ويتركب جدار الجسم لهذا الحيوان من طبقتين من الخلايا : طبقة خارجية وطبقة داخلية تحيط بالتجويف الداخلي للجسم ، وفي كل طبقة من الطبقتين توجد أنواع مختلفة من الخلايا لكل نوع منها وظيفة محددة ، ومعظم خلايا الطبقة الخارجية وظيفتها الأساسية حماية جسم الحيوان ، أما الطبقة الداخلية فوظيفتها الرئيسة هضم الغذاء الذي يبتلعه الحيوان من خلال فتحة الفم .
    ولو قلبنا ذلك الحيوان كما يقلب الجورب ، فإنّ الخلايا التي كانت خارجية تصبح داخلية ، أي تحيط بتجويف الجسم ، بينما الخلايا التي كانت داخلية تصبح خارجية ، فماذا يحدث في هذه الحالة ؟ لقد وجد العلماء الذين أجروا هذه التجارب أن الخلايا التي أصبحت الآن خارجية تهاجر نحو الداخل ، بينما الخلايا التي أصبحت داخلية تهاجر نحو الخارج لكي يعود تركيب الحيوان إلى ما كان عليه ، ولو لم يحدث ذلك لمات الحيوان ، إذ إن الخلايا التي تحيط بتجويف الجسم لا بدّ أن تكون الخلايا الهاضمة ، لتتم عملية هضم المواد الغذائية التي في تجويف الجسم ، بينما الخلايا الخارجية لا بدّ أن تكون الخلايا الوقائية التي تحفظ الجسم وتقيه من التلف .
    وإذا قطعنا دودة الأرض إلى جزءين ، فإنّ كل جزء ينمو ، ويعوض الجزء المفقود .
    وفي حيوانات أخرى ( كالجمبري ، أو الكابوريا ) وغيرهما إذا فقدت إحدى الأرجل فإنّ رجلاً جديدة تتكون بدلاً من المفقودة .
    والبرص إذا استشعر خطراً أو أمسكه من ذنبه إنسان أو حيوان فإنه يفصل ذلك الذنب عن جسمه ، وينجو من الخطر ، وينمو له ذنب جديد .
    ونحن إذا جرحنا أنفسنا في أثناء الحلاقة أو لأي سبب آخر ، فإن خلايا جديدة تتكون بدلاً من الخلايا التي أتلفها الجرح ، ولو لم يحدث ذلك لما أصبح في الإمكان إجراء أية عملية جراحية .
    وإذا كسرت لنا عظمة فإنّ خلايا جديدة تتكون ويلتئم الكسر .
    لا يمكن أن يحدث هذا نتيجة للمصادفة ، بل لا بدّ أن يكون نتيجة تدبير يتجه نحو هدف معين ، وهو المحافظة على حياة الفرد ، وتحكمه قوى كامنة في الحيوان لم يتوصل العلم إلى كنهها ، إنها قوى أودعها الله في الحيوان ، والحيوان لا يعلم عنها شيئاً ، ولا يدرك ماذا يفعل " .

  8. شكراً شكر هذه المشاركة خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة خاشعة بالذكر
  9. #7
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    18- اتفاق جميع الأحياء في التنفس وإن اختلفت طرائقه

    ويعرض الدكتور يوسف في مقالاته القيمة لهذا الموضوع ، فيقول : " إن عملية التنفس التي نجدها في جميع الكائنات الحية من أدناها إلى أرقاها عملية عجيبة ، وهي في جميع الحالات ليست سوى عملية أكسدة ، أي اتحاد الأكسجين بالمواد الغذائية التي في خلايا الجسم ، ونتيجة لهذه الأكسدة تنطلق طاقة اللازمة للكائن الحي التي لولاها ما استطاع القيام بأيّ نشاط من أنشطته المختلفة .
    تتم هذه الأكسدة في الحيوانات المختلفة بطرق متباينة ، ولكن النتيجة في جميع الأحوال واحدة ، وهي انطلاق الطاقة ، وفي الوقت نفسه يتكون الماء ( وثاني أكسيد الكربون ) نتيجة لهذه العملية ، ولذا فالمظهر الواضح لعملية التنفس هو أخذ (الأكسجين) اللازم (لأكسدة) المواد الغذائية وبإخراج (ثاني أوكسيد الكربون) والماء الناتجين عن هذه العملية .
    ففي حيوان بسيط (كالأميبا) حيث يتكون الجسم من خلية واحدة ، تتم عملية التنفس بطريقة غاية في البساطة ، إنّ هذا الحيوان الذي يشبه قطعة دقيقة من (الجيلاتين) الرخو يعيش في الماء ، ويوجد بالماء المحيط به قدر من (الأوكسجين) المذاب ، هذا (الأوكسجين) الذائب في الماء ينفذ إلى جسم (الأميبا) حيث يؤكسد المواد الغذائية التي في جسمها ، فتنطلق الطاقة اللازمة لحركتها ونموها ، وغيرها من العمليات الضرورة للحياة .
    ويتكون (ثاني أوكسيد الكربون) والماء نتيجة لعملية (الأكسدة) ، علاوة على انطلاق الطاقة .
    وتتخلص (الأميبا) من الماء الزائد بطريقة تثير الدهشة ، حيث تتجمع قطيرات الماء حتى تتكون فجوة مليئة بالماء ، هذه الفجوة تتحرك نحو حافة جسم الحيوان ، ثم تنفجر ملقية بالماء خارج الجسم ، ثم تعود لتتكون من جديد ... وهكذا .
    أما ثاني (أوكسيد الكربون) فينفذ من داخل الجسم إلى الماء المحيط به .
    وتحدث عملية التنفس في الحشرات عن طريق فتحات على جانبي الجسم توصل إلى شبكة من الأنابيب الدقيقة تتفرع داخل جسم الحشرة إلى أنابيب أصغر فأصغر ، حتى تصل في النهاية إلى جميع الخلايا تقريباً ، وبهذا التنظيم يدخل (الأوكسجين) من الفتحات الخارجية ، ويصل مباشرة إلى خلايا الجسم .
    أمّا في الإنسان وفي عديد من الحيوانات الأخرى فإنّ (الأوكسجين) يصل إلى أنسجة الجسم عن طريق الخلايا الدموية الحمراء التي تسبح في الدم ، ويوجد بداخل هذه الخلايا الدموية المادة المسماة (بالهيموجولبين) .
    ومن الخواص العجيبة لهذه المادة سرعة اتحادها ( بالأوكسجين ، وثاني أوكسيد الكربون ) والقدرة على الانفصال عنهما بسهولة . فإذا وصلت هذه الخلايا الدموية إلى الرئتين ، فإنها تتحمل الأوكسجين ، وتسير مع الدورة الدموية حتى تصل إلى الشعيرات الدموية الدقيقة التي في الأنسجة ، فينفصل الأوكسجين عنها وينفذ إلى الأنسجة من خلال الجدران الرقيقة للشعيرات الدموية حيث يستخدم (لأكسدة) المواد الغذائية ، وينفذ إليها من الأنسجة ( ثاني أوكسيد الكربون ) الناتج من عملية ( الأكسدة ) الذي تحمله إلى الرئتين حيث ينفصل عن ( الهيموجلوبين ) ، ويتخلص منه الجسم عن طريق الزفير ، ثم يتحمل من جديد (بالأوكسجين) ...وهكذا .
    ويحدث التنفس بوسائل عديدة في الحيوانات المختلفة ، ولكن النتيجة في جميع الحالات واحدة ، وهي وصول (الأوكسجين) إلى خلايا الجسم ، والتخلص من ( ثاني أوكسيد الكربون) .
    وهذا يدل دلالة قاطعة على شيئين :
    الأول : أنّ هذا التقدير الدقيق لا بد أن يكون من فعل خالق مدبر مقدر ، إذ إنّه لا يمكن أن يحدث شيء بطرق مختلفة ، ليؤدي لنتيجة واحدة عن طريق المصادفة .
    والشيء الثاني : أنّ الخالق واحد أحد ، إذ أن أسلوب الخلق مبني على أساس واحد ، ويؤدي إلى نتيجة واحدة لا تتغير " .


    19- حصول الأحياء على الغذاء بطرق مختلفة

    ويحدثنا الدكتور يوسف عن هذا الموضوع فيقول : " وجميع الكائنات الحية نباتات وحيوانات لا بدّ أن تتغذى ، وتتغذى النباتات بطريقة تختلف تمام الاختلاف عن طريقة تغذية الحيوانات ، فالنباتات ثابتة في مكانها ، لا يمكنها أن تتحرك لتحصل على غذائها كما يفعل الحيوان ، ولذا فهي تصنع غذاءها وهي مغروسة في مكانها مستخدمة في ذلك الطاقة الشمسية .
    أمّا الحيوان فيحصل على غذائه جاهزاً من مواد نباتية أو حيوانية ، والغذاء الذي يتناوله الحيوان لا بدّ أن يهضم ليمتصه الجسم ويستفيد منه ، وعمليات الهضم عمليات بالغة التعقيد من شأنها تحويل المواد المعقدة التركيب إلى مواد بسيطة التركيب يستطيع الجسم امتصاصها والإفادة منها .
    والمواد الغذائية قد تكون دهنية أو بروتينية أو نشوية ... إلخ .
    وكل نوع من الغذاء يقوم بهضمه أنزيم معين يؤثر في مادة بعينها ، ولا يؤثر في المواد الأخرى الموجودة معها جنباً إلى جنب ، فأنزيم يؤثر في المواد الدهنية ، ولا يؤثر في المواد البروتينية ، وآخر يؤثر في المواد البروتينية ، ولا يؤثر في المواد الدهنية .
    فهل من الممكن أن يحدث كلّ ذلك نتيجة خبط عشواء أو مصادفة عمياء أو نتيجة تجارب عديدة تحتمل الخطأ والصواب ؟
    إنّ أيّ عقل قادر على التفكير لا بد أن يدرك أن هذا من المستحيل ، كما ترفضه رفضاً باتاً نظرية الاحتمالات في العلوم الرياضية .
    ففي حيوان (الأميبا) الدقيق الحجم المكون من خلية واحدة تتم عملية التغذية بطريقة غريبة ، إذ تمتد منه أذرع تلتف حول المادة الغذائية الموجودة حوله في الماء ، والتي قد تكون حيواناً ضئيل الحجم أو نباتاً وحيد الخلية أصغر حجماً من الأميبا ، والمواد الغذائية في هذه الحالة قد تكون متحركة إذا كانت حيواناً صغيراً ، وقد تكون ثابتة إذا كانت نباتاً أولياً وحيد الخلية كبعض الطحالب .
    ومن العجيب أنّ حيوان (الأميبا) البسيط التركيب الذي لا يوجد به مخ أو جهاز عصبي يستطيع التفرقة بين المواد الغذائية الثابتة والمواد الغذائية المتحركة ، فإذا كان الغذاء حيواناً متحركاً ، فإنّ أذرع (الأميبا) تمتدّ في حذر بعيداً عن الحيوان لكي لا يهرب ، أما إذا كان الغذاء ثابتاً غير متحرك ، فإنّ الأذرع تمتدّ حوله ملاصقة له بلا احتياط أو احتراس ، إن المادة الغذائية في هذه الحالة لن تستطيع الهرب ، فكيف يدرك هذه الأشياء حيوان ضئيل (كالأميبا) – لا تكاد تراه العين إلا من خلال عدسات الميكروسكوب – لا مخّ له ولا أعصاب أو عيون أو أية أعضاء للإحساس ! .
    فإذا أطبقت الأذرع على المادة الغذائية أصبحت في داخل الجسم محاطة بقطرة ماء ، عند ذلك يبدأ جسم (الأميبا) في إفراز أنزيم هاضم حامض ليقتل الفريسة التي التهمتها (الأميبا) إذا كانت لا تزال على قيد الحياة ، ثم تفرز ( أنزيماً قلوياً ) ، ولذلك حكمة ، إذ إنّ أهم ( الأنزيمات ) وهو ( الأنزيم ) الذي يهضم المواد ( البروتينية ) لا يعمل إلا في وسط قلوي " .


    20- دوران الدم في جميع أجزاء أجسام الأحياء


    ويحدثنا الدكتور يوسف عن الدورة الدموية قائلاً : " والدورة الدموية في شعب وظائف الحيوانات المختلفة تتم بطرق عديدة ، كما يختلف تركيب القلب في المجموعات المختلفة للحيوانات ، ولكنها تؤدي إلى نتيجة واحدة ، وهي دوران الدم في جميع أجزاء الجسم .
    وإذا تأملنا تركيب القلب والجهاز الدوري في الإنسان ، وفي عديد من الحيوانات ، وجدنا أنّ القلب – ذلك العضو الرائع التصميم - يتكون من حجرات يُوصل بعضها مع بعض فتحات ذات صمامات ، ووظيفة هذه الصمامات السماح للدم بالمرور في اتجاه واحد ، وتمنع رجوعه في الاتجاه المضاد .
    ونجد مثل هذه الصمامات في الأوعية الدموية الكبرى للغرض نفسه .
    وشبكة الأوعية الدموية بأوردتها وشرايينها وشعيراتها الدموية تصميم مذهل ، إنّ الشرايين تتفرع إلى أنابيب أصغر فأصغر ، حتى تصبح شعيرات دموية رقيقة الجدران ، والحكمة من رقة جدران الشعيرات الدموية هي إمكان تبادل غازي (الأوكسجين) من (هيموجلوبين) الكرات الدموية الحمراء ، وينفذ إلى أنسجة الجسم ، وفي الوقت نفسه ينفذ ( ثاني أوكسيد الكربون ) من الأنسجة إلى الشعيرات الدموية ، فتلتقطه الكرات الحمراء ، ثم تتجمع الشعيرات الدموية لتكوين أوردة تحمل الدم إلى الرئتين ، حيث تتخلص الكرات الدموية من ( ثاني أوكسيد الكربون ) ، وتلتقط ( أوكسجيناً ) جديداً وهكذا .
    والقلب ينبض نبضات إيقاعية مدى الحياة ، حيث تتمدد بعض حجراته وتنقبض حجرات أخرى دافعاً الدم النقي الحامل (للأوكسجين) في الأوعية الدموية ، ومستقبلاً له بعد دورانه في الجسم محملاً ( بثاني أوكسيد الكربون ) ، ليرسله إلى الرئتين حيث يتحمل (الأوكسجين) ، ويتخلص من (ثاني أوكسيد الكربون) .
    ويتجول داخل جسم الإنسان ، وعديد من الحيوانات الأخرى سوائل ذات وظائف محددة مثل الدم ( واللمف ) . و (اللمف ) وسيط بين الدم والأنسجة . وللدم وظائف عديدة ، منها توصيل المواد الغذائية إلى جميع أجزاء الجسم .
    وإذا لم يوجد الدم في أجسام بعض الحيوانات كالدودة الكبدية مثلاً ، فإنّ تركيب الجسم في مثل هذه الحيوانات نجده مصمماً بحيث تتم عملية نقل الأغذية وغيرها بوسائل أخرى .
    ويتكون الدم في أجسامنا وأجسام عديد من الحيوانات الأخرى ، من سائل يسبح فيه عدد هائل من الخلايا المختلفة الأشكال والوظائف نطلق عليها أحياناً اسم الكرات الدموية الحمراء ، والكرات الدموية البيضاء .
    والكرات الحمراء – كما ذكرت – ذات وظيفة تنفسية ، أما الكرات البيضاء فمتعددة الأشكال والوظائف ، بعضها ملتهم ، وظيفته التهام أي جرثومة تتسرب إلى جسم الإنسان أو الحيوان ، فتلتهمها بطريقة تشبه التهام الأميبا لغذائها ، ونحن نستنشق من الهواء ملايين الجراثيم طول النهار والليل ، ولكنّنا لا نمرض كلّ يوم ، لأنّ هذه الخلايا العجيبة السابحة في الدم ، والتي من الممكن أن تخترق تيار الدم وتنفذ إلى الأنسجة في حالة الطوارئ تلتهم هذه الجراثيم وتقضي عليها ، ولا يعترينا المرض إلا إذا ضعفت مقاومة الجسم لأيّ سبب من الأسباب ، أي إذا ازداد عدد الجراثيم عن الحدّ المألوف " .


    21- تركيب الحواس في الأحياء


    ويبين لنا الدكتور يوسف أن " لمعظم الحيوانات أعضاء للحس كحاسة الإبصار والشم واللمس والسمع ، والتركيب الأساسي للعين يتشابه في جميع الثدييات وغيرها ، وهو تركيب مذهل وشديد التعقيد ، فللعين عدسة تستقبل الضوء ، وفتحة ينفذ الضوء من خلالها ؛ ليخترق العدسة ، وتلك الفتحة التي ينفذ منها الضوء في العين تتسع تلقائياً في الضوء الخافت ، وتضيق تلقائياً إذا كان الضوء شديداً ، والحكمة من ذلك واضحة ، ففي حالة الضوء الخافت تحتاج عملية الإبصار إلى كمية كبيرة من الضوء ، أمّا في حالة الضوء الشديد فتكفي كمية قليلة منه لكي تتضح الأشياء المرئية .
    والعين ترى الأشياء في ضوء خافت ، ولم يتمكن عقل الإنسان من اختراع آلة تصوير يمكنها التقاط صور المرئيات في مثل هذا الضوء .
    وكما أنّ النحل قادر على رؤية الأشعة فوق البنفسجية ، فإنّ البومة في إمكانها رؤية الأشعة تحت الحمراء التي لا نراها ، وهي أشعة حرارية ، ولذا فالبومة تستطيع أن تبصر الفأر في الظلام الدامس عن طريق الأشعة الحرارية تحت الحمراء التي تشع من جسده الدافئ .
    وينفذ شعاع الضوء من العدسة ليقع على الشبكية عند قاع العين ، وتتكون الشبكية من تسع طبقات مختلفة ، ولا تزيد في مجموعها عن سمك ورقة رقيقة ، والطبقة التي في أقصي قاع العين تتكون من ملايين من الأعواد والمخروطات منتظمة في تناسب محكم يمكنها أن تميز الألوان . ويتولى العصب البصري نقل هذا الإحساس إلى مركز معين في المخ يترجم الإحساس إلى صورة مرئية تبصرها العين بوضوح .
    وتلك التنظيمات العجيبة للعدسات والأعواد والمخروطات والأعصاب لا بدّ أن تكون قد حدثت في وقت واحد .. إذ إنه إذا لم توجد جميعها معاً في وقت واحد فإنّ الإبصار يصبح مستحيلاً ، فكيف استطاعت جميع هذه العوامل أن يُكمّل بعضها بعضاً في وقت واحد ؟
    إنّ العلوم الرياضية تقول لنا : إن حدوث هذه الأشياء دفعة واحدة عن طريق المصادفة أمر مستحيل ، إن آلة التصوير التلفزيونية ما هي إلا محاكاة بدائية لعملية الإبصار التي تتم عن طريق العين ، بل كل ما ابتكره الذهن البشري من اختراعات ما هو سوى محاكاة بدائية لما هو موجود في الخلق ، وإذا كانت آلة التصوير البسيطة يلزمها فكر وعقل لابتكارها ، فهل من المعقول أن تكون العين في الإنسان وغيره من الحيوانات تكونت عن طريق المصادفة ؟
    ومن العجيب أنّ كلّ من هو في حاجة إلى الإبصار من الحيوانات خلق الله له عيوناً يرى بها ، ولو أنّ تلك العيون قد تختلف في تركيبها عن عيوننا اختلافاً كبيراً ، ولكنّها توصل إلى الهدف نفسه وهو الإبصار ، فنجد في دودة الأرض مثلاً خلايا في جلدها ذات حساسية للنور والظلام ، وهذا هو كلّ ما تحتاج إليه مثل هذه الدودة التي تعيش في الأنفاق من الطين داخل التربة .
    وللحشرات عيون تختلف في تركيبها عن عين الإنسان أو القرد أو البقرة أو السلحفاة أو السمكة ، ولكن على الرغم من هذا الاختلاف إلا أن الحشرات ترى بها الأشياء التي تنظر إليها ، واختلاف الوسائل مع تشابه الهدف لا يمكن أن يأتي عن طريق المصادفة ؛ بل يأتي نتيجة لتخطيط يقصد من ورائه الوصول إلى هدف معين .
    ولقد منح الله كلّ كائن حيّ من الحواس والإدراك على قدر حاجته فالذبابة المنزلية مثلاً بحاجة إلى عين ترى بها الغذاء ، وتدرك أيّ حركة يقصد بها الاعتداء على حياتها ؛ ولذا فقد زودها الخالق كما هي الحال في معظم الحشرات بزوج من العيون المركبة ؛ إذ إنّ كلّ عين من هذه العيون مكونة من مئات الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض ، كلّ وحدة من هذه الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض ، كلّ وحدة من هذه الوحدات ترى نقطة من الشيء المرئي ، وتتجمع هذه النقط فترى الذبابة الشيء كاملاً ، كما زودها خالقها بنوع آخر إضافي من العيون نسميه العيون البسيطة ، إذ توجد ثلاثة من هذه العيون البسيطة عند قمة رأسها ، وظيفتها إدراك أيّة حركة ، وهذه العيون هي التي تجعل الإمساك بالذبابة يكاد يكون في حكم المستحيل " .


    22- كيفية تصميم العظام والمفاصل


    والعظام في أجسامنا وأجسام عديد من الحيوانات نحركها عند المفاصل ، فتنقبض عضلات معينة وتنبسط عضلات أخرى في الوقت نفسه في توافق عجيب ، فتتحرك اليد أو الساق أو الإصبع وغيرها في الاتجاه الذي يرغب فيه الإنسان أو الحيوان ، وتركيب المفاصل مصمم بشكل يسمح بالانزلاق ، فلا يشعر الحيوان بأي احتكاك .
    كما أن تصميم الفقرات في العمود الفقري من شأنه تحمل الضغط ، وتجنب الاحتكاك ، وترابط الفقرات مع بعضها ، فهو مصمم تصميماً مذهلاً ، ويحيط العمود الفقري بالحبل العصبي لحمايته ، كما تحمي الجمجمة المخ الذي بداخلها ، وتنفذ الأعصاب من الحبل العصبي من خلال ثقوب بالفقرات ، وجميع هذه التصميمات لا بدّ أن تكون قد تكونت في وقت واحد ، إذ لو اختل جانب منها لأصبحت حركة الحيوان غير ممكنة ، فهل من المعقول أن تحدث كل هذه الترتيبات في وقت واحد نتيجة مصادفة ؟


    23- الحكمة في تجلط الدم


    ومن المعروف أنّه إذا حدث جرح في أجسامنا فإنّ الدم الذي يخرج من الأوعية الدموية المجروحة لا يلبث أن يتجلط عند مكان الجرح ، وهذا تصميم مقصود له حكمته إذ إنّ الدم المتجمد يقفل الوعاء الدموي المجروح ، فيوقف بذلك استمرار تدفق الدم من الجرح ، ولو لم يحدث هذا التجلط لظلّ الدّم ينزف حتى الموت .
    وممّا يدل على أنّ هذا التدبير مقصود من الخالق لحفظ الكائن الحي أنّنا نجده يحدث بطرق متباينة في الحيوانات المختلفة ، ولكنّ النتيجة في جميع الحالات واحدة ، ففي معظم الحشرات إذا جرح جسم حشرة كالصرصار مثلاً ، فإنّ عدداً من الخلايا يتجمع ، ويكون سدادة تقفل الجرح حتى لا ينزف الدم ، بينما نجد أنّ الدم يتجلط في بعض الحشرات كما يتجلط دمنا .
    والوصول إلى هدف معين بطرق مختلفة .. كما سبق أن ذكرت ... دليل قاطع على وجود خالق يدبر ويقدر بشتى الطرق للتوصل إلى نتيجة معينة يكون من شأنها حفظ الكائن الحي .


    24- قرنا الاستشعار عند البعوض

    ولا يمكن أن يكون عن طريق المصادفة أن قرني استشعار ذكر البعوض به شعيرات أطول من تلك التي في قرني استشعاره أنثاه ، وكان الاعتقاد فيما مضى أنّ هذه الشعيرات الطويلة مظهر من مظاهر الزينة ، لكي يبدو الذكر جميلاً في عين الأنثى ، ولكن اتضح أنّه هذه الشعيرات التي في قرني استشعار الذكر قادرة على التقاط أصوات خاصة تحدثها أنثى البعوض وهي بعيدة عن الذكر بعداً شاسعاً ، وأصوات الأنثى هذه ذات موجات خاصة تشبه إلى حد كبير موجات الإذاعة .
    ويحرك الذكور قرني استشعاره في شتى الاتجاهات كما نحرك نحن هوائي التلفزيون لتصبح الصورة الملتقطة أكثر وضوحاً ، وفي وضع خاص يلتقط قرنا الاستشعار صوت الأنثى واضحاً ، وعن طريق زاوية قرن استشعاره يدرك الذكر غريزياً مكان الأنثى التي تحدث الصوت ، فيطير نحوها بأقصى سرعته حيث يتم التزاوج بينهما .
    وهكذا نرى أنّ البعوض قد منحه خالقه هذه القدرة العجيبة التي تمكنه من إدراك صوت الأنثى البعيدة عنه بعشرات (( الأمتار )) على الرغم من وجود أصوات أخرى عديدة يموج بها الجو ، ولو لم يحدث ذلك لما تمكن الذكر من العثور على الأنثى بسهولة ، ولما تمكن البعوض من البقاء جيلاً بعد جيل .
    إنها محطة استقبال إذاعي في قرني استشعاره استخدمها البعوض قبل أن يتمكن الإنسان من التوصل إلى أسرار الإرسال اللاسلكي بملايين السنين ، فهل يمكن أن يحدث مثل هذا عن طريق مصادفة عمياء ؟


    25- حيوانات تومض في الظلام


    ومن الحشرات ما تنبعث من أنثاها أضواء تومض في الظلام ومضات ذات تردد معين يميزها ذكر هذا النوع من الحشرات بالذات ، ولا تختلط عليه مع ومضات ضوئية لحشرات أخرى ذات تردد مختلف . عندما يرى الذكر هذه الومضات التي لا تكاد تدركها عيوننا يطير إلى أنثاه ، فيحدث التزاوج ليستمر بقاء النوع .
    إن العلوم الرياضية تثبت أنّ مثل هذا التنظيم والترتيب لا يمكن مطلقاً أن يكون من صنع (( طبيعة )) لا عقل لها ، بل هو تخطيط من صنع خالق يعلم ماذا يصنع ويرتب ويقدر أروع تقدير لبلوغ هدف معين .


    26- عملية الهضم في الحيوان


    ونحن نعلم أن تقطيع الطعام إلى أجزاء صغيرة أمر ضروري لتسهيل عملية الهضم ، والأسنان ذات تركيب وتنظيم متباين في الحيوانات المختلفة ، ولكنّها تؤدي الوظيفة نفسها وهي تقطيع الطعام .
    وترتيب الأسنان في الإنسان ترتيب مذهل إذ توجد قواطع وأنياب وأضراس مرتبة ترتيباً خاصاً يجعل لكلّ نوع منها وظيفة معينة . ولا توجد أسنان للحيوانات التي لا تحتاج إليها ، كتلك التي تتغذى على السوائل حيث تزود بوسائل خاصة لارتشاف الغذاء السائل وتوصيله إلى القناة الهضمية . وفي أثناء المضغ في الحيوانات ذات الأسنان تفرز الغدد اللعابية إفرازها ليختلط بالغذاء حيث تبدأ عملية هضمه .
    وفي المعدة والأمعاء – كما ذكرت فيما سبق – يفرز الحيوان (أنزيمات) يؤثر كلّ واحد منها في نوع معين من الغذاء ، ولا يؤثر في الأنواع الأخرى .


    27- تكون الجنين



    وعملية تكوين الجنين في أي حيوان عملية مذهلة ، يكتفي العلم بملاحظة وشرح خطواتها ، ولكنّه يقف عاجزاً عن معرفة كنهها ، والقوى التي تدفع بها نحو هدف محدود هو تكون جنين لحيوان معين .
    تبدأ هذه العملية بانجذاب الخلية الذكرية ( الحيوان المنوي للذكر ) نحو الخلية الأنثوية ( بويضة الأنثى ) فتتكون الخلية الملقحة ، وتبدأ الخلية الملقحة بعد ذلك في الانقسام بوساطة قوة عجيبة كامنة فيها ، فتصبح الخلية خليتين ، ثم أربع خلايا ، ثم ثماني خلايا ، وهكذا .. حتى يصل عدد الخلايا إلى حد معين ، فتصبح على هيئة كرة جوفاء جدارها مكون من طبقة واحدة من الخلايا ، ثم ينغمد نصف الكرة داخل النصف الآخر ، فتصبح ذات جدارين خلويين .
    وفي معظم الحيوانات – ومنها الإنسان – تتكون بين الطبقتين طبقة خلوية ثالثة ، وتستمر الخلايا في الانقسام ، فتتكون من كلّ طبقة من الطبقات الثلاث أعضاء معينة .
    فمن الطبقة الخارجية يتكون الجلد والجهاز العصبي ، وبعض أجزاء أخرى ، ومن الطبقة الوسطى تتكون العضلات والعظام ، ومن الطبقة الداخلية تتكون بعض أجزاء الجهاز الهضمي ، ويستمر انقسام الخلايا ، حتى يتم تكوين الجنين داخل الرحم في الحيوانات الثديية أو داخل البيضة في الحيوانات التي تبيض ، وعند اكتمال تكوين الجنين يلفظ الرحم ذلك الجنين خارج الجسم في الحيوانات الثديية ، ويكسر البيضة ويخرج منها في الحيوانات التي تضع بيضاً .


    28- تركيب الأذن


    وتركيب الأذن في الإنسان وفي عدد من الحيوانات الأخرى لا يمكن لأي عاقل أن يتصور حدوثه عن طريق المصادفة ، فللأذن طبلة تستقبل الموجات الصوتية فتتذبذب ، وهذه الذبذبات تؤثر في ثلاث عظام دقيقة مرتبة ترتيباً رائعاً . والضغط على جانبي الطبلة ينبغي أن يكون متساوياً ، ولهذا الغرض تمتد أنبوبة خلف الطبلة توصل إلى تجويف الأنف ، ويصل بالجزء الداخلي للأذن عظمة تشبه القوقعة في شكلها ، ووظيفتها تحليل الصوت ، وتمييز الأنغام المختلفة ، كما أنّ من وظيفتها أيضاً إحداث الاتزان ، إذ لولاها لما استطعنا أن نخطو خطوة واحدة دون أن نترنح ونسقط .
    وتنتقل الذبذبات بعد ذلك عن طريق الأعصاب إلى مركز السمع بالمخ ، ليدرك الإنسان أو الحيوان سماع الأصوات المختلفة بعضها عن بعض . هل يمكن أن يحدث كل هذا في وقت واحد عن طريق المصادفة ؟ إن نظرية الاحتمالات في العلوم الرياضية تنفي إمكان ذلك نفياً قاطعاً .


    29- ديدان الفلاريا

    وتحدث في الكائنات الحية أشياء عجيبة ، لا تعد ولا تحصى ، تدلّ على وجود قوة عليا ترتب وتقدر لاستمرار بقاء الكائنات ، أشياء لا يمكن أن تحدث عن طريق المصادفة ، منها مثلاً : ما يحدث في دورة حياة الديدان التي تسبب المرض المسمى بمرض الفيل ، وهي التي نسميها ديدان (الفيلاريا) .
    تغيض هذه الديدان في طورها الكامل في الأوعية اللمفاوية والغدد اللمفاوية للإنسان ، وتسد الأوعية اللمفاوية ، فتسبب تضخم بعض الأعضاء ، وعلى الأخص الساقين أو إحداهما ، حيث تصبح ساق الإنسان في حجم ساق الفيل .
    وتتزاوج هذه الديدان في أثناء وجودها داخل الأوعية اللمفاوية للإنسان ، وتنتج ديداناً صغيرة تنتقل من الأوعية اللمفاوية إلى الأوعية الدموية ، وإذا بقيت هذه الديدان في الأوعية الدموية للإنسان فإنها تعجز أن إتمام دورة حياتها إذ لا بد لها من أن تنتقل إلى جسم بعض أنواع البعوض لكي تتم تلك الدورة ، وتصبح قادرة على عدوى الإنسان ، فإذا امتصت البعوضة دم إنسان مصاب فإنّها تمتص مع الدّم عدداً من هذه الديدان الصغيرة التي تنمو داخل جسم البعوض حتى يكتمل نموها ، وتصبح قادرة على عدوى الإنسان إذا حقنتها البعوضة في دمه في أثناء عملية امتصاصها لدم الإنسان الذي تتغذى عليه .
    ولقد حاول العلماء الحصول على هذه الديدان من دم المصابين بهذا المرض ولكن جميع محاولاتهم كانت تبوء بالفشل إلى أن حدث شيء عجيب .
    في إحدى الليالي كان أحد العلماء ساهراً في معمله حتى ساعة متأخرة من الليل ، فأخذ عينة من دم إنسان مصاب وفحصها تحت الميكروسكوب ، وفوجئ بعدد هائل من هذه الديدان في العينة التي أخذها ، وفي أثناء النهار في اليوم التالي أخذ عينة من المصاب نفسه فلم يجد للديدان أثراً ، احتار في تفسير هذه الظاهرة العجيبة ، لماذا توجد هذه الديدان في عينة الدم إذا أخذها من المصاب ليلاً ، ولا تظهر إذا أخذها نهاراً ؟
    واتضح أنّ تلك الديدان الصغيرة تهرب إلى الأوعية الدموية الداخلية في أثناء النهار ، ثم تعود إلى الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد في أثناء الليل ، والحكمة من ذلك هي أنّ البعوض الذي يتغذى على دم الإنسان في هذه الأماكن لا ينشط إلا في أثناء الليل ؛ ولذا فإنّ الديدان تنتقل إلى الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد ؛ لكي يتمكن البعوض من امتصاصها مع الدم لتتم دورة حياتها داخل جسم البعوضة ، ومن الطبيعي أن هذه الديدان لا تدرك شيئاً ولا تعلم شيئاً عن البعوض التي ستتم دورة حياتها داخل جسمه ؛ بل تفعل هذا عن غريزة ، أي أنّ هناك قوة عليا تملي عليها هذا التصرف لكي تستمر حياتها .
    ومن العجيب أنّه في الأماكن التي تنشط أنواع البعوض التي تمتص الدّم نهاراً ولا تنشط ليلاً نجد أنّ الديدان تفعل العكس ، حيث تبقى في الأوعية الدموية الداخلية ليلاً ، وتهاجر إلى الأوعية الدموية نهاراً ، ليتمكن البعوض في هذه الحالة أيضاً من امتصاصها مع الدم ، فهل من الممكن أن يحدث هذا عن طرق المصادفة ؟


    30- مغناطيسية الأرض


    إذا تركنا تركيب الكائنات الحية وما فيه من إعجاز تتيه فيه العقول ، وتأملنا في الكون الرحب وجدنا عجباً ، أولى هذه العجائب المغناطيسية الكامنة في الكرة الأرضية ، وهي التي تربطنا بالأرض ، وتمنعنا من أن نتبعثر في الفضاء في أثناء دورانها .
    هذه المغناطيسية تختلف عن المغناطيسية التي نجدها في القضيب المغناطيسي ... ، إننا نعلم أنّ القضيب المغناطيسي قادر على جذب بعض الأشياء ، ولكنّه يعجز عن جذب أشياء أخرى كاللحم والورق والزجاج والحجارة والرمل والماء وغيرها .... ، ولكن مغناطيسية الأرض تجذب كلّ شيء ، تجذب أجسامنا ، وتجذب الزجاج والرمل والماء والحجارة والورق ، إذ لو لم تجذب الأرض إليها هذه الأشياء لما بقي على سطحها شيء .


    31- أحجام الأجرام السماوية وأبعادها ومداراتها

    ولقد ذكر (فردهويل) أستاذ الفلك بجامعة لندن في كتابه ( طبيعة الكون ) أن من الكواكب ما يبلغ حجماً مذهلاً لا يكاد يتصوره العقل ، إذ تبدو الكرة الأرضية بالنسبة لأحد هذه الكواكب العملاقة كحبة الرمل .
    يقول العالم الأمريكي الكبير (كريستي موريسون) الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك : " إنّ وضع الأجرام السماوية ليس مجرد مصادفة عشواء ؛ بل هي موضوعة في الفضاء بحسبان ؛ إذ إن القمر مثلاً لو كان أقرب إلى الأرض بمقدار ربع المسافة التي تفصلنا عنه لأصبح المد والجزر عنيفين حيث يغرق المد جميع أجزاء اليابسة ، فتموت غرقاً جميع حيوانات اليابسة نتيجة لذلك ، كما أن محور الأرض لو لم يكن منحرفاً بمقدار نحو ثلاث وعشرين درجة لترتب على ذلك وجود ليل دائم عند القطبين ، وتكوّن من بخار ماء المحيطات كميات هائلة من الجليد تضغط على القطبين فيتفرطح خط الاستواء ، ويقل هطول الأمطار بدرجة تجعل الحياة مستحيلة على الكرة الأرضية .
    وتبلغ سرعة دوران الأرض نحو ألف ميل في الساعة ، فلو فرضنا أنها تدور بسرعة مائة ميل في الساعة فقط ، لطال كل من الليل والنهار ، وترتب على ذلك أن جميع النباتات والحيوانات تحترق نهاراً من شدة الحرارة ، وتَتجمد ليلاً من شدة البرد " .
    وفي كتاب ضخم للدكتور جود أستاذ الفلسفة بجامعة لندن تناول بالدراسة ضمن ما تناوله شتى احتمالات نشأة الكون ، ونشأة الحياة من الوجهة العلمية والفلسفية ، وخلص من هذه الدراسة المستفيضة إلى أن الكون لا بد أن يكون نشأ نتيجة لعملية خلق رائعة ، وصدق الله إذ يقول : ( سنريهم آيَاتِنَا في الأفاق وفي أنفسهم حتَّى يتبيَّن لهم أنَّه الحقُّ ) [فصلت : 53] .

  10. #8
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    التعرف إلى الله من خلال النصوص


    ( مباحث الصفات والأسماء )



    ذكرنا أن السبيل الثاني الذي يعرفنا بالله هو النصوص القرآنية والحديثية التي تتحدث عن الله حديثاً مباشراً مبينة صفاته وأسماءه وأفعاله .
    وهذا السبيل سبيل نيّر مأمون العواقب ؛ لأن التعرف إلى الله من خلال كلامه وكلام رسوله لا يبقي مجالاً للشك والالتباس .
    وقد حرصنا على أن نسوق النصوص ذاتها في أكثر الموضوعات ؛ فإنها أقدر على التعبير والتوضيح من نصوص البشر وكلامهم ، كما حرصت على ألا أزيف النصوص بالتأويل والتحريف كما فعل كثير من السابقين كي توافق آراء البشر ومقاييسهم ، والواجب أن يغير البشر من آرائهم ومقاييسهم كي توافق النصوص .


    المطلب الأول
    مدى إدراك العقل لصفات الله




    صفات الله جاء بها القرآن وتحدثت عنها السنة النبوية قسمان :
    الأول : ما لا يستطيع العقل الإنساني التعرف عليه وإدراكه بنفسه ، أي من غير طريق النصوص كإثبات اليد والوجه لله .
    الثاني : ما يمكن أن يستدلّ عليه بالعقل كاتصافه بالقدرة والحكمة ، ونحن لن نستقصي ذكر صفات الله ، ولكن سنذكر جملة منها توضح المراد ، وتحرر المقصود ، وتعطي تصوراً وافياً إن شاء الله تعالى .


    المطلب الثاني
    جملة من الصفات التي جاءت بها النصوص ( الجزء الأول )



    1- لله ذات

    لله – سبحانه – ذات متصفة بصفات الكمال منزّهة عن صفات النقص ، والذي يقرأ حديث القرآن عن الله يعلم علماً قاطعاً بأنّ له ذاتاً ( الله لا إله إلاَّ هو الحي القيُّوم لا تأخذه سنةٌ ولا نومُ ) [ البقرة : 255 ] .
    ( قل هو الله أحد – الله الصمد – لم يلد ولم يولد – ولم يكن له كفواً أحد ) [الإخلاص] ، وعندما أراد الكفار قتل خبيب أنشد (1) :
    ولستُ أبالي حين أُقتل مسلماً ××× على أيّ شقٍّ كان لله مصرعي
    وذلك في ذات الإله وإن يشأ ××× يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
    وذات الله لا تشبه ذوات المخلوقين ، كما أنّ صفاته لا تشبه شيئاً من صفات المخلوقين ، فالله هو الكمال الذي لا كمال بعده ، وكلّ مخلوق لا بدّ أن يكون فيه نقص في جانب من الجوانب ، أدناها حاجته وفقره إلى غيره .
    يقول تعالى نافياً المشابهة بينه وبين خلقه : ( ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير ) [ الشورى : 11 ] .



    2- نفسه سبحانه

    لله تعالى نفس تليق بكماله وجلاله ، لا تشبه نفوس المخلوقات ، وقد أخبرنا الله بذلك في محكم كتابه ، قال تعالى : ( وإذا جاءك الَّذين يؤمنون بِآيَاتِنَا فقل سلامٌ عليكم كتب ربُّكم على نفسه الرَّحمة أنَّه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثمَّ تاب من بعده وأصلح فأنَّه غفورٌ رَّحيمٌ ) [ الأنعام : 54 ] .
    فقد أخبر – سبحانه – أنّ له نفساً ، وأنّه كتب على نفسه الرحمة ، ونصّ الله على ذلك في آية أخرى ( قل لمن مَّا في السَّماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرَّحمة ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) [ الأنعام : 12 ] .
    وقد فسرّ الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من هذه الكتابة ، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لمّا قضى الله الخلق كتب كتاباً ، فهو عنده فوق العرش : إنّ رحمتي تسبق غضبي ) وفي رواية ( تغلب غضبي ) ، متفق عليه (2) ، وإثبات النفس لله منهج الرسل من قبل ، فهذا عيسى يقول لرب العزة : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت عَّلامُ الغيوب ) [ المائدة : 116 ] ، وقال الله لرسوله موسى : ( ثمَّ جئت على قدرٍ يا موسى – واصطنعتك لنفسي ) [ طه : 40-41 ] .
    وقد حذرنا الحقّ نفسه فقال : ( ويحذّركم الله نفسه والله رَؤُوفُ بالعباد ) [ آل عمران : 30 ] .
    والله يذكر عباده في [نفسه] عباده الذين يذكرونه في أنفسهم ، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) . (3)
    وذكر الله يرضي نفس ربنا تبارك وتعالى ، ففي حديث مسلم عن ابن عباس عن جويرية : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح ، وهي في مسجدها ، ثم رجع بعد أن أضحى ، وهي جالسة ، فقال : ( ما زلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ ) . قالت : نعم .
    قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد قلت بعدك أربع كلمات ، ثلاث مرات ، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشة ، ومداد كلماته ) . (4)



    3- وجه ربنا سبحانه

    لله – سبحانه – وجه لا يشبه وجوه المخلوقين ، نصدّق بذلك ونؤمن به ؛ لأنّ الله أخبرنا بذلك في كتابه ، ونصّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه .
    قال تعالى : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) [الرحمن :27] ، يقول ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية : و ( ذو الجلال والإكرام ) من نعت الوجه ، فلذلك رفع ( ذو ) . (5)
    وقد نفى بعض السابقين إثبات الوجه لله تعالى ، وزعموا أنّ الوصف بقوله : ( ذو الجلال والإكرام ) إنمّا هو للرب فالمنعوت بـ ( ذو الجلال والإكرام ) عندهم الربّ لا الوجه .
    وقد ردّ هذا الزعم الإمام ابن خزيمة ، فقال : " هذه دعوى يدّعيها جاهل بلغة العرب ، لأنّ الله – جلّ وعلا – قال : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فذكر الوجه مضموماً في هذا الموضع مرفوعاً ، وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه ، ولو كان قوله : ( ذو الجلال والإكرام ) مردوداً إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة ذي الجلال والإكرام مخفوضاً ... " . (6)
    ومن النصوص التي جاء فيها إثبات الوجه لله قوله تعالى : ( كلٌّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه ) [ القصص : 88 ] .



    أثر الإيمان بوجه الله تعالى


    أ- قصد وجه الله بصالح الأعمال

    إذا علمنا ما قرره الله فعلينا أن نقصد وجه ربنا بأعمالنا كما أرشد الله إلى ذلك في محكم كتابه ، فالعمل الذي لا يقصد به وجهه باطل : ( كلٌّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه ) [ القصص : 88 ] .
    ومن ذلك إنفاق المال ابتغاء وجهه : ( وما آتَيْتُم من زَكَاةٍ تريدون وجه الله فأولئِك هم المضعفون ) [ الروم : 39 ] .
    وقد وصف عباده الصالحين بأنّهم يريدون بعملهم وجهه ، ولا شيء غير وجهه ( إنَّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً و لا شكوراً ) [ الإنسان : 9 ] ، ( وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى – إلاَّ ابتغاء وجه ربه الأعلى ) [ الليل : 19-20 ] ( واصبر نفسك مع الَّذين يدعون ربَّهم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يريدون وجهه ) [ الكهف : 28 ] .
    وفي الصحيحين من حديث عتبان بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فإن الله قد حرم على النار من قال : لا إله إلا الله ، يبتغي بذلك وجه الله ) . (7)


    ب- الاستعاذة بوجهه سبحانه

    وقد فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقد روى جابر بن عبد الله أنَّه (( لما نزلت هذه الآية : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ) [الأنعام: 65] ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بوجهك ) فقال : ( أو من تحت أرجلكم ) [الأنعام : 65] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بوجهك ) ، قال : ( أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ ) [ الأنعام : 65 ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا أيسر ) . (8)
    وعن علي بن أبي طالب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند مضجعه : ( اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم ، وبكلماتك التامات من شرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها ) . رواه أبو داود (9)



    ج- إجابة من سألك بوجه الله


    فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من استعاذ بالله فأعيِذُوهُ ، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه ) . (10)



    د- الطمع في رؤية وجه الله

    عن عمار بن ياسر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : ( اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي .
    اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة .
    وأسألك كلمة الحق والعدل في الغضب والرّضا .
    وأسألك القصد في الفقر والغنى .
    وأسألك نعيماً لا يبيدُ .
    وأسألك قرة عين لا تنقطع .
    وأسألك الرضا بعد القضاء .
    وأسألك برد العيش بعد الموت .
    وأسألك لذة النظر إلى وجهك .
    وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة .
    اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين ) . (11)
    وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة المذكورة في قوله تعالى : ( للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ ) [ يونس : 26 ] بأنها النظر إلى وجه ربنا عزّ وجلّ ، ونقل [البيهقي] القول بذلك عن أبي بكر وحذيفة ثم قال : ( الآثار في معنى هذا عن الصحابة والتابعين – رضي الله عنهم – كثيرة ) . (12)
    وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال : يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيِّض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة ، وتنجنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزّ وجل ) ثمّ تلا هذه الآية : ( للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ ) [ يونس : 26 ] . (13)
    وقد جاء في الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جنتان من فضة : آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب : آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن ) . (14)



    حجاب وجهه تبارك وتعالى :

    عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله – عزّ وجلّ – لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعملُ النهار قبل عمل الليل ، حِجَابُهُ النور ( وفي رواية أبي بكر : النار ) لو كشفه لأحرقتْ سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) . (15)
    وهذا التردد من الراوي في لفظ النّور والنّار لا يضرّ ، فإن مثل هذه النّار الصافية التي كلم الله بها موسى يقال لها : نور ونار كما سمّى الله نار المصباح نوراً ، بخلاف النّار المظلمة كنار جهنّم فتلك لا تسمى نوراً .
    وهذه الحجب تحجب العباد عن الإدراك ، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر ، فإذا زالت تجلت الشمس والقمر ، وليس المراد أنّها تحجب الله عن الرؤية ، فهذا لا يقوله مسلم ، فإنّ الله لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض ، ولكن يحجب أنواره إلى مخلوقاته . كما قال : ( لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) فالبصر يدرك الخلق كلهم ، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النّار .






    --------------------
    (1) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري : 13/381 .
    (2) مشكاة المصابيح 1/726 ، ورقمه : 2364 . صحيح البخاري : 3194 ، 7404 ، وصحيح مسلم : 2751 .
    (3) صحيح البخاري : 7405 . وصحيح مسلم : 2675 .
    (4) رواه مسلم في صحيحه : 4/2090،ورقمه : 2726 .
    (5) تفسير الطبري : انظر تفسير آية رقم : 27 من سورة الرحمن .
    (6) التوحيد ، لابن خزيمة : ص : 21 .
    (7) صحيح البخاري بشرحه فتح الباري : 1/519 ، ورقمه : 425 ، وصحيح مسلم 1/455 .
    (8) صحيح البخاري : 13/338 . ورقمه : 7406 .
    (9) جامع الأصول : 4/271 . ورقمه : 2263 ، وإسناده حسن ، كما ذكر محقق جامع الأصول .
    (10) رواه أبو داود في سننه ، انظر صحيح سنن أبي داود : 3/961 ، ورقمه : 4260 ، وقال الألباني فيه : حسن صحيح ، والأسماء والصفات ، للبيهقي : 1/306 .
    (11) رواه ابن خزيمة في التوحيد : ص : 12 ، والنسائي في سننه : انظر صحيح سنن النسائي : 1/280 ، ورقمه : 1237 ، 1238 ، وإسناده صحيح .
    (12) الأسماء والصفات ، للبيهقي : ص : 308 .
    (13) رواه مسلم في صحيحه: 1/163 ، ورقمه : 180 .
    (14) رواه البخاري في صحيحه : 13/423 ، ورقمه : 7444 ، ورواه أيضاً في : 8/623 ، ورقمه : 4878 ، بلفظ مقارب ، ورواه مسلم في صحيحه : 1/163 ، ورقمه : 180 ، ورواه ابن خزيمة بلفظ : ( وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى وجه ربهم ) ، وقال محقق كتاب التوحيد معلقاً على الحديث : ورواه البيهقي في الأسماء والصفات ص : 222 .
    (15) رواه مسلم في صحيحه : 1/161 ، ورقمه : 179 .

  11. #9
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    4- لله سبحانه يدان


    ولله – سبحانه وتعالى – يدان تليقان بجلاله وكماله ، لا تشبهان شيئاً من أيدي المخلوقين ، قال تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) [ المائدة : 64 ] ، وقال مقرّعاً إبليس حين رفض السجود لآدم : ( قال يَا إِبْلِيسُ ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدَيَّ ) [ ص : 75 ] .



    تمجيد الله بذكر يديه :


    وردت أحاديث عديدة فيها تمجيد الرب – تبارك وتعالى – بذكر يديه ، وأن الخير فيهما ، فأهل الجنة يناديهم ربهم فيقول لهم : ( يا أهل الجنّة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، والخير في يديك ) . (16)
    وينادي ربنا آدم عليه السلام يوم القيامة ، فيقول آدم مجيباً : ( لبيّك وسعديك ، والخير كله في يديك ) . (17)
    وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة من الليل : ( لبيك وسعديك ، والخير في يديك ) . (18)
    وكان من تلبية ابن عمر : " لبيك وسعديك ، والخير في يديك " . (19)



    بسط الربّ يديه :


    وهو – سبحانه – كريم يبسط يديه بالعطاء والإنفاق ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) [ المائدة : 64 ] .
    كما أنّه يبسط يديه بالليل والنّهار ليتوب العباد ، ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يبسط يده بالليل ، ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ، ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها ) . (20)



    الأشياء التي خلقها الرحمن بيده :


    لا يعجز الله شيء ، فإذا أراد شيئاً خلقه بكلمة (كن) ، فيكون كما أراد ، إلا أنّه خلق بيده أشياء مما يدلّ على تكريمها ، ورفع منزلتها ، وعناية الله بها ، والمخلوقات التي خلقها الله بيده ، وذكرها لنا في كتابه أو وردت في سنة رسوله هي :



    أ- آدم :


    وفي ذلك يقول تعالى لإبليس : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدَيَّ ) [ص:75] .
    وفي حدث الشفاعة الطويل : ( فيأتون آدم فيقولون : أنت آدم أبو الناس ، خلقك الله بيده ، وأسكنك جنته ) متفق عليه (21)
    وفي حديث احتجاج آدم وموسى ، قال موسى لآدم : ( أنت الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من رُوحه ) . (22)
    فأخبر الحقّ – تبارك وتعالى – أنه خلق آدم بيده ، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ الناس يستشفعون إلى آدم ، ويذكرون أعظم ما فضله الله به ، وهو خلق الله له بيده ، وكذلك موسى عليه السلام ذكر ما فَضّلَ الله به آدم ، وهو خلقه بيده ، وذكر هذه الخصوصية تدل على أمر امتاز به آدم عن غيره ، وإلا فلو كانت اليد هنا القدرة فأي فضل لآدم على غيره ، حتى يمتدح بذلك .



    ب- كتب التوراة بيده :

    ورد في بعض روايات حديث المحاجّة بين آدم وموسى ، أن آدم قال لموسى : ( أنت موسى اصطفاك الله بكلامه ، وخط لك التوراة بيده ) (23) . وفي رواية في الصحيحين : ( اصطفاك الله بكلامه ، وخط لك بيده ) . (24)



    ج- كتب بيده كتاباً موضوعاً عنده :


    عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما قضى الله الخلق كتب كتاباً عنده : غلبت – أو قال : سبقت – رحمتي غضبي ، فهو عنده فوق العرش ) .
    وفي رواية : ( إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق : أن رحمتي سبقت غضبي ، فهو مكتوب عنده فوق العرش ) . (25)
    ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ : ( كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق : رحمتي سبقت غضبي ) . (26)
    ورد إثبات كتابة الرحمن الكتاب بيده في كتاب السنة لابن أبي عاصم ، ولفظه : ( لما قضى الله تعالى الخلق كتب بيده في كتاب عنده : غلبت أو قال : سبقت رحمتي غضبي ، فهو عنده فوق العرش ) أو كما قال . (27)



    د- غرس جنة عدن بيده :


    ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سأل موسى ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟ قال هو رجل يجئ بعدما أدْخل أهل الجنة الجنة ، فيُقال له : ادخل الجنة ، فيقول : أي رب ، وقد نزل الناس منازلهم ، وأخذوا أخذاتهم ؟ فيقال له : أترضى أن يكون لك مثل ملك من مُلوك الدنيا ؟ فيقول : رضيتُ ربّ ، فيقول : لك ذلك ، ومِثلهُ ومِثلهُ ومِثلهُ ، فقال في الخامسة : رضيت ربّ ، فيقولُ : هذا لك ، وعشرة أمثاله ، ولك ما اشتهت نفسك ، ولذت عينك فيقول : رضيت ربّ .
    قال : ربّ فأعلاهُم منزلة ؟ قال : أولئك الذين أردت ، غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ، فلم تر عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب بشر ، قال : ومصداقه في كتاب الله – عز وجل – ( فلا تعلم نفسٌ مَّا أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أعينٍ جزاء بما كانوا يعملون ) [ السجدة : 17 ] (28) . فقد أخبر : أنه غرس جنتهم بيده سبحانه .



    عظم يدي الرب سبحانه وتعالى :

    جاء في كتاب الله قوله تعالى : ( وما قدروا الله حقَّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسَّماوات مَطْوِيَّاتٌ بيمينه ) [ الزمر : 67 ] .
    وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقبض الله – تبارك وتعالى – الأرض يوم القيامة ، وَيَطوي السّماء بيميِنِه ثُمّ يَقُول : أنا الملك ، أين مُلوك الأرض ) . (29)
    وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يطوِي الله – عزّ وجل – السماوات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك ، أين الجبارون ؟ أين المُتكبرون ؟ ثمّ يطوي الأرضين بشماله ، ثم يقولُ : أنا الملك ، أين الجبارون ، أين المتكبرون ؟ ) .
    وفي لفظ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول : ( يأخُذُ الجبار – عزّ وجلّ - سمواته وأرضيه بيديه ، فيقول : أنا الله ( ويقبض أصابعه ويبسطها ) أنا الملك ) ، (( حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفلِ شيء منه ، حتى إنّي لأقول : أساقطٌ هو برسول الله صلى الله عليه وسلم )) . (30)



    كلتا يديه – سبحانه – يمين :


    ورد في رواية في صحيح مسلم : ( ثم يطوي الأرضين بشماله ) وقد ضعف هذه الرواية البيهقي من ناحية الإسناد فقال : " ذكر الشمال فيه ، تفرد به عمر بن حمزة عن سالم ، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر ، لم يذكرا فيه الشمال " . (31)
    وضعفها من ناحية المتن فقال : " وكيف يصِحّ ذلك وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّهُ سمّى كلتا يديه يَميناً " . (32)
    وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المقسطين عند الله على منابر من نُور على يمين الرحمن – عزّ وجلّ – وَكلتا يديه يمينٌ ، الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا ) . (33)



    5- أصابع الرحمن

    ولله – سبحانه – أصابع لا تشبه شيئاً من أصابع المخلوقين ، وهي تليق بكماله وجلاله سبحانه وتعالى ، ففي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه : " أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إن الله يمسك السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ، والخلائق على إصبع ، ثم يقول : أنا الملك ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قرأ ( وما قدروا الله حقَّ قدره ) [ الزمر : 67 ] " .
    وفي لفظ " فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً " . (34)
    وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن قُلوب بني آدم كُلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرّفه كيف يشاء ) ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : ( اللهم مُصرف القلوب صرف قُلوبنا إلى طاعتِكَ ) . (35)



    6- ما ذكر في القدم


    عنون البيهقي بالعنوان السابق في كتابه ( الأسماء والصفات : 348 ) وذكر فيه عدة أحاديث :
    - منها الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تزال جهنم تقول : هل من مزيد حتى يضع فيها ربّ العزّة قدمه ، فتقول : قط قط وعزتك ، ويُزْوَى بعضها إلى بعض ) وفي بعض الروايات : ( ولا يزال في الجنة فضلٌ حتى يُنْشئ الله لها خلقاً ، فيسكنهم فضل الجنة ) . (36)
    - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تحاجّت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمُتجبرين ، وقالت الجنةُ : فما لي لا يدخُلني إلا ضُعفاء النّاس وَسقَطهُمُ وَغرّهُمُ ، قال الله للجنّة : أنت رحْمتي أرحم بكِ من أشاء من عبادي ، وقال للنار : إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكُلّ واحدةٍ منكما ملؤُها ، فأمّا النّار فلا تمتلئ حتى يضع الله – تبارك وتعالى – رجله ، فتقول : قط قط قط ، فهنالك تمتلئ ويُزْوَى بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله من خلقه أحداً ، وأمّا الجنةُ فإنّ الله يُنشئ لها خَلقاً ) . (37)
    - وعن ابن عباس أنّه قال في الكرسي : ( وسع كرسيُّه السَّماوات والأرض ) [البقرة :255] : ( موضع القدمين ) . (38)



    7- لله سبحانه ساق


    يجب علينا أن نصدق بذلك ولا نكذّبه ، لأنّه – سبحانه – قد أخبرنا بذلك ، قال تعالى : ( يوم يكشف عن ساقٍ ويدعون إلى السُّجود فلا يستطيعون ) [ القلم : 42 ] وقد ورد في الصحيحين ما يفسر هذه الآية ويوضحها ، فعن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة ، فيذهب ليسجد ، فيعود ظهرُهُ طبقاً واحداً ) . (39)
    وينبغي أن ننبه هنا إلى أن إثبات الساق لله كإثبات اليد والسمع والبصر وغيرها من الصفات ، وما ورد عن ابن عباس أنه فسر كشف الساق بمعنى شدة الأمر معارض بما ثبت عن ابن مسعود أن ربنا يكشف عن ساقه . (40)
    وما أحسن ما قاله الشوكاني حيث قال : " قد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله ، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً ، فليس كمثله شيء " . (41)
    وقد أورد ابن جرير الطبري وابن كثير تفسير ابن عباس كما أوردا روايات الحديث المفسر للنص القرآني ، ولم يؤولا الحديث بحمله على غير ظاهره مما يدل على أنه لا تعارض عندهما بين الحديث وكلام ابن عباس ، فإن الأمر شديد في يوم القيامة ، ولا ينافي هذا أن يكشف عن ساقه .







    -----------------------
    (16) رواه البخاري في صحيحه : 13/487 ، ورقمه : 7518 .
    (17) رواه البخاري في صحيحه : 11/388 ، ورقمه : 6530 ، وانظر أيضاً : 6/382 . رقم : 3348 . ورواه مسلم : 1/201 . ورقمه : 201 .
    (18) رواه مسلم : 1/543 ، ورقمه : 771 .
    (19) رواه مسلم : 2/841 ، ورقمه : 1184 .
    (20) صحيح مسلم : 4/2113 ، ورقمه : 276 .
    (21) مشكاة المصابيح : 3/69 ، ورقمه : 5572 .
    (22) رواه مسلم :4/2043 ، ورقمه : 2652 .
    (23) صحيح سنن أبي داود : 3/891 ، ورقم الحديث : 3934 ، وصحيح سنن ابن ماجة : 1/20 ، ورقمه : 65 .
    (24) صحيح البخاري : 11 ، ورقمه : 6614 ، وصحيح مسلم : 4/2042 ، ورقمه : 2652 .
    (25) صحيح البخاري : 13/522 ، ورقمه : 7554 . والحديث في صحيح مسلم : 4/2107 ، ورقمه : 2751 .
    (26) ابن ماجة . انظر صحيح سنن ابن ماجة : 1/37 ، ورقمه : 156 .
    (27) كتاب السنة ، لابن أبي عاصم : 1/270 . ورقمه : 608 .
    (28) صحيح مسلم : 1/176 ، ورقمه : 189 .
    (29) رواه البخاري : 8/551 ، ورقمه : 4812 ، ورواه مسلم : 4/2148 ، ورقمه : 2787 .
    (30) رواه مسلم : 4/2148 ، ورقمه : 2788 .
    (31) الأسماء والصفات ، للبيهقي : 1/324 .
    (32) المصدر السابق .
    (33) رواه مسلم في صحيحه : 3/1458 ، ورقمه : 1827 .
    (34) رواه البخاري في صحيحه : 13/393 ، ورقمه : 7414 . ومسلم : 4/2147 . ورقمه : 2786 .
    (35) صحيح مسلم : 4/2045 ، ورقمه : 2655 .
    (36) صحيح البخاري : 8/594 ، ورقمه : 4848 ، 4849 ، ورواه مسلم : 4/2187 ، 2188 ، ورقمه : 2848 . واللفظ لمسلم .
    (37) صحيح البخاري : 8/595 ، ورقمه : 4850 ، ورواه مسلم : 4/2168 ، ورقمه : 2846 ، واللفظ لمسلم .
    (38) انظر مختصر العلو ، للذهبي ص : 102 ، وقال فيه محققه الشيخ ناصر الدين الألباني : صحيح موقوف ، وعزاه إلى ابن خزيمة ، في التوحيد : 71-72 ، والدارمي في الرد على المريسي : 71 ، 73-74 ،وابن أبي شيبة ،في العرش : 2/114 .
    (39) رواه البخاري في صحيحه : 8/664 ، ورقمه : 4419 ، ورواه مسلم : 1/167 ، ورقمه : 183 ، واللفظ للبخاري .
    (40) فتح القدير للشوكاني : 5/319 .
    (41) المصدر السابق : 5/320 .

  12. #10
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    8- استواؤه على العرش


    العرش أعظم المخلوقات كلها ، وقد نصّ الله في سبعة مواضع من كتابه على استوائه على العرش بقوله : ( الرَّحمن على العرش استوى ) [ طه : 5 ] .
    والدليل على أنّ العرش مخلوق من مخلوقات الله قوله تعالى : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانيةٌ ) [ الحاقة : 17 ] أي في يوم القيامة ، وقوله : ( الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للَّذين آمنوا ) [ غافر : 7 ] فقد أخبر أنّ للعرش حملة ، وأنّهم يستغفرون للمؤمنين ، وهذا ينفي قول من يقول إن العرش هو الملك .
    وفي الحديث الذي يرويه البخاري : ( إذا سألتم الله فسلوه الفردوس ، فإنّه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تُفجّرُ أنْهارُ الجنة ) . (42)
    وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تخيّروني على موسى ، فإنّ الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فإذا موسى باطش بجانبي العرش ،فلا أدري أكان موسى فيمن صعق ، فأفاق قبلي ، أو كان ممن استثنى الله ) . (43)
    وفي رواية في الصحيح عن أبي سعيد الخدري : ( فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ) . (44)
    فكيف لا يكون العرش خلقاً من خلق الله وهو سقف الفردوس ، وكيف يمكن لموسى أن يمسك بقائمة من قوائمه لو كان غير مخلوق !!
    وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه أن رحمتي سبقت غضبي ) . (45)




    عِظَم العرش :


    وصف الله العرش بأنه عظيم ( وربُّ العرش العظيم ) [ المؤمنون : 86 ] .
    وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم عظمة العرش بوجهين من البيان :
    الأول : بإخباره عن عظم الملائكة الذين يحملون العرش ، ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح إلى الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله ، من حملة العرش : ما بين شحمة أذنِهِ إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ) . (46)
    والوجه الثاني : بين الرسول عِظمَهُ بأن صوّر سعة العرش بالنسبة للسماوات والأرض ، وصغرهما بالنسبة إليه ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسي ، كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ) . (47)




    تمجيد الله نفسه باستوائه على العرش وأنه ربّ العرش :


    وقد امتدح الربّ نفسه بأنّه مستو على عرشه ، كقوله ( طه – ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى – إلاَّ تذكرةً لمن يخشى – تنزيلاً ممَّن خلق الأرض والسَّماوات الْعُلَى – الرَّحمن على العرش استوى ) [ طه : 1-5 ] . وقوله : ( هو الَّذي خلق السَّماوات والأرض في ستَّة أيام ثُمَّ استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السَّماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) [الحديد :4] .
    وامتدح نفسه في أكثر من آية بأنه صاحب العرش ( ذو العرش المجيد – فعَّالٌ لما يريد ) [ البروج : 15-16 ] ( إذاً لابتغوا إلى ذِي العرش سبيلاً ) [ الإسراء : 42 ] .
    وامتدح نفسه بأنه رب العرش ( عليه توكَّلت وهو ربُّ العرش العظيم ) [التوبة : 129] ، ( فسبحان الله ربّ العرش عمَّا يصفون ) [ الأنبياء : 22 ] ، ( قل من رَّبُّ السَّماوات السَّبع وربُّ العرش العظيم ) [ المؤمنون : 86 ] .
    ومن شعر عبد الله بن رواحة يمجد ربّه سبحانه وتعالى :
    شهدت بأن وعد الله حق ××× وأنّ النّار مثوى الكافرينا
    وأن العرش فوق الماء طاف ××× وفوق العرش ربّ العالمينا
    وتحمله ملائكة كرام ××× ملائكة الإله مسوّمينا
    روى هذا الشعر ابن عبد البر في الاستيعاب ، وقال : رويناه من وجوه صحاح .




    معنى استوائه على العرش :


    نحن نجهل كيفية استوائه سبحانه ، لأننا نجهل كيفية ذاته ، ولكنّنا نعرف معنى استوى في لغة العرب ، فالعرب عندما يُعدّون استوى بـ ((على)) يقصدون بهذه الكلمة معاني أربعة هي : استقر ، وعلا ، وارتفع ، وصعد ، كما حقق ذلك ابن القيم . (48)
    وقد نقل أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة أنهم فسروا ( استوى على العرش ) بمعنى استولى عليه (49) ، فالذي يؤول الاستواء هذا التأويل سلفه في هذا المعتزلة ، وبئس السلف هم .
    أما أهل السنة وأصحاب الحديث فإنهم يثبتون استواءه على العرش ، ولا ينفونه ، ولا يكيفونه كما نقل ذلك عنهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله . (50)
    وقد نقل لنا أهل اللغة أن العلماء بالعربية الذين لم تتدنس فطرهم بقاذورات الفلسفات الوافدة أبوا أن يفسروا استوى باستولى .
    قال داود بن علي الأصبهاني : كنت عند ابن الأعرابي ، فأتاه رجل فقال : ما معنى قوله عزّ وجلّ : ( الرَّحمن على العرش استوى ) [ طه : 5 ] فقال ابن الأعرابي : هو على عرشه كما أخبر ، فقال : يا أبا عبد الله : إنما معناه استولى ، فقال ابن الأعرابي : فما يدريك ؟ العرب لا تقول استولى على الشيء حتى يكون له مضاد ، فأيهما غلب فقد استولى عليه ، أما سمعت قول النابغة :
    إلا لمثلك أو من أنت سابقه ××× سبق الجواد إذا استولى على الأمد (51)
    وهذا النهج ، وهو معرفة معنى الاستواء وجهل الكيفية والنهي عن البحث فيها هو منهج السلف الصالح ، فعندما سئل الإمام مالك : ( الرّحمن على العرش استوى ) [طه :5] كيف استوى ؟
    أطرق مالك ، وأخذته الرحضاء ، ثم رفع رأسه فقال : " الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ، ولا يقال : كيف ؟ وكيف عنه مرفوع ، وأنت صاحب بدعة ، أخرجوه " . (52)
    وفي رواية عن مالك أنه قال : " الكيف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " . (53)
    وقوله : " غير مجهول " أي : معلوم ، والمعلوم منه معناه ، فإن له في لغة العرب معنى تفقهه العرب ، وتعيه ، ويمكن للعالم أن يفسره ، ويترجمه ، ولذا فإن كثيراً من الذين حكوا عن الإمام مالك مقالته السابقة ينقلونها عنه بالمعنى ، فيذكرون أنه قال في الرد على الرجل : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة " (54) . ولا فرق في الحقيقة بين القول إن الاستواء معلوم ، أو أنه غير مجهول ، فمعناهما واحد .
    يقول القرطبي رحمه الله تعالى : " كان السلف الأول – رضي الله عنهم – لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله .
    ولم ينكر أحد أنه استوى على عرشه حقيقة ، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء ، فإنه لا تعلم حقيقته .
    قال مالك : " الاستواء معلوم – يعني في اللغة – والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ، وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها . وهذا قدر كاف " . (55)




    9- أين الله ؟


    أخبرنا – سبحانه – أنّه في السماء ، مستوى على عرشه ( أَأَمِنتُم مَّن في السَّماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تَمُورُ – أمّ أَمِنتُم مَّن في السَّماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير ) [ الملك : 16-17 ] .
    وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربّه أنّه في السماء ، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباح مساء ) . (56)
    وشهد للجارية بالإيمان عندما أخبرته أن الله في السماء ، ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود : أنّ معاوية بن الحكم السلمي ضرب جارية له لتقصيرها في الحفاظ على أغنامه ، ثم ندم فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نادماً يستأذنه في إعتاقها ، فطلبها الرسول صلى الله عليه وسلم وسألها ( أين الله ؟ ) قالت : في السماء . قال : ( من أنا ؟ ) قالت : أنت رسول الله ، قال : ( أعتقها فإنها مؤمنة ) . (57)
    وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم المريض أن يدعو لنفسه أو يدعو له أخوه بهذا الدعاء – وفيه النص على أنه تعالى في السماء – ( ربنا الله الذي في السماء تقدّس اسمك ، أمرُك في السماء والأرض ، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض ، اغفر لنا حوبنا وخطايانا ، أنت رب الطيبينَ ، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ ) . (58)
    وفي حديث عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) . (59)




    معنى كونه في السماء :


    وليس المراد بأنه في السماء أنّ جرم السماء يحتويه – سبحانه وتعالى عن ذلك – بل المراد بالسماء العلو والفوقية ، فقد وصف نفسه – سبحانه – بأنه الأعلى ( سبّح اسم ربّك الأعلى ) [ الأعلى : 1 ] ، وبأنه العلي العظيم : ( وسع كرسيُّه السَّماوات والأرض ولا يَؤُودُهُ حفظهما وهو الْعَلِيُّ العظيم ) [ البقرة : 255 ] .
    وأخبر تعالى أنّه فوق عباده : ( يخافون ربَّهم من فوقهم ) [ النحل : 50 ] ، ( وهو القاهر فوق عباده ) [ الأنعام : 18 ] وفي تمجيد الرسول صلى الله عليه وسلم لربّه في دعائه يقول : ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ) . (60)
    وكانت زينب تفخر على زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وتقول : ( زوجكن أهاليكن وزوّجني الله من فوق سبع سموات ) . (61)
    ولا يمكن لمسلم يفقه عقيدته حق الفقه أن يظن أنّ الله في السماء بمعنى أنّ السماء تحويه ، وأنّه في جرم السماء ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، كيف والسماوات ليس بشيء بالنسبة إليه سبحانه ( والسَّماوات مطويَّات بيمينه ) [ الزمر : 67 ] ، ( يوم نطوي السَّماء كَطَيِّ السِّجِلِّ للكتب ) [ الأنبياء : 104 ] .




    كثرة الأدلة :


    والأدلة من الكتاب والسنة على أنّه تعالى في السماء فوق عباده ظاهر عليهم كثيرة جداً ، ويحتاج استقصاؤها إلى صفحات طويلة ، ويمكن أن نصنفها على النحو التالي :
    1- الأدلة الدالة على أنّه في السماء ، وقد ذكرناها .
    2- الأدلة الدالة على أنّه مستو على العرش ، وقد سبقت .
    3- الأدلة الدالة على علوه ، وأنه فوق عباده ، وقد ذكرنا طرفاً منها .
    4- النصوص الدالة على أن بعض مخلوقاته عنده ، كقوله : ( إنَّ الَّذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته ) [ الأعراف : 206 ] .
    وقال في الشهداء : ( بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] .
    وهي نصوص كثيرة .
    5- النصوص المخبرة برفع بعض الأشياء أو عروجها وصعودها إليه ، كالآيات المصرحة برفع عيسى ابن مريم ( بل رَّفعه الله إليه ) [ النساء : 158 ] والمخبرة بصعود الأعمال إليه : ( إليه يصعد الْكَلِمُ الطيّب والعمل الصَّالح يرفعه ) [ فاطر : 10 ] ، والنصوص المخبرة بصعود أرواح المؤمنين ( إنَّ الَّذين كذَّبوا بِآيَاتِنَا واستكبروا عنها لا تُفَتَّحُ لهم أبواب السَّماء ) [ الأعراف : 40 ] .
    فدل النصّ على أنّ المؤمنين تفتح لهم ، وقد جاءت الأحاديث مفسرة ذلك وموضحة له .
    ومن ذلك عروج الملائكة إليه ( تعرج الملائِكة والرُّوح إليه ) [ المعارج : 4 ] .
    6- ومنها إخباره بإنزال الملائكة ( ينزّل الملائِكة بالرُّوح من أمره ) [ النحل : 2 ] ، وإخباره بإنزال الكتب ( وهذا كتاب أنزلناه مباركٌ ) [ الأنعام : 92 ] .
    7- ومنها رفع الأيدي والأبصار إليه ، وقد وردت أحاديث كثيرة ذكر فيها رفع الرسول صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء ، وكلّ منْ حزَبه أمرٌ فإنه يرفع يديه إلى العلو يدعو الله .
    وكذلك رفع البصر ، فإنه ثبت في الدعاء بعد الوضوء .
    8- ومن ذلك إشارته صلى الله عليه وسلم بإصبعه إلى العلو كما في حديث حجة الوداع عندما قالوا : نشهد أنّك قد بلغت وأديت ونصحت ، فقال بإصبعيه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : ( اللهم اشهد ، اللهم اشهد ) . (62)
    وإن أحببت المزيد من ذكر الأدلة وأقوال سلف الأمة فراجع ما جمعه أهل العلم في مدوناتهم في هذا الموضوع .




    علوه – سبحانه – لا ينافي قربه :


    فهو قريب يجب دعوة الداعي إذا دعاه ، ويعلم سرّه ونجواه ، وهو أقرب إلى داعيه من عنق راحلته ، ويعلم ما توسوس به النفوس ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ، وهو يعلم السرّ وأخفى ، ويعلم ما يلج في الأرض ، وما يخرج منها ، وما ينزلُ من السماء ، وما يعرج فيها ، وهو مع خلقه بعلمه وقدرته ، لا تخفى عليه منهم خافية ، وما يعزب عن ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، فهو – سبحانه – القريب في علوّه ، العلي في دنوّه وهو الأول والآخر والظاهر والباطن .




    10- ضحك ربنا سبحانه


    وهو – سبحانه – يضحك متى شاء ، كيف شاء ، نؤمن بذلك ونصدّقه ، ولا ندري كيفيته ، ولسنا مطالبين بأن ندري .
    وقد ثبت في ذلك أخبار صحاح منها :
    - عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يضحك الله إلى رجُلين يقتل أحدهما الآخر ، يدخلان الجنة ، يُقاتل هذا في سبيل الله فيُقتَلُ ، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد ) . (63)
    - عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه ، فلم يجد عندهن شيئاً .
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله ) . فقام رجل من الأنصار ، فقال : أنا يا رسول الله .
    فذهب إلى أهله فقال لامرأته : ضيف رسول الله لا تدخريه شيئاً .
    فقالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية .
    قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالي ، فأطفئي السراج ، ونطوي بطوننا الليلة ، ففعلت .
    ثمّ غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( لقد عجب – عزّ وجلّ – أو ضحك من فلان وفلانة ) ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( ويؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ) [ الحشر : 9 ] . (64)
    - وفي صحيح البخاري من حديث طويل عن أبي هريرة يرفعه : ( ثمّ يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد ، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار ، هو آخر أهل النار دخولاً الجنة ، فيقول : أي ربّ اصرف وجهي عن النار ، فإنّهُ قد قَشَبَنِي ريحها ، وأحرقني ذكاؤها ، فيدعو الله ما شاء أن يدعوه .
    ثم يقول الله : هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره ؟ فيقول : لا وعزك ، لا أسألك غيره ، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء ، فيصرف الله وجهه عن النار .
    فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : أي ربّ قدّمني إلى باب الجنة ، فيقول الله له : ألسْتَ قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيت أبداً ، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك . فيقول : أي ربّ ويدعُو الله حتى يقول : هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسْأل غيره ؟ فيقول : لا وعزّتك لا أسألك غيره . ويُعْطِي ما شاءَ مِنْ عُهودٍ ومواثيق .
    فيُقَدّمه إلى بَاب الجَنّةِ ، فإذا قَامَ إلى باب الجنة انْفَهَقَتْ لهُ الجنة ، فرأى ما فيها من الحَبْرَةِ والسرور ، فَيَسْكتُ ما شاء الله أن يسكت ، ثمّ يقول : أي ربّ أدْخِلني الجنة ، فيقول الله : ألست قد أعطيت عُهُودَكَ ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطِيت . فيقول : ويلك يا ابن آدم ما أغدرك ، فيقول : أي ربِّ لا أكون أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه ، فإذا ضحك الله منه ، قال : ادخل الجنة ) . (65)
    وفي رواية عند مسلم في حديث عبد الله بن مسعود : أنّ الله يقول لهذا الرجل : ( أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها ؟ فيقول : يا رَبّ أتستهزِئُ مني وأنت ربّ العالمين ؟ ) وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : مم تضحك يا رسول الله ؟ قال : ( من ضحِكِ رَبّ العالمين حين قال : أتستهزئ مني وأنت ربّ العالمين ؟ فيقول : إني لا أستهزِئ منك ، ولكني على ما أشاء قادر ) . (66)








    --------------------------------
    (42) صحيح البخاري : 13/404 ، ورقمه : 7423 .
    (43) صحيح البخاري : 11/367 ، ورقمه : 6517 ، 6518 ، والحديث في مسلم أيضاً : 4/1834 ، ورقمه : 2373 .
    (44) صحيح البخاري : 13/405 ، ورقمه : 7427 .
    (45) صحيح البخاري : 13/404 ، ورقمه : 7422 .
    (46) صحيح سنن أبي داود : 3/895 ، ورقمه : 3953 .
    (47) أخرجه محمد بن أبي شيبة في كتاب العرش ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، وابن جرير وغيرهم ، وهو صحيح بمجموع طرقه ، انظر كلام الشيخ الألباني على إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة ، حديث رقم 109 .
    (48) انظر شرح الواسطية للهراس : ص 80 .
    (49) مقالات الإسلاميين : ص 157 ، 211 .
    (50) مقالات الإسلاميين:ص211 ، 290 .
    (51) لسان العرب : 2/249 .
    (52) رواه البيهقي ، وصححه الذهبي : انظر مختصر العلو للعلي الغفار ، للذهبي : ص 141 حديث رقم : 131 .
    (53) انظر مختصر العلو : ص 141 ، وحديث رقم 132 .
    (54) تفسير القرطبي : 2/219 .
    (55) تفسير القرطبي : 2/219 .
    (56) صحيح البخاري : 8/66 ، ورقمه : 4351 ، وصحيح مسلم : 2/742 ، ورقمه : 1064 .
    (57) رواه مسلم في صحيحه : 1/382 ، ورقم الحديث : 537 ، ورواه أبو داود في سننه ، انظر صحيح سنن أبي داود : 1/175 ، ورقمه : 823 ، وانظر : 3/632 ، ورقمه : 2809 .
    (58) سنن أبي داود : 4/16 ، ورقمه : 3892 .
    (59) رواه الترمذي ، انظر صحيح سنن الترمذي : 2/180 ، ورقمه : 1569 ، وقال الترمذي فيه : حديث حسن صحيح .
    (60) رواه مسلم في صحيحه : 4/2084 ، ورقمه : 2713 .
    (61) صحيح سنن الترمذي : 3/92 ، ورقمه : 2566 .
    (62) رواه أبو داود : 1/358 ، ورقمه : 1905 ، وأصل الحديث في الصحيحين ، ولكني لم أجد فيهما رفع الرسول صلى الله عليه وسلم إصبعه إلى السماء ونكتها إليهم .
    (63) رواه البخاري في صحيحه : 6/39 . ورقمه : 2826 ، ورواه مسلم : 3/1504 . ورقمه : 1890 ، واللفظ للبخاري .
    (64) رواه البخاري في صحيحه : 8/631 ، ورقمه : 4889 . ورواه مسلم : 3/1625 . ورقمه : 2054 واللفظ للبخاري .
    (65) رواه البخاري : 13/420 ، ورقمه : 7437 .
    (66) رواه مسلم : 1/175.ورقمه:187 .

  13. #11
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    جملة من الصفات التي جاءت بها النصوص
    ( الجزء الثاني )



    11 ، 12- نزوله – سبحانه – ومجيئه

    عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ينزل ربنا – تبارك وتعالى – كل ليلة إلى سماء الدّنيا ، حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعونِي فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ) . (1)
    وقد نصّ القرآن على أنّ الله يأتي يوم القيامة لفصل القضاء ( هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله في ظُلَلٍ من الْغَمَامِ والملائِكة وقضى الأمر ) [ البقرة : 210 ] ، ( كلاَّ إذا دُكَّت الأرض دكّاً دكّاً – وجاء ربُّك والملك صفّاً صفّاً ) [ الفجر : 21-22 ] .
    وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة ، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء ، وينزلُ الله في ظُللٍ من الغمامِ من العرش إلى الكُرسي ) . (2)



    13- كلام الله

    والله – سبحانه – يتكلم متى شاء كيف يشاء ، لا يشبه كلامه كلام المخلوقين ، وقد كلم الله بعض خلقه وكلموه ، منهم نبي الله موسى ( وكلَّم الله موسى تكليماً ) [النساء : 164 ] ، ( ولمَّا جاء موسى لِمِيقَاتِنَا وكلَّمهُ ربُّه ) [الأعراف : 143] .
    وقد ذكر لنا الله ما دار بينه وبين موسى : ( قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل جعله دكّاً وخرَّ موسى صعقاً فلمَّا أفاق قال سُبْحَانَكَ تبت إليك وأنا أول المؤمنين – قال يا موسى إنّي اصطفيتك على النَّاس بِرِسَالاَتِي وبكلامي فخذ ما آتَيْتُكَ وكن من الشَّاكرين ) [ الأعراف: 143-144] .
    وكلم الله آدم وحواء ( وناداهما ربُّهما ألم أنهكما عن تلكما الشَّجرة وأقل لَّكما إنَّ الشَّيطان لكما عدوٌّ مُّبينٌ ) [ الأعراف : 22 ] .
    ويكلم الله جبريل ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنّ الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل : إنّ الله أحبّ فلاناً فأحبه ، فيُحبهُ جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السماء : إنّ الله قد أحب فلاناً فأحبوه ،فيحبه أهل السماء ،ويوضع له القبول في الأرض ) . (3)
    وتسمع الملائكة ربهم حين يتكلم ، ففي الصحيح عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعاناً لقوله ، كأنّه سلسلة على صفوان ، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ، قالوا : الحقّ ، وهو العلي الكبير ) . (4)
    وهذا الحديث أورده البخاري تفسيراً لقوله تعالى : ( ولا تنفع الشَّفاعة عنده إلاَّ لمن أذن له حتَّى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربُّكم قالوا الحقَّ وهو العليُّ الكبير ) [سبأ : 23 ] .
    فقد جعل البخاري هذه الآية باباً ، ثم قال : " ولم يقل ماذا خلق ربكم " ، وأورد في هذا الباب ما رواه مسروق عن ابن مسعود معلقاً موقوفاً عليه : " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً ، فإذا فزع عن قلوبهم ، وسكن الصوت ، عرفوا أنه الحق ، ونادوا : ماذا قال ربكم " .
    وأورد حديثاً معلقاً يرويه جابر عن عبد الله بن أنيس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يحشر الله العباد فيناديهم بصوت ، يسمعه من بَعُدَ ، كما يسمعه من قَرُبَ : أنا الملك أنا الديان ) . (5)
    وقال البخاري في كتابه ( خلق أفعال العباد ) معلقاً على هذا الحديث : " في هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق ؛ لأن صوت الله جلّ ذكره يسمع مِن بُعْدٍ كما يُسمع من قُرْبٍ ، وأن الملائكة يصعقون من صوته " . (6)
    ويتكلم الله – سبحانه – بصوت لا يشبه شيئاً من أصوات الخلق كما في الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله يا آدمُ ، فيقول : لبيك وسعديك ، فيُنَادِي بصوت : إنّ الله يأمرك أن تخرج من أمتك بعثاً إلى النار ) . (7)
    وفي يوم القيامة يكلم الملائكة ( ويوم يحشرهم جميعاً ثمَّ يقول للملائِكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون – قالوا سبحانك أنت وليُّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجِنَّ أكثرهم بهم مُّومنون ) [ سبأ : 40-41 ] .
    ويخاطب الكفرة المكذبين مقرّعاً ومبكتاً ( ويوم نحشر من كل أمَّةٍ فوجاً مَّمَّن يكذّبُ بآياتنا فهم يوزعون – حتَّى إذا جَاؤُوا قال أكذَّبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أمَّاذا كنتم تعملون ) [ النمل : 83-84 ] .
    ويخاطب الله أهل الجنة ويكلمهم ، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنّ الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك وسعديك والخير في يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك . فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب ، وأيّ شيء أفضلُ من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكمُ رضواني ، فلا أسخطُ عليكم بعدهُ أبداً ) . (8)



    كلام الله لا يحصى ولا يستقصى :


    قال الله تبارك وتعالى : ( قل لَّو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مدداً ) [ الكهف : 109 ] .



    القرآن كلام الله حقيقة :


    والقرآن كلام الله حقيقة لا شك في ذلك ، قال تعالى : ( وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتَّى يسمع كلام الله ) [ التوبة : 6 ] ، وقال تعالى : ( سيقول المُخلَّفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتَّبعكم يريدون أن يبدّلوا كلام الله قل لَّن تتَّبعونا كَذَلِكُمْ قال الله من قبل ) [ الفتح : 15 ] .
    وقال تعالى : ( ولو أنَّما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يمدُّه من بعده سبعة أبحرٍ مَّا نفذت كلمات الله ) [ لقمان : 27 ] .
    يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية (9) : " يقول الله تعالى مخبراً عن عظمته ، وكبريائه ، وجلاله ، وأسمائه الحسنى ، وصفاته العلا ، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد ، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها ، كما قال سيد البشر : ( لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) (10) فقال تعالى : ( ولو أنَّما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ ) [لقمان : 27] أي : ولو أنَّ جميع أشجار الأرض جعلت أقلاماً ، وجعل البحر مداداً ، ومدّه سبعة أبحر معه ، فكتبت بها كلمات الله تعالى الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسّرت الأقلام ، ونفد ماء البحر ، ولو جاء أمثالها مدداً " .
    وقال الحسن البصري : " لو جعل شجر الأرض أقلاماً ، وجعل البحر مداداً ، وقال الله تعالى : إن من أمري كذا ، ومن أمري كذا ، لنفد ما في البحور ، وتكسّرت الأقلام " وصدق الله إذ يقول : ( وما أُوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ) [ الإسراء : 85 ] .



    14- محبة الله


    جاء في الكتاب والسنة أنّ الله تعالى يحب أفعالاً معينة ، كما يحب كلاماً معيناً ، ويحبّ بعض خلقه الذين اتصفوا بصفات خاصة بيّنها .
    وما أخبرنا بذلك إلا لكي نبادر إلى الاتصاف بما يحبّه من الأخلاق ، والقيام بالأعمال التي يحبها ، والإكثار من ذكر الكلام الذي يحبه ، وبذلك يحبنا سبحانه وتعالى .
    والله تعالى يحبّ المتقين : ( إنّ الله يحبُّ المتَّقين ) [ التوبة : 4 ] ، ويحب المحسنين : ( والله يحبُّ المحسنين) [ آل عمران : 146 ] ، ويحبّ التوابين والمتطهرين : ( إنَّ الله يحبُّ التَّوَّابين ويحبُّ المتطهّرين ) [ البقرة : 222 ] ، ويحب الصابرين : ( والله يحبُّ الصَّابرين ) [ آل عمران : 146 ] ، ويحب العادلين ( إنَّ الله يحبُّ المقسطين ) [ المائدة : 42 ] ، ويحب المتوكلين ( إنَّ الله يحبُّ المتوكلين ) [ آل عمران : 159 ] ، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً : ( إنَّ الله يحبُّ الَّذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنَّهم بنيانٌ مَّرصوصٌ ) [الصف : 4] .
    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن ، سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ) . (11)
    وعن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أَحبُّ الكلام إلى الله أربع : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، لا يضُرّك بأيهن بدأت ) . (12)
    وقال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس : ( إنّ فيك خَصلتين يُحبهما الله : الحلمُ ، والأناةُ ) . (13)
    وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحبّ لِقاء الله أحبّ الله لقاءهُ ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءهُ ) . (14)
    وجماع الأعمال والأخلاق والأقوال التي يحبها الله هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما اتصف به عليه السلام ، ولذا فقد بيّن الله في آية جامعة أن السبيل إلى محبته هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم : ( قل إن كنتم تحبُّون الله فاتَّبعوني يحببكم الله) [ آل عمران : 31 ] .



    15-16- كراهة الله وبغضه


    هناك أعمال لا يحبها الله ، بل يكرهها ويبغضها ، وكراهيته وبغضه – سبحانه – حق على وجه يليق بذاته الكريمة ، من هذه الأعمال الفساد ( والله لا يحبُّ الفساد ) [ البقرة : 205 ] ، ولذا فإنّه ( لا يحبُّ المفسدين ) [ المائدة : 64 ] .
    وجاء في النصوص أنّه لا يحب : الكافرين ، والظالمين ، والمسرفين ، والمستكبرين ، والمعتدين ، والخائنين ، والفرحين . ولا يحب كل مختال فخور ، وكفّار أثيم ، وخوّان أثيم . وفي القرآن ( ولكن كره الله انبعاثهم فثبَّطهم ) [ التوبة : 46 ] .
    وسبق ذكر الحديث الذي فيه : ( ومن كره لِقاء الله كَره الله لقاءهُ ) . (15)
    وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخَصِمُ ) . (16)
    وعن البراء بن عازب أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الأنصار : ( من أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله ) . (17)



    17- رؤية الله


    لا يُرى الله في الدنيا ، وقد طمع موسى في رؤية الله ، فأخبره ربّه أنّه لن يراه في الدّنيا ، ولا يستطيع ذلك ، بل الجبل القويّ الصلد لا يطيق ذلك ( ولمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوق تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل جعله دكّاً وخرَّ موسى صَعِقاً ) [ الأعراف : 143 ] .
    وقد اختلف العلماء في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم ربّه حين عُرج به إلى السماء ، والصحيح أنّه لم ير ربّه في المعراج ، وقد صحّ عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت : ( ومن زعم أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية) . (18)
    هذا في الدنيا ، أمّا في الآخرة فالأمر مختلف ، فإنّ العباد يخلقون خلقاً جديداً ، ألا ترى أنّ الشمس تدنو من رؤوس الناس في يوم القيامة حتى لا يكون بينها وبينهم إلا ميل واحد ، ومع ذلك فلا يذوبون ولا ينصهرون ! ألا ترى أنّ الناس بعد البعث والنشور غير قابلين للموت ! بل يدخل الكفار النّار كلما نضجت جلودهم بدّلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ، أمّا الموت فلا .
    نعم في يوم القيامة يطيق المؤمنون رؤية ربهم ، بل إنّ أعظم نعيم يعطاه العباد في الجنّة هو النظر إلى وجه ربهم العظيم الكريم سبحانه .
    هذا النعيم العظيم يحرمه الكفار ( كلاَّ إنَّهم عن رَّبهم يومئذٍ لَّمحجوبون ) [المطففين: 15] أما الذين اصطفاهم الله وحسَّن وجوههم فلا يحجبون ، ( وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ ) [القيامة : 22] وهؤلاء هم الأبرار ( إنَّ الأبرار لفي نعيمٍ – على الأرائِك ينظرون ) [المطففين : 22-23] ، وهذا النظر إلى وجهه الكريم هو الزيادة التي وُعد بها المؤمنون ( للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ ) [ يونس : 26 ] .
    وهو المزيد المذكور في هذه الآية : ( لهم مَّا يشاءون فيها ولدينا مزيدٌ ) [ق : 35] .
    وقد جاءت الأحاديث المتواترة مصرّحة بذلك غاية التصريح ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنّ ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل تُضارّونَ في رؤية القمر ليلة البدر ؟ ) قالوا : لا ، يا رسول الله ، قال : ( هل تُضارّونَ في رؤية الشمس ليس دُونها سحابٌ ؟ ) قالوا : لا ، يا رسول الله ، قال : ( فإنّكُم ترونه كذلك ) . (19)
    وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ، قال : ( كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : ( إنّكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون ، فإنْ استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا ) . (20)
    وفي صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أهلُ الجنة ، يقول الله تبارك وتعالى : تريدُون شيئاً أزيدكم ؟ يقولون : ألم تُبيضْ وُجُوهنا ؟ ألم تُدخلنا الجنة وتُنْجِنا مِنَ النّار ؟ ) قال : فيكشفُ الحجاب ، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزّ وجلّ ، ثمّ تَلا هذه الآية : ( للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ ) [ يونس : 26 ] . (21)
    وفي الصحيحين عن أبي موسى – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( جنّتان من فضة آنيتُهُما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدنٍ ) . (22)






    --------------------------------
    (1) رواه البخاري :3/ 29 . ورقمه : 1145 .ورواه مسلم : 1/521 .ورقمه : 758 ،واللفظ للبخاري .
    (2) رواه ابن منده ، وقال الذهبي : إسناده حسن ، وصححه جمع من حفاظ الحديث ونقاده كالحاكم والمنذري والهيثمي .
    (3) رواه البخاري:13/461 ، ورقمه : 7458 . ورواه مسلم : 4/2030 . ورقمه : 2637 ، واللفظ للبخاري .
    (4) رواه البخاري : 13/453 ، ورقمه : 7481 .
    (5) صحيح البخاري : 13/452 .
    (6) خلق أفعال العباد : ص 149 .
    (7) رواه البخاري : 13/453 ، ورقمه : 7483 ، وانظر : 8/441 . رقم : 4741 ، ورواه مسلم : 1/201 ، ورقمه : 222. واللفظ للبخاري .
    (8) رواه البخاري : 13/487 ، ورقمه : 7518 ، ورواه مسلم : 4/2176 ، ورقمه : 2829 ، واللفظ للبخاري .
    (9) تفسير ابن كثير : 5/394 .
    (10) رواه مسلم : 1/353 ، ورقمه : 486 .
    (11) رواه البخاري : 11/206 ، ورقمه : 1406 ، ورواه مسلم : 4/2072 . ورقمه : 2694 .
    (12) رواه مسلم : 3/1685 . ورقمه : 2137 .
    (13) رواه مسلم في صحيحه : 1/48 . ورقمه : 17 .
    (14) رواه مسلم : 4/2065 ، ورقمه : 2684 .
    (15) رواه مسلم :4/2065 . ورقمه : 2684 .
    (16) رواه البخاري : 13/180 . ورقمه : 7188 ، ورواه مسلم : 4/2054 . ورقمه : 2668 . والألد : شديد الخصومة . والخصم : الحاذق بالخصومة .
    (17) رواه البخاري : 7/113 ، ورقمه : 3783 ، ورواه مسلم : 1/85 ، ورقمه : 75 .
    (18) رواه مسلم : 1/159 . ورقمه : 177 .
    (19) رواه البخاري : 13/419 . ورقمه : 7437 ، ورواه مسلم : 1/163 . ورقمه : 182 . واللفظ لمسلم .
    (20) رواه البخاري : 13/419 . ورقمه : 7434 .
    (21) رواه مسلم : 1/163 . ورقمه : 181 .
    (22) رواه البخاري : 13/423 . ورقمه : 7444 . ورواه مسلم : 1/163 . ورقمه : 180 .

صفحة 1 من 36 12311 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. كتاب : العقيدة الميسرة من الكتاب العزيز والسنة المطهرة
    بواسطة الواحة الخضراء في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 18-10-2015, 12:53 AM
  2. سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة
    بواسطة خالد العازمي في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 23-01-2014, 10:48 PM
  3. الدعاء من الكتاب والسنة
    بواسطة القعقـــاع في المنتدى منتـدى العلـم الشــرعي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 16-03-2013, 02:46 PM
  4. زبدة التفسيرللشيخ محمد سليمان الأشقر
    بواسطة عيسى سالم في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 08-10-2011, 11:52 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •