K

جديد المنتدي

صفحة 2 من 8 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 12 إلى 22 من 85
  1. #12

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    فرع في إبطال شبهتهما في هذا الباب:
    يقال للأشعريّيْن: سبحان الله!! وهل كان صراع السلف مع الجهمية والمعتزلة إلا على إثبات
    حقائق صفات الله تعالى، فإن السلف كانوا يثبتون صفاته تعالى على الحقيقة،
    ويأبى ذلك الجهمية والمعتزلة بدعوى التشبيه، وإلا فلو كان الجميع متفقين على كونها من مجازات الكلام
    لما صار بين السلف والمعطلة خصومة، ولدامت بينهما المودة والألفة.

    ولأجل هذا أكد السلف هذا الأمر فأثبتوا صفات الله تعالى على الحقيقة،
    ولم يعبأوا بتشنيع الجهمية والمعتزلة، بل حذروا من أن يُخدع المسلم بذلك،
    وألفوا الكتب والرسائل رداً عليهم وإبطالاً لدعواهم.

    ومن ظن أن حقيقة الصفة الثابتة لله هي حقيقة صفة المخلوق فقد زل وضل،
    فإن هذا لا يقره عقل ولا نقل ولا تقتضيه لغة، إذ الصفة تابعة للموصوف،
    فإذا كان لله تعالى ذات حقيقة، وللمخلوق ذات حقيقة، لم يلزم أن تكون حقيقة ذات الله تعالى
    هي حقيقة ذات المخلوق، كما لا يلزم من حقيقة وجود الله أن تكون هي حقيقة وجود المخلوق.
    فالله ليس كمثله شيء، وليس له سمي، ولا كفؤ، ولا نظير.
    والصفات فرع عن الذات، فإذا تباينت الذوات تباينت الصفات،
    فلا يلزم من إثبات صفات الله تعالى على الحقيقة، أن تكون هي حقيقة صفة المخلوق.

    قال ابن الزاغوني في كتابه "الإيضاح":
    (فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله تعالى ممتنع لعارض يمنع، فليس بصحيح، من جهة أن الباري تعالى ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات، فإن الباري تعالى في نفسه ذات ليست بجوهر
    ولا جسم ولا عرض ولا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل،وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، وإذا كان الكل مرتفعاً، والمثل بذلك ممتنعاً:
    فالنفار من قولنا يد مع هذه الحال كالنفار من قولنا ذات، ومهما دفعوا به إثبات ذات مما
    وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد، لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات، وإن عجزوا عن ذلك
    لثبوت الدليل القاطع للإقرار بالذات على ما هي عليه مما ذكرنا فذاك هو الطريق
    إلى تعجيزهم عن نفي يد هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه) (1)
    اهـ.

    وقال الذهبي: (وما أحسن قول نعيم بن حماد الذي سمعناه بأصح إسناد عن محمد ابن إسماعيل الترمذيأنه سمعه يقول: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً".
    قلت: أراد أن الصفات تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف تعالى
    {ليس كمثله شيء}
    في ذاته المقدسة، فكذلك صفاته لا مثل لها، إذ لا فرق بين القول في الذات
    والقول في الصفات، وهذا هو مذهب السلف) (2)
    اهـ.

    وقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء،فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره عز وجل،
    لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها) (3) اهـ.


    ومن المعلوم أن حقائق صفات المخلوقات متباينة مع اشتراكهم في الخلق،
    فكيف بالتباين بين الخالق والمخلوق.

    فإذا قيل: يد الإنسان، ويد النملة، لم يلزم لغة أن تكون حقيقة يد الإنسان هي حقيقة يد النملة، بل لو قيل يد الباب،
    ويد الليل، لم
    يلزم تماثلهما في الحقائق.
    ومثل ذلك رأس الإنسان، ورأس الجبل، ورأس الأمر، ووجه الإنسان، ووجه الماء، ووجه الأمر، وهكذا،
    فكيف لا يلزم من إثبات حقائق الصفات للمخلوقات تماثلها، ويلزم في حق الله تعالى، سبحانك هذا بهتان عظيم.

    ومن قال أن صفة اليد والوجه مثلاً عند الإطلاق لا يُفهم منها إلا وجه المخلوق،
    أو الجارحة، فإن هذا يأباه العقل والشرع واللغة، وهو مبني على دعوى باطلة
    وهي تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية،
    والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد، وهذا هو الذي
    أوقع القوم فيما وقعوا فيه،
    فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يُنعق بها، لا تفيد فائدة،
    وهذه الصفات لا توجد مطلقة مجردة، بل لا توجد إلى مضافة لموصوف،
    فليست هناك يد مطلقة، ولا وجه مطلق، وإنما يُتصور هذا في الأذهان، وليس له حقيقة في الأعيان،
    فليس في الوجود إلا يد مضافة إلى ذي يد، ووجه مضاف إلى ذي وجه،
    فإذا أضيفت اليد أو الوجه علم معناها وحقيقتها.

    فإذا قال القائل: ضربت الخادم بيدي، فُهم منه يد الإنسان الجارحة، وإذا قيل: خطت الثوب بيدي،
    فُهم من اليد آلة الخياطة، وإذا قيل: لفلان يد عندي لم أجزه بها،
    فُهم منها النعمة والإحسان.
    فهذه "يدٌ" اختلفت معانيها بحسب تركيبها وإضافتها، وفُهم من كل تركيب
    ما لم يُفهم في التركيب الآخر.


    ومما يبطل هذه الدعوى أن يُقال: لو كانت صفات الله مجازاً لا حقيقة لها، لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها،
    ألا ترى أن صحة نفي اسم الأسد عن الرجل الشجاع أظهر وأصدق من إطلاق ذلك الاسم، لكون المجاز يصح نفيه.
    وبناءاً عليه يكون قول القائل: ليس لله يد، ولا وجه، ولا ينزل، ولا يضحك،
    ولا يرضى، ولا يجيء، أصح من قوله:
    لله يد، ووجه، وأنه ينزل، ويضحك، ويرضى، ويجيء. ولا ريب أن هذا عين
    المحادة لله تعالى، بل هو تكذيب صريح لله ولرسوله.
    تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

    وأما من فرق بين صفة وصفة، فادعى في بعض الصفات أنها حقيقة، وفي الأخرى أنها مجاز، فتحكم محض،
    فإن هناك ألفاظاً تطلق على الخالق والمخلوق: أفعالها، ومصادرها، وأسماء الفاعلين، والصفات المشتقة منها:

    فإن كانت حقائقها ما يُفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم، -
    ولا ريب في انتفاء هذا في حق الله قطعاً -
    لزم أن تكون جمعيها مجازات في حقه لا حقيقة، فلا يوصف بشيء من صفات الكمال حقيقة،وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات.
    وكفى بأصحاب هذه المقالة كفراً.

    وإن فرق بين صفة وصفة، طولب بالطريق الذي اهتدى إليه، واستند عليه في
    التفريق بين النفي والإثبات؟
    بالشرع أم بالعقل أم
    باللغة؟ فأي شرع أو عقل أو لغة يدل على أن المجيء،
    والاستواء، والضحك، والرضى، والوجه، واليدين، والعينين، والنزول، ونحوها من الصفات،
    حقيقة فيما يُفهم من خصائص المخلوقين، والعلم،
    والإرادة، والسمع، والبصر، والحياة، حقيقة فيما لا يختص به المخلوق!!!

    وسيأتي مزيد من البيان في الفصل الخامس.

    [إثبات لوازم الصفة مع نفي حقيقتها تناقض]
    ومن غرائب الأشعريّيْن أنهما ينفيان حقيقة الصفة، ويثبتان لوازمها، وهذا لعمر الله
    من الممتنعات، إذ يمتنع ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها، فالحقيقة لا توجد منفكة
    عن لوازمها،فإن الإحسان والثواب من لوازم الرحمة، فثبوت إرادة الثواب والإحسان لله مع انتفاء حقيقة الرحمة ممتنع،
    فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها ولذلك قال تعالى

    {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} التوبة 21.
    ففرق سبحانه بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل، فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه، وهذا يبطل قول الأشعريّيْن،
    بانتفاء صفة الرحمة لله، وإثبات لازمها من إرادة الثواب.

    قال عثمان الدارمي في رده على المريسي: (وأما قولك: إن ضحكه رضاه ورحمته،
    فقد صدقت في بعض، لأنه لا يضحك إلى أحد إلا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضا. ولا يصرفه إلا عن
    عدو،
    وأنت تنفي الضحك عن الله تعالى، وتثبت له الرضا وحده.) (4)
    اهـ.
    ومثل ذلك لفظ اللعنة، والغضب، والمقت، هي أمور مستلزمة للعقوبة، فإذا انتفت حقيقتها انتفى لازمها. فتدبر!!
    ولعل في الفصول القادمة تقرير لهذه المسائل،
    وتأصيل لها من الكتاب والسنة والإجماع، والعقل.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ

    (1)[ الإيضاح في أصول الدين (ص286 - 287) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/ 42)]

    (2)[
    سير أعلام النبلاء (13/ 299 - 300)]

    (3)[
    غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟)]

    (4)[ الرد على المريسي (2/ 773)]



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 02:02 AM
    اكثروا قراءة الاخلاص وسبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء ما خلق سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء سبحان الله عدد ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه،سبحان الله عدد كل شيء سبحان الله ملء كل شيء الحمد لله مثل ذلك وسبحان الله وبحمده عددخلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته واكثروا الصلاة على النبي

  2. #13

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    الفصل الثاني
    في إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه
    وبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تُفسّر)

    تمهيد

    لقد أمر الله تعالى عباده بتدبر كتابه فقال:
    {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ص 29، ولم يقل بعض آياته.

    ورغّب في ذلك فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} محمد 24.
    وعاب على اليهود الذين لا يتدبرون التوراة، ولا يعرفون منها إلا التلاوة المجردة من غير فهم ولا فقه،
    فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} البقرة 78.

    وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه القرآن لفظه ومعناه،
    فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه.

    قال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله
    - صلى الله عليه وسلم -:
    أنهم كانوا يأخذون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
    عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى
    حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل) (1)

    ومن المعلوم أنه لا يحصل البيان والبلاغ المقصود من إرسال الله تعالى له إلا بذلك.
    قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل 44
    وقال: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} آل عمران 138
    وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الدخان 58
    وقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فصلت 3،
    أي بُيّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة مبهمة لم تكن فُصّلت.

    وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} النور 54،
    وهذا البلاغ يتضمن بلاغ المعنى، وأنه مبين أي: في أعلى درجات البيان والتوضيح.
    وقال علي - رضي الله عنه -: (ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه) (2)

    وقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس - رضي الله عنه -
    من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها) (3)
    فمن زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغ الأمة معاني كلام ربه بلاغاً مبيناً،
    لا سيما في أشرف ما في كتابه من ذكر صفاته تعالى ونعوته، بل يظن أنه بلغهم ألفاظه
    وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره أهل التحريف والتأويل، لم يكن شهد له بالبلاغ،
    وهذه حقيقة زعم الأشعريّيْن.

    ولا ريب أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا أحرص الناس على الخير وأحبهم له،
    وأعظمهم إيماناً وأكملهم صلاحاً، وأشدهم حباً لله تعالى بعد الأنبياء والرسل.
    ومن أعظم ما تطمح إليه نفوسهم، وتصبو إليه قلوبهم معرفة خالقهم وإلههم
    الذي ألهته قلوبهم، حباً له وتعظيماً وخوفاً ورجاءاً، وهذا يستلزم حتماً أن يكونوا
    أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته وأسمائه. فإذا كانوا أحرص الناس على معرفة
    أحكامه وحلاله وحرامه، فهم لمعرفة صفاته وآلائه وعظمته أشد حرصاً وأعظم طلباً،
    ومن الممتنع أن تكون صفات الله تعالى التي
    نوّعها في كتابه وعلى لسان رسوله
    - صلى الله عليه وسلم - خافية عليهم، لا يعرفون معانيها، وهم القمة في العلم والهدى.

    وهل الهدى والصلاح والتقى إلا فرع وأثر لمعرفة الله تعالى بجميع نعوته وصفاته.
    وهم بذلك عاملون بما أمرهم ربهم تبارك وتعالى من تدبر كتابه، والتفكر فيه،
    متنكبين طريق الذين ذمهم الله تعالى بعدم فقههم لكلامه، وتَرْك تدبر كتابه.

    قال تعالى:
    {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء 78.
    وقال تعالى:
    {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام 98
    وقال:
    {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً}الأنعام 25
    فمن ادعى أن الصحابة لا يعرفون معاني صفات الله ونعوته، ونسب إليهم الجهل بها
    وترك البحث عن معانيها، فقد أعظم عليهم الفرية. بل كان الصحابة - رضي الله عنهم -
    ومن بعدهم من أئمة الهدى يعرفون معاني صفات الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده
    في كتابه، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ونصوصهم في هذا الباب كثيرة جداً، سبق أن ذُكر شيء منها في الفصل السابق، وأنا أسوق هنا بعض ما يدل على ذلك، ويؤكده.

    المبحث الأول
    آثار السلف الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية

    -
    عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -
    قال عبد الله بن أبي الهذيل العنزي: قلت لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
    (أبلغك أن الله عز وجل يعجب ممن يذكره؟ فقال: لا، بل يضحك.) (4)
    اهـ.
    وهذا ظاهر في أن معنى العجب غير معنى الضحك، وأن الله تعالى يضحك ممن يذكره.

    - أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى (90 هـ)
    قال أبو العالية: {استوى إلى السماء} البقرة29: ارتفع. (5)

    - أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (101 هـ)
    قال: {استوى}: علا على العرش (6)
    اهـ.

    وهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه
    من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش.

    - الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (125 هـ)
    - مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (112 هـ)
    قال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) (7) اهـ.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

    (1)[ رواه أحمد (5/ 410) وابن أبي شيبة (6/ 117) وابن سعد في الطبقات (6/ 172)

    والطحاوي في مشكل الآثار (رقم 1451 - 1452) والحاكم في المستدرك (1/ 557) وعنه البيهقي في الكبرى (3/ 119)
    ].

    (2)[ عزاه السيوطي في مفتاح الجنة (ص66) لنصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة].

    (3)[ رواه ابن جرير في تفسيره (2/ 395) والطبراني في الكبير (11/ 77)].

    (4)[ رواه ابن بطة في الإبانة (3/ 111)]

    (5)[
    رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 75) والبخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم (6/ 2698)]

    (6)[ رواه البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم (6/ 2698)،

    وقال الحافظ (الفتح 13/ 405): وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه. ]

    (7)[ رواه اللالكائي (3/ 431)]



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 02:03 AM

  3. #14

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي



    [معنى إمرار الصفات بلا تكييف]
    والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل.
    ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغواً.

    وهذه العبارة ترد كثيراً عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.
    فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث،
    فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمناً فمه؟ قال: فنفر من ذلك،
    وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرّوها)(1)
    .

    وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري:
    (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها،
    إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء،
    ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه،
    إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة..... -

    إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحداً منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل،
    إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله،
    وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك،
    أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام،
    فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.)(2)
    اهـ.

    فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر،
    أو بعدم
    دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها،
    ومعلوم قطعاً أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار
    النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.

    وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس:
    (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
    من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله
    - صلى الله عليه وسلم - صحيح،
    والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي
    - صلى الله عليه وسلم -، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره،
    ولا نناظر فيه أحداً .. ) (3)
    اهـ.

    وهذه أحاديث مفهومة المعنى، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء،
    وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.

    وقال أيضاً في الرسالة ذاتها: ("ثلاث من كن فيه فهو منافق"على التغليظ نرويها كما جاءت،
    ولا نقيسها .. )(4)
    اهـ.

    ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم،
    أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -
    لعلي:
    «من كنت مولاه فعلي مولاه»،
    ما وجهه؟ قال:«لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء».
    وقال الخلال أيضاً: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي
    - صلى الله عليه وسلم - لعلي:
    «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟
    قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» (5) اهـ.
    وقال البخاري في جزء "رفع اليدين":
    (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة،
    ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.

    قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -
    حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) (6)
    اهـ.

    - الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)
    وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى
    في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته،
    لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (7)
    اهـ.
    فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)،
    فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني
    المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة!!.

    وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (8) اهـ.
    وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات:
    (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.


    - عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)
    سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟
    فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق
    صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغراً، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع،
    فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها،

    ... وذكر فصلاً طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) (9)اهـ.
    وقيل: (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام
    هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) (10)
    اهـ.
    فقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى،
    يدل على أن صفة الله عن السلف صفة ذات معنى.

    وأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها،
    بدليل أنه بيّن عجز العقول في إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير
    معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره.
    فأما الرب تبارك وتعالى فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.


    وقال الذهبي في "العلو": (قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية
    في أول رسالته المشهورة
    في مذهب مالك الإمام: "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه".

    قال الذهبي: وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي،
    وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته،
    والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي
    في كتاب الإبانة له، فإنه قال:
    "وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحماد، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل،
    وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان"،
    وكذلك أطلقها ابن عبد البر
    كما سيأتي، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: "وفي أخبار شتى أن الله
    في السماء السابعة على العرش بنفسه"، وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة:

    عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
    وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة
    أهل السنة وأصحاب الحديث.

    وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي
    والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة.

    والله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين ولا مؤازر،
    وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره
    التفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال، ومعنا بالعلم،
    وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول
    {الرحمن على العرش استوى} طه5،
    وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمناه .. ) (11)
    اهـ.


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

    (1)[ رواه ابن الأعرابي في معجمه (1/ 95،292) وتمام في فوائده (1/ 72)]

    (2)[طبقات الحنابلة (1/ 26)]

    (3)[
    أصول السنة للإمام أحمد (ص24 - 25) ورواها اللالكائي (1/ 156).]

    (4)[ المرجع السابق (ص56 - 59)]

    (5)
    [السنة للخلال (1/ 347)]

    (6)
    [ جزء رفع اليدين للبخاري (ص38)]

    (7)
    [سبق تخريجه حاشية 23]

    (8)[سبق تخريجه حاشية 24.]

    (9)[ رواه ابن بطة في الإبانة (3/ 63) واللالكائي (3/ 502) والذهبي بإسناده من طريق الأثرم (السير 7/ 312) وعزاه شيخ الإسلام

    ابن تيمية إلى الأثرم في السنة وإبي عمرو الطلمنكي كما في مجموع الفتاوى (5/ 42 - 46) وأورده الذهبي في العلو (ص141).]

    (10)[ السير (7/ 312).]

    (11)[ العلو (ص235).]


    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 02:19 AM

  4. #15

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    ثانياً: أن قولهما عن لفظة "بذاته":
    (لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين):
    عجب منهما، وتناقض صريح، فلا أدري هل يأثران هما شيئاً من كلامهما في الصفات،
    وتأويلها، عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة؟!!

    وصدق القائل: "رمتني بدائها وانسلت".

    ثالثاً: أن قول من قال من السلف "بذاته"
    هو من باب التأكيد والتنصيص، والرد على المعطلة
    الذين يفسرون صفات الله تعالى بما قام بغيره، وينكرون أن يقوم بذات الله تعالى صفة
    متعلقة بمشيئته، فيقولون: نزوله: نزول أمره، ومجيئه: مجيء ثوابه، وهكذا.

    وكذا قولهم "حقيقة" تأكيد لحقيقة الصفة، ورد على من جعلها مجازاً.

    ومعلوم أن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره، كما في قوله:
    {الرحمن على العرش استوى} طه5،، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
    "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا"، وهذا خبر عن مسمى هذا الاسم العظيم.
    ومثاله ما لو قلت: عمرو عندك، وزيد قائم، فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم،
    فقوله تعالى:
    {الله خالق كل شيء} الزمر62، هو خبر عن ذات الرب تعالى،
    فلا يحتاج المخبر أن يقول:

    خالق كل شيء بذاته، وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه فإنما هو خبر عن ذاته.
    لكن لما ظهر من أهل البدع والمعطلة من يحعل صفات الله تعالى مجازات، نص السلف على كونها حقيقة،
    ولما ظهر منهم من يجعل ما وصف الله تعالى به نفسه هو ما قام بغيره، كمن يقول: نزول أمره،
    ومجيء ملائكته، نص السلف على كونها صفة ذاته.

    وكيف يعيبان ذلك وقد قالا مدافعين عمن قال "لفظي بالقرآن مخلوق
    " - مع كونه قول متأخري الجهمية-
    كالكرابيسي وابن كلاب وغيرهما (ص57): (وإننا متيقنون بأنهم رحمهم الله لم يقولوا هذا القول
    دون أن تدعو له حاجة، كلا، وحاشاهم أن يتكلموا بشيء سكت عنه الصحابة والتابعون،
    لكنهم لمّا رأوا الناس تقحموا هذا الباب، وخاضوا في هذا المر، وحملوه على غير وجهه،
    اضطروا إلى الكلام فيه تبياناً للحق، وكفّاً للناس عن ذلك) اهـ.

    فهذا اعتذاركم عن مقولة باطلة، فهلا عذرتم من قال بالحق وأكده!!!

    قال الذهبي معلقاً على كلام القصاب: (وكان أيضاً يسعه
    السكوت عن "صفة حقيقة"
    فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري وقلنا تُمر كما جاءت، فقد آمنا بأنها صفات، فإذا قلنا بعد ذلك:
    صفة حقيقة وليست بمجاز، كان هذا كلاماً ركيكاً نبطياً مغلثاً للنفوس فليهدر، مع أن هذه العبارة
    وردت عن جماعة، ومقصودهم بها أن هذه الصفات تمر ولا يُتعرض لها بتحريف ولا تأويل،
    كما يُتعرض لمجاز الكلام والله أعلم. وقد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة،
    فإن النصوص في الصفات واضحة، ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله،
    وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازاً، وصفاته ليست مجازاً،
    فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها)(1)
    اهـ.

    وهذا من الذهبي صريح بأن معنى: كون الصفات حقيقة، أو أنه متصف بها بذاته،
    حق، ولكن لا يُحتاج إلى
    زيادة "حقيقة" أو "بذاته"، لا لكون المعنى باطلاً، بل لكونه ظاهراً بلا حاجة للزيادة.

    إذ من المعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل: سمع زيد، وكلام زيد، ونزول زيد، فهو حقيقة لا مجاز،
    إلا أن يقترن باللفظ ما يدل على كونه مجازاً.
    إذ أن قاعدة اللغة: أن الأصل في الكلام الحقيقة والإفراد، لا المجاز والاشتراك.

    ويقال لهؤلاء: كيف سوغتم لأنفسكم هذه الزيادات في النفي كنفي الجهة والحيز ونحو ذلك،
    والتقصير في الإثبات على ما أوجبه الكتاب والسنة، وأنكرتم على أئمة الدين ردهم لبدعة ابتدعها
    أهل التعطيل والتجهيم مضمونها إنكار حقائق صفات الله تعالى، وعبروا عن ذلك بعبارة
    كقولهم "حقيقة" و "بذاته"، فأثبتوا تلك العبارة ليبينوا ثبوت المعنى الذين نفاه أولئك؟!
    وأين في الكتاب والسنة أنه يحرم رد الباطل بعبارة مطابقة له، فإن هذه الألفاظ لم تثبت
    صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينت ما عطله المبطلون من حقيقة اتصافه بصفات الكمال.

    رابعاً: أن ما أنكراه من قول: "أن الله ساكن السماء"، قد قاله إمامهم أبو الحسن الأشعري نفسه،
    مستدلاً به على علو الله تعالى، وذكر أنه قول جميع المسلمين!!

    فقال: (ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم
    يقولون جميعاً: يا ساكن السماء) (2)
    اهـ.
    وهذا أمر مثير للاستغراب والحيرة، ألا وهو كثرة إنكارهما لأمور قد نص عليها أبو الحسن الأشعري
    نفسه في كتبه، حتى ليظن الناظر أنهما ألفا كتابهما رداً على أبي الحسن الأشعري، لا انتصاراً له؟!!

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ

    (1) [المرجع السابق (ص239)]

    (2)[الإبانة للأشعري (ص79 - 103)]




    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 02:20 AM

  5. شكراً شكر هذه المشاركة mohammeddawood
  6. #16

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    فرع في إبطال شبهتهما في هذا الباب:
    يقال للأشعريّيْن: سبحان الله!! وهل كان صراع السلف مع الجهمية والمعتزلة
    إلا على إثبات حقائق صفات الله تعالى، فإن السلف كانوا يثبتون صفاته تعالى
    على الحقيقة، ويأبى ذلك الجهمية والمعتزلة بدعوى التشبيه، وإلا فلو كان الجميع
    متفقين على كونها من مجازات الكلام لما صار بين السلف والمعطلة خصومة،
    ولدامت بينهما المودة والألفة.

    ولأجل هذا أكد السلف هذا الأمر فأثبتوا صفات الله تعالى على الحقيقة،
    ولم يعبأوا بتشنيع الجهمية والمعتزلة، بل حذروا من أن يُخدع المسلم بذلك،
    وألفوا الكتب والرسائل رداً عليهم وإبطالاً لدعواهم.

    ومن ظن أن حقيقة الصفة الثابتة لله هي حقيقة صفة المخلوق فقد زل وضل،
    فإن هذا لا يقره عقل ولا نقل ولا تقتضيه لغة، إذ الصفة تابعة للموصوف،
    فإذا كان لله تعالى ذات حقيقة، وللمخلوق ذات حقيقة، لم يلزم أن تكون حقيقة
    ذات الله تعالى هي حقيقة ذات المخلوق، كما لا يلزم من حقيقة وجود الله أن تكون
    هي حقيقة وجود المخلوق.
    فالله ليس كمثله شيء، وليس له سمي، ولا كفؤ، ولا نظير.

    والصفات فرع عن الذات، فإذا تباينت الذوات تباينت الصفات،
    فلا يلزم من إثبات صفات الله تعالى على الحقيقة، أن تكون هي حقيقة صفة المخلوق.

    قال ابن الزاغوني في كتابه "الإيضاح":
    (فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة
    التي هي صفة لله تعالى ممتنع لعارض يمنع، فليس بصحيح، من جهة أن الباري
    تعالى ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات، فإن الباري تعالى في نفسه
    ذات ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد
    العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، وإذا كان الكل مرتفعاً،
    والمثل بذلك ممتنعاً:
    فالنفار من قولنا يد مع هذه الحال كالنفار من قولنا ذات، ومهما دفعوا به إثبات ذات
    مما وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد، لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات،
    وإن عجزوا عن ذلك لثبوت الدليل القاطع للإقرار بالذات على ما هي عليه
    مما ذكرنا فذاك هو الطريق إلى تعجيزهم عن نفي يد هي صفة تناسب الذات
    فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه) (1)
    اهـ.

    وقال الذهبي: (وما أحسن قول نعيم بن حماد الذي سمعناه بأصح إسناد عن محمد
    ابن إسماعيل الترمذي أنه سمعه يقول: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر
    ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً".
    قلت: أراد أن الصفات تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف تعالى
    {
    ليس كمثله شيء}
    في ذاته المقدسة، فكذلك صفاته لا مثل لها، إذ لا فرق بين القول في الذات
    والقول في الصفات، وهذا هو مذهب السلف) (2)
    اهـ.

    وقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"
    أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول،
    لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء،
    فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره عز وجل،
    لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها) (3)
    اهـ.

    ومن المعلوم أن حقائق صفات المخلوقات متباينة مع اشتراكهم في الخلق،
    فكيف بالتباين بين الخالق والمخلوق.

    فإذا قيل: يد الإنسان، ويد النملة، لم يلزم لغة أن تكون حقيقة يد الإنسان هي
    حقيقة يد النملة، بل لو قيل يد الباب، ويد الليل، لم
    يلزم تماثلهما في الحقائق.

    ومثل ذلك رأس الإنسان، ورأس الجبل، ورأس الأمر، ووجه الإنسان، ووجه الماء،
    ووجه الأمر، وهكذا، فكيف لا يلزم من إثبات حقائق الصفات للمخلوقات تماثلها،
    ويلزم في حق الله تعالى، سبحانك هذا بهتان عظيم.

    ومن قال أن صفة اليد والوجه مثلاً عند الإطلاق لا يُفهم منها إلا وجه المخلوق،
    أو الجارحة، فإن هذا يأباه العقل والشرع واللغة، وهو مبني على دعوى باطلة
    وهي تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية،
    والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد،
    وهذا هو الذي أوقع القوم فيما وقعوا فيه،
    فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يُنعق بها، لا تفيد فائدة،
    وهذه الصفات لا توجد مطلقة مجردة، بل لا توجد إلى مضافة لموصوف،
    فليست هناك يد مطلقة، ولا وجه مطلق، وإنما يُتصور هذا في الأذهان،
    وليس له حقيقة في الأعيان،
    فليس في الوجود إلا يد مضافة إلى ذي يد، ووجه مضاف إلى ذي وجه،
    فإذا أضيفت اليد أو الوجه علم معناها وحقيقتها.

    فإذا قال القائل: ضربت الخادم بيدي، فُهم منه يد الإنسان الجارحة،
    وإذا قيل: خطت الثوب بيدي،فُهم من اليد آلة الخياطة، وإذا قيل: لفلان
    يد عندي لم أجزه بها، فُهم منها النعمة والإحسان.
    فهذه "يدٌ" اختلفت معانيها بحسب تركيبها وإضافتها، وفُهم من كل تركيب
    ما لم يُفهم في التركيب الآخر.

    ومما يبطل هذه الدعوى أن يُقال: لو كانت صفات الله مجازاً لا حقيقة لها، لكان صدق
    نفيها أصح من صدق إطلاقها، ألا ترى أن صحة نفي اسم الأسد عن الرجل الشجاع
    أظهر وأصدق من إطلاق ذلك الاسم، لكون المجاز يصح نفيه.
    وبناءاً عليه يكون قول القائل: ليس لله يد، ولا وجه، ولا ينزل، ولا يضحك،
    ولا يرضى، ولا يجيء، أصح من قوله:
    لله يد، ووجه، وأنه ينزل، ويضحك، ويرضى، ويجيء.
    ولا ريب أن هذا عين المحادة لله تعالى، بل هو تكذيب صريح لله ولرسوله.
    تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

    وأما من فرق بين صفة وصفة، فادعى في بعض الصفات أنها حقيقة،
    وفي الأخرى أنها مجاز، فتحكم محض، فإن هناك ألفاظاً تطلق على الخالق والمخلوق:
    أفعالها، ومصادرها، وأسماء الفاعلين، والصفات المشتقة منها:

    فإن كانت حقائقها ما يُفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم،
    - ولا ريب في انتفاء هذا في حق الله قطعاً -
    لزم أن تكون جمعيها مجازات في حقه لا حقيقة، فلا يوصف بشيء
    من صفات الكمال حقيقة،وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات.
    وكفى بأصحاب هذه المقالة كفراً.

    وإن فرق بين صفة وصفة، طولب بالطريق الذي اهتدى إليه،
    واستند عليه في التفريق بين النفي والإثبات؟
    بالشرع أم بالعقل أم
    باللغة؟ فأي شرع أو عقل أو لغة يدل على أن المجيء،
    والاستواء، والضحك، والرضى،
    والوجه، واليدين، والعينين، والنزول، ونحوها من الصفات،
    حقيقة فيما يُفهم من خصائص المخلوقين، والعلم،
    والإرادة، والسمع، والبصر، والحياة، حقيقة فيما لا يختص به المخلوق!!!

    وسيأتي مزيد من البيان في الفصل الخامس.

    [إثبات لوازم الصفة مع نفي حقيقتها تناقض]
    ومن غرائب الأشعريّيْن أنهما ينفيان حقيقة الصفة، ويثبتان لوازمها،
    وهذا لعمر الله من الممتنعات،
    إذ يمتنع ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها،
    فإن الإحسان والثواب من لوازم الرحمة، فثبوت إرادة الثواب والإحسان لله مع انتفاء
    حقيقة الرحمة ممتنع، فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها ولذلك قال تعالى

    {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} التوبة 21.
    ففرق سبحانه بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل، فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه،
    وهذا يبطل قول الأشعريّيْن، بانتفاء صفة الرحمة لله، وإثبات لازمها من إرادة الثواب.

    قال عثمان الدارمي في رده على المريسي: (وأما قولك: إن ضحكه رضاه ورحمته،
    فقد صدقت في بعض، لأنه لا يضحك إلى أحد إلا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضا.
    ولا يصرفه إلا عن
    عدو، وأنت تنفي الضحك عن الله تعالى، وتثبت له الرضا وحده.) (4)
    اهـ.
    ومثل ذلك لفظ اللعنة، والغضب، والمقت، هي أمور مستلزمة للعقوبة، فإذا انتفت حقيقتها انتفى لازمها.
    فتدبر!!

    ولعل في الفصول القادمة تقرير لهذه المسائل، وتأصيل لها من الكتاب والسنة
    والإجماع، والعقل.


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1)[ الإيضاح في أصول الدين (ص286 - 287) وقد نقله عنه شيخ الإسلام

    ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/ 42)
    ]

    (2)[
    سير أعلام النبلاء (13/ 299 - 300)]

    (3)[
    غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟)]

    (4)[
    الرد على المريسي (2/ 773)]



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 02:58 AM

  7. #17

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    الفصل الثاني
    في إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه
    وبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تُفسّر)

    تمهيد

    لقد أمر الله تعالى عباده بتدبر كتابه فقال:
    {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ص 29، ولم يقل بعض آياته.

    ورغّب في ذلك فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} محمد 24.
    وعاب على اليهود الذين لا يتدبرون التوراة، ولا يعرفون منها إلا التلاوة المجردة
    من غير فهم ولا فقه،
    فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} البقرة 78.

    وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه القرآن لفظه ومعناه،
    فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه.

    قال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله
    - صلى الله عليه وسلم -:
    أنهم كانوا يأخذون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات فلا يأخذون
    في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل) (1)
    .
    ومن المعلوم أنه لا يحصل البيان والبلاغ المقصود من إرسال الله تعالى له إلا بذلك.
    قال تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} النحل 44
    وقال: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} آل عمران 138
    وقال تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الدخان 58
    وقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فصلت 3،
    أي بُيّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة مبهمة لم تكن فُصّلت.

    وقال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} النور 54،
    وهذا البلاغ يتضمن بلاغ المعنى، وأنه مبين أي: في أعلى درجات البيان والتوضيح.
    وقال علي - رضي الله عنه -: (ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه) (2)

    وقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس - رضي الله عنه -
    من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها) (3)

    فمن زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغ الأمة معاني كلام ربه بلاغاً مبيناً،
    لا سيما في أشرف ما في كتابه من ذكر صفاته تعالى ونعوته، بل يظن أنه بلغهم ألفاظه
    وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره أهل التحريف والتأويل، لم يكن شهد له بالبلاغ،
    وهذه حقيقة زعم الأشعريّيْن.

    ولا ريب أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا أحرص الناس على الخير وأحبهم له،
    وأعظمهم إيماناً وأكملهم صلاحاً، وأشدهم حباً لله تعالى بعد الأنبياء والرسل.
    ومن أعظم ما تطمح إليه نفوسهم، وتصبو إليه قلوبهم معرفة خالقهم وإلههم
    الذي ألهته قلوبهم، حباً له وتعظيماً وخوفاً ورجاءاً، وهذا يستلزم حتماً أن يكونوا
    أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته وأسمائه. فإذا كانوا أحرص الناس على معرفة
    أحكامه وحلاله وحرامه، فهم لمعرفة صفاته وآلائه وعظمته أشد حرصاً وأعظم طلباً،
    ومن الممتنع أن تكون صفات الله تعالى التي
    نوّعها في كتابه وعلى لسان رسوله
    - صلى الله عليه وسلم - خافية عليهم، لا يعرفون معانيها، وهم القمة في العلم والهدى.

    وهل الهدى والصلاح والتقى إلا فرع وأثر لمعرفة الله تعالى بجميع نعوته وصفاته.
    وهم بذلك عاملون بما أمرهم ربهم تبارك وتعالى من تدبر كتابه، والتفكر فيه،
    متنكبين طريق الذين ذمهم الله تعالى بعدم فقههم لكلامه، وتَرْك تدبر كتابه.

    قال تعالى:
    {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء 78.
    وقال تعالى:
    {قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الأنعام 98
    وقال:
    {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً}الأنعام 25
    فمن ادعى أن الصحابة لا يعرفون معاني صفات الله ونعوته، ونسب إليهم الجهل بها
    وترك البحث عن معانيها، فقد أعظم عليهم الفرية. بل كان الصحابة - رضي الله عنهم -
    ومن بعدهم من أئمة الهدى يعرفون معاني صفات الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده في كتابه،
    وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ونصوصهم في هذا الباب كثيرة جداً،
    سبق أن ذُكر شيء منها في الفصل السابق، وأنا أسوق هنا بعض ما يدل على ذلك، ويؤكده.

    المبحث الأول
    آثار السلف الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية

    -
    عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -
    قال عبد الله بن أبي الهذيل العنزي: قلت لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
    (أبلغك أن الله عز وجل يعجب ممن يذكره؟ فقال: لا، بل يضحك.) (4)
    اهـ.
    وهذا ظاهر في أن معنى العجب غير معنى الضحك، وأن الله تعالى يضحك ممن يذكره.

    - أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى (90 هـ)
    قال أبو العالية: {استوى إلى السماء} البقرة29: ارتفع. (5)

    - أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (101 هـ)
    قال: {استوى}: علا على العرش (6) اهـ

    وهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه
    من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش.

    - الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (125 هـ)
    - مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (112 هـ)
    قال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) (7)
    اهـ.

    [معنى إمرار الصفات بلا تكييف]
    والإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها،
    من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل.
    ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغواً.

    وهذه العبارة ترد كثيراً عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.
    فقد روى الزهري حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" الحديث،
    فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمناً فمه؟ قال: فنفر من ذلك،
    وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم، فإن أصحاب رسول الله
    - صلى الله عليه وسلم - أمرّوها)(8)

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ

    (1)[ رواه أحمد (5/ 410) وابن أبي شيبة (6/ 117) وابن سعد في الطبقات (6/ 172)

    والطحاوي في مشكل الآثار (رقم 1451 - 1452) والحاكم في المستدرك (1/ 557) وعنه البيهقي في الكبرى (3/ 119)
    ]

    (2)[
    عزاه السيوطي في مفتاح الجنة (ص66) لنصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة].

    (3)[
    رواه ابن جرير في تفسيره (2/ 395) والطبراني في الكبير (11/ 77)].

    (4)[
    رواه ابن بطة في الإبانة (3/ 111)]

    (5)[
    رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 75) والبخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم (6/ 2698)]

    (6)[
    رواه البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم (6/ 2698)، وقال الحافظ (الفتح 13/ 405): وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه.
    ]

    (7)[
    رواه اللالكائي (3/ 431)]

    (8)[
    رواه ابن الأعرابي في معجمه (1/ 95،292) وتمام في فوائده (1/ 72)].





    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:05 AM

  8. #18

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري:
    (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها،
    إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء،
    ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه،
    إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة..... -

    إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحداً منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله،
    وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك،
    أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام،
    فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) (1)
    اهـ.

    فهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك،
    فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم
    دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد
    بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعاً أنها أحاديث مفهومة المعنى،
    معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت:
    إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.

    وقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة "أصول السنة" برواية عبدوس:
    (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
    من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله
    - صلى الله عليه وسلم - صحيح،
    والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي
    - صلى الله عليه وسلم -، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره،
    ولا نناظر فيه أحداً .. ) (2)
    اهـ.

    وهذه أحاديث مفهومة المعنى، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء،
    وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.

    وقال أيضاً في الرسالة ذاتها: ("ثلاث من كن فيه فهو منافق"على التغليظ
    نرويها كما جاءت، ولا نقيسها .. ) (3)
    اهـ.

    ومثله ما رواه الخلال في "السنة" بإسناده أن أبا طالب حدثهم،
    أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي:
    «من كنت مولاه فعلي مولاه»،
    ما وجهه؟ قال:«لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء».
    وقال الخلال أيضاً: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي
    - صلى الله عليه وسلم - لعلي:
    «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟
    قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» (4)
    اهـ.

    وقال البخاري في جزء "رفع اليدين":
    (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة،
    ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.

    قال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -
    حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) (5)
    اهـ.

    - الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)
    وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى
    في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته
    أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (6)
    اهـ.
    فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)،
    فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني
    المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة!!.

    وقال أيضاً في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (7)
    اهـ.
    وقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات:
    (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.


    - عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (164 هـ)
    سُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟
    فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق
    صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغراً، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع،
    فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها،

    ...
    وذكر فصلاً طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) (8)
    اهـ.

    وقيل:
    (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) (9)
    اهـ.

    فقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى، يدل على أن صفة الله
    عن السلف صفة ذات معنى.

    وأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة
    ما عليه الصفة وكيفيتها، بدليل أنه بيّن عجز العقول في
    إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير
    معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره.
    فأما الرب تبارك وتعالى فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.


    - إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (157 هـ)
    - إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (161 هـ)
    - إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (175 هـ)
    - إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (179 هـ)
    قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس،
    والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) (10)
    اهـ.

    وقال يحيى بن يحيى: (كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله
    {الرحمن على العرش استوى} طه5، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه، ثم علاه الرحضاء،
    ثم قال:
    الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب،
    والسؤال عنه بدعة،
    وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج)
    (11)
    اهـ.


    [معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم"]
    وهذا الأثر مشهور مستفيض عن الإمام مالك، لا يكاد يخلو منه كتاب
    من كتب أهل السنة في المعتقد.
    وهو صريح في أن معنى الاستواء معلوم، وأن الكيفية مجهولة.
    وأما من ظن أن معنى قول الإمام مالك "الاستواء معلوم": أي ثابت في القرآن،
    فلا شك أنه خطأ، إذ السائل لا يجهل ذلك، كيف وقد تلا الآية سائلاً عن الكيفية.

    قال أبو عبد الله القرطبي مفسراً قول الإمام مالك:
    (قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول،
    والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها.) (12)
    اهـ.

    وقال الذهبي: (أن الظاهر يعني به أمران:
    أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم،
    وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها،
    يعني أنها بينة واضحة في اللغة
    لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف،
    مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري
    لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته) (13)


    ونقل الملا علي القاري كلاماً لابن القيم في شرح منازل السائرين (14)
    يقول فيه: (يشير بذلك -أي شيخ الإسلام الأنصاري صاحب منازل السائرين-
    إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها،
    وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى إفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة،
    كما قال مالك رحمه الله وقد سئل عن قوله تعالى:
    {الرحمن على العرش استوى} طه5،
    ، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: "الاستواء معلوم،
    والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

    فرّق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر،
    وهذا الجواب من مالك رحمه الله شاف عام في جميع مسائل الصفات، من السمع،
    والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة،
    والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقل الكيف فرع العلم
    بكيفية
    الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات اهـ.

    ثم قال الملا علي القاري معلقاً: انتهى كلامه -أي ابن القيم- وتبين مرامه،
    وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف،
    فالطعن والتشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه
    مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ... ) (15)
    اهـ.

    وقال العلامة الألوسي: (هو مراد مالك وغيره من قولهم "الاستواء معلوم،
    والكيف مجهول"أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى
    المجامع للتنزيه مجهول
    ) (16)
    اهـ.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1)[طبقات الحنابلة (1/ 26)]

    (2)[
    أصول السنة للإمام أحمد (ص24 - 25) ورواها اللالكائي (1/ 156).]

    (3)[
    المرجع السابق (ص56 - 59)]

    (4)[
    السنة للخلال (1/ 347)]

    (5)[
    جزء رفع اليدين للبخاري (ص38)]

    (6)[
    سبق تخريجه حاشية 23]

    (7)[
    سبق تخريجه حاشية 24.]

    (8)[
    رواه ابن بطة في الإبانة (3/ 63) واللالكائي (3/ 502) والذهبي بإسناده من طريق الأثرم (السير 7/ 312) وعزاه شيخ الإسلام

    ابن تيمية إلى الأثرم في السنة وإبي عمرو الطلمنكي كما في مجموع الفتاوى (5/ 42 - 46) وأورده الذهبي في العلو (ص141).]

    (9)[
    السير (7/ 312).]

    (10)[
    رواه الآجري في الشريعة (ص327) وابن بطة في الإبانة (3/ 241) والدارقطني في الصفات (ص172)

    والصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص68) واللالكائي (3/ 527) وابن عبد البر في الاستذكار (2/ 513) والبيهقي في سننه (3/ 4)

    وفي الأسماء والصفات (ص569) وفي الاعتقاد (ص123) وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية للخلال في مجموع الفتاوى (5/ 39).]

    (11)[
    رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص515) وفي الاعتقاد (ص119) وابن المقرئ في معجمه (ص311)

    والصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص45) وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية لأبي الشيخ الأصبهاني في مجموع الفتاوى (5/ 40).]

    (12)[
    سبق تخريجه حاشية 93 ]

    (13)[
    العلو (ص251).]

    (14)[
    مدارج السالكين (2/ 84) ]

    (15)[
    مرقاة المفاتيح (8/ 217)]

    (16)[
    غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟)]





    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:09 AM

  9. #19

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    - وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسى (169 هـ)
    قال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعاً يقول:
    «نسلم هذه الأحاديث، ولا نقول فيها: مثل كذا،
    ولا كيف كذا؟» يعني حديث ابن مسعود:
    «ويجعل السماوات على إصبع، والجبال على إصبع»،
    و«قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث) (1) اهـ.

    وأمْرُه رحمه الله بوجوب التسليم لأحاديث الصفات دال على إيمان السلف
    بحقيقة الصفات ومعرفتهم لمعانيها، إذ كان من المعلوم أن التسليم إنما يكون
    إلى ما دلت عليه الأحاديث، وهذا هو الإيمان بحقيقتها.

    يوضحه: منعه من إيراد السؤال عن الكيفية، وعن تمثيلها بصفات المخلوقين،
    وإلا لو كان المعنى مجهولاً، لقال: ولا يقال ما كذا؟ أو ما معنى كذا؟.


    - أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)
    قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليما؟ قال: «مشافهة» (2)


    - وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة
    من الذين عاصروا صغار التابعين)

    قال في قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164،
    قال: «مشافهة مراراً» (3)

    وهذا تفسير للكلام بالمشافهة، مما يقتضى كونه معلوماً.
    وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه) (4)


    - الفضيل بن عياض (187هـ)
    قال الفضيل بن عياض: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى
    وصف نفسه فأبلغ،

    فقال {قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد} الإخلاص،
    فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه.
    وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل،
    وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع،
    فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه.
    فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) (5)
    اهـ.

    وقوله وقول السلف: "كيف شاء"، "كما شاء"، صريح في فهمهم لمعنى الصفة
    وجهلهم بكيفيتها، وإلا لم يكن لقولهم عما لا يعلمون
    معناه "كيف شاء" أو "كما شاء": معنى.


    - عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (191 هـ)
    قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث
    "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله،
    والتنزل، والملالة، والتعجب منه،
    ليس على جهة ما يكون من عباده) (6)
    اهـ.

    ففي هذا الكلام إثبات كون صفات الله تعالى معلومة المعنى، مفهومة للسلف
    ، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، ولو لم يكن بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه
    قدر مشترك من حيث أصلها، مع الاختلاف في وصفها وحقيقتها، لم يؤكد هذا المعنى.


    - الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)
    قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (7)
    اهـ.

    قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها:
    يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) (8)
    اهـ.
    وهذا يبين مراد السلف بقولهم عن الصفات "لا تُفسّر" أي: بغير ظاهرها،
    وهو حملها على المجازات ونحو ذلك، أما تفسيرها
    بما يدل عليه ظاهرها، فهو الحق،
    وهو الإمرار الذي أطبق عليه السلف في الصفات.

    - الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (204 هـ)

    قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول -وقد ذكر كثيراً من صفات الله كالوجه
    واليدين والضحك ونحو ذلك-: (فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه
    ووصفه بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية،
    فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبراً
    يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع
    وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله
    - صلى الله عليه وسلم -، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسهتعالى ذكره فقال:
    {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11) (9)
    اهـ.

    ومراده بقوله "فإن هذه المعاني" أي معاني صفات الله تعالى، فدل على أنها ألفاظ ذات معنى، ليست كالحروف المعجمة.

    وقوله بوجوب الدينونة على سماعها بحقيقتها، تأكيد لعلمهم بمعانيها،
    وما دلت عليه، ولأجل ذلك حذر من أمرين: التشبيه في الإثبات، والتعطيل في التنزيه.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1)[رواه عبد الله في السنة (1/ 267) وابن بطة في الإبانة (3/ 278) والدارقطني في الصفات (ص167)]

    (2)[
    رواه عبد الله في السنة (1/ 286) وابن أبي حاتم في التفسير (4/ 1120) وابن جرير في تفسيره (6/ 29)

    وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37)
    ].

    (3)[
    رواه عبد الله في السنة (1/ 285) وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37)].

    (4)[
    لسان العرب/مادة "شفه"].

    (5)[
    سبق تخريجه حاشية 28]

    (6)[
    التمهيد (7/ 152)]

    (7)[
    رواه ابن بطه في الإبانة (3/ 166) والدارقطني في الصفات (ص166) والصابوني في عقيدة السلف وأهل الحديث (ص68)

    واللالكائي (3/ 431) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص397) وفي الاعتقاد (ص123) ..
    ]

    (8)[
    العلو 251]

    (9)[
    سبق تخريجه حاشية 32]





    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:11 AM

  10. #20

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    - يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي (206 هـ)
    وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن
    {الرحمن على العرش استوى}
    طه5،:
    على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي) (1)
    اهـ.

    قال الذهبي: ("يَقِر" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم،
    والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي
    ليس كمثله شيء.
    وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك
    لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل
    لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصاً
    أو قياساً للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر
    وعُلم، وما أظن أن أحداً من العامةيقر في نفسه ذلك، والله أعلم) (2)
    اهـ.

    وهذا دليل على كون العامي من المسلمين يفهم معاني الصفات، بما علمه
    من اللغة العربية التي تعرف إلينا بها.

    - بشر بن عمر بن الحكم الزهراني أبو محمد البصري (207 هـ)
    قال: (سمعت غير واحد من المفسرين يقولون:{الرحمن على العرش استوى} طه5،
    قال: على العرش استوى: ارتفع)
    (3)
    اهـ.

    - الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (224 هـ)
    قال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي
    فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره،
    وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك عز وجل قدمه
    فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح،
    حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها،
    ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره)(4)
    اهـ.

    وهذا ظاهر في أن الذي جهله السلف من صفات الله تعالى هو الكيفية لا المعنى،
    إذ كان مفهوماً لديهم بما يعرفون من لغة العرب التي خوطبوا بها.

    وقول أبي عبيد: "ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا:
    لا نفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره" يوضح معنى قول السلف رحمهم الله
    عن آيات الصفات "لا تُفسّر"،
    وأن المراد بالتفسير المنهي عنه هو السؤال والبحث عن الكيفية، لا السؤال
    عن المعنى،إذ المعنى معلوم بمقتضى اللغة العربية التي أنزل الله بها كتابه
    تبياناً لكل شيء، وجعله هدىً ورحمة، وهذا أحد نوعي التفسير المنهي عنه
    في صفات الله.

    وأما الثاني فهو تفسير المعطلة والمؤولة الذين يصرفون الكلام عن ظاهره
    إلى مجازات الكلام.

    قال الذهبي معلقاً على كلام إبي عبيد: (قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ
    وغير المهم وما أبقوا ممكناً، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا
    -أي صرفها عن ظاهرها-، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغاً أو حتماً لبادروا إليه،
    فعلم قطعاً أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداءاً بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها
    -أي حقيقة
    ما هي عليه-، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة
    لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها والرسول - صلى الله عليه وسلم -
    بلّغ وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال
    {لتبين للناس ما نزل إليهم} النحل44،
    فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (5)
    اهـ.

    - عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (230 هـ)
    قال في مناظرته الشهير المعروفة بـ"الحيدة": (فقال الجهمي: أخبرني
    كيف استوى على العرش؟
    أهو كما تقول العرب "استوى فلان على السرير" فيكون السرير حوى فلاناً
    وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه،
    لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.

    باب من البيان لذلك: يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف،
    وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين
    أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى،
    لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم
    أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله)(6)
    اهـ.

    فانظر يا رعاك الله كيف بيّن الكناني رحمه الله أن الاستواء معلوم من كتاب الله،
    يجب الإيمان باتصاف الله به، وأن المجهول هو الكيف، إذ لا يُعلم كيفية الشي
    حتى يُرى أو يُرى مثيله. فلم ينكر الكناني دعوى الجهمي في إثبات الاستواء المعلوم معناه لله تعالى، والذي هو في حق المخلوق كما وصف الجهمي، وإنما أنكر ما ظن
    الجهمي أنه لازم لذلك وهو أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق.


    - الإمام الحافظ يحيى بن معين (233 هـ)
    روى ابن عبد البر بسنده عن ابن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل.
    فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. كل من لقيت من أهل السنة يصدق بحديث التنزل.
    قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه) (7)
    اهـ.

    وقال: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل.
    فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) (8)
    اهـ.

    - مصعب بن عبد الله بن مصعب أبو عبد الله الزبيرى المدنى (236 هـ)
    قال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع،
    ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره،
    ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة،
    وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟
    غير أن الله عز وجل أخبرنا أن له وجهاً، ويدين، ونفساً، وأنه سميع بصير.
    وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر) (9)
    اهـ.

    أي: أن كل اسم دل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، وفي هذا إثبات لمعاني الصفات.

    - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
    قال القاضي أبو يعلى في "إبطال التأويلات":
    (قال أحمد في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي،
    وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه) (10)
    اهـ.
    وقال أيضاً: (وقال يوسف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا
    كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.

    وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا؟
    قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب وقال: مالك ولهذا!
    امض الحديث على ما روي) (11)
    اهـ.
    وقوله عن النزول: "كيف شاء من غير وصف"، دليل على أنهم علموا المعنى
    بمقتضى اللغة، وجهلوا الكيفية ومنعوا من الخوض فيها.

    وإنكاره على تأويل النزول بالعلم وغضبه من ذلك دليل على بطلان التأويل،
    وأن المعنى ظاهر بوضع اللغة، وهو يفسر معنى إمرار الصفات على ما جاءت،
    وأنه حملها على ما دل عليه ظاهر لفظها، فإن ظاهر قوله "ينزل ربنا" نزوله بنفسه،
    لا بعلمه أو نزول أمره، ولذلك غضب منه، وأمر أن يُمر الحديث كما جاء.

    وقال الإمام أحمد: (يضحك الله تعالى، ولا يُعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول،
    وتثبيت القرآن.

    وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، قال: هو صدوق،
    وقد كتبت عنه شيئا من الرقائق، ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك،
    فقال: مثل الزرع إذا ضحك، وهذا كلام الجهمية) (12)
    اهـ.

    وإثبات الإمام أحمد صفة الضحك لله، مع نفي الكيفية يدل على أن الضحك معلوم لديه،
    وأن الكيفية مجهولة، ولذلك أنكر على من فسر الضحك بخلاف ظاهره وقال: كضحك
    الزرع، وجعل هذا كلام الجهمية، وهذا هو التفسير الذي كان ينهى عنه السلف، وهو
    تفسير اللفظ بخلاف ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، فوازن بين تفسير الجهمية هذا،
    وبين تفسير الأشاعرة لضحك الله ستجدهما سواء.

    وقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: حرب محدِّث، وأنا عنده بحديث:
    «يضع الرحمن فيها قدمه»،
    وعنده غلام، فأقبل عليَّ الغلام فقال: إن لهذا تفسيراً؟ فقال أبو عبد الله:
    انظر كما تقول الجهمية سواء) (13)
    اهـ.

    وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله: يضع قدمه؟ فقال: نمرها كما جاءت) (14)
    اهـ.

    وهذا يؤكد ما سبق ذكره من أن المراد بقول السلف في الصفات "لا تُفسر"، التفسير المخالف لظاهر اللفظوهو تفسير الجهمية والمعطلة.
    وأن قولهم "تمر كما جاءت" أي على ظاهرها المعروف في اللغة من غير تحريف لمعنى آخر.

    --------------------------------

    (1)[ رواه عبد الله في السنة (1/ 123) وابن بطة في الإبانة (3/ 164) وذكره البخاري في خلق أفعال العباد (ص18)

    وجود الألباني إسناده في مختصر العلو (ص75).
    ]

    (2)[
    العلو (ص157)]

    (3)[
    رواه اللالكائي (3/ 397)]

    (4)[
    رواه الآجري في الشريعة (ص269) الدارقطني في الصفات (ص160) واللالكائي (3/ 526)]

    (5)[
    سير أعلام النبلاء (10/ 605)]

    (6)[
    نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (2/ 343) وفي نقض التأسيس (ص16)]

    (7)[
    التمهيد (7/ 150) وابن قدامة في ذم التأويل (ص23)]

    (8)[
    سبق تخريجه حاشية 30]

    (9)[
    الحجة في بيان المحجة (1/ 392)]

    (10)[
    إبطال التأويلات (1/ 75)]

    (11)[
    المرجع السابق (1/ 260)]

    (12)[ سبق تخريجه حاشية 30]


    (13)[
    رواه ابن بطة في الإبانة (1/ 331) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (1/ 75)]

    (14)[ رواه ابن بطة في الإبانة (3/ 331) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 65)]



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:15 AM

  11. #21

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي


    الفصل الثالث
    إثبات أن الله تبارك تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع
    وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين

    اتفق أهل السنة والجماعة على ما دل عليه الكتاب والسنة
    من أن الله تبارك وتعالى موصوف بالكلام،
    وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت مسموع، لا يشبه كلام المخلوقين،
    بل كلامه لائق به سبحانه،
    وكلامه صفة له كذاته نؤمن به ونثبته ولا نعلم كيفيته،
    ولا نمثله بشيء من صفات خلقه،
    ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو السميع البصير المتكلم.
    والله تبارك وتعالى يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين،
    وقد دل على إثبات كون الله تبارك وتعالى يتكلم بحرف وصوت: الكتاب
    والسنة والإجماع واللغة.
    فمن الكتاب قوله تبارك وتعالى: {
    وكلم الله موسى تكليما} النساء164.
    وقال: {
    فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} الأعراف143. وغير ذلك من الآيات.
    والكلام لغةً لا يكون إلا بحرف وصوت.
    فلما أثبت الله لنفسه الكلام دل على أنه حرف وصوت.
    لأن الله تعالى وصف كتابه بأنه: {
    بلسان عربي مبين} الشعراء195.
    قال أبو نصر السجزي:
    (الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت بهم اللغات.
    وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة،
    وأصوات متقطعة. وقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى،
    فالاسم مثل: زيد، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد،
    والحرف الذي يجئ لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك.
    فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفاً وصوتاً)[1] اهـ.
    وقال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني:
    (وقد أجمع أهل العربية أن ما عدا الحروف والأصوات ليس بكلام حقيقة)[2] اهـ.
    وقال تعالى: {
    وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} التوبة6.
    ومعلوم أن السامع إنما يسمع حرفاً وصوتاً.
    والقرآن كلام الله تبارك وتعالى، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه سور وآي وحروف فقال:
    (
    من قرأ سورة الإخلاص ..) الحديث، (ومن قرأ آية الكرسي) الحديث،
    و(
    من قرأ حرفاً من القرآن) الحديث.
    وقد وصف الله تبارك وتعالى نفسه بالنداء فقال: {
    وإذ نادى ربك موسى} الشعراء10.
    وقال تعالى: {
    هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه} النازعات16.
    قال السجزي:
    (والنداء عند العرب صوت لا غير، ولم يرد عن الله تعالى
    ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه من الله غير صوت)[3] اهـ.
    وقال ابن منظور في اللسان: (النداء: الصوت)[4] اهـ.

    أما الأدلة من السنة:
    (1) فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
    (
    يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج
    من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف
    أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين..
    .) الحديث[5].
    (2) عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: (
    قال سمعت رسول الله
    صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة
    أو قال العباد عراة غرلاً بُهماً، قال: قلنا: وما بُهماً؟ قال: ليس معهم شيء،
    ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان،
    ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة
    حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة
    ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة،
    قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عز وجل عراة غرلاً بُهماً؟
    قال: بالحسنات والسيئات
    )[6].
    (3) وعن عبد الله رضي الله عنه قال: (
    إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع صوته
    أهل السماء فيخرون سجداً، حتى إذا فزع عن قلوبهم،
    قال سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟
    قال صلى الله عليه وسلم: الحق، قال كذا وكذا
    )[7].
    وغيرها أحاديث كثيرة رواها أهل العلم وتلقوها بالقبول غير منكرين لمعناها، ولا طاعنين في دلالتها.
    وأما أقوال الأئمة فكثيرة منها:
    ~ محمد بن كعب القرظى (120 هـ)
    قال: (قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: بما شبهت صوت ربك عز وجل
    حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع)[8] اهـ.
    ~ أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)
    قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليماً؟
    قال : مشافهة)[9] اهـ.
    ~ وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين
    عاصروا صغار التابعين)

    قال في قول الله عز وجل:
    {وكلم الله موسى تكليما} النساء164،
    قال: «مشافهة مراراً»[10].
    قلت: وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه).
    ~ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
    قال عبد الله: (سألت أبي رحمه الله عن قوم، يقولون: لما كلم الله عز وجل موسى
    لم يتكلم بصوت؟
    فقال أبي: بلى إن ربك عز وجل تكلم بصوت هذه الأحاديث نرويها كما جاءت.
    وقال أبي رحمه الله: حديث ابن مسعود رضي الله عنه
    "إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان"،
    قال أبي: وهذا الجهمية تنكره.
    وقال أبي: هؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس،
    من زعم أن الله عز وجل لم يتكلم فهو كافر،
    ألا إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت)[11] اهـ
    وقال أبو بكر الخلال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا يعقوب بن بختان قال:
    (سئل أبو عبد الله عمن زعم أن الله عز وجل لم يتكلم بصوت؟
    قال: بلى يتكلم سبحانه بصوت)[12] اهـ.
    وأخرج أبو بكر الخلال عن المروذي قال:
    (سمعت أبا عبد الله وقيل له: أن عبد الوهاب قد تكلم وقال:
    من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام،
    فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله)[13] اهـ.
    وقال أبو يعلى: (وقد نص أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصوت)[14] اهـ.
    وقال في كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" في باب بيان ما أنكرت الجهمية
    من أن يكون الله كلم موسى: (قال أحمد رضى الله عنه فلما خنقته الحجج قال:
    إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا:
    هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.
    وحديث الزهري قال:
    "لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟
    قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها،
    وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.
    قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله
    وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق
    التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله)[15] اهـ.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    [1] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص81).

    [2] الحجة في بيان المحجة (1/399).

    [3] رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص166).

    [4] لسان العرب/ مادة "ندى".

    [5] رواه البخاري (4/1767).

    [6] رواه أحمد في المسند (3/495) والبخاري في خلق أفعال العباد (ص137) وفي الأدب المفرد (رقم 970/فضل الله الصمد 2/423)

    واستشهد به في صحيحه معلقاً (6/2719) ورواه الحارث في مسنده (زوائد الهيثمي 1/188) وابن أبي عاصم في السنة (1/225)

    وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/97) والروياني في مسنده (2/315) وأبو الحسين في معجم الصحابة (2/135) والحاكم (2/475)

    وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (ص346) والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص110) وأبو ذر الهروي في فوائده (ص42)

    وابن عبد البر في التمهيد (23/232) والضياء في المختارة (9/26) وقال الحافظ في تغليق التعليق (5/356): (قال الطبراني في مسند الشاميين..)

    ثم ساقه بإسناده، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: (رواه أحمد بإسناد حسن).

    وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم 1/225).

    [7] علقه البخاري في صحيحه (6/2719) ووصله في خلق أفعال العباد (ص138) ورواه أبو داود (3/240)

    والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (1/237) والدارمي في الرد على الجهمية (ص172) وعبد الله في السنة (1/281) واللفظ له،

    وابن خزيمة في التوحيد (ص145) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص32) وابن بطة في الإبانة (1/238)

    واللالكائي (2/334) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص262). وصحح الألباني في السلسلة الصحيحة (3/282 ، رقم 1293).

    [8] رواه عبد الله في السنة (1/284) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص35) والآجري في الشريعة (ص317).

    [9] رواه ابن أبي حاتم في التفسير (4/1120) وابن جرير (6/29) وعبد الله في السنة (1/286)

    والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37) وابن بطة في الإبانة (2/317-318).

    [10] رواه ابن أبي حاتم في التفسير (4/1120) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص37) وعبد الله في السنة (1/285).

    [11] رواه عبد الله في السنة (1/280-281).

    [12] طبقات الحنابلة (1/415).

    [13] نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية (64) وفي درء التعارض (2/39) وفي الفتاوى الكبرى (5/165)

    وعزاه إلى حرب الكرماني في مسائل أحمد وإسحاق.

    [14] المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (1/303).

    [15] الرد على الجهمية والزنادقة (ص132).



    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:20 AM

  12. #22

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي




    وقال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد
    – وهو الذي يعتمد عليه الأشعريان في نقل معتقده- :

    (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم
    بالصوت والحرف)[1] اهـ.



    ~ الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري (256 هـ)

    قال: (وإن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه
    من قرب، فليس هذا لغير الله عز وجل ذكره.
    قال أبو عبد الله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق،
    لأن صوت الله جل ذكره يُسمع من بعد كما يسمع من قرب،
    وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا.
    وقال عز وجل:
    {فلا تجعلوا لله أندادا} البقرة22، فليس لصفة الله ند،
    ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين)[2] اهـ.



    ~ إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (329هـ)

    قال: (والإيمان بأن الله تبارك وتعالى هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور،
    وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره،
    فمن قال غير هذا، فقد كفر بالله العظيم)[3] اهـ.



    ~ شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)

    قال منكراً على الأشاعرة نفيهم للحرف والصوت:
    (ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف ..)[4] اهـ.



    ~ الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)

    قال في كتابه الحجة: (فصل: الدليل على أن القرآن منزل، وهو ما يقرأه القارئ خلافاً لمن يقول:
    كلام الله ليس بمنزل ولا حرف ولا صوت:
    فإن قيل: المتكلم بحرف وصوت يحتاج إلى أدوات الكلام، فقل: عدم أداة الكلام
    لا يمنع من ثبوت الكلام، كما أن عدم آلة العلم لا يمنع من ثبوت العلم.


    دليل أهل السنة:
    قوله تعالى: {حتى يسمع كلام الله} التوبة6، والمسموع إنما هو الحرف والصوت،
    لأن المعنى لا يُسمع ولا يُفهم. يقال في اللغة: سمعت الكلام وفهمت المعنى،
    فلما قال: حتى يسمع: دل على أنه حرف وصوت. ....)[5] اهـ.



    ~ الشيخ أبو البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي الشافعي اللغوي (551 هـ)

    قال أبو المعالي أسعد بن المنجا:
    (كنت يوما عند الشيخ أبي البيان رحمه الله تعالى فجاءه ابن تميم الذي يدعى الشيخ الأمين،
    فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل
    على أن القرآن بحرف وصوت، قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا،
    وسرد الشيخ الآيات والأخبار، وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟
    قلتم: قال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد، إيش هذا الأخطل نصراني خبيث
    بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم الكتاب والسنة)[6] اهـ.



    ~ أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (561 هـ)

    قال في كتابه "الغنية" في القرآن: (هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين،
    في أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان،
    حيثما رؤي ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو،
    أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يؤاكل،
    ولا يُناكح، ولا يُجاور، بل يُهجر ويُهان ...

    ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ثم قال:
    فصل:
    ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس الساكت متكلماً ناطقاً،
    وكلام الله عز وجل لا ينفك عن ذلك، فمن جحد ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته –
    ثم ساق الأدلة ثم قال: وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله عز وجل صوت لا كصوت الآدميين،
    كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته.
    وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب
    رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه،
    والله حسيب كل مبتدع ضال مضل ...)[7] اهـ.



    ~ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (600 هـ)

    (ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة: عين كلام الله عز وجل لاحكاية ولا عبارة .....
    ومن أنكر أن يكون حروفاً فقد كابر العيان وأتى بالبهتان. وروى الترمذي من طريق
    عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

    (
    من قرأ حرفاً من كتاب الله عز وجل فله عشر حسنات)
    ... ثم ساق الأدلة إلى أن قال
    : (وقول القائل: بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج: باطل ومحال. قال الله عز وجل:

    {
    يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} ق30.
    وكذلك قوله تعالى إخباراً عن السماء والأرض أنهما قالتا: {أتينا طائعين} فصلت11.
    فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات)[8] اهـ.


    ~ الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (795 هـ)

    قال في رده على من أنكر على الحافظ عبد الغني المقدسي إثباته الصوت لله تعالى،
    وأن هذا مخالف لمعتقد الإمام أحمد: (وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذي ينتمي إليه الحافظ،
    فمن أعجب العجب، وكلامه -أي الإمام أحمد- في إثبات الصوت كثير جداً...
    -ثم ذكر الآثار عن الإمام أحمد-)[9] اهـ.
    ومع هذه النصوص الصريحة من هؤلاء الأئمة، فإنه لم يُنقل عن أحد من السلف أنه قال:
    إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف،
    كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذى سمعه موسى قديم، ولا أن ذلك النداء قديم،
    ولا قال أحد منهم: أن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذى تكلم الله به،
    بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذى يتكلم الله به وبين أصوات العباد.


    ~ الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (792 هـ)

    ذكر افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال فقال:
    (وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو متكلم به بصوت يُسمع،
    وإن نوع الكلام قديم وإن لم تكن صورة المعين قديماً، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة.)[10] اهـ.
    وقد نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر[11] بحرفه، ولم يتعقبه بشيء.




    فرع: في تقرير أن الله تعالى يتكلم متى شاء
    وأن كلامه يسمع من ذاته تعالى، من كلام أبي الحسن الأشعري

    قال في الإبانة في الباب الرابع "الكلام في أن القرآن كلام الله غير مخلوق":
    (دليل آخر: وقد قال الله عز وجل:
    {وكلم الله موسى تكليما} النساء164،
    والتكليم هو المشافهة بالكلام)[12] اهـ.
    قال الجوهري: (المشافهة: المخاطبة من فيك إلى فيه).
    وهذا ظاهر في أن أبا الحسن الأشعري يثبت أن الله تعالى شافه موسى عليه السلام،
    فخاطبه تعالى من ذاته، وأن موسى سمع كلام الله تعالى حينئذ، ولا يكون هذا إلا إذا حرفاً وصوتاً مسموعاً.



    فرع في تقرير أن الله يتكلم بحرف وصوت من كلام الحارث المحاسبي
    أبو عبدالله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي (243 هـ)
    قال الكلاباذي في الباب العاشر "اختلافهم في الكلام ما هو؟":
    (وقالت طائفة منهم: كلام الله حرف وصوت، وزعموا أنه لا يُعرف كلامه إلا ذلك،
    مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق،
    وهذا قول حارث المحاسبي، ومن المتأخرين ابن سالم)[13] اهـ.
    وهذا القول هو الذي رجع إليه في آخر حياته، بعد أن هجره الإمام أحمد
    وحذر منه بسبب دخوله في الكلام، ومشيه على طريقة ابن كلاب.


    ---------------------

    [1] طبقات الحنابلة (2/296).

    [2] خلق أفعال العباد (ص137).

    [3] شرح السنة (ص90).

    [4] ذم الكلام وأهله (5/136).

    [5] الحجة في بيان المحجة (2/479).

    [6] أورده الذهبي في العلو (ص260).

    [7] نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص352-356).

    [8] عقائد أئمة السلف (98-104).

    [9] الذيل على طبقات الحنابلة (2/24).

    [10] شرح العقيدة الطحاوية (1/؟؟؟).

    [11] شرح الفقه الأكبر (ص83-84).

    [12] الإبانة للأشعري (ص77).

    [13] التعرف لمذهب أهل التصوف (ص53).

    التعديل الأخير تم بواسطة اسوتي النبي ; 14-11-2015 الساعة 03:30 AM

صفحة 2 من 8 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. خطبة صلاة الكسوف لفضيلة الشيخ د. فيصل الغزاوي من المسجد الحرام
    بواسطة مطلبي الفردوس الاعلى في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-05-2013, 07:57 PM
  2. متن أصول السنة (2) لفضيلة الشيخ الدكتور : محمد حسان 1 2 2013
    بواسطة رها في المنتدى منتـدى السنـة النبويــة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 10-02-2013, 08:28 PM
  3. || سلسلة الرد على منكرى السنة || لفضيلة الشيخ / مازن السرساوي
    بواسطة * أم عبيدة * في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-05-2012, 02:57 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •