K

جديد المنتدي

صفحة 3 من 8 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 23 إلى 33 من 85
  1. #23

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    خلاصة الفصل:

    أولاً:
    اتفاق السلف على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى
    موصوف بالكلام حقيقة،
    وأنه يتكلم بحرف وصوت مسموع لا يشبه أصوات المخلوقين، وهو الذي.

    ثانياً:
    أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا فيما استقر عليه مذهبه.
    ثالثاً:
    أن أئمة السنة كانوا يعدون من أنكر تكلم الله تعالى بصوت من الجهمية، كما نص عليه أحمد وغيره.

    [ موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت ]
    رابعاً:
    موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت لله،
    وهذا يبطل دعوى الأشعريّيْن في كون الأشاعرة من أهل السنة، وأنهم موافقون للسلف.
    قال الأشعريان (ص76): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة،
    فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة، والمكان، والحيز، والحرف،
    والصوت، وظواهر المتشابه، .....وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه "إلجام العوام" ....
    هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى
    عن سمات الحوادث مثل الجهة، والمكان، والحروف، والأصوات، وظواهر المتشابه،...) اهـ.

    وقال القاضي أبو بكر الباقلاني:
    (ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت)[1] اهـ.
    وقال الغزالي في صفة الكلام لله: (فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته
    وباستحالة كونه متكلماً بهذا الاعتبار .... وأما الحروف فهي حادثة ....
    وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت)[2] اهـ.
    وقال البيجوري في شرح الجوهرة عن صفة الكلام لله:
    (صفة أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت)[3] اهـ.



    فرع في أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب
    أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب هو ابتداعهم القول في الكلام النفسي:
    وهو أن حقيقة الكلام عندهم هو ما قام بالنفس، واللفظ غير داخل في حقيقته،
    وهذا قول لم يُسبقوا إليه البتة.
    إذ الكلام لغة: هو اللفظ والمعنى، أو لفظ جاء لمعنى،
    ولا يُعرف الكلام في لغة العرب إلا هذا.
    وكان ابن كلاب أول من ابتدع الكلام النفسي، وأن الله لا يتكلم بمشيئته،
    وأن كلامه بلا بحرف ولا صوت، وتبعه عليه الأشعري.
    قال أبو نصر السجزي: (اعلموا أرشدنا الله وإياكم أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف
    نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والصالحي، والأشعري،
    .... في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق وإن اختلفت اللغات .....
    فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه حاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل،
    وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان عليه السلف .....فالتزموا ما قالته المعتزلة
    وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر،
    وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك كلاماً في المجاز
    لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم ...
    فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم،
    وكذلك الساكت والنائم .... وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه.
    ومن عُلم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله،
    لم يُناظر بل يجانب ويقمع ..)[4] اهـ.

    وقال ابن الجوزي:
    (وهذا أمر مستقر –أي القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق- لم يختلف فيه أحد
    من القدماء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم،
    ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق،
    فثبت الإمام أحمد رحمة الله ثبوتاً لم يثبته غيره على دفع هذا القول
    لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن الإضافة إلى الله عز وجل.
    ورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال: كيف أقول ما لم يقل.
    ثم لم يختلف الناس في غير ذلك، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري.
    فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عَنَّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس.
    فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق.
    وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم)[5] اهـ.

    وقال الذهبي في ترجمة ابن كلاب:
    (وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة،
    وهذا ما سبق إليه أبداً)[6] اهـ.



    ---------------------------------------------

    [1] الإنصاف (ص111).

    [2] الاقتصاد في الاعتقاد (ص142-174).

    [3] شرح جوهرة التوحيد (ص129).

    [4] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (80-84).

    [5] صيد الخاطر (ص265).

    [6] سير أعلام النبلاء (11/175).




    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:54 AM
    اكثروا قراءة الاخلاص وسبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء ما خلق سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء سبحان الله عدد ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه،سبحان الله عدد كل شيء سبحان الله ملء كل شيء الحمد لله مثل ذلك وسبحان الله وبحمده عددخلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته واكثروا الصلاة على النبي

  2. #24

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي




    موافقة الأشاعرة للمعتزلة في أن القرآن الذين بين أيدينا مخلوق:
    وتفرع عما سبق من ابتداع الكلام النفسي عند الأشاعرة القول بأن القرآن الذي
    بين دفتي المصحف مخلوق، فوافقوا بذلك الجهمية والمعتزلة.
    فالمعتزلة لا يثبتون كلاماً لله تعالى إلا ما قام بغيره، ويقولون عن القرآن أنه كلام الله،
    باعتبار أنه خلقه في غيره، ولا يقوم بذاته لا كلام ولا غيره.
    وأما الأشاعرة فالكلام عندهم هو ما قام بذات الله تعالى، وهو كلام له حقيقة
    وليس بحرف ولا صوت، وأما ما بين دفتي المصحف
    فهو عبارة عن كلام الله تعالى، وليس هو حقيقة كلام الله.
    قال البيجوري في جوهرة التوحيد: (واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم
    بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خلقه ....
    ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثاً لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم ....
    وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعاً بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزاماً على أن له تعالى كلاماً نفسياً، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن حادث ومدلوله قديم .... ومذهب أهل السنة –يقصد الأشاعرة- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق،
    وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرأه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق
    يراد به اللفظ الذي نقرأه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق،ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن .... فالقرآن يطلق على كل من النفسي واللفظي، والأكثر إطلاقه على اللفظي .... والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى، وقيل المنزل: المعنى وعبر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول، لأن الله خلقه أولاً في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا ..)[1] اهـ.

    وهذا يعني اتفاق الأشاعرة والمعتزلة في أن القرآن العربي المقروء،
    والموجود بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الخلاف الوحيد بين الأشاعرة والمعتزلة
    هو في إثبات الكلام النفسي أو نفيه، فلو اعترف المعتزلة به لانتهى الخلاف !!


    وقد نص على هذه الحقيقة أئمة الأشعرية:
    قال الجويني في خلاف الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الكلام:
    (واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة، وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن أثبتوه وقدروه كلاماً، فهو في نفسه ثابت، وقولهم –أي المعتزلة-: إنه –أي القرآن المقروء- كلام الله، إذا رُد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والمسميات،
    فإن معنى قولهم –أي المعتزلة- "هذه العبارات كلام الله" أنها خلقه،
    ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلماً به،
    فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته.
    )[2] اهـ.

    وقال الشهرستاني: (وخصومنا –أي المعتزلة- لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد
    معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات
    الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في المصاحف،

    لوافقونا على اتحاد المعنى،
    لكن لما كان الكلام لفظاً مشتركاً في الإطلاق
    لم يتوارد على محل واحد،
    فإن ما يثبته الخصم كلاماً –أي القرآن-
    فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق،
    وما يثبته الأشعري كلاماً -أي النفسي- فالخصم ينكره أصلاً ..)[3] اهـ.

    وقال التفتازاني[4] في شرح العقائد النسفية: (وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم – أي المعتزلة –
    يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه،
    وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف،
    وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي. ... وأما استدلالهم بأن القرآن متصف
    بما هو من صفات المخلوق وسمات الحدوث، من: التأليف، والتنظيم، والإنزال،
    وكونه عربياًَ، مسموعاً، فصيحاً، معجِزاً، إلى غير ذلك: فإنما يقوم حجة على الحنابلة
    – أي الذين يرون أن القرآن الموجود بين دفتي المصحف كلام الله على الحقيقة – لا علينا،
    لأنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم)[5] اهـ.

    وقال محمد زاهد الكوثري:
    (لأن القرآن يطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية وهو غير مخلوق
    وغير حال في مخلوق، وعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب
    من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده –أي الباقلاني-،والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع، وما سوى الأول مخلوق،
    وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة.)[6] اهـ.

    وقال البوطي في "كبرى اليقينيات الكونية" في باب "جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة" : (ثم المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع السلمون على إثباته لله تعالى –أي صفة الكلام- بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئاً آخر من وراء
    هذه الأصوات والحروف، تحت اسم: الكلام.

    أما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة –أي أن القرآن المقروء والموجود بين دفتي المصحف مخلوق حادث-،
    بل نقول به، ونسميه كلاماً لفظياً ونحن جميعاً متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكننا نثبت أمراً وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ .... وهذا المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يفسر
    ما أجمع عليه المسلمون)[7] اهـ.

    وقال وهبي سليمان غاوجي:
    (قال علماء أصول الدين: أن الكلام ينقسم إلى قسمين:
    الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي.
    فأما اللفظي: فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد،
    وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام،
    ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى.
    وأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت،
    ويدل عليها الكلام اللفظي ..)[8] اهـ.
    وقد صرح بذلك الآمدي في "غاية المرام"، والإيجي في "المواقف".
    فتأمل يا رعاك الله هذه التصريحات بأن القرآن الذي نقرأه ونتلوه
    ونكتبه في المصاحف مخلوق، ليس هو عين كلام الله.

    وهل هذا في حقيقته إلا قول الجهمية والمعتزلة!!!

    وقال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد الضدية في بيان لوازم هذا القول الشنيع: (والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعواأن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ –أي: الأشعري- والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه ....فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده به مدلول اللفظ وهو القديم عنده، وأم العبارات فإنما سميت كلاماً مجازاً لدلالتها
    على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه،
    ولكنها ليست كلاماً له تعالى حقيقة.

    وهذا الذي فهموه له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم تكفير من أنكر كلامية
    ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة،
    وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه تعالى حقيقة، إلى غير ذلك
    مما لا يخفى على المتفطنين في الأحكام الدينية ..)[9] اهـ.

    ولذلك لما كانوا في حقيقة الأمر موافقين للجهمية والمعتزلة في القول بخلق القرآن
    الموجود بين دفتي المصحف، وخشية من الافتضاح، تراهم يدلسون فيطلقون القول
    المستفيض عن السلف: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر،
    ومرادهم بالقرآن: ما قام بذات الله تعالى من غير أن يكون مسموعاً مقروءاً،
    وأما القرآن المكتوب والمسطر فهو عبارة عن كلام الله لا أنه عين كلام الله،
    وهو مخلوق محدث.

    وانظر إلى تلبيس الأشعريّيْن في هذا الأمر وتمويههما أنهما موافقان للسلف
    في كون القرآن كلام الله غير مخلوق.
    فقالا (ص54):
    (فإن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو صفة من صفات ذاته العلية) اهـ.
    وبالطبع أن مرادهما بالقرآن هنا: الكلام النفسي، لا القرآن المعهود الذي بين دفتي
    المصحف والذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار. فإذا سمع السني هذا الكلام
    ظن أنهما موافقان للسلف في هذا الباب،
    وإذا استفصل منهما علم موافقتهما للمعتزلة والجهمية.

    وقد كشف عن حقيقة هذا التلبيس شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري
    فقال في سياق حقيقة موافقة الأشاعرة للجهمية في كثير من الأصول ومنها القول بخلق القرآن:(وقال أولئك –يعني: الجهمية- ليس له كلام، إنما خلق كلاماً.
    وهؤلاء –يعني الأشاعرة- يقولون: تكلم مرة، فهو متكلم به منذ تكلم،
    لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به.

    ثم يقولون: ليس هو في مكان، ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف.
    وقالوا: هذا زاج وورق، وذها صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النقش
    وأريد به التفسير.

    وهذا صوت القاري، أما ترى أنه منه حسن وغير حسن؟! وهذا لفظه،
    أوما تراه يجازى به حتى قال رأس من رؤوسهم: أويكون قرآن من لبد؟!
    وقال آخر: من خشب؟! فراوغوا فقالوا: هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة،
    ولا يتكلم بعد ذلك. ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال: مخلوق كافر.

    وهذا من فخوخهم، يصطادون به قلوب عوام أهل السنة،
    وإنما اعتقادهم في القرآت غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة
    والأشعرية الإناث بعشر مرات)[10] اهـ.


    لأن الإمام أحمد بين أن قول الغلام: إن لصفة القدم لله تفسيراً، أنه قول الجهمية،
    ومعلوم أن الجهمية إنما كانت تتأول هذه الصفة وتصرفها عن ظاهرها، ولا يثبتونها صفة لله تعالى في ذاته، مما يدل على أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية،
    وهو إخراج اللفظ عن ظاهره إلى التأويلات المتكلفة.

    --------------------------

    [1] شرح جوهرة التوحيد (130-162).

    [2] الإرشاد (ص116-117).

    [3] نهاية الإقدام (ص164-165).

    [4] وقد اختلف الباحثون في عقيدة التفتازاني بين الأشعرية والماتريدية، ولا فرق بينهما عند الأشعريّيْن، والتحقيق أنه أشعري العقيدة

    كما حققه الدكتور محمد محمدي النورستاني في كتابه "مواقف التفتازاني الاعتقادية في كتابه شرح العقائد النسفية" (ص176-191).

    [5] ص46-47.

    [6] حاشية الإنصاف للباقلاني (ص26).

    [7] كبرى اليقينيات الكونية (ص125).


    [8] أركان الإيمان (ص201).

    [9]
    نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص304-305).

    [10]
    ذم الكلام وأهله (5/136-137).
    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:55 AM

  3. #25

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار:
    (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء،
    إنما هي الاتباع وترك الهوى، ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها
    ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره،
    والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال لم؟ ولا كيف؟
    إنما هو التصديق بها والإيمان بها،
    ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأُحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق والمصدوق،
    وما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها،
    وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات )
    ثم قال بعد حديث رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه:
    (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً)(1) اهـ

    وقال أبو بكر المروزي: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الأحاديث التي يردها الجهمية في الصفات،
    والإسراء، والرؤية، وقمة العرش؟ فصححها وقال: «قد تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت».
    قال أبو بكر المروزي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية،
    فقال أبو عبد الله: "حدثوا بها، قد تلقتها العلماء بالقبول".
    وقال أبو عبد الله: "تسلم الأخبار كما جاءت") (2) اهـ.

    - عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (276 هـ)
    قال في "الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية" فيما يتعلق بأحاديث الصفات:
    (وعدْل القول في هذه الأخبار: أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية وبالتجلي، وأنه يعجب، وينزل إلى السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غيرأن نقول في ذلك بكيفية أو بحد،
    أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت. فنرجو أن نكون في ذلك
    القول والعقد على سبيل النجاة غداً إن شاء الله)(3) اهـ.

    وقال أيضاً في "تأويل مختلف الحديث" في الرد على من أنكر على السلف إثبات الأصابع لله على الحقيقة اللائقة به: (قالوا: حديثٌ في التشبيه يكذبه القرآن وحجة العقل، قالوا: رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن كنت أردتم بالأصابع ههنا النعم، وكان الحديث صحيحاً فهو مذهب، وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها، فإن ذلك يستحيل لأن الله تعالى لا يوصف بالأعضاء ولا يشبه بالمخلوقين وذهبوا في تأويل الأصابع إلى أنه النعم .. ) إلى أن قال: قال أبو محمد: (ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع
    لا يشبه الحديث، .. -ثم بين امتناع أن يكون مجازاً ثم قال: فإن قال لنا:
    ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر "يحمل الأرض على أصبع وكذا على أصبعين"،
    ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى:
    {
    وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} الزمر67، ولم يجز ذلك.
    ولا نقول أصبع كأصابعنا ولا يد كأيدينا ولا قبضة كقبضاتنا لأن كل شيء منه
    عز وجل لا يشبه شيئاً منا ) (4) اهـ.

    وهذا كما ترى صريحٌ في إثبات السلف حقائق صفات الله، وفهمهم لمعناها،
    وهو الأمر الذي خالفهم فيه الجهمية والمعطلة فأنكروا بجهلهم على السلف إثبات الأصابع بعينها، كما نقل عنهم قولهم "وإن كنتم أردتم الأصابع
    بعينها فإن ذلك يستحيل".
    وقال في بيان معنى الاستواء: ({
    الرحمن على العرش استوى}: أي استقر،
    كما قال تعالى {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}: أي استقررت)(5) اهـ
    وهذا نص في معنى صفة الاستواء لله تعالى.- الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (279 هـ)
    قال في سننه في الصفات: (وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع،والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم،
    وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة)(6) اهـ.

    وفيه أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية وهو تحريفهم للصفات عن ظاهرها،وهو خلاف تفسير السلف على مقتضى اللغة العربية.

    - الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
    قال الدارمي أيضاً في بيان فهم السلف لمعنى المجيء والإتيان لله:
    (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوق، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثرمما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله
    - صلى الله عليه وسلم -.
    وقد روى ابن عباس - رضي الله عنه - في تفسيرها: أن السماء تشقق لمجيئه
    يوم القيامة، تتنزل ملائكة السماوات، فيقول الناس: أفيكم ربنا؟ فبقولون: لا،
    وهو آت حتى يأتي الله في أهل السماء السابعة وهم أكثر ممن دونهم،
    وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في صدر الكتاب، وهو مكذب لدعواك انه إتيان الملائكة بأمره دون مجيئه، لكنه فيهم مدبِّر، ويلك! لو كانت الملائكة هي التي تجيء وتأتي دونهما قالت الملائكة: "لم يأت ربنا وهو آت"والملائكة آتية نازلة، حين يقولون ذلك) (7)اهـ.

    وهذا بيان واضح لفهم معنى مجيء الله تعالى، وأنه مجيئه بنفسه.
    وقال في رده على المريسي بعد سياقه الأدلة على إثبات صفة العينين لله تعالى من الكتاب والسنة:(فكما نحن لا نكيف هذه الصفات ونكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) (8)اهـ.

    وهذا صريح في أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية والمعطلة
    الذين يمنعون اتصاف الله بهذه الصفات في ذاته.

    - الامام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (280 هـ)
    قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها
    عن الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب:
    هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها،
    وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ... )

    وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة، وغير ذلك، إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان،ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكرهوتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء،
    وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .. )
    إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلماً عالماً فتبارك الله أحسن الخالقين)(9)
    اهـ.


    - سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (283 هـ)
    قال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة في سنة
    ثمانين ومئتين يقول:(العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث نصبه الحق دلالةً وعَلَماً لنا لتهتدي القلوب به إليه ولا تتجاوزه، ولم يُكلِّف القلوب علم ماهية هويته، فلا كيف لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يُقال: كيف الاستواء
    لمن أوجد الاستواء، وإنما على المؤمن الرضى والتسليم
    لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه على عرشه) (10) اهـ.
    وهذا منه صريح في إثبات الاستواء وأنه معلوم معناه وهو: الفوقية والعلو،
    ولذا فسره بقوله "إنه على عرشه"، وأن الذي يُجهل من ذلك إنما هو الكيفية والماهية.

    - الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)
    قال بعد أن ذكر جملة من الصفات كالوجه واليد والقدم والضحك ونحوها:
    (فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله عز وجل بها نفسه،
    أو وصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لا تُدرك حقيقة علمه بالفكر والروية.
    ولا نكفِّر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه.
    فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع ... ) (11) اهـ.

    فانظر كيف ذكر الصفات ثم قال: "هذه المعاني"، ثم بأوجب الدينونة لله
    بحقيقتها، أي المعاني.
    وتأمل حكمه بالكفر على من بلغته أخبار الصفات ولم يدن بحقيقتها ويشهد بها، وإعذاره من لم تبلغه، ومعلوم أن الجهمية وأصناف المعطلة ما كانوا ينكرون ثبوت ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن والأحاديث المتواترة، وإنما يتأولونها
    ولا يقرون بحقيقتها، وهذا هو محل النزاع بينهم وبين السلف، وهو معاني هذه الصفات وإثبات حقيقة اتصاف الله بها على الوجه اللائق به، وإلا لو كانت المسألة مجرد إقرارٍ بثبوت ألفاظ ونصوص لا تدل على معانٍ، لم ينكره أحد، ولَما طال النزاع بين السلف والمعطلة من الجهمية وغيرهم.
    فالنزاع إذاً كان على حقائق هذه النصوص وإثبات معانيها لله تعالى،
    وليس نزاعاً على إثبات النصوص وصحتها. وهذا وجه مهم جداً فتأمله!

    قال ابن جرير مؤكداً هذا الأمر: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت،وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه،
    كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال {
    ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } الشورى11.
    فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعاً بصيراً في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر .. ) إلى أن قال:
    (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل
    على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه النشبيه)(12)اهـ.

    فرحمه الله تعالى ما أحسنه وأضحه من مقال. فوازن بين هذا الكلام الفائق الرائق
    في تقرير معتقد السلف، وبين كلام الأشعريّيْن الذين عدا الطبري رحمه الله من جملة الأشاعرة

    --------------------------

    (1)[ سبق تخريجه حاشية 117.]

    (2)[ رواه الآجري في الشريعة (ص329). وقال بعده:

    (قال محمد بن الحسين رحمه الله: سمعت أبا عبد الله الزبيري رحمه الله

    وقد سئل عن معنى هذا الحديث، فذكر مثل ما قيل فيه، ثم قال أبو عبد الله: نؤمن بهذه الأخبار التي جاءت، كما جاءت،

    ونؤمن بها إيماناً، ولا نقول: كيف؟ ولكن ننتهي في ذلك إلى حيث انتهي لنا، فنقول من ذلك ما جاءت به الأخبار كما جاءت).]

    (3)[ الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة (ص41).]

    (4)[ تأويل مختلف الحديث (ص195 - 169)]

    (5)[المرجع السابق (ص251)]

    (6)[ سنن الترمذي (3/ 50)]

    (7)[الرد على المريسي (2/ 680)]

    (8)[ المرجع السابق (1/ 222).]

    (9)[ نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (2/ 23 - 25) وفي شرح العقيدة الأصفهانية (ص64)]

    (10)[ سير أعلام النبلاء (13/ 331)]

    (11)[التبصير في معالم الدين (ص134 - 141)]

    (12)[ التبصير في معالم الدين (ص141)]




    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 04:05 AM

  4. #26

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي





    [ قاعدة السلف فيما يُنفى عن الله ]

    من قواعد السلف:
    أن كل كمال ثبت للمخلوق ليس فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق أولى به.

    ويقال أيضاً:
    أن القاعدة أننا في الإثبات نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه لا نتجاوز ذلك،
    وأما النفي فإننا ننفي عنه سبحانه ثلاثة أمور:
    أولاً: ما نفاه عن نفسه.
    ثانياً: ننفي عنه التشبيه ومماثلة شيء من خلقه.
    ثالثاً: ننفي عنه كل صفة نقص وعيب، كالمرض والعور والعرج والضعف،
    ونحو ذلك مما يُعلم كونه عيباً على كل حال وجهة.
    والقاعدة في هذا: أن النقائص يجب نفيها عن الله مطلقاً، وهي منتفية مع قطع النظر عن التمثيل والتشبيه،
    وأما صفات الكمال فيجب نفي التمثيل والتشبيه عنها.
    [ معنى المكر والاستهزاء والنسيان في حق الله تعالى ]
    وليس من ذلك ما ذكره الله عن نفسه من نسيانه لمن نسي أمره، ومن استهزائه
    بمن يستهزء بأوليائه، ومن مكره بمن مكر بهم.
    قال تعالى {نسوا الله فنسيهم} التوبة67.
    وقال تعالى: {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} البقرة15.
    وقال تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال30.
    فليس المراد بالنسيان في الآية الجهل بالشيء الذي هو ضد الذكر والحفظ، بل هو الترك.
    قال في مختار الصحاح: (و النِسْيانُ بكسر النون وسكون السين ضد الذُّكر والحفظ، ورجل نَسْيَانُ
    بفتح النون كثير النِسيان للشيء، وقد نَسِيَ الشيء بالكسر نِسْيَانا و أَنْسَاهُ الله الشيء و تَنَاسَاهُ
    أرى من نفسه أنه نسِيه، والنِّسْيَانُ أيضا الترك قال الله تعالى {نسُوا الله فنسِيهم} التوبة67،
    وقال {ولا تنسَوُا الفضل بينكم} البقرة237)(1) اهـ.
    والآية ظاهرة في هذا المعنى، إذ أن النسيان الذي توعدهم الله عليه
    في قوله {نسوا الله} التوبة67،
    ليس المراد به ضد الذكر، وإلا لم يؤاخذوا عليه، وإنما هو تركهم لما
    أمرهم الله عمداً، فصار جزاؤهم
    أن يترك الله تعالى رحمتهم وحفظهم.
    وأما الاستهزاء والمكر فليس مذموماً إلا في حال الأمن، وأما إذا كان
    في مقابل من يمكر ويستهزئ
    فإنه يكون ممدوحاً، فالله تعالى إنما يستهزئ ويمكر ويكيد بمن يكيد بدينه وأوليائه.
    قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى
    {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا
    إنما نحن مستهزئين.
    الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون
    } البقرة15 -
    وهو من يزعم الأشعريان أنه أشعري- :
    (اختلف في صفة استهزاء الله جل جلاله الذي ذكر أنه فاعله
    بالمنافقين الذين وصف صفتهم.
    فقال بعضهم: استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله تعالى
    {
    يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا.
    فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى
    }الآية الحديد13،
    وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفار بقوله
    {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما}
    آل عمران178،
    فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جل وعز وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين
    وأهل الشرك به عند قائلي هذا القول ومتأولي هذا التأويل.
    وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا
    من معاصي الله والكفر به، كما يقال إن فلاناً ليهزأ منه اليوم ويسخر منه،
    يراد به توبيخ الناس إياه ولومهم له أو إهلاكه إياهم وتدميره بهم ....
    فكذلك استهزاء الله جل ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النفاق والكفر به، إما إهلاكه
    إياهم وتدميره بهم، وإما إملاؤه لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتة،
    أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم. قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسخرية.
    وقال آخرون: قوله {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم} البقرة9،
    على الجواب، كقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به أنا الذي خدعتك
    ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه.
    قالوا: وكذلك قوله {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} آل عمران54،
    {والله يستهزئ بهم} البقرة15،
    على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.
    وقال آخرون: قوله {إنما نحن مستهزؤون. الله يستهزئ بهم} البقرة15، وقوله {يخادعون الله وهو خادعهم} البقرة9،
    وقوله {فيسخرون منهم سخر الله منهم} التوبة79، و {نسوا الله فنسيهم} التوبة67،
    وما أشبه ذلك إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع،
    فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي
    عليه استحقوا العقاب
    في اللفظ وإن اختلف المعنيان، كما قال جل ثناؤه {وجزاء سيئة سيئة مثلها} الشورى40،
    ومعلوم أن الأولى من صاحبها سيئة إذ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عدل
    لأنها من الله جزاء للعاصي على المعصية، فهما وإن اتفق لفظاهما مختلفاً المعنى،
    وكذلك قوله {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} البقرة194،
    فالعدوان الأول ظلم والثاني جزاء لا ظلم بل هو عدل لأنه عقوبة للظالم على ظلمه
    وإن وافق لفظه لفظ الأول، وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك مما هو خبر
    عن مكر الله جل وعز بقوم وما أشبه ذلك.
    وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم
    وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم صدقنا بمحمد عليه
    الصلاة والسلام وما جاء به مستهزءون، يعنون إنا نظهر لهم ما هو عندنا باطل
    لا حق ولا هدى. قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء،
    فأخبر الله أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف
    الذي لهم عنده في الآخرة
    كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في الدين
    ما هم على خلافه في سرائرهم.
    والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في
    كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزيء به
    من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهراً وهو بذلك من قيله وفعله
    به مورثه مساءة باطناً،
    وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر،
    وإذ كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا
    من الأحكام بما أظهروا
    بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله المدخل
    لهم في عداد من يشمله اسم
    الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين من أحكام المسلمين المصدقين
    إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر
    قلوبهم وصحائح عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة
    إيمانهم مع علم الله عز وجل بكذبهم
    واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون
    حتى ظنوا في الآخرة
    إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم،
    والله جل جلاله مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقتهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال
    تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى
    أعدائه وأشر عباده حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل
    كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلاً ما فعل من ذلك بهم
    لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم
    في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين
    إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئاً وساخراً ولهم خادعاً، وبهم ماكراً، إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية
    والمكر والخديعة ما وصفنا قبل دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل،
    بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
    وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما
    حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا
    بشر بن عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنه
    في قوله {الله يستهزئ بهم} قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
    وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره {الله يستهزئ بهم}
    إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة
    فنافون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه
    وأوجبه لها، وسواء قال قائل لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر
    ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر
    أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال لم يخسف الله بمن أخبر
    أنه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
    ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم،
    وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم،
    وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك،
    ولم نفرق بين شيء منه،
    فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به،
    ولم يمكر به أخبر أنه قد مكر به.
    ثم نعكس القول عليه في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئاً إلا ألزم في الآخر مثله،
    فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله عز وجل منفي.
    قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: الله يستهزئ بهم،
    وسخر الله منهم، ومكر الله بهم، وإن لم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية، فإن قال: لا،
    كذب بالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: بلى، قيل له: أفتقول من الوجه الذي قلت الله يستهزئ بهم،
    وسخر الله منهم، يلعب الله بهم، ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث، فإن قال: نعم، وصف الله بما قد أجمع
    المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال
    مضيفه إليه، وإن قال: لا أقول يلعب الله به، ولا يعبث، وقد أقول: يستهزئ بهم، ويسخر منهم، قيل:
    فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث والهزء والسخرية والمكر والخديعة،
    ومن الوجه الذي جاز قيل هذا، ولم يجز قيل هذا، افترق معنياهما، فعلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
    وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه ..)(2) اهـ.
    فتأمل كيف أثبت ابن جرير رحمه الله صفة المكر والاستهزاء لله تعالى على الوجه اللائق به،
    وأبطل قول جميع من تأولها وأخرجها عن ظاهرها.
    وبهذا يتبين جهل الأشعريين حيث جمعا بين نفي المرض ونفي المكر والنسيان والاستهزاء.
    فقالا (ص242): (أتراهم يثبتون ظواهرها .... فيقولون: نثبت لله نسياناً حقيقياً ومكراً حقيقياً
    وخداعاً حقيقياً واستهزاءاً حقيقياً ومرضاً حقيقة ...كل ذلك على الحقيقة وكما يعهده البشر من لغاتهم. معاذ الله؟!!) اهـ.
    فالجواب: إي لعمري، نثبت لله ما أثبته لنفسه، فنثبت أنه يستهزئ بالمستهزئين، ويمكر بالماكرين،
    ويخادع الخادعين، وينسى التاركين لدينه، وأما المرض فالله تبارك وتعالى منزه عنه،
    فأين ما أثبته الله لنفسه مما لم يثبته، وأين صفة الكمال من صفة النقص.!!
    الأمر الثاني: أن قول العبد "كيف أعودك؟" ونحوها، إنما هو استفسار عن كيفية أمر من فعل العبد نفسه،
    وهو عيادته لربه وإطعامه ونحوه، ولم يكن سؤاله عن صفة ربه تعالى.
    فأين هذا المثال؟ من صفة الرب تبارك وتعالى التي تعرّف بها إلى عباده كحبه، وضحكه، واستوائه،
    ونزوله، ويديه، ووجهه، ونحو ذلك من كمالاته، وعظيم فعاله، وجميل نعوته وصفاته تبارك وتعالى.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) مختار الصحاح/ مادة "نسو".

    (2) تفسير ابن جرير (1/ 132 - 134).




    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 04:07 AM

  5. #27

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي



    فرع في منشأ ضلال الأشاعرة في هذا الباب
    ومنشأ فتنة الأشاعرة في هذا الباب وضلالهم بما ادعوه من التفويض، ظنهم أن آيات الصفات
    من المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، وأنه لا يُفهم معناه.
    مستندين إلى قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة
    وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به
    كل من عند ربنا
    }ال عمران الاية 7.
    وقد ترتب على إدخال آيات الصفات في المتشابه عند الأشاعرة، أن يكون بيان معانيها هو التأويلالذي لا يعلمه إلا الله، للآية. وهذا منهم مبني على تعيّن الوقف التام عند قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}.
    وبهاتين المقدمتين الباطلتين تبلور مذهب التفويض، وهو الذي يسمونه طريقة السلف:
    فصار عبارةً عن مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم:
    {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى}البقرو 78،
    أي لا يفقهون من الكتاب إلا التلاوة المجردة.
    [ لا يُعلم عن أحد من السلف أنه جعل آيات الصفات من المتشابهات ]
    ولا يُعلم عن أحد من السلف، ولا من الأئمة أنه جعل أسماء الله وصفاته من المتشابه الداخل في هذه الآية،
    ونفى أن يعلم أحد معناه كالكلام الأعجمي، وكالحروف المقطعة في أوائل السور، بل نصوصهم صريحة في أنهم يقرون النصوص على ما دلت عليه، ويفهمون المراد منها، وينكرون تأويلات الجهمية والمعطلة، ويبطلونها. هذا هو المعروف عن السلف.
    وقد ذكر ابن جرير في تفسيره اختلاف السلف في تحديد الآيات المتشابهات على خمسة أقوال، ليس منها آيات الصفات:
    فقال: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:
    {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} آل عمران7،

    وما المحكم من آي الكتاب وما المتشابه منه؟

    فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من آيه المتروك العمل بهن المنسوخات ...

    وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه ...

    وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها : ما احتمل من التأويل أوجهاً ...

    وقال آخرون : معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته،
    والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بقصه
    باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني،وبقصه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ...

    وقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء
    تأويله وفهموا معناه وتفسيره،
    والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه،
    وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم،
    ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا،
    وما أشبه ذلك فإن ذلك لا يعلمه أحد ...
    فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا فكل ما عداه فمحكم ..

    - ثم قال مرجحاً القول الأخير: وهذا القول ... أشبه بتأويل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله عز وجل من آي القرآن على رسول الله فإنما أنزله عليه بياناً له ولأمته
    وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون
    فيه ما بهم إليه الحاجة ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل .. ..) (1)اهـ.

    وساق أيضاً في تفسيره كثيراً من الآثار عن السلف، ولم يذكر أن أحداً منهم قال:
    أن من المتشابه أسماء الله وصفاته.

    وقال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية: (وفي المتشابه سبعة أقوال:

    أحدها:أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي في آخرين.

    والثاني:
    أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة،
    روي عن جابر بن عبد الله.


    والثالث:
    أنه الحروف المقطعة، كقوله {ألم} ونحو ذلك، قاله ابن عباس.

    والرابع:
    أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد.

    والخامس:
    أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد.

    والسادس:
    أنه ما احتمل من التأويل وجوهاً، وقال ابن الأنباري:
    المحكم ما لا يحتمل التأويلات،


    ولا يخفى على مميز، والمتشابه الذي تعتوره تأويلات.

    والسابع:
    أنه القصص والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى) (2)اهـ.

    بل وعقد أبو الحسن الأشعري فصلاً في حكاية أقاويل الناس في المحكم والمتشابه،
    ولم يذكر في أي منها أنها آيات الصفات .

    وجميع كتب السنة التي نقلت آثار السلف في المعتقد، كالسنة للخلال
    ولابن أبي عاصم ولعبد الله، والرد على الجهمية للإمام أحمد وللدارمي ولابن منده، وغيرها كثير، لم يُنقل في أي منها
    أن أحداً من السلف جعل آيات الصفات (3) من المتشابه.
    وعلى هذا فإطلاق القول بأن معاني صفات الله تعالى من المتشابه،
    باطلٌ، لم يقل به أحد من السلف.

    قال ابن قتيبة: (ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه إلا الراسخون
    في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئاً من القرآن
    إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة،
    وهل يجوز لأحد أن يقول:
    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه؟..
    .
    وبعد، فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه
    لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة
    في أوائل السور..)(4) اهـ.

    وقال الألوسي: (ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء
    واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف والأشعرى رحمه الله تعالى من أعيانهم، كما أبانت عن حاله الإبانة
    – أي أبان عن قوله في كتاب الإبانة -، أنها صفات ثابتة وراء العقل،
    ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه)(5) اهـ.

    وبعد هذا التقرير والتقعيد كان من المناسب أن نلحق هذا الفصل بما يؤكده
    ويزيده قوة ووضوحاً، ونبين ما يدل على أن السلف كانوا يجرون نصوص الصفات على ظاهرها المفهوم في لغة العرب،
    وأنها ثابتة على الوجه اللائق بالله تعالى من غير أن تستلزم التشبيه والتمثيل



    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) تفسير ابن جرير (3/ 172 - 175).

    (2) زاد المسير (1/ 351).

    (3) مقالات الإسلاميين (1/ 293).

    (4) تأويل مشكل القرآن (ص98 - 100).

    (5) روح المعاني (2/ 85).

    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 04:19 AM

  6. #28

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    الفصل الثالث
    في تقرير أن السلف كانوا يجرون نصوص صفات الله على ظاهرها

    تمهيد
    كل ما سبق تقريره ونقله عن السلف من أن الصفات الواردة لله تعالى في الكتاب والسنة إنما هي على الحقيقة، من غير تكييف ولا تشبيه له بصفة خلقه، لدليل بيّنٌ على كون السلف أجروا آيات الصفات على ظاهرها، ولم يتعرضوا لها بتأويل ولا غيره.

    وهم يعلمون شرعاً وعقلاً أن إثباتها لله تعالى لا يستلزم التشبيه ولا التكييف، لما هو معلوم من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولما هو معلوم من مقتضى اللغة التي خوطبوا بها: أن الإضافة تقطع التشبيه.

    ومع وضوح هذا الأمر فإني أذكر هنا ما يزيده وضوحاً وتأكيداً في أن السلف كانوا يجرون الصفات على ظاهرها اللائق بالله تعالى. ومن أشهر النصوص الواردة عن السلف ما سبق نقله من قولهم عن نصوص الصفات: (أمروها كما جاءت)، وقولهم (قراءتها تفسيرها) ونحو ذلك.

    وقولهم (أمروها كما جاءت) يقتضى إبقاء دلالتها على ما دل عليه ظاهرها، فإنها جاءت ألفاظاً دالةً على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال (أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد) أو (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة) وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت.

    قال القاضي أبو يعلى: (لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين) (1) اهـ.


    المبحث الأول
    آثار السلف الدالة على وجوب إجراء نصوص الصفات على ظاهرها

    - الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)
    قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (2)
    قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى
    بها مضائق التأويل والتحريف) (3) اهـ.


    - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
    قال في رسالة "السنة" التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول
    ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى ... -إلى أن قال: ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ... )
    ثم قال: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً) (4) اهـ.


    ونقل القاضي أبو يعلى ما يؤكد هذا من كلام الإمام أحمد فقال في إثبات صفة القدم والرجل لله تعالى: (وقد ذكر البخاري ومسلم "القدم" في الصحيحين جميعاً.
    اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به "قدم"
    هو صفة لله تعالى وكذلك "الرجل".

    وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروزي وقد سأله عن الأحاديث
    "يضع قدمه" وغيرها قال: نمرها كما جاءت.

    وقال ابن منصور: قلت لأبي عبد الله: "اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها" فقال أحمد: صحيح.

    وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث "يضع الرب عز وجل قدمه" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيراً، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.


    وقال في رواية حنبل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
    "يضع قدمه" نؤمن به ولا نرد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

    فقد نص على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه) (5) اهـ.

    ونقل عن الإمام أحمد أيضاً مثل ذلك في صفة الضحك لله فقال: (قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول - صلى الله عليه وسلم -. . . القرآن. [هكذا في المطبوع]

    وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية. قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "فضحك حتى بدت"؟ قال: هذا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قال: ما أعلم أني حدثت به إلا داود بن محمد يعني المصيصي وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى ....
    إلى أن قال القاضي معلقاً: فقد نص على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على من فسرها، وذلك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه) (6) اهـ.


    - الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
    قال في إثباته لنزول الله ومجيئه ورده على من تأوله: (والقرآن عربي مبين، تصرف معانيه إلى أشهر ما تعرفه العرب في لغاتها، وأعمها عندهم. فإن تأول متأول مثلك جاهل في شيء منه خصوصاً، أو صرفه إلى معنى بعيد عن العموم بلا أثر، فعليه البينة على دعواه وإلا فهو على العموم أبداً كما قال الله تعالى.) (7) اهـ.

    وقال في رده على تأويلات المريسي لصفات الله وإخراجها عن ظاهرها: (فيقال لك أيها المريسي ...فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان.
    وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق
    العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا، وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهاً بغير شكلها، وتمثيلاً بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟) (8) اهـ.

    وقال: (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان بين أنه أريد بها الخصوص، لأن الله تعالى قال
    {بلسان عربي مبين} الشعراء195،
    فأثبته عند العلماء أعمه وأشده استفاضة عند العرب فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين) (9) اهـ.

    - سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (283 هـ) قال:
    (احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا خرج إلى الزندقة) (10) اهـ.


    - الإمام الحافظ أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (287هـ)
    قال الذهبي: (قال الحافظ الإمام قاضي أصبهان وصاحب التصانيف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني: "جميع ما في كتابنا -كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها" ..
    فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا، والإستواء على العرش.

    سمعت عاتكة بنت أبي بكر هذا الكلام من أبيها، وكانت فقيهة عالمة .. ) (11) اهـ.



    --------------------------------------

    (1) إبطال التأويلات (1/ 43).


    (2) سبق تخريجه حاشية 138.

    (3) العلو (ص251).


    (4) سبق تخريجه حاشية 117.

    (5) إبطال التأويلات (1/ 260).

    (6) المرجع السابق (1/ 218).

    (7) الرد على المريسي (1/ 345).

    (8) المرجع السابق (1/ 428).

    (9) المرجع السابق (2/ 855).

    (10) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/ 378).

    (11) العلو (ص197).



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 04:41 AM

  7. #29

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (303 هـ)
    قال: (حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، وقوله: {الرحمن على العرش استوى} طه5، و {جاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22، ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلم الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول .. ) إلى أن قال: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها) (1) اهـ.
    وحكمه بالبدعة على السؤال عن معاني الصفات، المراد به السؤال عن كيفيتها وحقيقة ما هي عليه، أو حملها على خلاف ظاهرها من مجازات الكلام، ولذلك جعل الجواب عليها كفراً وزندقةً، ومعلوم أن السلف قد تكلموا في معاني الصفات كالاستواء، والنزول، والوجه، ونحوها، كما سبق بيانه في الفصل السابق، وكلام السلف يفسر بعضه بعضاً، ويؤيد بعضه بعضاً، ولا يقتطع منه من شاء ما شاء، ليستدل به على باطل.
    - إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)
    قال: (باب ذكر صورة ربنا جل وعلا: وصفة سبحات وجهه
    عز وجل، تعالى ربنا عن أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه، وعن أن لا يكون له وجه، إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وجهاً ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه) (2) اهـ.
    وهذا ظاهر في إثبات الآية التي فيها ذكر وجهه سبحانه على ظاهرها. ولذلك أكد هذا المعنى بقوله: (نحن نقول: وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: إن لمعبودنا عز وجل وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقياً، فنفى عنه الهلاك والفناء) (3) اهـ.
    وتأمل وصفه لوجه الله تعالى بما يخالف وجه المخلوق، مما يعني أن وجه الله تعالى هو الوجه
    المعروف لغة، مع التباين في الصفة {
    ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.
    وقال مثل ذلك في باقي الصفات.

    - الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)
    قال: (فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟
    قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره،
    بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة.
    ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.

    وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل
    وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه) (4) اهـ.

    - أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)
    قال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا،
    ولفُسّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز،
    وإنما هي حق بين) (5) اهـ.


    - عبد العزيز بن جعفر، أبو بكر غلام الخلال حافظ علم الإمام أحمد (363 هـ)
    قال القاضي أبو يعلى: (وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة
    والسماوات مطويات بيمينه
    } الزمر67، على ظاهره وان ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب "التفسير"
    في الكلام على قوله {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} الزمر67 .. ) (6).

    - إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (369 هـ)
    قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب:
    (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول -أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها-
    فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -
    لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.) (7) اهـ.

    - أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (388 هـ)
    قال فى رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله": (فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها
    في الكتاب والسنة، فان مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفى الكيفية والتشبيه عنها،
    وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه
    والتكييف، وإنما القصد في
    سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي
    والمقصر عنه) (8) اهـ.
    وقوله "وحققها قوم" أي أثبتوا لها حقائق صفات المخلوقين، وهم المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه.

    - الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)
    قال في التوحيد: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها) (9) اهـ.

    - القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (422 هـ)
    قال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني "وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفا": (وهذا لقوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفاً صفا} الفجر22، فأثبت نفسه جائياً، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، لأن ذلك إضمار في
    الخطاب يزيله عن مفهومه، ويحيله عن ظاهره، لا حاجة بنا إليه .. ) (10) اهـ.
    - الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)
    قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أداها بتفسير يخالف الظاهر فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه) (11) اهـ.
    وقال أيضاً: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال ... ) (12) اهـ.


    (1) نقله الذهبي عنه في العلو (ص207).
    (2) التوحيد (ص19).
    (3) المرجع السابق (ص22).
    (4) التبصير في معالم الدين (ص148 - 149).
    (5) سبق تخريجه حاشية 55.
    (6) إبطال التأويلات (2/ 330).
    (7) طبقات الحنابلة (2/ 135).
    (8) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/ 58) والذهبي في العلو (ص236).
    (9) التوحيد (3/ 7).
    (10) شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه "الرسالة" (ص319 - 320).
    (11) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص152).
    (12) المرجع السابق (ص121).


    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 11-11-2015 الساعة 10:55 PM

  8. #30

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    - شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)
    قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (1) اهـ.
    وقال في إثبات علو الله تعالى واستواءه على عرشه بعد أن ساق الأدلة: (وعلماء الأمة وأعيان السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في خبره، ويطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى من استوائه على العرش، ويمرونه على
    ظاهره، ويكلون علمه إلى الله) (2) اهـ.
    وقال في إثبات صفة النزول لله تعالى: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله) (3) اهـ.
    وقد سبق بيان معنى قوله "ويكلون علمه إلى الله" أن المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل قوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر) فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.
    - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)
    قال في "إبطال التأويلات": (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه
    فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين) (4) اهـ.
    وقال في موضع آخر في سياق أدلة بطلان تأويل الصفات: (دليل آخر على إبطال التأويل: أن الصحابة
    ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها) (5) اهـ.


    ~ الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي (463 هـ)

    قال: (أما الكلام في الصفات فأما ما روي منها في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها

    على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها)[6] اهـ.


    ~ الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)

    قال: (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز،

    إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل

    إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم،

    ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب

    إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين،

    والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء


    ~ شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)

    قال في "منازل السائرين" في منزلة "تعظيم حرمات الله": (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره.

    وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها. ولا يتحمل البحث عنها تعسفاً، ولا يتكلف لها تأويلاً،

    ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلاً، ولا يدّعي عليها إدراكاً أو توهماً)[7] اهـ.


    ~ الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (516 هـ)

    قال في "شرح السنة" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله عز وجل: (والإصبع المذكورة في الحديث

    صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى،

    كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش،

    والضحك والفرح –ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها،

    وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء

    من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى:

    {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11،

    وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل،

    ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل – ثم ساق آثار السلف)[8] اهـ.


    ~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

    قال: (مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد

    ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي

    وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين

    وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور،

    من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره)

    ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل)[9] اهـ.

    وقال أيضاً: (الكلام في صفات الله عز وجل ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة

    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين

    إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها)[10] اهـ.

    وقال نقلاً عن بعض السلف: (قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى

    كقوله عز وجل {الرحمن على العرش استوى} طه5، وقوله {لما خلقت بيدي} ص75،

    وقوله {تجري بأعيينا} القمر14،

    وقوله {أن غضب الله عليه} النور9، وقوله {رضي الله عنهم} المائدة119.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم :"ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا"

    رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلاً وست نساء.

    فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله
    صلى الله عليه وسلم

    ، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره،

    ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى،

    وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه،

    والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر فيه)[11] اهـ.



    ~ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)

    ذكر في "لمعة الاعتقاد" جملة من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة مثل الوجه، والنفس، والإتيان،

    والرضى، والمحبة، والغضب، والنزول، والضحك، ثم قال: (فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته ،

    نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين،

    ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى11،

    وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه )[12] اهـ.

    وقال في "ذم التأويل" : (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه

    في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها ولا تفسير لها،

    ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرُّوها كما جاءت،

    وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها)[13] اهـ.

    وقوله برد علمها إلى قائلها، المراد به حقيقة ما هي عليه وكيفيتها، يبينه كلامه في مواضع كثيرة من إثبات الصفات،

    وتأليفه كتاب العلو الذي بين فيه أن استواء الله على عرشه هو علوه عليه وارتفاعه، كما أن منعه

    من تأويلها بخلاف ظاهرها يدل على التأويل المقبول فيها هو ما وافق ظاهرها.


    ~ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

    قال: (السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة،

    وإلا فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع،

    فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر)[14] اهـ.

    وقال: (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها قالوا هذه الصفات تمر كما جاءت

    ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:

    أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها،

    يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف،

    مع اتفاقهم أيضاً أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا في صفاته.

    الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر،

    فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير)[15] اهـ.

    وقال في السير في ترجمة ابن عقيل : (قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل:

    فالحق: أن يقول إنه سميع بصير مريد متكلم حي، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده،

    وكلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم عليم خليلاً، وأمثال ذلك،

    فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول له تأويل يخالف ذلك.

    والظاهر الآخر: وهو الباطل والضلال أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه تعالى الله عن ذلك،

    بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له ولا شبيه له، وليس كمثله شيء لا في ذاته،

    ولا في صفاته وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي والله أعلم)[16] اهـ.

    وقوله عن أحاديث الصفات "فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى"،

    يفسر لنا مراد السلف بقولهم عن أحاديث الصفات: "أمروها كما جاءت"،

    كما سبق أن قررناه، وهو إثبات معناه على ما دل عليه ظاهر لفظه، من غير تعرض له بتأويل ولا تمثيل.

    ~ الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)

    قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد،

    وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ...)[17] اهـ.



    ~ العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (1207 هـ)


    قال في "غرائب الاغتراب": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات،

    وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه
    {ليس كمثله شيء}: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر

    صلى الله عليه وسلم...- إلى أن قال: أن في المتشابهات ثلاثة مذاهب: ... فذكر الأول والثاني ثم قال:

    الثالث: الإبقاء على الظاهر مع نفي اللوازم، وهو معنى قول بعضهم: القول بالظاهر مع اعتقاد التنزيه،

    وأن ليس كمثله عز وجل شيء،

    فيقال في ذاك المراد ظاهره مع نفي لوازمه الدالة على الجسمية، ويرجع ذلك إلى دعوى أنها لوازم لاستواء الخلق

    لا لاستواء الخالق أيضاً، وهو نظير قول الأشاعرة والماتريدية في رؤية الله تعالى في الآخرة، فإنها تكون

    مع نفي لوازمها من المقالة والجسمية ونحوهما مما هو من لوازم الرؤية في الشاهد ..)[18] اهـ.


    فرع: في تقرير كون صفات الله على ظاهرها من كلام أبي الحسن الأشعري

    قال: (مسألة :

    فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى:
    {لما خلقت بيدي} ص75،

    فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى:
    {مما عملت أيدينا} يس71؟

    قيل لهم : قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك وجب أن يكون الله تعالى

    ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحاً وجب أن يرجع من قوله

    أيدي إلى يدين لأن القرآن على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر

    ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة) ... إلى قوله :

    (حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة )[19] اهـ.



    المبحث الثاني
    بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب


    خلاصة الفصل:


    أولاً: بهذا يتبين أن مذهب السلف هو إجراء النصوص على ظواهرها، وإمرارها كما جاءت، وأنها ألفاظ دالة على معان.

    ثانياً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم،
    ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون له فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.

    ثالثاً: ويتبين أيضاً جهل الأشعريّيْن بمذهب السلف، حيث حكما على السلف بأنهم مشبهة.

    فقالا (ص118): (وبهذا يُعلم أن من قال بظواهر هذه النصوص قد خالف السلف والخلف،

    وأتى بقول مبتدع ليس له نصيب من الحق، إذ ليس في هذه المسألة إلا التفويض والتأويل) (20)اهـ.

    وقالا (ص197): (فنهاهم علماء السلف عن الاستفسار عن معانيها بقولهم "بلا كيف"

    وألزموهم تنزيه الله عن ظاهرها ثم السكوت) (21)اهـ.

    وقالا (ص203): (ونحن نتساءل بعجب .... ونقول: وهل بين التكييف والقول بظواهر هذه النصوص فرق؟!!) اهـ.

    ولعل من الأسباب التي جعلتهما يقولان مثل هذا الكلام أمران:

    الأول: جهلهما بكلام السلف، وعدم اطلاعهما عليه.

    الثاني: ظنهما أن المراد بظاهر النصوص، هو ما يفهم من صفة المخلوق، وهذا جهل عظيم، وخطأ محض.

    ويكفينا ما قاله الذهبي في حق من يفهم من ظاهر النصوص مثل هذا.

    قال: (فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً أو قياساً للشاهد على الغائب،

    وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحداً

    من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم)[22] اهـ.

    وانظر ما سبق نقله في هذا الفصل من كلامه أيضاً في معنى الظاهر، فإنه كاف شاف.

    ومما يؤكد هذا الأمر ويزيده وضوحاً إجماعهم على تحريم التأويل،

    وصرف الكلام عن حقيقته وظاهره وهو الفصل الرابع.

    ------------------------------
    (1) عقيدة السلف وأهل الحديث (ص39 - 40).
    (2) المرجع السابق (ص44).
    (3) المرجع السابق (ص50).
    (4) إبطال التأويلات (1/ 43).
    (5) المرجع السابق (1/ 71).
    (6) ذكره الذهبي في العلو (ص253) وفي السير (13/ 283 - 284).
    (7) ذكره الذهبي في العلو (ص253) وفي السير (13/ 283 - 284).
    (8) التمهيد (7/ 131).
    (9) مدارج السالكين شرح منازل السائرين (2/ 84).
    (10) شرح السنة (1/ 163 - 171).
    (11) سبق تخريجه حاشية 87.
    (12) الحجة في بيان المحجة (1/ 174).
    (13) المرجع السابق (1/ 287).
    (14) لمعة الاعتقاد (ص176).
    (15) ذم التأويل (ص11).
    (16) العلو (ص214).
    (17) العلو (ص250 - 252).
    (18) سير أعلام النبلاء (19/ 448).
    (19) شرح الفقه الأكبر (ص96).(20) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).
    (21) الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص111 - 112).
    (22) العلو (ص157).















    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 11-11-2015 الساعة 11:01 PM

  9. #31

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي



    الفصل الرابع


    في تقرير أن السلف مجمعون على تحريم تأويل الصفات وإخراجها عن ظاهرها،
    وعلى وجوب الكف عن ذلك




    قد اتفقت كلمة السلف على إمرار الصفات على ظاهرها، والمنع من تأويلها بما يخالفه، والنكير على المؤولة الذين يصرفون آيات الصفات أو بعضها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام، وقد صنف كثير من أهل العلم الكتب في إبطال تأويل المؤولة، والرد على شبههم، وبيان خروجهم عن طريق الحق، وتنكبهم عن درب السلف الماضين، ككتاب "الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد، وكتاب "الرد على تأويلات المريسي" للدارمي، وكتاب "الرد على الجهمية" للدارمي وابن منده، وغيرها من الكتب الكثيرة في هذا الباب. وبوب أبو داود في سننه "باب الرد على الجهمية"، وصنف ابن قدامة كتاب "ذم التأويل"، وغيرها من الكتب والمؤلفات التي تُعظم النكير على من تأول الصفات وأخرجها عن حقائقها، ومَنَع من حملها على ما يعهده العرب في لغتهم ولسانهم على النحو اللائق بالله تعالى.


    وإليك بعض نصوص أئمة السنة الدالة على ذلك:

    ~ الإمام أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني فقيه العراق (189 هـ)

    قال عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي: سمعت محمد بن الحسن يقول: (اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صل الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تغيير، ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي

    صل الله عليه وسلم ، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة، لأنه قد وصفه بصفة لا شيء)[1] اهـ.

    فدونك هذا الإجماع من هذا الإمام على المنع من التأويل، الذي هو التفسير في اصطلاح السلف كما سبق بيانه.



    ~ الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (224 هـ)

    قال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك ؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره)[2] اهـ.

    وأورد الذهبي هذا الأثر في السير ثم قال معلقاً: (قد صنف أبو عبيد كتاب "غريب الحديث" وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبداً، ولا فسر منها شيئاً، وقد أخبر بأنه ما لحق أحداً يفسرها، فلو كان والله تفسيرها سائغاً أو حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب، فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه)[3] اهـ.



    ~ الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)

    قال في بيان بطلان دعوى أن آيات الصفات تحتمل وجوهاً: (فكيف تخوض فيه –أي التوحيد- بما لا تدري؟ أمصيبٌ أنت أم مخطئ؟ لأن أكثر ما نراك تفسر التوحيد بالظن، والظن يخطئ ويصيب، وهو قولك: يحتمل في تفسيره كذا، ويحتمل كذا تفسيراً، ويحتمل في صفاته كذا، ويحتمل خلاف ذلك، ويحتمل في كلامه كذا وكذا. والاحتمال ظن عند الناس غير يقين، ورأي غير مبين، حتى تدعي لله في صفاته ألواناً كثيرة ووجوهاً كثيرة أنه يحتملها، لا تقف على الصواب من ذلك فتختاره، فكيف تندب الناس إلى صواب التوحيد، وأنت داءب تجهل صفاته، وأنت تقيسها بما ليس عندك بيقين؟)[4] اهـ.

    وقال الذهبي: (قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات،
    ولا نكذب بها، ولا نفسرها)[5] اهـ.

    والمراد بالتفسير كما سبق بيانه هو إخراجها عن ظاهرها، أو تشبيهها بصفة المخلوق.



    ~ الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (303 هـ)

    قال بعد ذكر جملة من الصفات: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها،
    ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية،
    ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها)[6] اهـ.



    ~ إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (329هـ)

    قال: (واعلم رحمك الله: أن من قال في دين الله برأيه وقياسه، وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة،
    فقد قال على الله ما لا يعلم. ومن قال على الله ما لا يعلم، فهو من المتكلفين.

    والخق ما جاء من عند الله عز وجل،
    والسنة: سنة رسول الله صل الله عليه وسلم ،
    والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان)[7] اهـ.

    وهذا فيه إبطال التأويل من غير حجة من كتاب أو سنة أو إجماع.



    ~ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)

    قال: (إن الأخبار في صفات الله عز وجل جاءت متواترة عن النبي صل الله عليه وسلم
    موافقة لكتاب الله عز وجل نقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا على سبيل إثبات الصفات لله عز وجل، والمعرفة والإيمان به، والتسليم لما أخبر الله عز وجل به في تنزيله، وبينه الرسول صل الله عليه وسلم عن كتابه، مع اجتناب التأويل والجحود، وترك التمثيل والتكييف...)
    إلى أن قال: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى

    صل الله عليه وسلم ،
    وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها....)
    إلى أن قال: (وإنما صدرنا بهذا الفصل لئلا يتعلق الضالون عن الهداية الزائغون عن كتاب الله عز وجل، وكلام رسوله

    صل الله عليه وسلم بالظاهر، فيتأولوا الصفات والأسماء التي في كتابه
    ونقلها الخلف الصادق عن السلف الطاهر عن الله عز وجل وعن رسوله

    صل الله عليه وسلم )[8] اهـ.

    وقال أيضاً: (وسئل –أي أبو زرعة الرازي- عن حديث ابن عباس (الكرسي موضع القدمين)؟

    فقال: صحيح، ولا نفسر، نقول كما جاء وكما هو في الحديث..).

    ثم أسند عن الحميدي أنه ذكر حديث: (إن الله خلق آدم يعني بيديه)
    فقال: لا نقول غير هذا على التسليم والرضا بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث.

    قلنا: وكذلك نقول فيما تقدم من هذه الأخبار في الصفات في كتابنا هذا نرويها من غير تمثيل، ولا تشبيه،
    ولا تكييف، ولا قياس، ولا تأويل، على ما نقلها السلف الصادق عن الصحابة الطاهرة عن المصطفى

    صل الله عليه وسلم ، أو خبر صحابي حضر التنزيل والبيان، ونتبرأ إلى الله عز وجل
    مما يخالف القرآن وكلام الرسول
    صل الله عليه وسلموالله عز وجل الموفق للصواب برحمته إن شاء الله تعالى)[9] اهـ.

    ~ الإمام العارف أبو منصور معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (418 هـ)

    قال: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل التصوف والمعرفة ...) فذكر أشياء إلى أن قال: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وأنه سميع بصير عليم خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويعجب، ويضحك، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل، كيف شاء، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال)[10] اهـ.



    ~ الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)

    قال في رسالته إلى أهل زبيد: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال)[11] اهـ.



    ~ شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)

    قال حاكياً مذهب السلف في الصفات: (بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله

    صل الله عليه وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله)[12] اهـ.

    وقال أيضاً مبيناً أن التأويل في صفات الله من سمات أهل البدع: (والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة:
    أنهم إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً، ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر، ثم تأولوه
    بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإعمال حيل عقولهم وآرائهم فيه)[13] اهـ.



    ~ القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

    قال "إبطال التأويلات" : (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين)[14] اهـ.

    وقال: (ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها،
    ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغاً لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه،
    يعني :على زعم من قال إن ظاهرها تشبيه)[15] اهـ.



    ~ الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (516 هـ)

    قال في "شرح السنة" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله عز وجل، ثم ذكر صفات: النفس، والوجه، واليدين،
    والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك
    والفرح ثم قال: (فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها،
    معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {
    ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11،
    وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل – ثم ساق آثار السلف)[16] اهـ.


    ~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)


    قال بعد ما قرر صفة الوجه واليد والاستواء وغيرها لله تعالى: (وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن، وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلوماً بقوله

    صل الله عليه وسلم ، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته)[17] اهـ.



    ~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

    قال: (فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك، ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه)
    إلى أن قال: (وكل ما قال الله عز وجل في كتابه، وصح عن رسول الله

    صل الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل – أي لا نشبه ولا نكيف ولا نتأول -، مثل : المحبة، والمشيئة، والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضى، وسائر ما صح من الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين)[18] اهـ.

    ثم قال في كلام جامع: (واعلم رحمك الله: أن الإسلام وأهله أتوا من طرائق ثلاث:

    فطائفة: روت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضرراً على الإسلام وأهله من الكفار.

    وأخرى: قالوا بصحتها وقبلوها ثم تأولوها، فهؤلاء أعظم ضرراً من الطائفة الأخرى.

    والثالثة: جانبوا القولين، وأخذوا بزعمهم ينزهون، وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين،
    وكانوا أعظم ضرراً من الطائفتين الأولتين)[19] اهـ.



    ~ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)

    قال في "لمعة الاعتقاد": (وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف رضي الله عنهم، كلهم متفقون
    على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله

    صل الله عليه وسلم من غير تعرض لتأويله....) اهـ.

    ثم قال بعد أن ساق جملة من صفات الله: (ومن السنة ، قول النبي

    صل الله عليه وسلم : «
    ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا» وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة»

    وقوله:
    «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»،
    فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره،
    ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير
    {
    لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى11،
    وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه....).

    إلى أن قال: (فهذا وما أشبههه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله)[20] اهـ.

    وقال أيضاً في "ذم التأويل" : (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل أمروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها...)[21] اهـ.
    إلى أن قال مبيناً الإجماع على ترك التأويل:
    (وأما الإجماع: فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم، ولم يُنقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة. والإجماع حجة قاطعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد عليه السلام على ضلالة، ومن بعدهم من الأئمة قد صرحوا بالنهي عن التفسير والتأويل، أمروا بإمرار هذه الأخبار كما جاءت، وقد نقلنا إجماعهم عليه فيجب اتباعه ويحرم خلافه، ولأن تأويل هذه الصفات لا يخلوا إما أن يكون علمه النبي

    صل الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وعلماء أصحابه أو لم يعلموا، فإن لم يعلموه فكيف يجوز أن يعلمه غيرهم، وهل يجوز أن يكون قد خبأ عنهم علماً وخبأ للمتكلمين لفضل عندهم)[22] اهـ.

    الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)

    قال معقباً على الأثر المشهور عن الإمام مالك "الاستواء معلوم، والكيف مجهول": (هذا ثابت عن مالك وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقيناً مع ذلك أن الله جل جلاله لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا)[23] اهـ.

    وقال في ترجمة إسحاق بن راهويه: (وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء.

    قلت: هذه الصفات من الاستواء، والإتيان، والنزول، قد صحت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها، مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك مخولة للرد على الله ورسوله، أو حوماً على التكييف أو التعطيل)[24] اهـ.



    ~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

    قال: (والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد، ولا خوض في معانيها، ولا ضرب مثل من الأمثال لها، وإن كان بعض من كان قريباً من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئاً من ذلك اتباعاً لطريقة مقاتل، فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبي عبيد، ونحوهم، وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلاً عن كلام الفلاسفة)[25] اهـ.



    ~ العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (1207 هـ)

    قال في "غرائب الاغتراب": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه
    {
    ليس كمثله شيء}: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر
    صل الله عليه وسلم ..)[26] اهـ.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ

    [1]رواه اللالكائي (3/432).

    [2]سبق تخريجه حاشية 144.

    [3]سير أعلام النبلاء (8/162).

    [4]الرد على المريسي (2/789).

    [5]رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (4/343).

    [6]أورده الذهبي في العلو (ص208).

    [7]شرح السنة (ص102-103).

    [8]التوحيد (3/7-9).

    [9]التوحيد (3/309).

    [10] نقله عنه أبو القاسم التيمي في الحجة (1/231-244) في كلام طويل، وشيخ الإسلام ابن تيمية
    في مجموع الفتاوى (4/61)
    وأورده الذهبي في العلو (ص244).

    [11]رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص121).

    [12]عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص39).

    [13]المرجع السابق (ص48-49).

    [14]إبطال التأويلات (1/43).

    [15]المرجع السابق (2/71).

    [16]شرح السنة (1/63-171).

    [17]الحجة في بيان المحجة (2/257-262).

    [18]عقائد أئمة السلف (85).

    [19]المرجع السابق (ص131-132).

    [20]لمعة الاعتقاد (ص174-178).

    [21]ذم التأويل (ص11).

    [22]المرجع السابق (ص40-41).

    [23]العلو (ص139).

    [24]سير أعلام النبلاء (11/376).

    [25]فضل علم السلف على الخلف (ص55-56).

    [26]غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 11-11-2015 الساعة 11:06 PM

  10. #32

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    فرع: في موافقة إبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه واليدين والعينين وإبطال تأويلها



    لم يختلف قول أبي الحسن الأشعري في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن، وقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه:

    فقال في "مقالات الإسلاميين": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء
    وأنه على العرش كما قال عز وجل: {
    الرحمن على العرش استوى} طه5،
    ،
    ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.

    وأنه نور كما قال تعالى: {
    الله نور السموات والأرض} النور35.

    وأن له وجهاً كما قال الله: {
    ويبقى وجه ربك} الرحمن27.

    وأن له يدين كما قال: {
    خلقت بيدي} ص75.

    وأن له عينين كما قال: {
    تجري بأعيننا} القمر14.

    وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: {
    وجاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22.

    وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.

    ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله

    صل الله عليه وسلم )[1] اهـ.

    وقال في موضع آخر في سياق الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: (وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله عز وجل، أو جاءت به الرواية عن رسول الله

    صل الله عليه وسلم ، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف)[2] اهـ.

    وقال أيضاً : (هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة

    جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله
    وما رواه الثقات عن رسول الله

    صل الله عليه وسلم ، لا يردون من ذلك شيئاً .... – إلى أن قال: وأن الله سبحانه على عرشه
    كما قال: {
    الرحمن على العرش استوى} طه5.

    وأن له يدين بلا كيف كما قال: {
    خلقت بيدي} ص75،
    وكما قال: {
    بل يداه مبسوطتان} المائدة64.

    وأن له عينين بلا كيف كما قال: {
    تجري بأعيننا} القمر14.

    وأن له وجهاً كما قال: {
    ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27)[3] اهـ.

    وقال في "الإبانة" : (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون .

    قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد

    صل الله عليه وسلم ، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم .

    وجملة قولنا: ...)
    ثم ذكر أموراً إلى أن قال: (وأن له سبحانه وجهاً بلا كيف،
    كما قال: {
    ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.

    وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: {
    خلقت بيدي} ص75،
    وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64
    وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14)[4] اهـ.

    وقال أيضاً :(الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين):

    قال الله تبارك وتعالى: {
    كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88،،
    وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27،فأخبر أن له سبحانه وجهاً لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك .
    وقال تعالى: {
    تجرى بأعيننا} القمر14،
    وقال تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} هود37،
    فأخبر تعالى أن له وجهاً وعيناً، ولا تكيَّف ولا تحد .
    وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} الطور48،وقال تعالى: {ولتصنع على عيني} طه39،وقال تعالى: {وكان الله سميعا بصيرا} النساء85،،وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: {إنني معكما أسمع وأرى} طه46.فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته... )
    إلى أن قال: (مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجهاً؟

    قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى:
    {
    ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27.



    مسألة:

    قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟

    قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى:
    {
    يد الله فوق أيديهم} الفتح10، ، وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75.

    وروي عن النبي
    صل الله عليه وسلم أنه قال:
    (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف)[5] اهـ.
    وقال في إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى: (وإذا كنا متى أثبتناه غضباناً على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضياً عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حياً سميعاً بصيراً فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر)[6] اهـ.



    كما أنه أبطل تأويل الصفات الخبرية ورد على أهلها في مواضع كثيرة، وبين أن تأويل الصفات الخبرية هو قول المعتزلة وأهل الضلال :

    فقال في "مقالات الإسلاميين":
    (باب قول المعتزلة في "وجه الله": واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهاً هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل. والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعاً ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهاً هو هو... والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه)[7] اهـ.

    وقال في موضع آخر: (قولهم في العين واليد : وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين: فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يداً وأن له يدين، وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة، وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم،
    وتأول قول الله عز وجل: {
    ولتصنع على عيني} طه39، أي بعلمي.)[8] اهـ.

    وقال: (الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: واختلفوا في العين واليد والوجه على أربع مقالات: فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء.

    وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل أو جاءت به الرواية من رسول الله

    صل الله عليه وسلم فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف....

    وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه، وتأولت اليد بمعنى النعمة،
    وقوله: {
    تجري بأعيننا} القمر14، أي بعلمنا)[9] اهـ.

    وقال في سياق أقوال المعتزلة : (وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله، ويقول أن نفس الله سبحانه هي الله، وأن الله غير لا كالأغيار، وأن له يدين وأيدياً بمعنى نعم، وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه، ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه، ويتأولون قول الله عز وجل: {
    لأخذنا منه باليمين} الحاقة45،
    أي بالقدرة. وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله.)[10] اهـ.

    وقال في "الإبانة" : ( الباب الأول: في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة ..) ثم ساق كثيراً من أقوالهم إلى أن قال: (ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله عز وجل:{
    ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27،
    وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: {لما خلقت بيدي} ص75،،وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: {تجري بأعيننا} القمر14،وقوله: {ولتصنع على عيني} طه39)[11] اهـ.
    وقال في موضع آخر: (ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين)[12] اهـ.

    وليس المنفي عند المعتزلة هو الوجه المجازي، بل الوجه الحقيقي، إذ جميع المعتزلة يثبتون الوجه المضاف إلى الله تعالى في كتابه ولا ينكرونه، إذاً لكفروا إجماعاً، وإنما ينفون أن يكون وجهاً حقيقة، وإلا لم يكن خلاف بين أهل الحديث والمعتزلة إذا كان الجميع يثبتون وجهاً مضافاً إلى الله، وليس وجهاً حقيقة، بل مجاز!!!

    وكل الصفات التي يحكي الأشعري نفيها عن المعتزلة فعلى هذا المنوال.

    وهذا كما ترى ظاهر في أن إنكار أن تكون صفات الله تعالى كالوجه واليد والنزول ونحوها حقيقة،
    إنما هو قول المعتزلة، لا قول أهل السنة كما يزعمه الأشعريان.

    وقال الأشعري أيضاً في رد تأويل الصفات: (مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟

    قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى:
    {
    يد الله فوق أيديهم} الفتح10،،
    وقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} ص75،.
    وروي عن النبي
    صل الله عليه وسلم أنه قال:
    (
    إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف .

    وجاء في الخبر المأثور عن النبي
    صل الله عليه وسلم :
    (
    أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده
    وغرس شجرة طوبى بيدهأي بيد قدرته سبحانه. وقال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} المائدة64،وجاء عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال:
    (
    كلتا يديه يمين) . وقال تعالى: {لأخذنا منه باليمين} الحاقة45.

    وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى:
    {
    بيدي} ص75،
    النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة
    ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة
    إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛
    لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: {
    بيدي} ص75،
    نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل:
    بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا .

    ----------------------
    (1) مقالات الإسلاميين (1/ 284).
    (2) المرجع السابق (1/ 290)
    (3) المرجع السابق (1/ 345).
    (4) الإبانة للأشعري (ص43 - 44).
    (5) المرجع السابق (104 - 106).
    (6) المرجع السابق (ص117).
    (7) مقالات الإسلاميين (1/ 265).
    (8) المرجع السابق (1/ 271).
    (9) المرجع السابق (1/ 290).

    (10) المرجع السابق (2/ 205).

    (11) الإبانة للأشعري (ص41).
    (12) المرجع السابق (ص104).


    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 12-11-2015 الساعة 12:04 AM

  11. #33

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي



    مسألة:


    ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: {
    بيدي} ص75
    نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة؟

    فلا يجدون ذلك إجماعاً ولا في اللغة.

    وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.

    قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: {
    بيدي} ص75،
    لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا
    مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز،
    الناطق على لسان نبيه الصادق: {
    وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إبراهيم4،،
    وقال تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} النحل 103،،وقال تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} الزخرف 3،،وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله} النساء82،ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه.) [1] اهـ.

    وقال الذهبي في السير: (قلت رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول)[2] اهـ.


    فرع في بيان معنى التأويل عند السلف ومعناه عند الأشاعرة


    التأويل عند الأشاعرة كما عرفه الأشعريان (ص144): (هو صرف اللفظ عن الظاهر بقرينة تقتضي ذلك) اهـ.

    وهذا اصطلاح متأخر للمتكلمين، وهو خلاف التأويل في اللغة، وفي كلام السلف.

    قال في مختار الصحاح: (التَأْويلُ تفسير ما يؤول إليه الشيء)[3]اهـ.

    وقال في اللسان: (الأَوْلُ: الرجوع. آل الشيءُ يَؤُول أَولاً ومآلاً: رَجَعَ .... التهذيب:
    وأَما التأْويل فهو تفعيل من أَوَّل يُؤَوِّل تَأْويلاً وثُلاثِـيُّه آل يَؤُول أَي رجع وعاد..)[4] اهـ.

    فتلخص من هذا أن التأويل في لغة العرب يراد به أمران:


    الأول: مآل الشيء، وهو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
    وإذا كان الكلام إما خبر وإما طلب:


    فتأويل الخبر: حقيقته ووقوعه، كما قال تعالى: {
    هذا تأويل رؤياي من قبل}
    يوسف100،
    أي: هذا هو نفس رؤياي، أي وقوعها وحقيقتها.
    وقوله: {
    هل ينظرون إلا تأويله. يوم يأتي تأويله لا يقول الذين نسوه من قبل}
    الآية الأعراف53.أي هل ينتظرون إلا نفس وقوع ما أخبر الله به من الوعيد والعذاب.

    وتأويل الطلب الذي هو أمر ونهي: هو نفس فعل المأمور بامتثاله والعمل به، ونفس ترك المنهي،
    كما في قول عائشة رضي الله عنها: (كان النبي

    صل الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده:
    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن)[5].تعني: يمتثل ويعمل بقوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} النصر3.

    والمعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يُفهم معناه، وهو المقصود في قول المفسرين "تأويل قوله تعالى"
    ،
    وقد سمى ابن جرير تفسيره الكبير "جامع البيان عن تأويل آي القرآن". ومنه قول الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة فيما تأولته من القرآن على غير تأويله".

    فعلى المعنى الأول: يكون تأويل ما أخبر الله تعالى به من صفاته وأفعاله، هو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله تعالى كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولا سبيل لأحد إلى العلم به وإحاطته.

    وعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: {
    وما يعلم تأويله إلا الله} آل عمران7.

    وعلى المعنى الثاني: يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه بما له من الصفاته العلية، هو تفسير وفهم معنى ما وصف الله به نفسه من الصفات العظيمة الجليلة، وهذا يُعرف من اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها، وتعرَّف إلينا بواسطتها، مع العلم بأنه لا يشبهه شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

    وعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: {
    والراسخون في العلم} آل عمران7،
    كما هو مذهب كثير من السلف.

    قال ابن جرير: (واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل الراسخون معطوف على اسم الله، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.

    فقال بعضهم: معنى ذلك وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفرداً بعلمه،
    وأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون آمنا بالمتشابه والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله. ذكر من قال ذلك ....- فذكر: عائشة وابن عباس وعروة وأبي نهيك وغيرهم -

    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. ذكر من قال ذلك... - فذكر ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير )[6] اهـ.

    وأما ما اصطلح عليه المتأخرون من أصناف المعطلة على اختلاف فرقهم من أن التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره بقرينة. فهو اصطلاح حادث.

    وهم يجعلون من القرائن على صرف دلالة الصفات عن ظاهرها وحقيقتها ما دلت عليه عقولهم، لا ما دل عليه الأثر وما اجتمع عليه السلف، فيجعلون عقولهم حاكمة على ما يوصف الله تعالى به على الحقيقة، وما لا يوصف به على الحقيقة، دون الأدلة النقلية من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.

    وهذا النوع من التأويل هو الذي صنف فيه منهم جماعة كما صنف أبو بكر بن فورك كتابه "تأويل مشكل القرآن"، ورد عليه آخرون كالقاضي أبي يعلى في كتابه "إبطال التأويلات في أخبار الصفات" وكذلك ابن قدامة في كتابه "ذم التأويل".


    المبحث الثاني
    بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب
    خلاصة الفصل:




    أولاً: أن السلف مجمعون على تحريم تأويل صفات الله تعالى الواردة في الكتاب أو السنة، كما نقله غير واحد ممن ذكرنا كلامهم.

    ثانياً: أن تأويل الصفات بدعة وهو شعار المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وكل من وافقهم.

    ثالثاً: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم، ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون إليه فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.

    رابعاً: جهل الأشعريين بمذهب السلف حيث قالا (ص74): (وكلا الطريقين التفويض والتأويل بشرطه ثابت عن سلف الأمة) اهـ.

    وقالا (ص102): (وينسى هؤلاء أن جل الأمة على مذهب التأويل، وأن جماعات من السلف قالوا به) اهـ.

    وقالا (ص143): (قضية التأويل ... منقولة عن الصحابة والسلف الطيب) اهـ.

    وقالا عن التأويل (ص157): (ومذهب ثابت عن جماعات من السلف) اهـ.

    وقالا في كون التأويل لا يستلزم تبديعاً ولا تفسيقاً (ص141-143): (فإن الخلاف في هذا النوع –أي تأويل الصفات- من القضايا لا يترتب عليه شيء قطعاً، إذ لم يُنقل عن الصحابة والسلف أنهم ضللوا بعضهم بعضاً بسبب شيء من ذلك ..... وأنها من المسائل التي لا يترتب على الخلاف فيها ضلال ولا بدعة) اهـ.

    وقالا مُقَرِّرَيْن جواز التأويل وإن لم يرد عن السلف (ص161): (ونحن نقول: لنفترض أنه لم يُنقل عن أحد من السلف التصريح بتأويل شيء من ذلك، فأي حرج على من سلك سنن العرب في فهم الكلام العربي، وحمل هذه النصوص على ما تجيزه لغتهم ...) اهـ.

    ولا ريب أن هذا مخالف لما ذكرناه من إجماع السلف على تبديع التأويل والمنع منه، ومصادم لنصوصهم الصريحة في تبديع المتأولة في صفات الله والإنكار عليهم، والتحذير منهم.

    أما قولهما أن الصحابة لم يضللوا بعضهم بعضاً بسبب شيء من ذلك، فلأنه لم يثبت عن أحد من السلف قط تأويل صفة ثابتة لله تعالى.

    وأما ما ذكراه مما استدلا به على ثبوت التأويل عن السلف فسنجيب عليه في الباب الثالث.

    ومعلوم أيضاً أن الذين حكوا إجماع السلف على ترك التأويل ممن نقلنا بعض كلامهم هم من أعلم الناس بالخلاف، وبالحديث والآثار، وبعضهم من أئمة السلف كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم، ويستحيل أن يحكي جميعهم الإجماع على ترك التأويل، ويكون ثابتاً عن السلف في نفس الأمر. وسيأتي مزيد من التقرير لهذا الأمر في الباب الثالث.





    ------------------
    (1) المرجع السابق (ص106 - 108).
    (2) سير أعلام النبلاء (15/ 86).
    (3) مختار الصحاح/ مادة "أول".
    (4) لسان العرب/ مادة "أول".
    (5) رواه البخاري (1/ 281) ومسلم (484).
    (6) تفسير ابن جرير (3/ 182 - 183).







    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 12-11-2015 الساعة 12:16 AM

صفحة 3 من 8 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. خطبة صلاة الكسوف لفضيلة الشيخ د. فيصل الغزاوي من المسجد الحرام
    بواسطة مطلبي الفردوس الاعلى في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-05-2013, 07:57 PM
  2. متن أصول السنة (2) لفضيلة الشيخ الدكتور : محمد حسان 1 2 2013
    بواسطة رها في المنتدى منتـدى السنـة النبويــة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 10-02-2013, 08:28 PM
  3. || سلسلة الرد على منكرى السنة || لفضيلة الشيخ / مازن السرساوي
    بواسطة * أم عبيدة * في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-05-2012, 02:57 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •