K

جديد المنتدي

صفحة 8 من 8 الأولىالأولى ... 678
النتائج 78 إلى 85 من 85
  1. #78

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    الفصل الثالث
    في إثبات المرحلة الأخيرة لأبي الحسن الأشعري وهي مرحلة العودة إلى السنة

    تمهيد
    لقد مرت الأشعرية بمراحل قبل أن تستقر إلى ما هي عليه الآن، فقد كان أبو الحسن الأشعري على طريق المعتزلة، ثم تركهم وسلك طريق ابن كلاب، ثم في آخر حياته سلك سبيل السنة، واقتفى أثر الإمام أحمد فألف "الإبانة" وعليها اعتمد الحافظ ابن عساكر في إثبات عقيدته في كتابه "تبيين كذب المفتري". واعتمده الحافظ أبو بكر السمعاني في كتابه "الاعتقاد"، وحكى عنه في مواضع منه، ولم يذكر من تواليفه سواه (1).


    وهذا المذهب الذي استقر عليه أخيراً قد بينه أيضاً في أواخر ما ألف مثل "مقالات الإسلاميين" و "رسالة إلى أهل الثغر" وهي مطبوعة متداولة.

    المبحث الأول

    سياق الأدلة على إثبات المرحلة الثالثة الأخيرة للأشعري

    وهذه المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة العودة إلى السنة وترك الكلابية،
    يدل على ثبوتها أمور:

    أولاً: أنها مرحلة قد أثبتها المؤرخون وعلى رأسهم الحافظ ابن كثير
    وهو من هو في التاريخ وسعة الاطلاع.

    فقال:
    (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
    أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
    الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة
    والإرادة والسمع والبصر والكلام.
    وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك.

    الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف،
    وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً.) (2) اهـ.
    وأشار إليها الذهبي في السير فقال: (قلت: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف
    في الأصول، يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات،
    وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول) (3) اهـ.

    بل ونص عليها في كتابه العرش قائلاً: (ولد الأشعري سنة ستين ومائتين،
    ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة رحمه الله، وكان معتزلياً ثم تاب،
    ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة،
    ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما ذكرناه عنه من أنه نقل
    إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك،
    فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، وحال كان سنياً في بعض دون البعض،
    وكان في غالب الأصول سنياً، وهو الذي علمناه من حاله .. ) (4).

    وأشار إلى هذا قبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (إن الأشعرى وإن كان من تلامذة المعتزلة
    ثم تاب، فإنه تلميذ الجبائى،
    ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجى أصول
    الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى،
    وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه فى كتبهم) (5) اهـ.

    وقال العلامة الآلوسي: (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات،
    وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه
    {ليس كمثله شيء}:
    إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر
    - صلى الله عليه وسلم -
    ...
    ولجلالة شأن ذلك المذهب ذهب إليه غير واحد عن أجلة الخلف
    ...
    ومنهم: الإمام أبو الحسن الأشعري، فإن آخر أمره الرجوع إلى ذلك المذهب الجليل،
    بل الرجوع إلى ما عليه السلف في جميع المعتقدات.

    قال في كتابه "الإبانة" الذي هو آخر مؤلفاته بعد كلام طويل:
    "الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى
    وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وما روي عن الصحابة والتابعين
    وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل
    نصر الله تعالى وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون" انتهى.


    وهو ظاهر في أنه سلفي العقيدة. وكيف لا والإمام أحمد علم في ذلك،
    ولهذا نغص لميه من بين أئمة الحديث. ويُعلم من هذا أن ما عليه الأشاعرة
    غير ما رجع إليه إمامهم في آخر أمره من اتباع السلف الصالح،
    فليتهم رجعوا كما رجع، واتبعوا ما اتبع .. ) (6) اهـ.

    ثانياً: أن ما قرره أبو الحسن الأشعري في "الإبانة" و"مقالات الإسلاميين"
    و"رسالة إلى أهل الثغر" من مسائل المعتقد ومنه صفات الله تعالى
    موافق لمعتقد السلف، ومخالف لما عليه الأشاعرة.

    إذ أنه قد أثبت الصفات لله تعالى على ظاهرها، ومنع من تأويلها،
    وعد من تأولها مبتدعة وجهمية، كما سبق نقل كثيرٍ من كلامه في ثنايا الكتاب،
    وهذا يمنع تماماً أن يكون قد قرر فيه التفويض الذي يزعمه الأشاعرة،
    بل إنه صرح بأن الصفات حقيقة، وأوجب الأخذ بالظاهر،
    وبين أن آيات الصفات مفهومة معلومة، ورد على من تأولها وأخرجها عن حقيقتها.
    وهذا يؤكد أنها تمثل مرحلة مغايرة عن مرحلته الكلابية.

    ومما يؤكد ذلك قول بعض الطاعنين في أبي الحسن الأشعري
    أنه إنما ألف الإبانة وقاية لأهل السنة.


    فقد قال أبو علي الأهوازي: (وللأشعري كتاب في السنة قد جعله أصحابه
    وقاية لهم من أهل السنة، يتولون به العوام من أصحابنا، سماه كتاب الإبانة،
    صنفه ببغداد لما دخلها، فلم يقبل ذلك منه الحنابلة وهجروه.

    وسمعت أبا عبد الله الحمراني يقول: لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري، فجعل يقول:
    رددت على الجبائي، وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى وعلى المجوس،
    فقلت وقالوا، وأكثر الكلام في ذلك، فلما سكت،
    قال البربهاري: "ما أدري مما قلت قليلاً ولا كثيراً، ما نعرف إلا ما قال
    أبو عبد الله أحمد بن حنبل.

    فخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة، فلم يقبلوه منه، ولم يظهر ببغداد إلى
    أن خرج منها) (7) اهـ.

    وظاهر هذا يدل على أن كتاب الإبانة ليس على طريقة الأشاعرة، ولذلك ظن بعض الطاعنين فيه
    أنه إنما ألفه إرضاءاً لهم، ووقاية لنفسه من إنكارهم عليه،
    وهذا الظن وإن لم يكن صحيحاً، إلا أنه يثبت أن منهج الأشعري في الإبانة
    موافق لأهل السنة، ومخالف للكلابية والأشعرية، وهو بيت القصيد.


    وقال الإمام القاضي كمال الدين أبو حامد محمد بن درباس المصري الشافعي (659 هـ)
    في رسالته "الذب عن أبي الحسن الأشعري":
    (فاعلموا معشر الإخوان ... بأن كتاب "الإبانة عن أصول الديانة" الذي ألفه الإمام
    أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده،
    وبما كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه عن الاعتزال بمن الله ولطفه.
    وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه،
    فقد رجع عنها، وتبرأ إلى الله سبحانه وتعالى منها. كيف وقد نص فيه على أنه ديانته
    التي يدين الله سبحانه بها،
    وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين،
    وقول أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين، وأنه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله.
    فهل يسوغ أن يُقال: أنه رجع إلى غيره؟ فإلى ماذا يرجع تراه!.
    يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله، خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون،
    وأئمة الحديث الماضين، وقد علم أنه مذهبهم ورواه عنهم.
    هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين، كيف بأئمة الدين ..
    -إلى أن قال: (وقد ذكر هذا الكتاب،
    واعتمد عليه وأثبته عن الإمام أبي الحسن رحمه الله، وأثنى عليه لما ذكره فيه،
    وبرأه من كل بدعة نسبت إليه، ونقل منه إلى تصنيفه: جماعة من الأئمة الأعلام
    من فقهاء الإسلام، وأئمة القراء، وحفاظ الحديث وغيرهم
    -ثم ذكر جماعة منهم) (8) اهـ.

    ثالثاً: أنه قد بيّن في "مقالات الإسلاميين" أن الكلابية فرقة مباينة لأهل الحديث،
    ونقل أقوالهم، في كثير من المسائل، ولم يجعلهم في جملة أهل الحديث،
    وقد سبق نقل أقواله، ولو كان كلابياً لم يفرق بينهم وبين أهل الحديث،
    ولجمعهم في مصطلح واحد، إما أن يدخلهم تحت مصطلح أهل الحديث، أو تحت الكلابية.


    رابعاً: مما يؤكد هذا أن الأشاعرة لا ينقلون في كتبهم شيئاً مما ذكره الأشعري
    في كتبه الموجودة وهي "مقالات الإسلاميين" و"رسالة إلى أهل الثغر"
    و"الإبانة"، وحاولوا عبثاً أن ينكروا نسبة كتاب الإبانة المطبوع المتداول إليه،
    وما ذاك إلا لعلمهم أنه ينقض عليهم أصولهم، وقد سبق إثبات كونه
    كلامه غير محرف ولا معبوث به.

    بل يكفي في إبطال دعواهم ما سطره في "مقالات الإسلاميين" و"رسالة إلى أهل الثغر"،
    وما نقله ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" والبيهقي في "الأسماء والصفات"،
    والذهبي في "العلو" من كتاب الإبانة، فضلاً عما نقله ابن تيمية
    وابن القيم منه في كتبهما التي سبق الإشارة إليها.

    خامساً: أن أبا الحسن الأشعري ذكر في أول كتاب الإبانة: أنه سائر على درب الإمام أحمد
    ووصفه بأنه إمام أهل السنة، ولم ينتسب قط لابن كلاب ولا اعتزى إليه في شيء
    من كتبه الموجودة. ومعلوم أن ابن كلاب كان مبايناً لطريق الإمام أحمد، وأن الإمام
    أحمد كان ينهى عن الكلابية وكبارهم كالحارث المحاسبي وأصحابه، ويصفهم
    بالجهمية، كما سبق تقريره، وهذا مشهور مستفيض عنه، فلو كان الأشعري
    على طريق ابن كلاب لما انتسب إلى الإمام أحمد، مع علمه بنهيه
    عن ابن كلاب وتحذيره من طريقته.


    -----------------------------------

    (1) انظر نقض التأسيس لشيخ الإسلام ابن تيمية ص85
    (2) طبقات الفقهاء الشافعيين (1/ 210) ونقله عنه المرتضى الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (2/ 4) ولم يتعقبه.
    (3) سير أعلام النبلاء (15/ 86).
    (4) كتاب العرش للذهبي (ص302 - 303).
    (5) مجموع الفتاوى (3/ 228).
    (6) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).
    (7) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (5/ 341).
    (8) رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس (ص107).



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 18-11-2015 الساعة 11:42 AM
    اكثروا قراءة الاخلاص وسبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء ما خلق سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء سبحان الله عدد ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه،سبحان الله عدد كل شيء سبحان الله ملء كل شيء الحمد لله مثل ذلك وسبحان الله وبحمده عددخلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته واكثروا الصلاة على النبي

  2. #79

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    المبحث الثاني
    الرد على ما أورده نفاة المرحلة الأخيرة

    [الجواب على عدم إيراد كثير ممن ترجم له من أصحابه وغيرهم المرحلة الأخيرة]

    أما ما أورد الأشعريان على هذا من أن كثيراً ممن ترجم لأبي الحسن لم يذكروا المرحلة الأخيرة،
    فالجواب أن يقال:

    لعله بسبب جهلهم بذلك، والقاعدة تقول: أن المُثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم.
    وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا: (فإن قيل إن ابن فورك وأتباعه لم يذكروا هذا، قيل: له سببان:
    أحدهما: أن هذا الكتاب -أي الإبانة للأشعري- ونحوه صنفه ببغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة بما أفصح فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول، وبين القول بالعدم. وابن فورك قد ذكر فيما صنفه من أخبار الأشعري تصانيفه قبل ذلك، فقال -أي ابن فورك: " وبقي إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة"، قال: "فاما أسامي كتبه إلى سنة عشرين وثلاثمائة، فإنه ذكر في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية أسامي أكثر كتبه" ثم قال: "وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وصنف فيها كتباً" ذكر منها أشياء. قال ابن عساكر بعد أن ذكر كلام ابن فورك: "هذا آخر ما ذكره ابن فورك من تصانيفه، وقد وقع إلي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه،
    فمنها
    ") (1) اهـ.



    المبحث الثالث
    أسباب انتقال الأشعري لمذهب أهل السنة وتركه للطريقة الكلابية

    وكان من أسباب انتقاله إلى السنة، وتركه للمذهب الكلابي، التقاؤه بمحدث البصرة الحافظ زكريا الساجي، وهو الذي أخذ عنه معتقد أهل السنة.
    قال الذهبي في ترجمة الساجي: (وكان من أئمة الحديث، أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف
    في الصفات، واعتمد عليها أبو الحسن في عدة تآليف) (2) اهـ.

    وقال في العلو: (وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الحديث
    ومقالات أهل السنة) (3) اهـ.

    وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وقوله: (وأخذ عن زكريا الساجى أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى،
    وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه فى كتبهم) (4) اهـ.

    وقال أيضاً في موضع آخر: (ومذهب أهل السنة الذي يحكيه الأشعري
    في مقالاته عن أهل السنة والحديث أخذ جملته عن زكريا بن يحيى الساجي
    الإمام الفقيه عالم البصرة في وقته، وهو أخذ عن أصحاب حماد وغيرهم،
    فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ حماد بن زيد كقوله: "يدنو من خلقه كيف شاء"،
    ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن أصحاب الإمام أحمد لما قدم بغداد،
    وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضاً من أصحاب أحمد كذلك،
    وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في إبانته الكبرى عن زكريا بن يحيى الساجي
    جمل مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في مقالاته،
    وكان الساجي شيخ الأشعري الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة،
    وكذلك ذكر أصحابه) (5) اهـ.

    وسبق نقل كلام أبي علي الأهوازي أن الأشعري ألفه ببغداد
    بعدما خرج من عند الإمام البربهاري.

    (1) نقض التأسيس (ص90 - 91).
    (2) سير أعلام النبلاء (14/ 198)
    (3) العلو (ص205).

    (4) حاشية 714.
    (5) نقض التأسيس (ص123).

    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 18-11-2015 الساعة 11:56 AM

  3. #80

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    الفصل الرابع
    بيان مخالفة متأخري الأشاعري للأشعري ولكبار أصحابه

    تمهيد

    مع كل ما سبق بيانه وتقريره، فلا بد أن يُعلم أيضاً أن ابن كلاب، والأشعري، وكبار أصحابه كأبي الحسن الطبري، وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي، ثم من بعدهم كأبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الإسفرائيني، لم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن كالوجه، واليدين، والعينين، والاستواء، ونحوها، وإبطال قول من نفاها وتأولها، ولم يُنقل عنهم غير ذلك، وليس لهم فيها قولان، وهذه كتبهم موجودة، ليس فيها حرف من تأويلها أو ذكر القولين، ومن قال غير ذلك فقد وهم، وإنما أدخل هذا في مذهبه متأخروا الأشاعرة كأبي المعالي الجويني والرازي وأبي حامد ونحوهم.
    قال أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ صاحب كتاب "اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع" في بيان مسألة الاستواء من تأليفه: (ورأيت هؤلاء الجهمية -يشير إلى متأخري الأشاعرة- ينتمون في نفي العرش، وتعطيل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بـ"الإبانة عن أصول الديانة" أدلة من جملة ما ذكر على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم، يقولون جميعاً: يا ساكن العرش) ثم قال: (ومن حَلِفِهم جميعاً قولهم: لا والذي احتجب بسبع سماوات) (1) اهـ.
    وسبق أيضاً قول ابن درباس، والآلوسي في ذلك.
    بل وسبق نقل نصوص الأشعري، وابن كلاب في إثبات هذه الصفات لله تعالى، وإبطال تأويلها، وأنا أنقل هنا بعض نصوص أئمة أصحابه في إثباتها، والمنع من تأويلها:



    المبحث الأول
    نصوص أئمة أصحاب الأشعري في إثبات الصفات لله تعالى والمنع من تأويلها

    وأنا أنقل هنا بعض نصوص أئمة أصحابه في إثباتها، والمنع من تأويلها
    - أبو الحسن علي بن مهدي الطبري
    قال الذهبي في "العلو" نقلاً عنه: قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب "مشكل الآيات" له في باب قوله {الرحمن على العرش استوى} طه5: (اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم جل جلاله عالٍ على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله {أأمنتم من في السماء} الملك16،
    وقوله {يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} آل عمران55،
    وقوله {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10، وقوله {ثم يعرج إليه} السجدة5.

    وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق، أي استولى عليها، وقال: إن العرش يكون الملك، فيقال له:
    ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسماً خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال
    {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} الحاقة17، وأمية يقول:

    مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
    بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا
    قال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك
    لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه،
    إذ هو مستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته،
    فبان بذلك فساد قوله.

    ثم يقال له أيضاً: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب:
    استوى فلان على كذا، أي استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكناً،
    فلما كان الباري عز وجل لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكناً
    لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء. ثم ذكر ما حدثه نفطويه
    عن داود بن علي عن ابن الأعرابي
    -وقد مر- ثم قال: فإن قيل:
    ما تقولون في قوله {أأمنتم من في السماء} الملك16؟ قيل له:
    معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال {فسيحوا في الأرض} التوبة2،
    بمعنى: على الأرض، وقال {لأصلبنكم في جذوع النخل} طه71،
    فكذلك {أأمنتم من في السماء} الملك16.
    فإن قيل: فما تقولون في قوله {وهو الله في السموات وفي الأرض} الأنعام3؟
    قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في {السموات}، ثم يبتدىء {وفي الأرض يعلم} وكيفما كان فلو أن قائلاً قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما) إلى أن قال: (وإنما أمرنا الله برفع أيدينا قاصدين إليه
    برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه) (2) اهـ.

    قلت: فانظر إلى حكايته عن المعتزلة القول بأن العرش: الملك، ثم انظر إلى ما قاله
    عبد القاهر البغدادي في الاستواء: (والصحيح عندنا تأويل العرش
    في هذه الآية على معنى الملك) (3) اهـ.

    وانظر أيضاً إبطاله لتفسير الملك بالاستيلاء والقهر، وجعل هذا من أقوال الجهمية،
    ثم انظر إلى ما قال أبو المعالي الجويني:

    (لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة) (4) اهـ.

    - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني
    قال في كتاب "الإنصاف": (فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته،
    وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال عز وجل:
    {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88،
    وقال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27،
    واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن في قوله عز وجل:
    {بل يداه مبسوطتان} المائدة64 ،
    وقوله: {ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي} ص75،
    وأنهما ليستا جارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح
    بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول عليه السلام،
    فقال عز وجل: {ولتصنع على عيني} طه39 و {تجري بأعيننا} القمر14، وأن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس) (5) اهـ.

    وقال الذهبي في "العلو": (قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقاً في كتاب "الإبانة" من تأليفه: فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهاً؟ قيل: قوله {ويبقى وجه ربك} الرحمن27،
    وقوله {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} ص75، فأثبت لنفسه وجهاً ويداً.

    فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديماً بذاته أن يكون جوهراً، لأنا وإياكم لم نجد قديماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.
    وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً واعتلوا بالوجود. فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه
    فقال {الرحمن على العرش استوى} طه5،
    وقال {إليه يصعد الكلم الطيب} فاطر10،
    وقال {أأمنتم من في السماء} الملك16.

    قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش،
    ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه
    إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئة قائله. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا.
    وقال مثل هذا القول في كتاب "التمهيد" له.
    وقال في كتاب "الذب عن أبي الحسن الأشعري" كذلك: قولنا في جميع المروي
    عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين
    ، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا
    كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه). إلى أن قال: (وقد بينا دين الأئمة
    وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس،
    ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء،
    فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل.

    قلت -أي الذهبي معلقاً-: فهذا النفس نفس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره
    وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف،
    ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صم بكم غتم عجم، يدعون
    إلى العقل ولا يكونون على النقل) (6) اهـ.



    وقد قال الذهبي في بيان التغير الذي طرأ على الأشعرية لما نقل كلام أبي الحسن
    الأشعري في الإبانة: (فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن
    هذه، ولزموها، لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء،
    ومشوا خلف المنطق فلا قوة إلا بالله) (7) اهـ.


    (1) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس (ص87 - 88) وابن درباس في "رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري" (ص111).
    (2) أورده الذهبي في العلو (ص231) ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (2/ 335).
    (3) أصول الدين (ص113).
    (4) االإرشاد (ص40).
    (5) الإنصاف (ص24).
    (6) العلو (ص237) والسير (17/ 558) ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/ 98 - 99).
    (7) العلو (ص222).



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 18-11-2015 الساعة 12:10 PM

  4. شكراً شكر هذه المشاركة اسوتي النبي
    أعجبني معجب بهذه المشاركة اسوتي النبي
  5. #81

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    المبحث الثاني

    بيان بطلان أن يكون للأشعري قولان في الصفات وبيان خطأ من حكى عنه ذلك

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أبو المعالي الجويني ونحوه ممن انتسب
    إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية
    ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب
    وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد والاستواء،
    وليس للأشعري في ذلك قولان، بل لم يتنازع الناقلون لمذهبه نفسه في أنه
    يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات
    هذه الصفات، وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص، وقد رد في كتبه على المعتزلة الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء، ويتأولون ذلك بالاستيلاء،
    ما هو معروف في كتبه لمن يتبعه، ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك،
    ولا نقل أحد عنه في تأويل هذه الصفات قولين.

    ولكن لأتباعه فيها قولان، فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات
    هذه الصفات الخبرية، وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية،
    وإبطال تأويل نصوصها.

    وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية، ثم لهم قولان:
    أحدهما تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي كما ذكره في الإرشاد،
    والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي،
    كما ذكره في الرسالة النظامية، وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين
    على أن
    التأويل ليس بسائغ ولا واجب، ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول:
    إن العقل الصريح نفى هذه الصفات، ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي
    ولا عقلي لا على إثباتها، ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي.

    وأبو حامد تارة يثبت الصفات العقلية متابعة للأشعري وأصحابه،
    وتارة ينفيها أو يردها إلى العلم، موافقة للمتفلسفة، وتارة يقف، وهو آخر أحواله،
    ثم يعتصم بالسنة ويشتغل بالحديث وعلى ذلك مات) (1) اهـ.


    ------------------
    (1) درء التعارض (5/ 248).


    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 18-11-2015 الساعة 12:14 PM

  6. شكراً شكر هذه المشاركة اسوتي النبي
    أعجبني معجب بهذه المشاركة اسوتي النبي
  7. #82

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    الفصل الخامس
    إبطال دعوى الأشاعرة أنهم أكثر الأمة


    لقد تكررت دعوى الأشاعرة بأنهم أكثر الأمة، وأصبح يتناقلها الكثير منهم
    في كتبهم ومحاضراتهم، يغرون بها الجهال ممن لا علم لهم بحقيقة الأمر.

    قال الأشعريان (ص248): (ومذهب الأشاعرة ومن وافقهم من أهل السنة
    الذي عليه سواد الأمة، وأكابر أهل الفضل فيها) اهـ.

    وقالا (ص31): (هذا المذهب الذي يدين به تسعة أعشار أمة الإسلام،
    وسوادها الأعظم وعلماؤها ودهماؤها) اهـ.

    ولا ريب أنها دعوى مجردة عن الدليل، ويكذبها الواقع التاريخي،
    ويكفي في إبطالها ما سبق تفصيله في بيان مذهب السلف وطريقهم
    وبيان مخالفة الأشعرية له، وخروجهم عنه.

    وجميع من نقلنا نصوصهم في هذا الكتاب بدءاً من الصحابة والتابعين
    ومن بعدهم من الأئمة رضي الله عنهم، ومن لم ننقل عنهم من السلف،
    جميعهم مخالفون للأشاعرة في أصول الاعتقاد،
    ومبطلون لأقوالهم ومذهبهم،
    فضلاً عمن نقلنا عنهم الطعن في الأشاعرة، والتتصيص على خروجهم
    عن السنة والطريق.

    وحسبك من ذكرهم ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية"،
    والذهبي في "العلو" من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء،
    ممن نصوا في مسألة علو الله تعالى بنفسه على خلقه بما يخالف مذهب الأشاعرة،
    وهي واحدة من مسائل الاعتقاد، فكيف إذا أضيف لهم من نصوا في بقية
    مسائل الاعتقاد بما يخالف مذهب الأشاعرة؟.

    فهل يمكن بعد ذلك أن يُدّعى أن الأشاعرة هم أكثر الأمة،
    وهم مخالفون للقرون المفضلة الأولى؟!!

    وإذا كان أبو الحسن الأشعري إنما ولد سنة 260هـ، وقيل: 270هـ،
    فما الذي كانت عليه الأمة قبله؟ أفتراها كانت على عقيدة الأشعري
    الذي لم يكن شيئاً مذكورا كما يزعم هؤلاء؟!!

    أم أن العقيدة كانت خافية عليهم، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري
    فأيقظ الأمة من سباتها؟
    فإن قال قائل: إن الأشعري لم يأت بشيء جديد، ولكنه أبان أموراً
    وأوضحها في رده على المعتزلة حتى كشف عوارهم،
    وهذا سبب الانتساب إليه، لكونه صار علماً على السنة في مقابل المعتزلة.

    فالجواب أن هذا بلا ريب بعيد عن التحقيق، فضلاً عن الواقع والتاريخ،
    إذ أن ظهور المعتزلة كان متقدماً على ظهور الأشعري بأكثر من قرن
    ونصف من الزمان، فضلاً عن الجهمية التي كانت أسبق ظهوراً من المعتزلة.
    ومن المعلوم أن ظهور هاتين الفرقتين قد جوبه برد عنيف من السلف والأئمة،
    الذين أنكروا عليهم أعظم النكير، وحكموا بضلالهم، بل وكفر الجهمية منهم،
    فقام أئمة السنة ابتداءاً من الحسن البصري وإلى عصر الأشعري بالرد
    على شبهاتهم، وكشف عوارهم. وكتب السنة طافحة بآثار السلف
    في النكير على الجهمية والمعتزلة والرد على ما ابتدعوه،
    فانظر كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وأصول اعتقاد السنة لللالكائي،
    والإبانة لابن بطة وغيرها كثير. وقد نقلنا في ثنايا هذا الكتاب كثيراً من كلامهم.

    ولم يكتف السلف بمقولة أو مقولتين، بل إنهم قد كتبوا الكتب
    وصنفوا المصنفات في الرد عليهم، ككتب "الرد على الجهمية" للإمام أحمد،
    وابنه عبد الله، وابن أبي حاتم، وابن قتيبة، والدارمي، والكناني،
    وابن منده، وأبي العباس السراج وغيرهم كثير، فضلاً عما تضمنته
    كتب السنة من أبواب الرد على الجهمية، كما فعله البخاري في صحيحه،
    وأبو داود في سننه، وغيرهما.

    ناهيك عن كتب السنة الأخرى، والتي أُلّفت لبيان معتقد السلف
    والرد على أهل البدع والمخالفين من أصناف المعطلة والمشبهة (1).

    والمعلوم أن المعتزلة والجهمية قد قويت شوكتهم في أواخر القرن الثاني،
    لما تأثر بهم الخليفة المأمون، حتى حصلت تلك الفتنة العظيمة، التي امتُحن
    فيها العلماء، وأوذي فيها الإمام أحمد أذى عظيماً، وهي فتنة القول بخلق القرآن،
    وقد تتابع على هذه الفتنة ثلاثة خلفاء: المأمون، والواثق، والمعتصم،
    وهذا قد ساهم كثيراً في دفع عجلة السلف لكشف أباطيل هاتين الفرقتين،
    والجواب عن شبهاتهم، خشيةً من التباسها على الناس.

    ومع كل هذه الردود من السلف والأئمة على الجهمية والمعتزلة،
    وما حصل من الفتنة بهم، فإننا لم نجد أحداً من السلف قط يقرر
    ما قرره الأشعري في الاعتقاد، لا من حيث التأصيل والتقعيد،
    ولا من حيث الرد على المعتزلة والنكير، بل على العكس من ذلك:
    وجدنا نصوصهم صريحة في نقض أصوله الاعتقادية في أسماء الله وصفاته،
    كما سبق بيانه في الباب الأول، فضلاً عن سائر أبواب الاعتقاد كالإيمان
    والقدر والنبوات وغيرها من أبواب الاعتقاد التي لم نعرّج عليها في كتابنا هذا.

    ومن ظن أن السلف كانوا عاجزين عن البيان والتوضيح لأصول المعتقد،
    والرد على المخالفين كالجهمية والمعتزلة، وكشف عوارهم،
    والجواب على شبهاتهم، ونقض أصولهم، حتى أتى الأشعري
    فأبان عما لم يعلموه، ورد على المعتزلة بما لم يستطيعوه؟!
    فقد ظن بهم ظن السّوْء، ونسبهم إلى الجهل والعجز.
    وكفى به ضلالاً وخسراناً.

    ---------------------------
    (1) للمزيد في معرفة كتب السلف في الردود على الجهمية والمعتزلة انظر رسالة "تاريخ تدوين العقيدة السلفية" لعبد السلام بن برجس.
    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 18-11-2015 الساعة 12:19 PM

  8. شكراً شكر هذه المشاركة اسوتي النبي
    أعجبني معجب بهذه المشاركة اسوتي النبي
  9. #83

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي




    [قيام أهل الحديث بمن فيهم الخليفة ضد الأشعرية في القرنين الرابع والخامس]


    ومن المعلوم أن المسلمين كانوا على جادة السنة والطريق حتى ظهرت الفرق الكلامية، وحصلت الفتن وابتُلي المسلمون، فلما جاء أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس
    وقويت شوكة
    الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، انتهض السلفيون لدحر هذه الفتنة، وكشف زيفها وأباطيلها، حتى كتب الخليفة العباسي القادر بالله تلك العقيدة المعروفة بالقادرية والتي سبق أن ذكرنا طرفاً منها، وأمر أن يُرسل بها إلى أنحاء الدولة
    العباسية وأطراف الأمة الإسلامية.

    قال ابن كثير في أحداث سنة 433هـ: (وفيها قرئ الاعتقاد القادري الذي جمعه
    الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين،
    ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن
    علي بن عمر القزويني ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج
    ابن الجوزي بتمامه في منتظمه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف) (1) اهـ.

    وكان ممن وقّع عليه القاضي أبو يعلى كما سبق نقل كلام ابنه في الطبقات.
    وممن عمل بهذا الأمر من نشر العقيدة ودعوة الناس إليها أعظم ملوك الدولة
    الغزنوية وفاتح الهند العظيم محمود بن سبكتكين (2)، وكان يحكم أكثر المشرق الإسلامي إلى الهند، فقد أمر بالسنة واتباعها، وأمر بلعن أهل البدع بأصنافهم
    على المنابر.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اعتمد محمود بن سبكتكين نحو هذا
    - من فعل القادر من نشر السنة وقمع البدعة - في مملكته،
    وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر، فلعنت الجهمية
    والرافضة والحلولية والمعتزلة والقدرية، ولعنت أيضاً الأشعرية .. ) (3) اهـ.

    وقال أيضاً: (ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد
    أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر،
    حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة، فلعنوا الكلابية والأشعرية
    كما كان في مملكة الأمير محمود بن سبكتكين .. ) (4) اهـ.

    وقال الذهبي: (وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر فبث السنة بممالكه،
    وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والمشبهة والجهمية
    والمعتزلة ولُعنوا على المنابر) (5) اهـ.

    فانظر إلى هذه الانتهاضة في الإنكار على أهل البدع ومنهم الأشاعرة،
    ثم انظر إلى ما قاله الأشعريان (ص252) عاكسَيْن للحال:
    (بل نزيد ونقول إنه لا يبعد أن يكون -أي ابن جرير- انتسب إليه - أي الأشعري -
    فيما لم يصلنا من كتبه، فقد ذكرت كتب التاريخ أنه انتهض لنصرة طريقة
    الإمام أبي الحسن والإمام أبي منصور جميع أهل السنة في العالم الإسلامي) اهـ.


    [أسباب انتشار المذهب الأشعري في القرنين السادس والسابع]


    وأما أسباب انتشار العقيدة الأشعرية في القرون المتأخرة،
    فهو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما نصه:

    (فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعريّ في العراق من نحو سنة ثمانين
    وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر
    صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين
    عبد الملك بن عيسى بن درباس المارانيّ على هذا المذهب،
    قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي
    مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده،
    فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام
    مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك
    من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق مع ذلك توجه
    أبي عبد الله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق،
    وأخذ عن أبي حامد الغزاليّ مذهب الأشعريّ، فلما عاد إلى بلاد المغرب
    وقّام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامّتهم،
    ثم مات فخلفه بعد موته عبد المؤمن بن عليّ الميسيّ، وتلقب بأمير المؤمنين،
    وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدّة سنين، وتسموا بالموحدين،
    فلذلك صارتّ دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من
    خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهديّ المعصوم،
    فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء
    خلائق لا يحصيها إلاّ الله خالقها سبحانه وتعالى،
    كما هو معروف في كتب التاريخ، فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعريّ وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نُسي غيره من المذاهب، وجُهل حتى
    لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلاّ أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام
    أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه، فإنهم كانوا
    على ماكان عليه السلف، لايرون تأويل ماورد من الصفات،
    إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق
    وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحكم بن عبد السلام بن تيمية
    الحرّانيّ، فتصدّى للانتصار لمذهب السلف وبالغ في الردّ
    على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم
    وعلى الرافضة، وعلى الصوفية .. ) (1) اهـ.
    وكلام المقريزي هنا يبين وقت وسبب انتشار المذهب الأشعري
    ، وأنه كان بسبب فرضه على الناس، إلى حد قد يصل في بعض الأحايين إلى القوة والقتل كما حصل من ابن تومرت لما حكم المغرب والأندلس. وحصل مثله لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أوذي وسجن بسبب تبيينه لمنهج أهل السنة والرد على المخالفين.

    وأما ما يتعلق بعوام المسلمين، فلا ريب أنهم إن تُركوا من غير تلقين فإنهم على الفطرة السليمة، وعلى اعتقاد السلف وأهل الحديث، لا يعرفون أصول الكلام، ولا تأويل الصفات، ولا شيئاً من ذلك. ولا يمكن لأحد أن يدّعي خلاف ذلك إلا مكابرةً.
    فلا يعرف العامي إلا أن الله في السماء على عرشه فوق خلقه، لا يعرف ما يقوله الأشاعرة من أنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت.
    ولا يعرف العامي إلا أن الله يتكلم، وأنه كلم موسى فسمع موسى كلام الله،
    لا يعرف الكلام النفسي الذي هو: أمر ونهي وخبر واستخبار.

    ولا يعرف العامي إلا أن الله يحب التوابين، ويبغض الكافرين، ويرضى عن الطائعين، ويسخط على العاصين، لا يعرف أن هذه الصفات كلها راجعة إلى الإرادة.
    ولا يعرف العامي إلا أن الله أقدر العبد على الفعل، وجعل له إرادة لها تأثير فيه،
    لا يعرف الكسب الذي هو اقتران القدرة الحادثة بالقدرة القديمة،
    وأن الحادثة لا تأثير لها في الفعل البتة.

    وسل إن شأت جماعات المسلمين يخبروك بحقيقة الحال.
    فدعوى أن الأشعرية هو المذهب الذي يدين به عامة الأمة ودهماؤها،
    دعوى باطلة جملة وتفصيلاً.



    (1) البداية والنهاية (12/ 49).
    (2) أعظم سلاطين الدولة الغزنوية، حكم ما بين (388 - 412هـ).
    (3) بيان تلبيس الجهمية (2/ 331 - 332).
    (4) مجموع الفتاوى (4/ 15).
    (5) سير أعلام النبلاء (15/ 135).

    (6) الخطط (4/ 192).


    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 18-11-2015 الساعة 12:28 PM

  10. شكراً شكر هذه المشاركة اسوتي النبي
    أعجبني معجب بهذه المشاركة اسوتي النبي
  11. #84

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    خلاصة الفصل:
    أولاً: أن أبا الحسن الأشعري قد رجع في آخر حياته إلى طريق أهل السنة،
    وترك ما كان عليه من مذهب ابن كلاب، وسطّر ذلك في كتبه الأخيرة.

    ثانياً: أن ابن كلاب والأشعري وكبار أصحابهما متفقون جميعاً على إثبات الصفات الخبرية التي في القرآن كالوجه واليدين والعينين والاستواء، فضلاً عن علو الله تعالى، وعلى إبطال تأويلها وإخراجها عن حقائقها، وأنه لم يُنقل عنهم فيها قولان البتة، ونصوصهم في كتبهم صريحة في هذا.
    ثالثاً: مخالفة الأشاعرة المتأخرين لطريق ابن كلاب وللأشعري قبل رجوعه إلى أهل السنة، ومخالفون أيضاً لكبار أئمة الأشاعرة من أصحاب الأشعري، وأن المتأخرين
    قد أدخلوا على طريق ابن كلاب والأشعري بعض أصول المعتزلة ووافقوهم عليها، كتأويل الصفات الخبرية، وإنكار علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه.

    رابعاً: بطلان دعوى الأشعريين بأنهما متبعان للأشعري، وموافقان للسلف.
    خامساً: بطلان كون الأشاعرة هم أكثر الأمة.

    خاتمة:
    بعد هذا البيان والتوضيح لمنهج أهل السنة والجماعة، ولمعتقد السلف الكرام،
    بات من الواضح لكل ذي عينين مخالفة الأشاعرة لمنهج أهل السنة والجماعة
    وتنكبهم عن طريقهم إلى طرق أهل الكلام، وطرق أهل الخوض في أسماء الله
    وصفاته بالعقول القاصرة.


    [بطلان تقسيم أهل السنة لثلاثة طوائف]


    واتضح لنا الخطأ الذي يتكرر على ألسنة بعض الباحثين، بل وبعض
    المنتسبين إلى العلم من عد الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة
    والجماعة، حتى قال بعضهم أن مصطلح أهل السنة والجماعة يشمل
    ثلاثة طوائف:
    أهل الحديث، والأشاعرة، والماتريدية.
    وهذا لعمري من الجمع بين النقيضين،
    إذ أن تقرير أهل الحديث لمسائل المعتقد، ومصادرهم
    تختلف عن مصادر المتكلمين وتقريرهم.

    فكيف يجتمع نكير السلف على أصحاب التأويل للصفات

    والمخرجين لنصوصها عن ظواهرها اللائقة بالله تعالى، مع تجويزه،
    بل مع وجوبه كما هو قول الأشاعرة في كثير من الصفات.

    أم كيف يجتمع سعي السلف في تأليف الكتب والمؤلفات التي تبطل التأويل
    وترد على أصحابه، مع تلك التي تدعو إلى التأويل وتجعله أصلاً في العقيدة.


    [أكثر تأويلات متأخري الأشاعرة هي عين تأويلات قدماء الجهمية]


    وقد تبين لنا أيضاً مما سبق نقله أن كثيراً من تأويلات الأشاعرة لكثير من
    صفات الله تعالى هي عين تأويلات الجهمية والمعتزلة التي تواتر عن السلف
    الإنكار على أصحابها والنهي عنهم والتحذير منهم. كتأويلهم للوجه
    واليدين والعينين والنزول والمجيء والضحك ونحوها من الصفات.


    [التهويل بادعاء أن تضليل الأشعرية يستلزم تضليل الأمة]


    وأما ما يمارسه بعض الناس من تهويلٍ يريد به إسكات أهل الحق عن رد الباطل وإنكاره، فتراه يقول: إن الحكم على الأشعرية بالضلال يستلزم تضليل الأمة وتسفيه علمائها الذين سلكوا هذه الطريقة عبر كثير من القرون، وما إلى ذلك من التهويلات. فهذا مردود عليه من وجوه:
    أولها: أن هذا الإلزام إن صح، فإنما يتوجه ابتداءاً على السلف والأئمة قبل أن يتوجه علينا، لأنهم أول من أنكر على من تأول الصفات، بل واشتد نكيرهم وتغليظهم في ذلك، حتى عدّوا كل من تأول صفة لله وصرفها عن ظاهرها من الجهمية، وقد مر معنا في ثنايا هذا الكتاب كثيرٌ من كلامهم، ومنها وصف الإمام أحمد لمن أنكر الحرف والصوت لله بالتجهم، وكذلك من تأول صفة الضحك لله، وغيرها كثير.
    فكيف نُلام على ما نحن متبعون فيه، ولا يلام غيرنا على ما هم مبتدعون فيه؟!!
    الوجه الثاني: أن الحكم على الأوصاف بالبدعة والضلالة لا يستلزم الحكم على الأشخاص، فقد يقع العبد في معصية، أو بدعة ونحو ذلك، ولا يكون في نفس الأمر عاصياً، ولا مبتدعاً، وذلك إما لوجود مانع من إكراه وشبهة ونحو ذلك، أو لفقد شرط كعلم ونحوه.
    قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} الإسراء15.
    وقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (1).
    فمن اجتهد في الوصول إلى الحق، وبذل وسعه متجرداً لله تعالى، مؤثراً للحق على غيره، فلم يُصب، فهو مأجور على اجتهاده في طلب الحق.

    ولكنّ هذا لا يعني السكوت على خطئه، وترك الإنكار عليه.
    فالإنكار على المنكر واجب لعموم قوله تعالى:
    {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}
    آل عمران110.
    وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده،
    فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)
    (2).
    والمنكر: هو كل ما خالف الكتاب والسنة وهدي السلف.
    ومنه: تسليط سهام التأويل على صفات الله تعالى التي بيّنها لعباده،
    وأوضحها في كتابه، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

    وليس مسلك التأويل في صفات الله تعالى من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، ولا يتوجه فيها الإنكار، إذ أنه مخالفٌ لإجماع الصحابة والسلف،
    الذين لم يصح عنهم حرف واحد في التأويل. وفي مقابله صحت آلاف
    النصوص التي تنهى عنه، وتحذر منه ومن أهله.

    وبهذا يتبين أن الواجب على أهل العلم بيان الواجب في صفات الله تعالى، والأمر باتباع نهج الصحابة والسلف الكرام، والنهي عن كل ما خالف ذلك، والإنكار على فاعله مهما كانت منزلته ومكانته، مع أنه قد يكون في نفس الأمر مجتهداً لم يتبين له الحق،
    فيكون عذراً له عند الله، بل مأجوراً عليه.

    ولا يسعني في ختام هذه الرسالة إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من قام بمرجعتها
    والتقديم لها. كما أني أدعو مؤلفي كتاب (أهل السنة الأشاعرة)
    إلى الرجوع عما سطرته أيديهم فيه،
    والعكوف على كتب السلف قراءة ودراسة ليتبين لهما كثيراً مما كان خافياً عليهما.

    والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    كتبه/ أبو عثمان فيصل بن قزار الجاسم
    وتم الفراغ منه: في 23 ذي القعدة 1427هـ
    الموافق لـ 14 ديسمبر 2006م

    --------------------------
    (1) رواه البخاري (6/ 2676) ومسلم (1716).
    (2) رواه مسلم (49).

    تم بحمد الله وتوفيقه


    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 18-11-2015 الساعة 12:35 PM

  12. شكراً شكر هذه المشاركة معتزجمعة, اسوتي النبي
    أعجبني معجب بهذه المشاركة معتزجمعة, اسوتي النبي
  13. #85

    تاريخ التسجيل
    Jun 2016
    المشاركات
    99
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    بارك الله في الجهود

صفحة 8 من 8 الأولىالأولى ... 678

المواضيع المتشابهه

  1. خطبة صلاة الكسوف لفضيلة الشيخ د. فيصل الغزاوي من المسجد الحرام
    بواسطة مطلبي الفردوس الاعلى في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-05-2013, 07:57 PM
  2. متن أصول السنة (2) لفضيلة الشيخ الدكتور : محمد حسان 1 2 2013
    بواسطة رها في المنتدى منتـدى السنـة النبويــة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 10-02-2013, 08:28 PM
  3. || سلسلة الرد على منكرى السنة || لفضيلة الشيخ / مازن السرساوي
    بواسطة * أم عبيدة * في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-05-2012, 02:57 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •