K

جديد المنتدي

النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Feb 2015
    المشاركات
    1,513
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي من ردود الشيخ دمشقية على الاحباش في التوحيد

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى اله وصحبه واتباعه




    الشرك باسم التوحيد


    يدسون السم في الدسم

    احذر الذين يضعون السم في الدسم : يسمون الشرك والاستغاثة بغير الله توسلا ، قد بدلوا اللغة كما بدلوا الشريعة . يستعملون ألفاظاً شرعية ويجعلونها طعما ، ويختارون لها معاني غير شرعية لتقريب شركهم إلى العوام ، فيستسيغونها ويألفونها ولا ينفرون منها ، وهم يرجون أن لا يكشف الناس هذه الحقيقة وهذا التلبيس فسحقاً لمن ورث اليهود في تلبيس الحق بالباطل .

    لذا كان من الواجب الاعتناء بالألفاظ الشرعية ومعرفة معانيها وما أراد الشارع منها لكل من يجاهد هؤلاء بل لكل مسلم ، وذلك حتى لا تختلط المفاهيم ويتمكن المبطلون من التلبيس ، الذين ضيقوا معنى العبادة حتى صار مفهومها قاصراً على السجود ، وأفرغوا من معانيها : الدعاء والاستغاثة والنذر والذبح.

    وهم وإن زعموا أن استغاثتهم توسلا فليس بأمانيهم : إذ تبديل الألفاظ لا يغير من الحقيقة شيئا فإن العبرة بالحقائق لا بالتسميات ، كما أن الحقائق تتغير بتغير أسمائها ، فالحكم يدور مع الحقيقة وجوداً وعدماً .

    إنهم يتعلقون بالأسماء ويغيرون حقائق النصوص ، قد خالفوا المشركين في التسمية ووافقوهم في الحقيقة ، كما عبد المشركون الأوائل من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وقالوا:
    {
    هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ }
    [يونس 18]،
    فسموا شركهم (شفاعة) ولم يرتض الله هذه التسمية بل سماها شركاً . ثم جاء بعدهم من لم يعرف حقيقة جاهليتهم ، فنحا نحوهم وسمى- مثلهم- الشرك توسلاً وشفاعة .



    الاستغاثة غير التوسل


    الاستغاثة ليست بمعنى التوسل لما يلي:

    1) أن السلف ما فهموا التوسل والاستغاثة بمعنى واحد . ولو فهموا ما فهمه السبكي وغيره لاستغاثوا لكنهم لم يفعلوا .
    2) أن السلف تركوا التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد موته بالإجماع كما في قصة القحط عن عمر حيث قال " اللهم كنا إذا أجدبنا سألناك بنبيك " (
    رواه البخاري في كتاب الاستسقاء) . فإذا تركوا التوسل به بعد موته صلى الله عليه وسلم فكيف يعقل أن يستغيثوا به بعد موته ؟

    3) الاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة ، وهو مستعمل لمعنى الطلب من المستغاث به لا بمعنى التوسل .
    وإذا طلب العبد من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك بالله في عبادته ، والشرك محبط للعمل ، قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
    { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
    [الزمر 65]
    وبما أن الله خاطب بذلك سيد الخلق وأعظم الموحدين . فنحن أولى أن نخاف ونحذر من الوقوع في الشرك كل الحذر حتى لا يخدعنا الشيطان ويوحي إلينا أننا ما دمنا مسلمين نقر بالشهادتين فلن نقع في الشرك .
    تنبيه على تناقض الأحباش
    يتساءل الأحباش : كيف تتهمون من يقول لا إله إلا الله بالشرك لدعائه غير الله ؟ وجوابنا مستفاد مما يقولونه هم دائما أن " من قال لا إله إلا الله وهو يعتقد أن الله في السماء فإن هذه الشهادة لا تنفعه وهو كافر لأن الشهادة تنفع مع الاعتقاد الصحيح ، أما من تلفظ بها بلسانه وعقيدته فاسدة فإنها لا تنفعه "
    (
    مجالس الهدى لنبيل الشريف: (شريط 2ب الوجه الأول)).

    وهذا ما نقوله لهم : إن من دعا من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه فإنه مخالف بعقيدته ما يتلفظ به لسانه .
    وكيف يكفر من وافق قول القرآن:
    { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء }؟
    [الملك 16]
    ووافق شهادة النبي صلى الله عليه وسلم للجارية بالإيمان لقولها أن الله في السماء ؟ فإن كان الكتاب والسنة غير كافيين لكم فعليكم بما قاله شيخكم ابن فورك الأشعري " اعلم أنه ليس ينكر قول من قال : إن الله في السماء ؟ لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به ، وهو قوله { ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } ومعنى ذلك أنه فوق السماء" (
    مشكل الحديث وبيانه 392 ط: دار عالم الكتب).

    4) لو كانت الاستغاثة بمعنى التوسل لصار معنى { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } أي تتوسلون بربكم ؟ إلى من؟ ولصار معنى قوله تعالى { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } أي فتوسل به الذي من شيعته على الذي من عدوه ! توسل به إلى من ؟

    5) الاستغاثة بالله طلبٌ منه لا طلبٌ به . والمستغيث بالشيء طالب منه سائل له . والمستغاث هو المسئول منه لا المسئول به.
    ومن المعلوم أن المتوسل به لا يدعى ولا يسأل ولا يطلب منه ، وإنما يطلب به لا منه . وهذا التفريق بين المدعو وبين المدعو به ضروري لا يعرفه عامة الناس وبالتالي لا يتفطنون لهذا المكر الحبشي بهم .

    6) أنك قد تجد في إحدى الروايات عن أحمد جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صحت ، أما أن تجد أحداً من الأئمة المعتبرين يجيز الاستغاثة بغير الله فهذا مستحيل .
    ولهذا حكى ابن حجر الهيتمي إجماع الحنابلة على أن من يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً (
    الإعلام بقواطع الإسلام 95 وانظر هذه الفتوى في كتاب الحنابلة: الفروع 6/165 الإنصاف للمرداوي 10/327 غاية المنتهى للمرعي 3/355 الإقناع وشرحه 4/100).
    ولم يعترض الهيتمي على هذا الإجماع بل أقره وأورده مستحسنا له ، بينما أجاز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حاشيته على إيضاح المناسك للنووي .
    • وحكى الحافظ ابن رجب عن أحمد أنه كان يدعو فيقول " اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك " (
    جامع العلوم والحكم 283).

    مفاجأة من السبكي
    7) أن تعلقهم بالسبكي على أن " التوسل والاستغاثة بمعنى واحد" مع تجاهل القرآن
    { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }
    [الجن 18]
    والحديث "إذا سألت فاسأل الله " ليس من صفات المسلم. ولقد كان السبكي يقصد بـ ( الاستغاثة بالنبي ) : الاستغاثة إلى الله بالنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال " اعلم أنه يجوز التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه " . ثم استدل على ذلك بحديث "يا رب أسألك بحق محمد" (
    شفاء السقام في زيارة خير الأنام 160-161 دار الآفاق. والحديث موضوع كما في تعقيب الذهبي على مستدرك الحكم 2/615) .
    ثم قال " ولسنا في ذلك سائلين غير الله تعالى ولا داعين إلا إياه ، فالمسئول في هذه الدعوات كلها هو الله وحده لا شريك له ، والمسئول به مختلف ، ولم يوجب ذلك إشراكاً ولا سؤال غير الله ، كذلك السؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس سؤالاً للنبي صلى الله عليه وسلم بل سؤال لله به ". وضرب لذلك مثلا أن تقول " استغثت الله بالنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول : سألت الله بالنبي صلى الله عليه وسلم " (شفاء السقام ص 174 و176).
    وهذا يفيد : أن سؤال غير الله شرك عند السبكي . وأن الاستغاثة بالنبي معناها عنده : الاستغاثة بالله بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه عادة يختصر العبارة ويقول : ( الاستغاثة بالنبي ) . ولذلك قال " وقد يحذف المفعول به ( أي الله المستغاث ) ويقال : استغثت بالنبي صلى الله عليه وسلم " (شفاء السقام 176).
    على أن هذا خطأ من السبكي أدى إلى استغلاله فيما بعد .
    • بل قال السبكي في قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }: " إن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله " وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص (
    فتاوى السبكي 1/13 طبقات السبكي 10/304).
    ونحن مع اختلافنا مع السبكي في استخدام عبارة " استغثت بالنبي " وحول التوسل ، إلا أننا نتفق معه على عدم جواز سؤال غير الله . وبهذا ينكشف تلبيس الأحباش وتحريفهم للنصوص .
    وهذا السبكي الابن ينقل عن القماح شعراً يقول فيه (
    طبقات السبكي 9/92 محققة) :
    فاضرع إلى الله الكريم ولا تسل بشراً فليس سواه كاشـف الضر

    مفاجأة من عند أبي حنيفة
    8) ونقلب السحر على الساحر فنقول : إن كان التوسل والاستغاثة بمعنى واحد فحينئذ نقرر لكم أن أبا حنيفة نهى عن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ونلبس عليكم ما تلبسون .
    فإن قلتم : أين صرح بهذا ؟ قلنا : ألم ينه أبو حنيفة عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ورواه عامة الأحناف عنه ؟
    فإذا زعم الأحباش أن التوسل مجمع عليه قبل ابن تيمية فنقول لهم هذا كذب فأبو حنيفة يمنعه.
    قال المرتضى الزبيدي " وقد كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل : أسألك بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، إذ ليس لأحد على الله حق " (إتحاف السادة المتقين 2/285
    هو ما جاء عند البلدجي في شرح المختارة . والقدوري في شرح الكرخي ، ونصه: " لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به ، والدعاء المأذون فيه ، المأمور به : هو ما استفيد من قوله تعالى:
    { وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ } (الأعراف 180)"،
    وقال أيضا " وأكره أن يقول : بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك " (
    الفتاوى الهندية 5/280 الفقه الأكبر بشرح ملا علي قاري 110).
    وقد نقل الحبشي كلام أبي حنيفة وقول أصحابه كابي يوسف " لا يدعى الله بغيره " وقد ذكرها الحبشي عنه ولم يشك في نسبتها إليه وإنما زعم أن قوله لا حجة فيه (صريح البيان 68 – 69 و162 – 163 من الطبعة الجديدة المجلدة).
    فإذا خلطنا التوسل بالاستغاثة حملنا نهي أبي حنيفة عن التوسل على معنى الاستغاثة . وهذا اللائق بمن لا يفرق بين النوعين تمويها وغشاً للناس .
    ولئن كنا بذلك نفاةً للتوسل ، صفوا بذلك عمر بن الخطاب لقوله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: " اللهم كنا نتوسل بنبيك " ثم صفوا بذلك أبا حنيفة ثانياً .
    فلسنا نفاة كل توسل إذ ليس كل توسل حراماً ، كالتوسل بدعاء الرجل الصالح لا بذاته .
    ولسنا نفاة كل استغاثة ، فالاستغاثة بالحاضر الحي جائزة . مثالها استغاثة الناس بآدم يوم الموقف .
    ولسنا ضد كل أنواع التبرك فإن السلف الذين كانوا يتبركون به صلى الله عليه وسلم وهو حي : قد تركوا التبرك به بعد موته ولم يتبرك بعضهم ببعض .
    نعم ، لقد استغاث الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ولكنهم لم يكونوا يستغيثونه إلا أمامه وهو حي ويطلبون منه أن يدعو الله لهم لنزول المطر كما في كتاب الاستسقاء عند البخاري ، وعلى المخالف أن يثبت ولو حادثة واحدة تناقض ذلك . فيلزمه إن كان أشعرياً أن لا يأتي من الأخبار في العقائد إلا بما كان متواتراً ، فإن عجز عن الإتيان بدليل صحيح يثبت به الاستغاثة به وهو حي غائب ، فهو أعجز عن الإتيان بدليل على الاستغاثة به بعد موته .




    من كتاب [موسوعة أهل السنة والجماعة ونقد فرقة الأحباش]
    للشيخ عبد الرحمن دمشقية رحمه الله
    التعديل الأخير تم بواسطة معتزجمعة ; 23-03-2015 الساعة 11:42 AM سبب آخر: تحرير النص وضع الهوامش وترقيم الآيات بارككم الله
    اكثروا قراءة الاخلاص وسبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء ما خلق سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء سبحان الله عدد ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه،سبحان الله عدد كل شيء سبحان الله ملء كل شيء الحمد لله مثل ذلك وسبحان الله وبحمده عددخلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته واكثروا الصلاة على النبي

  2. #2
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي من إضافات العضو/ عبد الله الأحد (بارك الله فيه)

    لا إله إلا هو: لا غياث إلا هو

    ـ قال البيهقي: « ومن أسمائه الغياث ومعناه: المُدرِكُ عبادَه في الشدائد. قال r في حديث الاستسقاء « اللهم أغثنا واللهم أغثنا » [الأسماء والصفات 88 ليس هناك دليل يعتمد عليه في كون الغياث اسماً من أسماء الله، وهناك فرق بين إطلاقه على الله خبراً وبين أن يكون اسماً، لأن أسماء الله توقيفية]. فأنتم تتوجهون بالاستغاثة إلى من كان يستغيث الله وحده. فكيف يكون من بين المستغيثين من يكون غياثاً للمستغيثين في آن واحد.
    والله وحده غياث المستغيثين مطلقاً لا يستثنى من ذلك نبي ولا ولي. قال القرطبي عند شرح اسم الله (غياث المستغيثين): « يجب على كل مكلف أن يعلم أنه لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله » [
    الأسنى شرح أسماء الله الحسنى 1/287 ط: الصحابة بطنطا].
    فهل الله عندكم وحده غياث المستغيثين مطلقاً؟ أم أن هناك غياثاً آخر للمستغيثين يستحق أن يشارك الله في هذا الاسم؟
    أليس الله بكاف عبده؟
    دعاء غير الله قبيح عند الزبيدي
    قال الزبيدي: « وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى: ]
    أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [ [الزمر 36].
    أضاف « ليعلم العارف أن المستحق لأن يُلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويُعوّل عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها ... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره » [
    إتحاف السادة المتقين 9/498 وانظر 5/119].
    وذكر أن إبراهيم الخواص قرأ قوله تعالى: ]
    وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت [ [الفرقان 58] ثم قال: « ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله » [إحياء علوم الدين 4/244 إتحاف السادة المتقين 9/389].
    فالاستغاثة بغير الله استغناء عن الله بغيره وسوء ظن به، وادعاء بأنه غير كاف لدعاء عباده، ولو كان عندكم كافياً لما لجأتم إلى غيره ]
    فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ [الصافات 87].
    كلمات ذهبيّة للجيلاني

    ـ قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: « يا من يشكو الخلق مصائبه، ايش ينفعك شكواك إلى الخلق لا ينفعونك ولا يضرونك وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق عز وجل يبعدونك، وفي سخطه يوقعونك ... أنت يا جاهل تدعي العلم، تطلب الخلاص من الشدائد بشكواك الخلق .. ويلك أما تستحيي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره ».
    ـ وقال « لا تدعو مع الله أحداً كما قال ] فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [ [الجن 18].
    ـ وقال لولده عند مرض موته « لا تخف أحداً ولا ترجه، وأوكل الحوائج كلها إلى الله، واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل، ولا يعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد، وجماع الكل التوحيد » [الفتح الرباني والفيض الرحماني 117 – 118 و159 184 و373].
    واستغاثة العبد الضعيف بعبد ضعيف مثله كاستغاثة الغريق بغريق مثله. ومن الأقوال المنقولة عن الشيخ أحمد الرفاعي « أنّ أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال « أتستغيث بغيري وأنا الغياث »؟ [حالة أهل الحقيقة مع الله 92] غير أنكم سويتم الرفاعي برب العالمين ووصفتموه بأنه غوث الثقلين. يستغيث به الجن والإنس بل حتى النعجة التي ينقض عليها الذئب تصيح: خلصني يا سيدي أحمد. وقد كذبوا عليك أيتها النعجة بينما أنتِ على ملة هدهد سليمان.
    والله تعالى هو الغياث ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ [ [الأنفال 9]. فجعلتم الرفاعي شريكاً معه في ذلك.
    والله ] يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ [الرحمن 29] فجعلتم الرفاعي شريكاً له في هذه الآية وغوث الثقلين يسأله الجن والإنس في السماء والأرض، فكيف يكون غضب الله عليكم؟
    وإذا كان الاستغاثة بمحمد صلى الله عليه وسلم جائزة فلماذا نوبخ النصارى الذين يستغيثون بالمسيح؟ أليس هذا إقراراً منكم بجواز قول النصارى يا مسيح؟ وجواز قول الشيعة « يا حسين » « يا صاحب الزمان »؟
    ونحن نحتج عليكم بما تحتجون به على النصارى إذ تقولون: أين قال المسيح اعبدوني مع الله؟ ونحن نقول لكم: أين قال محمد صلى الله عليه وسلم ادعوني مع الله؟ لا فرق بين « يا محمد يا بدوي يا عبد القادر يا رفاعي » وبين « يا مسيح » « يا حسين ». قال تعالى: ] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ [الأحقاف 5] وقال: ] يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [ [الحج 12].
    وهل يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم سماع أدعية الآلاف في وقت واحد؟ فلو قُدِّر أن هناك ألفاً في مصر يسألونه صلى الله عليه وسلم وألفاً في إندونيسيا وألفاً في الصين، كلهم يستغيثون به: فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتم؟
    إن قلتم نعم فقد زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُشغِلُه سمعٌ عن سمع وأضفتم إليه العلم المطلق. وجعلتموه شريكاً مع الله في قوله: ] مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُم [ [المجادلة 7] وجعلتم كل مقبور مستحقاً صفات: سميع، بصير، مجيب، كاشف.
    ـ إن النبي الذي تدعونه مع الله لجلب النفع ودفع الضر كان هو يتوجه إلى الله وحده لذلك. هو يتوجه إلى الله وأنتم تتوجهون إليه؟ ما وافقتم من تزعمون محبته. وهو الذي أمره الله أن يقول: ] قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [ [الجن 20].
    وإذا كان الذي يدعونه من دون الله لا يسمع من دعاه عن بُعد حين كان حياً: فكيف يقبل من عنده عقل الاعتقاد أن النبي أو الصالح يسمع من يناديه ولو من بعيد، وتصير حواسه بعد موته ترصد وتسمع كل من يدعوه بعد موته ولو كان في أمريكا؟ قال تعالى: ] وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ [ [النمل 24].
    ويوم أن يحال بينه صلى الله عليه وسلم وبين أناس عند الحوض يقول: « أصحابي أصحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (متفق عليه).
    فيدل على أنه لم يكن على علم بتفاصيل ما يجري لأمته.
    وهذا عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة: ] مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ [المائدة 117].
    فما بال أناس يعتقدون أنه صلى الله عليه وسلم يسمع مناديه في المشرق والمغرب؟ هل فسد دين المسلمين إلا بمخلفات التعصب والتقليد والعمى وهل مكّن الله للكفار إلا لأن عقائد المسلمين صارت تشتمل على أشياء مما عندهم ] يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْل [ [التوبة 30].
    ...
    حتى الاستعاذة بغير الله جائزة عنده

    والحبشي لا يفتي فقط بجواز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه يجيز الاستعاذة به مع الله، فقال: « وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً » واستدل بحديث الحارث بن حسان « أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد » [الدليل القويم 173 صريح البيان 57-58 المقالات السنية 46 أو صفحة (156) ط: جديدة، الدر المفيد في دروس الفقه والتوحيد 194 بغية الطالب 8].
    وهذه ستناقش بتفاصيلها بعد قليل ولكن يهمنا هنا بيان أن هذا الرجل قد تفرّد عن باقي المنحرفين بجواز الاستعاذة بغير الله وهذا ما لم أسمعه من غيره.
    بل حتى الشعراني على ضلالاته فإنه قد صرح بأن الله لم يأذن لأحد أن يستعيذ بغيره.
    قال الشعراني ما نصه: « ولو أن أحداً من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمَرَنا الله أن نستعيذ بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر، ولكن عَلِمَ الله عجز الخلق عن ردّ كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل » [لطائف المنن والأخلاق 583 في التحدث بنعمة الله على الإطلاق].

    القرآن يحكم بيننا

    مناقشة قرآنية حول الاستغاثة بغير الله
    القرآن مليء بالآيات الناهية عن دعاء غير الله، فلنذكر جملة من هذه الآيات حيث أن الله تعالى أمرنا بالرد إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم عند التنازع فقال: ] فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [ [النساء 59]. والقرآن ما ترك شيئاً إلا بيّنه كما قال تعالى: ] مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ [ [الأنعام 38].
    الآية الأولى: قوله تعالى: ] وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [ [الجن 18]، ما أوضح هذه الآية لطالب الحق، وهل بعدها مبرر للنزاع والجدل؟
    فقوله: ] أَحَدًا [ نكرة في سياق النهي تعم كل مدعو من دون الله. والمسجد ليس مكاناً للسجود فقط وإنما للدعاء أيضاً، فالصلاة التي تتضمن السجود تتضمن أكثر منه: وهو الدعاء، فهل يجيز أحد أن يُدعا غيرُ الله في الصلاة؟ فما الذي يجعل دعاء غير الله داخل الصلاة محرماً وخارجها جائزاً؟
    ـ وأي مضادة لله أعظم: من أن يقول الله: ] فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [ فيقول الحبشي: بل ادعوا مع الله أحداً: ادعوا البدوي والدسوقي والرفاعي!
    وأي مخالفة أعظم من أن يقول الله: ] إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لكم [ [فاطر 14]، فيخالف الحبشي ربه ويقول: إن تدعوهم يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا استجابوا لكم بل خرجوا من قبورهم لقضاء حوائجكم ولو من مكان بعيد. ويقول الله: ] وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [ [الأحقاف 5]، فيقول الحبشي: القائل بأنهم غافلون طعن بهم.

    قصّة الصّالحين مبتدأ عبادة الأصنام

    ـ قال الحافظ « وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك ». وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته [فتح الباري 8: 668 – 669].
    ومن لم يعِ هذه الحقيقة لم يفهم الشرك الذي كان عليه المشركون.
    الآية الثانية: قوله تعالى: ] وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [ [نوح 23] قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما ماتوا بنَوْا لهم الصور والتماثيل [فأصل الفتن فتنة القبور، يفتن الشيطان بها الناس ويوحي إليهم أن المنكرين عليهم منتقصون لمقامات الصالحين].
    ـ روى ابن جرير « حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى بن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسراُ كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صَوّرنا صُوَرهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة، فصوّروهم: فلمّا ماتوا، وجاء آخرون: دبّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبِهِم يُسقَوْن المطر، فعبدوهم » وذكر مثله ابن الجوزي [تفسير الطبري مجلد 12 ج29 ص 62 زاد المسير 8/373 – 374].
    الآية الثالثة: ] أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى [ [النجم 19] عن مجاهد قال: كان رجل صالح يلتُ السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره [تفسير القرطبي 17/66 تفسير الطبري مجلد 11 ج27 ص35 وانظر البخاري رقم (4859)] وأما مناة فكانت أكمة يذبحون لآلهتهم عندها يرجون بركتها. فلما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام.
    ـ فهؤلاء المشركون الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من يعبد الأصنام المصورة على صور الصالحين: وُدّ وسواع ويغوث فيستسقون بها. ولا يزال كثيرون يجهلون أن أصنام مشركي الأمس ما هي إلا رموز تذكارية للصالحين، وأنهم ما عبدوا أصناماً لمجرد حبهم للحجر والحديد وإنما عبدوا الصالحين الذين صُوِّرَت الأصنام بصورهم.
    الآية الرابعة: قوله تعالى: ] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [ [الأحقاف 5] فحكم على من دعا غيره بغاية الضلال، ولم يستثن من الضلالة من يدعون الأنبياء والأولياء، وأن هذا المدعو لا يستجيب له، بل هو غافل عن دعائه.
    الآية الخامسة: قوله تعالى: ] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُم [ [يونس 28]، فيقف العابدون والمعبودون ] فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُم [، أي فرقنا بينهم ] وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ [، ما كانت عبادتكم لنا ] فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ [ [يونس 29]، كنا موتى لا نسمع ولا نعلم بعبادتكم لنا كما قال تعالى: ] وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [ [فاطر 14]، وقوله: ] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّا ، كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [ [مريم 81]. وقوله: ] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [ [الأحقاف 5].
    ] هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [ [يونس 30] أي عاينت وتحققت أن هذا العمل كان في حقيقته شركاً ظنوه استشفاعاً مشروعاً وإذا بهؤلاء المعبودين يتبرأون من عابديهم ويحلفون أنهم كانوا غافلين عما كانوا يشركونهم به مع الله، فهذا موقف عظيم يحشر الله فيه الذين كانوا يدعون الصالحين الذين كانوا أمواتاً غافلين عما كان يحدث عند قبورهم من طواف واستغاثة.
    الآية السادسة: قوله تعالى: ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [ [سبأ 40]، فيقولون: ] تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [ [القصص 63]. وفي آية أخرى: ] قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [ [سبأ 41].
    فهذا مآل دعوتهم: لم يكونوا يدعون الجيلاني في حقيقة الأمر ولا البدوي ولا الدسوقي ولا يغوث ويعوق ونسراً: بل كانوا يدعون الشيطان ] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطَاناً مَرِيدًا [ [النساء 117]. وفي النهاية يتضح لهم الأمر فيندمون ويقولون: ] بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا [ [غافر 74]. تلك حقيقة يتعامى عنها مشركو اليوم الذين يروجون للتوجه إلى الأنبياء والصالحين بالدعاء، إنهم يدعون الناس إلى عبادة الشيطان والجن.
    الله ينفي استجابة الميت والحبشي يخالفه

    الآية السابعة: قوله تعالى: ] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ [الأعراف 194]، والنبي صلى الله عليه وسلم عبد مثلنا: ] قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ [فصلت 6]. فالنهي عام عن دعاء جميع العباد وتخصيص الدعاء بالمعبود وحده.
    الله تعالى يتحدى الذين تدعونهم من دونه أن يستجيبوا. والحبشي يقول: بل يستجيبون، فيخرجون من قبورهم ويغيثون الملهوف ثم يعودون إلى قبورهم.
    وهذا نص واضح في أنّ المشركين كانوا يدعون بشراً لا أصناماً. ولك أن تتأمل وصف الله للمدعوين هنا بأنهم « عباد » لله مثل الذين يدعونهم. مما يدل على أن المراد بذلك الصالحين الذين نُحِتَتْ الأصنام على صُوَرِهم، فإن الأصنام لا توصف بأنها عباد لله. ولا يقال إن الأصنام مثل البشر! ومعنى الآية « أنتم عباد وهم عباد أمثالكم: فكيف يتوجه العباد بالدعاء إلى العباد؟»
    الآية الثامنة: قوله تعالى: ] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [ [الحج 73]. فالأصنام والقبور تشترك في صفات الضعف: فكلها لا تقدر على خلق ذبابة ولا على استعادة ما يسلبه الذباب منها.
    ] قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَات [ [الأحقاف 4].
    ] هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [ [لقمان 11].
    ] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا [ [الفرقان 3]، ] لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا [ [العنكبوت 17].
    ] أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَات [ [الأحقاف 4]. ] مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [ [فاطر 13]. ] لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [ [الأعراف 197]. ] فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً [ [الإسراء 56]. وهذا كله شامل للأصنام والقبور. بل وللأنبياء.
    قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ] وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ [الممتحنة 4]. وأمر الله نبينا أن يقول: ] قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدًا [ [الجن 21]. وقال له: ] وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [ [المائدة 41].
    الآية التاسعة: قوله تعالى: ] وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [ [النحل 20] هل تتحدث الآية عن بعث الأصنام إلى الحياة بعد الموت؟ لا يمكن ذلك.
    ـ لأن (الذين) من الأسماء الموصولة والأسماء الموصولة من صيغ العموم عند الأصوليين والنحويين، فهي عامة في كل من دُعِيَ من دون الله. وهي لا يُخبَر بها إلا عن العقلاء، ولو كان المراد بها الأصنام والحجارة لكان حق الكلام أن يقال (والتي تدعونها من دونه ما تملك من قطمير. إن تدعوها لا تسمع دعاءكم ولو سمعت ما استجابت لكم).
    والأصنام لا يحل بها موت ولا بعث لأنها خارجة عن قانون الحياة والموت والبعث، ولأن الشعور يستعمل فيمن يعقل لا في الأحجار.
    ـ ولأن (أموات غير أحياء) لا يصح إضافتها إلى الأحجار التي صنع منها الصنم، إذ هي جمادٌ لا يصح وصفه بالحياة ولا بالموت. فلم يبق إلا أن الكلام متعلق بالصالحين الذي نُحِتَتِ الأصنام على صُورهم.



    اتفقنا أنهم لا يخلقون واختلافنا هل يملكون


    ومن تلبيسات الأحباش قولهم « عقيدة أهل السنة أن محمداً لا يخلق نفعاً » لكنهم يعتقدون أن الأنبياء والأولياء يملكون في قبورهم نفعاً ويدفعون ضراً بإذن الله، ويلبّسون الأمر على الناس فيظن العامّي أنهم موحدون ما داموا يعتقدون أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخلق النفع.
    ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الموحدين حيث قال له « ما شاء الله وشئت » « أجعلتني لله نداً؟» وقال لمجموعة من الموحدين من الصحابة حين قالوا له « اجعل لنا ذات أنواط »: « قلتم كما قال بنوا إسرائيل لموسى ] اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [ [الأعراف 138]؟ وقال لمن حلف بغير الله « من حلف بغير الله فقد أشرك ».


    المشركون لا يعتقدون استقلال معبوداتهم


    وحرفوا المصطلحات الشرعية فزعموا أنهم ما داموا لا يعتقدون استقلال الأنبياء والأولياء بالنفع والضر فهم غير مشركين. فيقال لهم: قد وافقكم أبو جهل على أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لا تخلق نفعاً ولا ضراً ، إذ كان يراها مملوكة لله، كما كانوا يقولون في الحج: « لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك » [رواه مسلم حديث رقم (1185)]. مما يؤكد أنهم لك يكنوا يعتقدون استقلال شركائهم مع الله بالنفع والضر.
    ولقد استفتح أبو جهل يوم بدر بالرب دون اللات والعزى وهُبَل فقال « اللهم أقَطَعنا الرحم، وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة » فكان ذلك استفتاحاً منه، فنزلت ] إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْح [ [الأنفال 18] [أخرجه أحمد 5/331 وابن جرير 9/ والحاكم 2/82 وصححه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في الدر المنثور 3/175].
    فتعريفاتكم ليست بأمانيكم ولا منجية لكم عند الله. فقد قامت عليكم الحجة بقول النبي صلى الله عليه وسلم « الدّعاء هو العبادة » [أخرجه أحمد في المسند 4/267 والترمذي 5/374 والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1/490 وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح (1/49) وحسنه السخاوي في الفتوحات الربانية 7/191]، فمخالفتكم للتعريف النبوي مردود عليكم. فإنه إذا عُرف التفسير من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة.
    الآية العاشرة: قوله تعالى: ] فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ [البقرة 22]، قال الطبري: « كانت العرب تقرّ بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك به في عبادته » [تفسير الطبري 1/128].
    فمجرّد اعتقاد أن غير الله لا يخلق نفعاً لا يبرّئ من الشرك بل لا بد من إخلاص التوحيد وذلك بأن يكون الدعاء لله وحده.
    فإن محمداً صلى الله عليه وسلم نهى عن دعاء الله مطلقاً من غير استثناء فقال لابن عباس « إذا سألت فاسأل الله » ولم يكن ابن عباس ولا الصحابة يعتقدون أن أحداً غير الله ينفع أو يضر، ولم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما دمتم تعتقدون أن النفع والضر من الله جاز لكم أن تسألوا غير الله.
    وقوم إبراهيم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تملك نفعاً فضلاً عن أن تخلقه، فلما سألهم ] قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [ [الشعراء 72،73]، ما قالوا بلى تنفع وتضر.
    ولما كان دعاء غير الله عند إبراهيم شركاً قال لهم: ] وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ [مريم 48]، فحكم عليهم في الآية التي تليها أن دعاءهم لها عبادة من دون الله: ] فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ [مريم 49] وأكّد ذلك في آية واحدة فقال: ] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [ [غافر 66]، وقد دلت الآية على أن دعاء غير الله عبادة تتعارض مع الإسلام لرب العالمين.
    ولو كان يعلم عنهم أنهم كانوا يعتقدون فيها النفع والضر لما حاجّهم بذلك ولأجابوا عن سؤاله: ] هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ [ [الشعراء 72]، « نعم، إنها تنفع وتضر. فلما عجزوا عن الإجابة قالوا: ] بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [ [الشعراء 74]، قال: ] قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [ [الشعراء 75]، فقال لهم أولاً: ] تَدْعُونَ [، ثم قال: ] تَعْبُدُونَ [، وفي آية أخرى: ] أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ [ [الأنبياء 66].


    استغاثتهم بهم مسبوقة باعتقادهم فيهم


    هذا ولا يوجد على الأرض من يدعو من يعتقد فيه أنه لا يملك الإجابة والنفع والضر إلا أن يكون مجنوناً. فهل هناك عاقل يقول: أغثني يا من لا تملك نفعاً ولا ضراً؟! إلا أن يكون معتقداً فيهم التأثير وكشف الضر وتحصيل النفع اللهم إلا أن يكون مجنوناً فحينئذ لا يؤاخذه الله على شرك أكبر ولا أصغر.
    الحق أنه لم يلتجئ إليهم إلا لاعتقاده فيهم النفع والضر. فإن ما في القلب من الاعتقاد الفاسد قد عبّر عنه اللسان فصار يلهج بنداء غير الله: أغث يا رفاعي، المدد يا جيلاني، شيء لله يا سيدي دسوقي، ثم عبّر عنه العمل فصار يقبّل جدران القبور ويمسحها بيده ويذبح النذور عندها على نية الشفاء [وبهذا تعلم بطلان ما ذهب إليه الأمير الصنعاني رحمه الله أن دعاء غير الله شرك عملي لا اعتقادي، فإن الحامل على عمل هذا الشرك هو الاعتقاد الشركي الذي صدّقه العمل. وقد تمسك الأحباش بقوله هذا، وهم يتعلقون بالرجال لا بالحق، ويجعلون من علامات ضلالنا أننا نحكم على الحالف بغير الله أنه واقع في الشرك الأكبر، مع أننا نفتي بأنه شرك أصغر. ولكن هل جهلوا أن الصنعاني ذهب إلى أن الحلف بغير الله شرك أكبر مخرج من الملة؟ (انظر كتابه تطهير الاعتقاد 31 وسبل السلام شرح بلوغ المرام 4/1433 مع أن شرك الدعاء أعظم من شرك الحلف بغير الله].
    قال الآلوسي: « ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك [يشير إلى قولهم يا سيدي فلان أغثني] إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر على جلب الخير ودفع الأذى، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه ». واعتبر الآلوسي هؤلاء من جملة من قال الله فيهم ] وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ [يوسف 106] [روح المعاني 6/128 و13/67 و17/213 و24/11].
    · تصوّر رجلاً جائعاً فقيراً يُخيّر بين أن يذهب إلى فقير مثله أو إلى غني: فإلى من يذهب؟ بالطبع سيذهب إلى الغني ويترك الفقير.
    لا تنسى أن ذهابه إلى الغني قد سبقه علمُه بأن هذا الغني يملك نفعاً وإلا: فذهابه إلى فقير مثله مع علمه بفقره يعتبر جنوناً.
    وكذلك المستغيث بغير الله: يعلم في قرارة نفسه أن من يطلب منهم لا يملكون تحقيق شيء له، وإن أنكر ذلك باللسان.
    الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ] يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [ [الحج 12]، ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [ [الفرقان 55]. وقد أمرنا الله أن نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ] قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدًا [ [الجن 21]، ] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ [ [الأعراف 188]، هذا وهو حي. فكيف وهو ميت؟ أفيجوز أن يقال إنه كان لا يملك النفع والضر قبل موته فلما مات صار يملكهما؟
    وكيف يقول لابنته فاطمة « لا أملك لك من الله شيئاً » بينما يحث المسلمين على الاستغاثة به عند قبره بعد موته؟!


    اتركوا دعاء من لا يملك نفعاً ولا ضرّاً


    الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ] وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ [ [يونس 106]، أي المشركين، فليس في شرع ربنا جواز دعاء من لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولم يقل تعالى: ولا تدع ما لا يخلق نفعاً وإنما المعنى: لا تدعُ من تعلم أنه لا يضر ولا ينفع كما قال تعالى: ] فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ [البقرة 22].
    الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [ [الأعراف 197] لم يستثن الله نبياً ولا ولياً. فهذه الآية نص صريح على تحريم دعاء من لا يملك نفعاً ولا ضراً ولا يملك نصراً، وإلا فإن فعل فقد رُدّ على أعقابه إلى الضلالة بعد إذ هداه الله كما قال تعالى: ] قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ [ [الأنعام 71].
    ودعاء من لا يغني من الله شيئاً محرم في القرآن وهو من خصال المشركين قال تعالى: ] فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [ [هود 101]. ولم يقل: (التي يسجدون لها من دون الله).
    تدعون من صرّح بأنه لا يغني!

    فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرّح بأنه لا يغني عن أحد من الله شيئاً ولا حتى لابنته فاطمة. وهو موافق في هذا للقرآن. فقد نهى إبراهيم أباه أن يدعو من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئاً؟! ويعقوب يقول لأولاده: ] وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء [ [يوسف 67]، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يعلن بالكلمة نفسها إلى فاطمة وأقربائه وجميع قريش.
    وإذا كان لا يملك شيئاً لفلذة كبده فاطمة وهو حي: أفيملكه لغيرها وهو ميت؟ قال لابنته: « يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار: فإني لا أملك لك من الله ضراً ولا نفعاً » وفي رواية: « لا أغني عنك من الله شيئاً » وفي رواية: « لا أملك » فكيف نستغيث بمن كان يقول وهو حي « لا أملك لكم [لا أغني عنكم] من الله شيئاً » (متفق عليه)!.
    وهو الذي إذا استغاث به الناس يوم القيامة وهو حي حاضر يقول: « لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك »! ولا نجد في القرآن جواز سؤال من يملك نفعاً لكنه لا يخلق نفعاً!
    ولما أراد نوح أن يدعو الله لإنقاذ ولده قال الله: ] يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِح [ [هود 46].
    فالذي يدعو الصالحين إن كان مستحقاً للعقاب فالنبي أو الولي لا يعين على ما يكرهه الله ولا يسعى فيما يبغضه الله، فقد مات أبو طالب على الشرك، ولو كان الأمر بيد النبي r لما مات على ذلك.
    ] لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [ [آل عمران 128].
    ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء [ [البقرة 272].
    ] إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ [التوبة 80].
    وإذا ثبت أن دعاءكم لغير الله شرك فقد قال الله تعالى:
    ] مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ [التوبة 113].
    ] أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّه [ [النساء 88].
    حجّة رازيّة أشعريّة

    · قال الرازي « اعلم أنّ الكفار أوردوا سؤالاً فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى: ] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ [ [الزمر 43].
    وتقرير الجواب:

    أن هؤلاء الكفار: إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها.
    والأول باطل: لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً، فكيف يعقل صدور الشفاعة منها؟
    والثاني باطل: « لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله. فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة. فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره » [التفسير الكبير 26/247-248] انتهى كلام الرازي رحمه الله.
    بين قبر اليوم وصنم الأمس عند الرازي

    · وذكر الرازي كذلك أن المشركين « وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى ».
    قال: ونظيره في هذا الزمان: « اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله » [التفسير الكبير للرازي 17/59 – 60 وقال القرطبي كلاماً مثل ذلك في تفسيره للآية (104) من سورة البقرة]. انتهى كلامه وهو نفيسٌ جداً. وصدور مثل هذا الكلام من رجل من عظماء الأشاعرة هو حجة على متأخريهم، فهل يصير الرازي عندهم « وهابياً » بعد هذا؟.
    · وذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين « مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً » [شرح المقاصد للتفتازاني 4/ 41 – 42].
    وهذا ما نؤكده دائماً أن نوع شرك المشركين السابقين: هو شرك تشفع وتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى.
    وإنما يقع اليوم في نفس الفخ من لم يعرف نوع الفخ الذي نصبه الشيطان لمشركي الأمس.

    سؤال قرآني مُوجّه إلى المشركين

    الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ] قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [ [الزمر 38]. فمن لم يكتف بدعاء الله وحده لم يكن حسبه الله، قال قتادة في هذه الآية « سأل النبي r المشركين فسكتوا » أي سألهم: هل هن كاشفات ضره؟ هل هن ممسكات رحمته؟ فسكتوا لأنهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الضر والنفع ولو كانوا يعتقدون العكس لأجابوا وإنما كانوا يتخذونها وسائط وشفعاء عند الله.
    النصارى لا يعتقدون أن مريم تخلق نفعاً

    الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ] وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ [المائدة 116]، فالذين يدعون غير الله وإن كانوا يعتقدون أن من يدعونه لا يخلق نفعاً إلا أنه ما زالت هناك مشابهة بينهم وبين النصارى الذين يعتقدون أن مريم لا تخلق نفعاً ولكنهم يطلبون منها أن تشفع لهم عند الرب وتخلصهم وتقضي حوائجهم، فحكم الله بأنهم يؤلهونها لأنهم كانوا يدعونها مع الله كما في تفسير قوله تعالى: ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً [ [الإسراء 56]. قال ابن عباس ومجاهد « وهم: عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم » [تفسير البغوي 5/101 محقق]. وكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد دعا من لا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلا.
    وقد اعترف الرازي بأنه « ليس المراد بالآية الأصنام لأنه تعالى قال في صفتهم: ] أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَة [ [الإسراء 57]، قال: وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام » [تفسير الرازي10/20/183].
    دعاء غير الله تأليه لغير الله
    فالنصارى يعترفون بأنهم اتخذوا المسيح إلهاً، لكنهم يرفضون اتهامهم بتأليه مريم ويقولون: نحن لم نؤله مريم، بل نعتبرها بشراً، ولا نعتقد أنها تخلق نفعاً ولا ضراً، غير أننا نتخذها شفيعة لنا عند الرب. لكن الله ألزمهم بعبادتها وإن رفضوا، لأنهم يدعونها من دون الله ويطلبون منها ما يطلبه الأحباش من الجيلاني والرفاعي.
    ولو سمعوا ما استجابوا

    الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [ [الأحقاف 5]. وهذه صفات مشتركة بين الأصنام والقبور. وقد جمع الله بينهما في آية واحدة فقال: ] إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [ [النمل 80]. وقد استدل ابن الهمام بهذه الآية على عدم سماع الأموات وأن عدم سماع الكفار فرع عدم سماع الموتى [فتح القدير 2/104 دار الفكر أو 2/69 دار إحياء التراث]. وهذه الآية مفسرة بقوله تعالى: ] وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [ [الأحقاف 5]. وأفضل التفسير: تفسير القرآن بالقرآن.
    وجاء في الفتاوى البزازية « من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم: يكفر. وقال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان الجياني: ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقد بذلك فقد كفر » [الفتاوى البزازية 3/326 بهامش الفتاوى الهندية البحر الرائق 3/94 و2/298 وفي طبعة أخرى 5/124 وانظر رد المحتار 2/439 قبيل باب الاعتكاف].
    · وقد احتج مشايخ الحنفية رحمهم الله على عدم سماع الموتى بقصة أصحاب الكهف: ] فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [ [الكهف 11]، إلى قوله: ] وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [ [الكهف 20]، فإنهم من أولياء الله، وقد أنامهم نوماً ثقيلاً لا توقظهم الأصوات. فلو كانوا يعلمون لكان كلامهم هذا كذباً.
    الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: ] قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا [ [الرعد 16].
    ] قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [ [الشعراء 72، 73]، فغير الله لا يقضون بشيء ولا يملكون نفعاً ولا ضراً ولا يسمعون وإذا سمعوا لا يستجيبون، وهؤلاء يقولون: بلى، يقضون بشيء ويستجيبون لمن شاءوا.
    الدّعاء أفضل العبادة

    هل أجاز النبي عبادة غير الله مع الكراهة؟!
    والدعاء عبادة كما قال رسولنا r : « الدّعاء هو العبادة » [أحمد 4/267 أبو داود (1479) الترمذي (3244) صحيح]، وفي رواية: « الدعاء مخ العبادة » [رواه الترمذي في الدعوات (3371) ضعيف فيه عبد الله بن لهيعة وله شاهد من حديث النعمان بن بشير]. ثم إن الاستشهاد بقول رسول الله r خير من الاستشهاد بعلماء اللغة. وإذا عُرف التفسير من جهة النبي r لم يحتج في ذلك إلى أقوال اللغة.
    · وما سماه النبي عبادة لا يجيز للناس صرفه لغير الله مع الكراهة كما زعم الحبشي وغيره. بل ما كان عنده عبادة لا يصرف إلا لله.
    · قال الزبيدي: « قال القاضي: لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستحق أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله تعالى، مُعرض عمّا سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه: استدل عليه بالآية فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قُبِل منه لا محالة وترتّب عليه المقصود ترتّب الجزاء على الشرط وما كان كذلك كان أتمّ العبادة وأكملها ويمكن حمل العبادة على المعنى اللغوي أي الدعاء ليس إلا إظهار غاية التّذلّل والافتقار ». وعن معنى رواية « الدعاء مخ العبادة » قال الزبيدي: « أي خالصها، وإنما كان مخاً لها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة فوقها لما فيه من إظهار الافتقار والتبري من الحول والقوة وهو سمة العبودية واستشعار ذلّة البشرية » [إتحاف السادة المتقين 5/29].
    وإذا كانت العبادة هي الذلة والتذلل: فهؤلاء يتوجهون إلى غير الله بأفضل العبادة وهو الدعاء كما قال ابن عباس: ] ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ [غافر 60]، قال: « أفضل العبادة الدعاء» [رواه الحاكم في المستدرك 1/491 وصححه ووافقه الذهبي وهو حسن بشواهده (انظر سلسلة الصحيحة للألباني 4/106 رقم 1579].
    وهذا التفسير لغوي وشرعي: علّمنا إياه سيد البشر وأفصحهم r والذي لا يجيز صرف عبادة لغير الله، والتوجّه بالدّعاء لغير الله تأليهٌ لغير الله. فقد قال رسول الله r : « إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله » فدلّ على أنّ الدّعاء من أعظم أنواع العبادة، لأنه يجمع من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع العبادات كتوجه الوجه والقلب واللسان وحصول التذلل والخضوع والرغبة فيما عند المدعو والرهبة منه وهذه حقيقة العبادة بل مخها.
    قال الفيومي في المصباح المنير: « دعوت الله: أي رغبت فيما عنده من الخير، وأما الاستغاثة فهي طلب الغوث والنصرة، والاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام. عاذ به أي التجأ واعتصم » [المصباح المنير 231 لسان العرب 14/257 مفردات الراغب 244].
    ووصف الخطابي الدعاء بأنه [شأن الدعاء ص4 تحقيق الدقاق ط: دار المأمون للتراث وانظر إتحاف السادة المتقين 5/27] « استمداد المعونة [من الله] وحقيقته إظهار الافتقار إليه وهو سمة العبودية واستشعار الذلة البشرية ». ثم احتج بقول النبي r : « الدعاء هو العبادة ».

    ] وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ [غافر 60]، قال الطبري أي اعبدوني [تفسير الطبري مجلد 16 ج24 ص51] قال القرطبي: « فدلّ على أنّ الدّعاء هو العبادة وكذا عليه أكثر المفسرين » [تفسير القرطبي مجلد 8 ج15 ص214].
    قلت: فسرها قبلهم رسول الله r . فأبى الأحباش إلا الهروب من هذه الأقوال الصريحة عن جمهور العلماء إلى التفسير الغريب المرجوح للآية وهو « أطيعوني أُثِبكم » [منار الهدى 42/63]. قال الحافظ: « وشذت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب. وأجاب الجمهور بأن الدعاء من أعظم العبادة ». واعتبر قول النبي r : « الدّعاء هو العبادة » كقوله في الحديث الآخر: « الحج عرفة » [فتح الباري 11/94].
    ] إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [ [غافر 60] قال السدي: أي دعائي [تفسير الطبري مجلد 16 ج24 ص51] قال الحافظ: « وضع عبادتي موضع دعائي » [فتح الباري 11/95] وقال القسطلاني في إرشاد الساري كلاماً بنحوه.
    شبهة: العبادة نهاية التّذلّل
    الدّعاء توحيد عند الزّبيدي
    · واعترض الأحباش على ذلك فقالوا: « العبادة نهاية التّذلّل ». هكذا أثبتها علماء اللغة [النشرة الصادرة عن جمعية المشاريع مكتب شئون الخارج ص21].
    ويقال لهم: إذا كان الشرع يعتبر دعاء قضاء الحوائج عبادة فقد ألزمكم الشرع بالوقوع في غاية التذلل. يؤكد ذلك قول الحافظ ابن حجر: « الدّعاء هو غاية التّذلّل والافتقار » [فتح الباري 11/95]. وأن فائدة الدعاء « إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه ». وقال مثله الزبيدي [فتح الباري 11/149 وانظر إتحاف السادة المتقين 5/4]، وزاد عليه بأن وصف لفظ الدعاء يطلق ويراد به التوحيد كما في قوله تعالى: ] وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوه [ [الجن 19]، وقوله: ] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [ [الأعراف 194]. فهذه شهادة من الزبيدي ضدكم بأنكم صرفتم التوحيد إلى غير الله.
    فإذا كان الدعاء غاية التذلل والافتقار وإظهار الفاقة والتضرع وهو التوحيد: فمثل هذا لا يجوز صرفه لغير الله وإلا كان شركاً.
    السيوطي يصرح بعدم جواز الواسطة

    فإن قيل كيف جاء ) وإذا سألك عبادي عني فإني قريب( وعادة السؤال يجئ جوابه في القرآن بـ (قل) قلنا حذفت للإشارة إلى أن العبد في حالة الدعاء في أشرف المقامات لا واسطة بينه وبين مولاه» (الاتقان في علوم القرآن2/303).
    الدعاء عند الرازي أعظم مقامات العبودية

    · قال الفخر الرازي: « المقصود من الدعاء إظهار الذلة والانكسار » وقال: « وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: الدعاء أعظم مقامات العبادة » [لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات ص91 تحقيق طه عبد الرؤوف سعد ط: دار الكتاب العربي].
    وفسر قوله تعالى: ] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [ [البقرة 186]، فقال: « كأنه سبحانه وتعالى يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الوساطة في غير وقت الدعاء. أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك فأنت العبد المحتاج، وأنا الإله الغني » [لوامع البينات 88].
    كما نقل عن الخطابي قوله: « الدّعاء هو العبادة » معناه أنه « أعظم العبادة » و« حقيقة الدعاء استمداد العبد المعونة من الله » [التفسير الكبير 5/83].
    فهذا هو الرازي يصرح بأن الله لم يجعل واسطة بينه وبين عباده في رفع الحوائج ودفع المضار، محتجاً بهذه الآية.
    وذكر الحليمي: « أن الدعاء من التخشع والتذلل لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله » [المنهاج في شعب الإيمان 1/517 ط: دار الفكر 1979]. وعرّف صاحب القاموس الدعاء بالرغبة إلى الله [القاموس المحيط ص1655 باب الواو والياء – فصل الدال].
    السّجود لغير الله ليس هو الشّرك الوحيد
    وهؤلاء لم يفهموا من العبادة إلا الركوع والسجود. وهم بذلك يقصرون العبادة على بعض أفرادها كقولهم « العبادة نهاية التذلل ».
    ولا ننسى أن المحبة والخضوع والتوكل والإنابة والخوف والرجاء والطاعة والتقوى كل ذلك عبادة لا ركوع فيها ولا سجود.
    ورمي الجمار ليس فيه سجود ومع ذلك فهو عبادة؟
    والصيام عبادة لا سجود فيها.
    والوقوف عند عرفة ركن الحج وهو عبادة لا سجود فيها.
    وقراءة القرآن عبادة ليس فيها سجود.
    فلماذا لا يكون الدعاء عبادة وإن لم يكن فيه ركوع ولا سجود.
    فالرسول ما علّمنا أن الصوم والصلاة والحج عبادة فقط. بل علمنا أيضاً أن الدعاء عبادة. وقد بلّغ فقال: « الدّعاء هو العبادة ».
    فكما أنّ (الحج عرفة) وعرفة أعظم مواقف الحج. فكذلك (الدعاء عبادة) بل من أعظم أنواع العبادة ولبّها وركنها الأعظم، كما أن عرفة أفضل الوقوف، يؤكد ذلك حديث أنس: « الدّعاء مخّ العبادة » وهو ما قال مثله الرازي والزبيدي [التفسير الكبير 5/99 وانظر إتحاف السادة المتقين 5/29].
    لا يفقهون ما يتلون في صلاتهم

    وهؤلاء إذا دخلوا في الصلاة قالوا: ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ [الفاتحة 5]، فإذا خرجوا منها قالوا: إياك نستعين ونستمد يا محمد يا رفاعي يا بدوي.. فَلَمْ تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، وإن الشرك لهو أعظم المنكر.
    ولو أنهم تدبروا ما يقرؤون لكان خيراً لهم، فإن ] إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ جاءت بعد آيات بينت ربوبية الله المطلقة لكل العوالم ورحمته الواسعة وأنه هو المالك ليوم الدين فهو المنجي وهو الراحم وهو الذي يملك الشفاعة والمغفرة، فلا تجوز الاستعانة بمن لا يتصف بهذه الصفات.
    وقد نص الحافظ ابن رجب [وصفه الحبشي بالحافظ المتقن (صريح البيان ص67 ط: المجلدة)] في (جامع العلوم والحِكَم 281) أن قوله r : « إذا سألت فاسأل الله » منتزع من قوله تعالى: ] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ [الفاتحة 5]، لأن « الدعاء هو العبادة » وتلا قوله تعالى: ] وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ [غافر 60]، وقال: ] وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [ [النساء 32]، ولم يأمرنا أن نسأل غيره. ولم يقل: (وقال ربكم ادعوا أنبيائي وأوليائي) ولم يقل رسوله r : « إذا سألت فاسأل الأنبياء والأولياء ».
    وقال السبكي: « بأن هذه الآية تفيد العلم بأنه لا يستعان غير الله » [فتاوى السبكي 1/13 طبقات السبكي 10/304] وأكد أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص.
    الآية التي قطعت جميع وسائل الشرك

    الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [ [سبأ 22]، فهذه الآية قطعت طرق الشرك كلها وسدت أبوابه أمام المشركين.
    فإن الداعي غير الله إنما يتعلق قلبه بالقبور:
    1- لما يرجو فيها من حصول منفعة أو دفع مضرة وحينئذ: فلا بد أن يكون معتقداً أن هذا الولي يملك أسباب المنفعة. فنفى الله ذلك قائلاً: ] لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [.
    2- أو أن يكون هذا الولي المدعو شريكاً مع الله. فنفى الله ذلك قائلاً: ] وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [.
    3- أو أن يكون وزيراً معاوناً لله ذا حرمة وقدر يمكن الانتفاع به عند المالك. فنفى الله ذلك وقال: ] وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [.
    4- فلم يبق للمشرك إلا حجة واحدة يتعلق بها وهي الشفاعة فيقول: ] هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [ [يونس 18]، فنفى الله ذلك وقال: ] وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ [سبأ 23]، ونفى عن غيره النفع والضر والشراكة في الملك وامتلاك الشفاعة وإنما الشفاعة حق يملكه الله، فلا يُسألها من لا يملكها. وحتى إذا أعطي نبينا الشفاعة فإنه لا يشفع فيمن يشاء ولكن فيمن يأذن الله.
    الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: ] لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ [ [الرعد 14]، ولم تستثن الآية ممن: ] لا يَسْتَجِيبُونَ [ نبياً أو ولياً، والآية تردّ ما يدّعيه الأحباش أن قبر السيدة نفيسة « معروف بالإجابة » [الدائرة العلمية مكتب شؤون الخارج ورقة رقم9 وزعم الشعراني أن السيدة نفيسة كانت كثيراً ما تكلم أحد المشايخ المتصوفة وهي في قبرها (لطائف المنن والأخلاق 403)]؟ فإن الله تعالى يقول: ] لا يَسْتَجِيبُونَ [! فمن أصدق عندكم: الله أم الحبشي؟
    الآية العشرون: قوله تعالى: ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [ [النمل 62]، ويناقض الحبشي هذه الآية فيقول: الأنبياء والأولياء: يجيبون المضطر إذا دعاهم ويكشفون السوء، وليس الله وحده، وقد قال الشيعة من قبله: الأئمة والسادة يجيبون المضطر إذا دعاهم، وقالها النصارى من قبلهم: المسيح ومريم والقديسون.

    المدافعون عن شرك النصارى

    ولهذا كان المُدافع عن الاستغاثة بغير الله مدافعاً بالدرجة الأولى عما يدافع عنه الشيعة المستغيثون بالأئمة والحسين وصاحب الزمان (المهدي المنتظر) وعما يدافع عنه النصارى المستغيثون بالمسيح ومريم و"القديسين".
    الآية الواحدة والعشرون: قال تعالى: ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُو [ [الأنعام 17]، ] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان [ [البقرة 186] أجابت هذه الآية عن سابقتها، فمن كان قريباً ومن كان متفرداً بكشف الضر لا يجوز الاستغاثة بغيره.
    ـ ومن العجب أن يستنكر المسلم قول النصراني (يا مسيح) ويستنكر قول الشيعي (يا حسين يا مهدي) ولا يستنكر قول الضالين من هذه الأمة: يا رفاعي يا بدوي يا جيلاني يا دسوقي.
    ـ أما الموحدون أتباع الملة الحنيفية فأجابوا قوله: ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [ [النمل 62]، فقالوا: اللهم أنت وحدك الذي يجيب المضطر إذا دعاه وتكشف السوء، ما لنا من دونك من ولي ولا شفيع، وليس أرحم بعبادك منك ولا أسمع منك، هم متمسكون بدعوة النبي r التي مبدؤها دعاء الله وحده، فإنه لما سئل عن مبدأ دعوته قال: « أدعو إلى الله وحده الذي إن مسّك ضرٌّ فدعوتَه كشف عنك. والذي إن ضلَلْتَ بأرضٍ قفرٍ ردّ عليك، والذي إن أصابَتْكَ سنة [أي قحط وجفاف] فدعوتَه أنبت عليك ».
    إخلاص الدّعاء لله هو التّوحيد

    الآية الثانية والعشرون: قوله تعالى: ] فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ [غافر 14] فدعاء الله: إخلاص في الدين وإخلاص في العبادة كما قال تعالى: ] فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [ [الزمر 2]، فالله سمى الدعاء ديناً، فمن أخلص الدعاء لله فقد أخلص له الدين والعبادة، ومن دعا غيره لم يخلص له الدين ووقع في الشرك. قال تعالى: ] قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [ [الجن 20].
    وقال: ] فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [ [العنكبوت65]. ] وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين [ [لقمان 32].
    والذي أمرنا أن نعبده مخلصين له الدين: ] وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين [ [البينة 5]. هو الذي أمرنا أن ندعوه مخلصين له الدين فقال: ] فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [ [غافر 14]، ومن كره أن ندعو الله مخلصين له الدين فقد عرّض نفسه أن يصيبه آخر الآية: ] وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [.
    ـ وقد جعل الله دعاءه وحده شرطاً لصحة الاعتقاد بوحدانيته كما قال: ] هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين [ [غافر 65]، ولم يقل: النبي والأولياء أحياء فادعوهم.
    فمن لم يخلص لله الدين والدعاء فقد نقض شرط لا إله إلا الله. فهو مخالف لما يتلفظ به.
    فأنتم لستم مطالبين فقط بدعاء الله فحسب، بل بالإخلاص في الدعاء فهل تدعون رسول الله r مخلصين له الدين؟
    الدّعاء صلاة

    أنت تدعو غير الله؟ إذن أنت تصلي لغير الله وتعبد غير الله.
    قال تعالى: ] وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم [ [التوبة 103] فقد أمر الله نبيه أن يأخذ الصدقة من المؤمنين ويدعو لهم، ونهاه أن يدعو للمنافقين فقال: ] وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَات [ [التوبة 84] وأمرنا أن ندعو لنبيه r فقال: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ [ [الأحزاب 56] وفي الحديث: « الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه » [رواه البخاري (445) ومسلم (649)]. قال النووي في شرح مسلم (1/317) « الصلاة هي الدعاء: هذا قول جماهير أهل اللغة العربية والفقهاء وغيرهم ».
    فإذا كان الدعاء هو الصلاة كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة: فكيف جاز عند قوم دعاء غير الله ولم يَجُز عندهم الصلاة لغير الله مع أن معنى الصلاة بمعنى الدعاء! هذا تناقض. إذن، فليجوّزوا الصلاة لغيره أو دعاء غيره أثناء الصلاة ؟ أو لا يفرّقوا بين دعاء ودعاء.
    وإذا كان دعاء غير الله جائزاً عند الحبشي فلماذا لا يدعو الرفاعي والجيلاني أثناء صلاته! إن كان لا يعتبر ذلك شركاً؟
    عُلِم أنّ قوله تعالى: ] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ [الأنعام 162] يشمل الدعاء، وسُمّيَت الصلاة صلاة لاشتمالها على نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة كما علّمنا رسولنا r أن نكثر من الدعاء في الصلاة فقال: « فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ تعالى، وأمّا السّجود فأكثِرُوا فيه من الدّعاء » [رواه مسلم (479)].
    فإذا كان الدعاء صلاة وعبادة: ألزمنا من يدعون غير الله أنهم يعبدون غير الله ويصلون لغير الله وإن أنكروا ذلك، فالحجة ما قرره الله ورسوله. وقد أمر أن نعبده وحده فقال: ] وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاه [ [ الإسراء 23] وألا نشرك به: ] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا [ [النساء 36].
    وقد ورد النهي عن دعاء غير الله في القرآن أكثر من النهي عن السجود لغيره [ينظر إلى كتاب (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن) كلمة (دعا)]، ذلك أن الشطيان يستزل الناس بدعاء غير الله إلى الشرك باسم الشفاعة واتخاذ الوسيلة.
    الآية الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ] ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْك [ [فاطر 13]، وإذا كان الله هو المالك: وجب أن يكون هو المدعو.
    ] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [ [فاطر 13]، فإذا كانوا لا يملكون شيئاً حتى القطمير [أي غلاف نواة التمر وقشرتها] فلماذا تدعونهم ما لا يملكونه لكم؟
    ولا يشفع لكم أن تقولوا إنهم يملكون بإذن الله لأن الله لم يأذن أن يملك أحد معه شيئاً وإلا لما قال: ] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [ [فاطر 13]، فإن قوله: ] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ [ واقعة على كل مدعوّ مع الله سواء كان نبياً أو صالحاً لا تخصيص فيها بصنم دون غيره. فأثبِتوا أنّ الأنبياء والأولياء مُستثنون من الآية، وهيهات أن تستطيعوا.
    وقوله: ] مِنْ دُونِهِ [ عامّ يدخل فيه كلّ مدعو مع الله ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله r أي استثناء يجيز دعاء أحد مع الله.
    والمشركون يؤمنون بمشيئة الله الشّاملة وإذنه ولهذا قالوا: ] لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [ [الأنعام 148].
    ولو سمعوا ما استجابوا

    ] إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُم [ [فاطر 14]، فلا هم يملكون ولا هم يسمعون كما قال تعالى: ] وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [ [الأحقاف 5]، ولا إذا سمعوا يستجيبون، لكن الحبشي يخالف هذه الآية فيقول: بلى يسمعون ويستجيبون ويخرجون من قبورهم فيقضون الحوائج ويكشفون الضر ثم إلى قبورهم يعودون، ويملكون النفع والضر، ولكنه دلّس على العامة حتى لا يكتشفوا شركه فقال: « ولكنهم لا يخلقون النّفع والضّرّ ».
    وقد فسر الأحباش: ] إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُم [ أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء الكافرين لأنها جمادات ميتة لا روح فيها، فكيف تُقاس هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع بالنبي r والأولياء والصالحين [نشرة الشئون الخارجية ص25].
    غير أنهم لم يتكرّموا بتفسير الآية بكاملها وبالتحديد قوله تعالى: ] وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [ إن آخر الآية يؤكد أن الضمير متعلق بالبشر الذين اتخذوهم آلهة ورمزوا الأصنام بهم.
    ومع أن السجود للأصنام شرك لا شك فيه فقد سئل شيخهم عن حكم السجود لصنم لم يسجد له بعد فأجاب بأنه « كبيرة من كبائر الذنوب ليس أكثر وليس شركاً » [شريط الحبشي رقم 3 عداد 640 والشريط مسجل عندي بصوته].
    سماع أبي جهل دليل على سماع سيدنا محمد!

    [CENTER][COLOR=#008080][SIZE=5]ثم احتجوا بقول النبي r في قتلى المشركين يوم بدر لما سأله عمر: « كيف تكلّم أجساداً لا أرواح فيها؟» فقال r : « ما أنتم بأسمع لما أقول منهم » [نشرة شئون الخارج 16]. بمعنى أنه إذا كان أبو جهل يسمع في قبره فالأنبياء والأولياء أولى بالسماع منه.
    ـ وهذا قياس باطل، والقياس أصلاً باطل لا يجوز استعماله في أمور التوحيد. قال إمام المالكية، حافظ المغرب وفقيهها ابن عبد البر « لا خلاف في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام » [جامع بيان العلم وفضله 2/55].
    قال ابن سيرين: « ما عُبِدَت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وأول من قاس إبليس » حين قال: ] خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ [ص 76] [تفسير الطبري 8/131 المدخل إلى السنن للبيهقي (196) جامع بيان العلم 1/58 تفسير ابن كثير 2/203 وقال "إسناده صحيح"].
    ـ وبهذا الاستدلال من الحبشي يصير الأصل في كل ميت أنه يسمع، وهذا الفهم الباطل يتعارض وقوله تعالى: ] وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ [فاطر 22] [وقد رد الأحباش على قوله {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} بأن المراد تشبيه الكفار بمن في القبور في عدم انتفاعهم بكلامه وهم أحياء" ولست أدري من سلفهم في هذه التفاسير الباطلة؟ أأخذوها عن ابن عباس أم ابن مسعود!]، وقوله: ] إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [ [النمل 80].
    ألا بئس ما توصل إليه أولئك من الاستدلال بسماع طواغيت قريش على سماع الأنبياء والأولياء!.
    أولاً: ونحن نردّ عليهم فنقول: لو كان ما تقولونه صحيحاً فما معنى: ] إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [ [فاطر 14]، فعلى فرض سماعهم لا يستجيبون.
    [B]ـ ثان%
    التعديل الأخير تم بواسطة معتزجمعة ; 23-03-2015 الساعة 03:42 PM
    بارك الله لنا ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من الذكر الحكيم،،،

  3. شكراً شكر هذه المشاركة خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة خاشعة بالذكر
  4. #3
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي من إضافات العضو/ عبد الله الأحد (بارك الله فيه)

    الحبشي يجيز الاستعاذة بغير الله

    والحبشي لا يجيز فقط الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، ولكنه يجيز الاستعاذة به، وهذا شرك باتفاق العلماء، فقد ذكر البيهقي أنه لا يجوز أن يستعاذ بمخلوق من مخلوق [الأسماء والصفات 241 أو 1/305 ط: حيدر]، واحتج بقوله تعالى: { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } [غافر 56]. واحتج الحافظ برواية عن النبي صلى الله عليه وسلم : « وإذا استعذت فاستعذ بالله » [فتح الباري 13/381].
    قال الحبشي: « وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركاً ولو قال قائل يا رسول الله المدد فهو عندهم صار كافراً » واستدل بحديث الحارث بن حسان « أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد » [الدليل القويم 173 صريح البيان 67-58 المقالات السنية 46 أو صفحة (156) ط: جديدة، الدر المفيد في دروس الفقه والتوحيد 194 بغية الطالب 8].
    وإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم لم يقر قول من قال « ما شاء الله وشئت. فقال له: أجعلتني لله نداً » وقال للمسيء خطبته: « بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله » ونهى عن الحلف بغير الله فكيف يرضى أن يكون شريكاً مع الله فيما خص به نفسه: { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ }.
    إن هذا شرك يخالف إجماع المسلمين ويتعارض وقوله تعالى: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه } [فصلت 36]! روى البخاري قول شيخه نعيم بن حماد: لا يُستعاذ بمخلوق » [فتح الباري 13/381 خلق أفعال العباد 123 تحقيق البسيوني] واحتج أحمد بحديث خولة بنت حكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق: لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك » [رواه مسلم (2708)]. قال الخطابي: « كان أحمد يحتج بحديث "أعوذ بكلمات الله التامات" بأن النبي لا يستعيذ بمخلوق » [فتح الباري 6/410 وانظر معالم السنن 4/332-333]. وأكده المرداوي الحنبلي في الإنصاف (2/456).
    قال ابن خزيمة في التوحيد (1/401) « فهل سمعتم عالماً يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر ما خلق؟ هذا لا يقوله مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه »؟
    الكلام على سند هذا الحديث

    ثانياً: هذا الحديث جاء من روايتين: زيد بن الحباب وعفان، غير أن زيادة (ورسوله) زائدة من رواية زيد بن الحباب تفرّد بها عن عفان عن عاصم بن أبي النجود وهو صدوق كثير الخطأ كما قاله أحمد [ميزان الاعتدال 2/100] وإنما وثقوا رواية عفان. وبذلك لا تصح زيادة (ورسوله) لأن عفان رواه بدون هذه الزيادة وهو أوثق من زيد.
    " تنبيه مهم "

    قد حسن شيخنا الألباني رواية الترمذي (سلسلة الضعيفة 3/373) وهي من طريق سفيان بن عيينة وليس من طريق عفان بن مسلم ومحمد بن مخلد الحضرمي.
    وطريق سفيان ليس فيها زيادة (ورسول الله) حسب رواية الترمذي (رقم 3273) فليُتنبه لذلك حتى لا يُحتج بتحسين الألباني، ثم إن رواية أحمد عن عفان جاءت بدون زيادة (ورسول الله) وإنما الزيادة من طريق زيد بن الحباب، قال الحافظ في التقريب: (صدوق يخطئ في حديث الثوري) فرواية (أعوذ بالله) رواها حافظان ثقتان: عفان بن مسلم وسفيان بن عيينة. ورواية (أعوذ بالله ورسوله) جاءت من طريق محمد بن مخلد الحضرمي، قال ابن أبي حاتم الرازي: « سألت أبي عنه فقال: لا أعرفه » (الجرح والتعديل رقم 398) وقال الحافظ: (ضعّفه أبو الفتح الأزدي) (لسان الميزان 5/423 ميزان الاعتدال 8150).
    فظهر أن رواية الإمامين: عفان وسفيان (أعوذ بالله) هي المحفوظة. وأما رواية (ورسوله) منكرة أو شاذة والله أعلم.
    ثالثاً: لو جازت الاستعاذة بغير الله لجاز الحلف بغيره.
    رابعاً: أن من علم معنى الاستعاذة لا يمكن أن يقول بجوازها لغير الله. فإن معناها كما فسرها الشيخ مصطفى نجا: أعتصم وأتحصّن وألتجئ إلى الله تعالى وألصق نفسي برحمته وفضله وكرمه [كشف الأسرار ص 57 مصطفى نجا]. ولهذا قال الشعراني: « ولو أن أحداً من الخلق كان يكفي أن نستعيذ به لأمَرَنا الله أن نستعيذ بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بجبريل أو غيرهما من الأكابر، ولكن عَلِمَ الله عجز الخلق عن ردّ كيده إلا مع استعاذتهم بالله عز وجل » [لطائف المنن والأخلاق في التحدث بنعمة الله على الإطلاق 583].
    فهل يجيز عاقل موحد الاستعاذة بغير الله لمجرد رواية ضعيفة يحتج بها من يحرمون عادة الاستدلال بغير المتواتر في مسائل العقيدة؟

    المستعيذ بغير الله موافق لمشركي العرب

    فالحبشي قد وافقت عقيدتُهُ مشركي العرب إذ كانوا يستعيذون بسادة الجن من أذى قومهم: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } [الجن 6]. قال مجاهد: « كانوا يقولون إذا هبطوا وادياً: نعوذ بعظيم هذا الوادي ».
    فهل يجوز التعوذ بالإنس بينما يحرم التعوذ بالجن؟
    وهل يقول عاقل: يجوز لي أن أقول أعوذ برسول الله من النار. أعوذ برسول الله من شر ما خلق الله. أعوذ برسول الله من الجِنّة والناس. أعوذ برسول الله من الضلالة؟!

    هذا هو توحيد الحبشي!!!

    هذا هو التوحيد الذي يدعوك إليه الحبشي: علم كلام واستغاثة واستعاذة بغير الله وتأويل للصفات، يسميه « علم التوحيد » أو « علم الدين الضروري »! هكذا يدس لك السم في الدسم.
    ـ ألم يذكر في كتابه (الدليل القويم 229) دعاء المكروب وفيه قول علي بن أبي طالب « لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات وأمرني إذا أصابني كرب أو شدة أن أقولهن: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم » [رواه البخاري رقم (63445) ومسلم رقم (2730)]. فلم يأمره إذا أصابه كرب أن يسأل غير الله أو يستغيث بأصحاب القبور وإنما علمه اللجوء إلى الله وحده.
    ألم يعترف بأن قول القائل (أغثني يا رسول الله) (أغثني يا رفاعي يا بدوي يا جيلاني) أمر غير مشروع [الدر المفيد في دروس الفقه والتوحيد 193] فلماذا يدافع عنه في مواقف أخرى ويهاجم منكري الاستغاثة بغير الله؟
    لماذا يوجه المكروبين إلى القبور؟ أيريد إكمال دور الفاطميين الذين ملأوا مساجدنا بالقبور والأضرحة والمزارات والعتبات؟

    كلمة حول الحلف بغير الله

    وبمناسبة الكلام على الحلف بغير الله فالأحباش لا يرضون اعتبار الحلف بغير الله شركاً. قالوا: « كان أحمد يعتبر من حلف برسول الله فحنث أن عليه كفارة كما أن الذي حلف بالله ثم حنث فعليه كفارة. ابن تيمية يجعل الحلف بغير الله شركاً مطلقاً ... هذا مع أن المعروف في مذهب الإمام أحمد حرام » (منار الهدى 41/44).
    وقد كتموا وجود روايتين عن أحمد لا واحدة. فإنه في إحدى الروايتين عنه أنه تنعقد به اليمين.
    ولماذا التركيز على إحدى الروايتين عن أحمد والقول بعدم انعقاد اليمين هو قول الجمهور؟ أهو رغبة في التشويش أم ميلاً مع الهوى وعدم إعطاء الحق أولوية!
    عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: « إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم: من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت » [رواه البخاري ومسلم]. أنتم تتمسكون في أن لفظ (لا ينبغي) لا يفيد التحريم. فماذا تقولون في لفظ (ينهاكم)؟
    والحلف بغير الله كأن يقول: والله وحياتك [الأم 7/61 فتح الباري 11/530 شرح السنة 10/9].
    قال أبو حنيفة: « لا يحلف إلا بالتوحيد متجرداً بالتوحيد والإخلاص » [بدائع الصنائع للكاساني ، 3/8، 9 21].
    وقال ابن نجيم الحنفي: « ويُخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك » [البحر الرائق 5/124 و3/88 وانظر الفتاوى الهندية 6/323-326 وانظر أقوال علماء الحنفية شرح الفقه الأكبر للملا علي قاري 162] قال ابن مسعود: « لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً » [رواه الطبراني في الكبير 9/205 وقال الهيثمي في المجمع 4/177 "رجاله رجال الصحيح" والفقه الأكبر بشرح القاري 162]. ومعنى هذا أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق. وأن سيئة الشرك أعظم وأقبح من سيئة الكذب.
    قال الحافظ: « قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده ».
    وإن من قواعد العقيدة الإسلامية سد كل باب يُوصل إلى الشرك أو ينقص كمال التوحيد، ولهذا جاء النهي عن كل فعل أو قول يوقع في الشرك الأكبر أو الأصغر وإن لم يقصد صاحبه ذلك. وجاء النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وصوم يوم السبت.
    والسؤال: هل الحلف بالله شرك أم لا؟ هل الشرك مكروه أم محرم؟ هل الكذب مكروه؟ أيهما أعظم: الشرك أم الكذب؟
    قال تعالى: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا } [الأنعام 151].
    وكيف يكون الحلف بغير الله مكروهاً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من حلف بغير الله فقد كفر » "فقد أشرك". قال الحافظ: « تمسك به من قال بتحريم ذلك » [فتح الباري 11/531].
    فليس هناك شرك أو كفر مكروه فعله. بل الكفر والشرك محرم سواء كان شركاً أصغر أم أكبر. مع أن الاعتقاد أن الحلف بغير الله شركاً أصغر كما نص عليه ابن القيم [مدارج السالكين 1/344].
    وقد أثبت البخاري أن الحلف بغير الله كفر دون كفر. وأما الترمذي فلم ينكر الترمذي أنه شرك وقرن الحلف بالرياء مع أنه ترجم له بالكراهة كقوله تعالى: { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } [الإسراء 38].
    وليس من الإنصاف ترك ألفاظ الرسولصلى الله عليه وسلم والتمسك بألفاظ غيره. وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تحريم الحلف بغير الله.
    وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : « أفلح وأبيه » فقد أجاب عنها جمع من العلماء منهم النووي:
    فقد ذهب الحافظ ابن عبد البر إلى أن هذه اللفظة منسوخة لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله. وهذا الذي ذهب إليه الماوردي وحكاه البيهقي وقال السبكي: أكثر الشرّاح عليه وهو الذي قاله الطّحّاوي (انظر فتح الباري 11/534).
    وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى، وهو الحلف بالمخلوقات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت » فهل هذا أمر استحباب أم أمر وجوب؟ فإن قيل: (استحباب) قلنا: كيف يقول (ليصمت) ثم هو يحلف بغير الله؟ فلا يبقى إلا ما قاله النووي أن هذا ما كانت تستعمله العرب كقول النبي (ثكلتك أمك).

    مسألة التميمة

    أما التميمة فقد جاءت الأحاديث الكثيرة بتحريم التمائم عموماً بلا استثناء والوعيد لمن فعل ذلك. فعن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الرقى والتمائم والتولة شرك » [رواه أحمد 1/381 والحاكم 4/217 وصححه ووافقه الذهبي].
    وقال أيضاً: « من علق تميمة فقد أشرك » [رواه أحمد 4/156].
    وقال: « من تعلّق تميمة فلا أتمّ الله له » [رواه أحمد 4/154 والحاكم 4/216 وصححه ووافقه الذهبي وقال الهيثمي في المجمع (5/106) "رجاله ثقات)].
    وأما إذا كان المعلق من القرآن والأدعية والأذكار الصحيحة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
    الأول: جواز ذلك: قالوا: إن التعليق الجائز هو ما كان بعد نزول البلاء، أما قبل نزوله فلا يجوز. قالت بهذا عائشة: « ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء إنما التميمية ما تعلق به قبل البلاء » وفي رواية: « التمائم ما علق قبل نزول البلاء، وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة » [رواه الحاكم وحكم برفعه وصححه 4/217 والبيهقي في السنن 9/350 وابن عبد البر في التمهيد 17/164].
    وقال مالك: « أرى ذلك من العين » [الموطأ 2/937 ومسلم 3/1673 رقم (2115) وأبو داود (2252)].
    الثاني: جواز تعليق التمائم مطلقاً إذا كان كانت بكلام الله وهو رواية ثانية عن مالك.
    الثالث: المنع مطلقاً وإليه ذهب ابن مسعود وابن عباس وحذيفة وعقبة بن عامر وعبد الله بن عكيم وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ورواية لأحمد.
    أدلتهم: عموم النهي الوارد من غير استثناء. قالوا: ولو كان تعليق التمائم مشروعاً لاستثناه النبي صلى الله عليه وسلم كما استثنى الرقية حين قال: « اعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً » [رواه مسلم 4/1727 رقم (2200)].
    فرخص فيما لم يكن فيه شرك، ولم يرد مثل هذا التفصيل في التمائم.
    وحتى استثناء الرقى فإنه جاء مقروناً بعرضها ومتابعتها لاحتمال تلبيسها بالباطل من قبل الزائغين الذين يستدرجون العوام إلى الشرك.

    موقفه من حديث

    إذا سألت فاسأل الله

    قال الحبشي: « فإن قيل: أليس في حديث ابن عباس « إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله » ما يدلّ على عدم جواز التوسل بغير الله؟» قال: فالجواب أن الحديث لا يعني تحريم سؤال غير الله والاستعانة [الاستعانة تتضمن أصلين: الثقة بالله والاعتماد عليه وهي بخلاف الاستغاثة التي لا تكون إلا مع شدة] بغير الله وإنما يفيد أن الأولى أن يسأل الله ويستعان الله.
    قال: وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم : « لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي » فكما لا يُفهم من هذا الحديث عدم جواز صحبة غير المؤمن وعدم إطعام غير التقي وإنما يُفهم منه أن الأولى بالصُحبة المؤمن وبالإطعام التقي فكذلك يفهم من حديث ابن عباس، الأولوية.
    كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله، أليس هناك فرق بين أن يُقال لا تسأل غير الله وبين أن يقال إذا سألت فاسأل الله » [صريح البيان 68] انتهى.
    والجواب:

    إن لم يقله محمد صلى الله عليه وسلم فقد قاله رب محمد: { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] وفهم السلف أن « اسأل الله » تعني عدم سؤال غيره ولهذا لم يثبت بسند صحيح أنهم كانوا يسألون غير الله، وإنما ثبت العكس بالسند الصحيح، قال سالم بن عبد الله: « لا تسأل أحداً غير الله » [حلية الأولياء 2/194 سير أعلام النبلاء 4/463 تاريخ الاسلام7/93].
    بل قاله محمد صلى الله عليه وسلم : « من يتكفل أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له الجنة » [رواه أحمد 5/276 وأبو داود (1643) وصححه المنذري في الترغيب (صحيح الترغيب رقم 804)]. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يسأل الحي حياً مثله وهذا ليس محرماً فأين شرع أن يسأل الحي ميتاً؟!
    فأنتم شر ممن يسأل الأحياء يشحذ منهم لأنكم تتسولون من الأموات!
    ـ قال نبينا صلى الله عليه وسلم ما لا تهواه نفسك الأمّارة بالشرك « من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار » [رواه البخاري في الجنائز رقم (1238)].
    ـ أن الأمر يفيد الوجوب ما لم يصرفه عنه صارف، ولذلك نصّ الحافظ ابن رجب على أن قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا سألت فاسأل الله » منتزع من قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة 5]، قال: لأن الدعاء هو العبادة، وتلا قوله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر 60] [جامع العلوم والحكم 281].
    وسبق احتجاج السبكي في فتاويه (1/13) بالآية على عدم جواز الاستعانة بغير الله. وإذا كان كذلك فهذه أكبر قرينة على التحريم.

    لا تسأل أحدا شيئا


    ـ وما زعمه الحبشي أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا سألت فاسأل الله » ليس معناه: لا تسأل غير الله. وإنما معناه الأفضل أن لا تسأل غير الله. إنما هو تحريف واضح.
    فإذا كان الأمر كما يقول: فقد ضاع المراد من الكلام. إذ ما قيمة الكلام إن كان المعنى (إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره) فقد كان الأولى بالرسول صلى الله عليه وسلم حينئذ أن يقول: إذا سألت فاسأل الله واسأل غيره. وإنما يكون للكلام معنى إذا فهم منه تخصيص الله بالسؤال دون غيره.
    ـ أن قوله تعالى: { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] يؤكّد أن قوله: « إذا سألت فاسأل الله » يفيد وجوب سؤال الله وحده فيما لا يقدر عليه غيره، وليس مجرد الكراهة. لأن الدعاء عند الرسول عبادة، ولأن سؤال الله وحده حق وسؤال غيره باطل كما قال تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل } [الحج 62] فهذا الباطل محرم وليس مكروهاً فقط. قال تعالى: { وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّك } [يونس 106]، والله أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: { قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدًا } [الجن 21].
    وقال: { وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر } [القصص 88]، لماذا { لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ } فتأمل الآية: كيف نهى الله عن دعاء غيره لأنه لا إله إلا هو. فمن دعا غيره وخالف أول الآية: { وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَر } فقد نقض آخرها { لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ } فهل هذا النقض مكروه أم محرم؟
    ـ ولنضرب لذلك مثالاً يوضح مخالفة هؤلاء للشرع والعقل: أنت تعلم أن زيداً غني يملك أموالاً كثيرة وقد عرض عليك إذا احتجت شيئاً أن تأتيه ليعطيك ما تريد فقال لك: سلني ما شئت من مال فإني أعطيك. لكنك مع حاجتك للمال وعلمك بأن زيداً يملكه لم تذهب إليه. بل ذهبت إلى عمرو وهو رجل فقير لا يملك مالاً، فقلت له أعطني مالاً يا عمرو فقال لك: إذا سألت فاسأل زيداً فإني لا أملك لك مما عند زيد شيئاً. فامتنعت من الذهاب إلى زيد وأصررت على الأخذ من عمرو ما ليس عنده، فكم تكون غبياً معانداً إذا أصررت على أن تسأل عمرواً ما ليس عنده باعترافه، أو تصر عليه أن يطلب لك مالاً من زيد وقد قال لك زيد وعمرو: عليك أن تسأل زيداً فقط؟

    ( فائدة )

    ـ وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه علي أن لا يسألوا الناس شيئاً قط منهم أبو بكر وأبو ذر وثوبان، فكان أحدهم يسقط سوطه على الأرض فينزل عن دابته ولا يسأل أحداً أن يناوله إياه. وهذا لا يستطيعه كل واحد، لذا أسرّ النبي به إلى بعضهم بخلاف قوله: « إذا سألت فاسأل الله » فإنه لم يُسِرَّه فهو بذلك عامٌّ ومٌلزِمٌ للجميع.
    ـ وإذا كان « من لم يسأل الله يغضب عليه » [رواه الترمذي (3607) وحسّنه الألباني في سلسلة الضعيفة 29]، فكيف بمن يسأل غيره ويبتهل إلى الأموات ويلحّ عليهم بالدعاء؟ هل يعرف مثل هذا طعم التوحيد؟!
    فهذه مبادئ التوحيد عند الحبشي، يزعمون أن عندهم علم التوحيد الضروري، فإذا جاءهم من يطلب التوحيد: علّموه الاستغاثة والاستعاذة بغير الله وطلب المدد من أصحاب الأضرحة. هكذا يضعون السُّمّ في الدسم.
    أتدعون قبراً وتذرون أحسن الخالقين!
    أتستبدلون الذي هو أدنى (القبر) بالذي هو خير (الله)؟
    وأعجب ممن خرج من القبر كيف يطيب نفساً بالرجوع إليه!
    من أسباب زيارة القبور الدعاء لأهلها

    ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نزور القبور لندعوَ لأصحابها بالرحمة والمغفرة لا لنطلب منهم. ولم يشرع لنا دعاء الأموات لحصول المنفعة منهم. بل قد وعد هو أن يشفع لمن يدعو الله له، ولم يَعِدْ بإجابة من يسأله بعد موته.
    وحدّد أسباب زيارة القبور بسببين:
    · للدعاء للأموات.
    · لتذكر الآخرة.
    أما ثالثتكم من تبرك واستغاثة وطلب للترياق عند الأضرحة بما تسمونه "ترياقاً مجرباً" فهو صلى الله عليه وسلم بريء من ذلك.
    المخالفون للطحاوي

    ـ قال الطحاوي: « وفي دعاء الأحياء منفعة للأموات ». ثم قال بعدها مباشرة: « والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات » [متن العقيدة الطحاوية بذيل إظهار العقيدة السنية للحبشي 256].
    فنبه إلى أن أصحاب القبور ينتظرون من الأحياء الدعاء لهم وأن على الأحياء أن يتوجهوا إلى الله وحده في قضاء حوائجهم. لكن الأمر انقلب اليوم، فقلب أهل الزيغ عبارة الطحاوي حتى صارت هكذا: « وفي دعاء الأموات منفعة للأحياء » فصار دعاء الأموات منفعة للأحياء، وصار الحي يذهب إلى الميت ليطلب منه الدعاء لا ليدعو له.
    فما أبعد الحبش عن هدي نبينا صلى الله عليه وسلم ! وعن قول الطحاوي الذي شرح عقيدته على منهج جهم بن صفوان، ولم يستفد من كلامه، حتى قلب قوله فصار في طلب الدعاء من الأموات منفعة للأحياء، وكأن غير الله أقرب إليهم وأسرع إجابة وأعظم رحمة!
    إن دعاء المؤمن لأخيه وقضاء حاجته هو إيمان وعمل صالح. فهل يقول الملك للولي في القبر: آمين ولك بمثل ما عوت لأخيك؟ وهل يكتب للميت عمل صالح لقضائه حاجة الحي مع أن العمل ينقطع بالموت؟
    منكرو العلو يستبدلون السماء بالأرض

    لقد صرف الله قلوب الذين أنكروا علوّه في السماء إلى أسفل سافلين، فتوجهوا بالدعاء إلى أعماق الأرض حيث الموتى. وصارت آمالهم متعلقة هناك بعدما انتكست فِطَرُهُم فصرفهم الله عن التوجه إليه: { صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } [سورة التوبة 127]. يَدْعون الأموات: ويَدَعون الحي الذي لا يموت!!!

    الصّدّ عن سؤال الله والحض على دعاء غيره

    لما دعوا غير الله أعرضوا عن دعاء الله وحده، بل جعلوا من علامات الصوفي الحقيقي « أن لا يكون له إلى الله حاجة» « وأن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ به من النار » [الرسالة القشيرية 88-89 و125 الحدائق الوردية 131 عوارف المعارف 103 هامش الإحياء]. وجعلوا سؤال الله أقل المنازل، وترْك سؤاله أعظمها، فزعم القشيري أن « ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك » وزعمَ أن عبد الله بن المبارك قال: « ما دعوتُ الله منذ خمسين سنة ولا أريد أن يدعو لي أحد » [الرسالة القشيرية 121].
    واعتبروا ترك دعاء الله من تمام الرضا بالله ولم يعتبروا الصلاة كذلك مع أنها دعاء فقال قائلهم: « الرضا أنه لو ألقاني في النار لكنت بذلك راضياً » وقال رويم: « الرضا أن لو جعل الله جهنم عن يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره ».
    وزعم شيخهم أحمد الرفاعي أنه « لمّا وُضِع المنشار على رأس زكريا عليه السلام أراد أن يستغيث الله فعاتبه الله وقال: "ألا ترضى بحكمي؟" فسكت حتى قُطِع نصفين » [حالة أهل الحقيقة مع الله 115]. وزعم آخر أن إبراهيم قال حين ألقي في النار: « علمه بحالي يغنيه عن سؤالي ». بمثل هذه الأكاذيب صرفوا الناس عن دعاء الله: وإذا دُعِي الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا دُعِي الذين من دونه إذا هم يستبشرون [هذه العبارة مقتبسة من آية في سورة الزمر { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }]!
    النقشبنديون يستغيثون بالكلاب والحرباء

    بئس للظالمين بدلا
    فصرفهم عن دعائه ووجّههم إلى الحيوانات ليستغيثوا بها.
    وقد ذكروا عن شيخ الطريقة النقشبندية بهاء الدين نقشبند أن شيخه علّمه أن يطلب المدد من كلاب الحضرة النقشبندية ويخدمهم بإخلاص وأنه اجتمع مرة بكلب وحرباء، فحصل له من لقائهما بكاء عظيم وسمع لهما تأوهاً وحنيناً فاستلقى كل منهما على ظهره ورفع الكلب قوائمه الأربع إلى السماء وأخذ يدعو الله، وكذلك فعلت الحرباء، والشيخ واقفٌ يبكي وهو يقول آمين، يؤمِّنُ على دعاء الكلب والحرباء [المواهب السرمدية بمناقب النقشبندية 118 الأنوار القدسية في مناقب النقشبندية 130 الحدائق الوردية في حقائق النقشبندية 129].
    فأي درك وصل إليه هؤلاء أن يستغيثوا بالكلاب والحرباء ويوصيهم مشايخهم بطلب المدد من كلاب الحضرة الصوفية! وتأمله وهو يقول: مدد يا سيدي كلب!
    ما هذه العقيدة: أموات قائمون في قبورهم على نفس كل مريد بما كسبت، وكلاب وحرباء: آلله خير أمّا يشركون؟!
    وماذا لو عُرضت هذه الخزعبلات على هندوسي يريد اعتناق الإسلام ثم هو يرى هؤلاء يطلبون المدد من الكلاب كما يطلب الهندوس المدد من البقر: هل يعتنق الإسلام؟!

  5. شكراً شكر هذه المشاركة خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة خاشعة بالذكر
  6. #4
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي من إضافات العضو/ عبد الله الأحد (بارك الله فيه)

    الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر


    كيف يكيل الأشاعرة بمكيالين

    تناقض الأحباش في تخريج هذه الرواية

    شبهات أخرى حول الاستغاثة بغير الله

    ماذا بعد الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم

    كيف نفهم التوحيد


    الاحتجاج بخدر رجل ابن عمر

    واحتجوا بأن ابن عمر خدرت رجله فقيل له: « اذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد » وزعم نبيل الشريف أن بعض المحرفين حذفوا ياء النداء من كتاب الأدب المفرد [شريط مجالس الهدى الوجه الأول (430)]. وهو مطالب بإثبات المخطوطة التي تثبت يا النداء من الكتاب المذكور.
    وقد ذكر الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت الرواية وضبطها بدون ياء النداء وهذا الموافق لرواية سفيان، وطبع كتابه بدار نشر حبشية، ولكن بتحقيق شيخ حبشي اسمه أسامة السيد اضطر إلى التعقيب على ذلك [الكفاية لذوي العناية تحقيق أسامة السيد 184 مؤسسة الكتب الثقافية].
    على أنني رجعت إلى النسخ المطبوعة والمحققة لكتاب "الأدب المفرد" وأهمها نسخة "فضل الله الصمد" التي قورنت بمخطوطات عديدة ولم يجد المحقق لفظ النداء، وحتى وجودها في بعض النسخ دون الأخرى يبطل الاحتجاج بها لاحتمال عدم ورودها في الأصل، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. فلا سندها مقطوع بصحته ولا ثبوت لفظ (يا) مقطوع بصحته.
    فهاهنا إشكالات حول أصل مصداقية الرواية لا يجوز تجاوزها، عليكم الإجابة عنها: فإن تجاوزتموها وقعتم في مشاكل أخرى:
    1 ) التّحقّق من النسخة المخطوطة.
    2 ) صحّة السند إلى ابن عمر. وأن يكون متواتراً بحسب الاشتراط الأشعري لقبول الرواية في العقائد.
    3 ) أن هناك روايتين متضادتين إحداهما متضمنة لياء النداء والأخرى لا تتضمنها فيجب الترجيح بين الروايتين قبل المسارعة إلى الاحتجاج بواحدة منهما.
    4 ) مخالفة هذه الرواية للقرآن { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] وللسنة « إذا سألت فاسأل الله ». بل ولقول الصحابة قال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: « لا تسأل أحداً غير الله » [حلية الأولياء 2/194 سير أعلام النبلاء 4/463].

    وقول الصحابي وفعله يجب أن يكون مقيداً بموافقة قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن خالفت هذين الأصلين وجب تركها، وقد قال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق: « أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ». فلا نترك كتاب الله وسنة رسوله وفعل جمهور الصحابة لفعل فرد منهم، هذا إذا ثبت ذلك عنه بسند صحيح.
    5 ) هب أن (يا) دعاء لغير الله فماذا قال رب ابن عمر ورسول ابن عمر وابن عبد الله بن عمر؟
    لقد قال تعالى: { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] { قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } [الجن 20] { وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ } [يونس 106]. وقال نبي ابن عمر صلى الله عليه وسلم : « إذا سألت فاسأل الله » وقال: « الدعاء هو العبادة » وهذه الآيات والأحاديث أصح سنداً من رواية ابن عمر.
    ولا يَتركُ قولَ الله ورسوله لقول ابن عمر إلا متحيزٌ عديمُ الإنصاف مفضلٌ لكلام غير الله ورسوله على كلام الله ورسوله.
    ومثل هذه الرواية إن صحت يجعلها الله فتنة للذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ولا ليهديهم سبيلاً.
    6 ) مخالفة الرواية لعمل جمهور الصحابة حيث تركوا التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوسلوا بعمه، حيث أصيب المسلمون في عهده بالقحط والجدب، فلو جاز الاستغاثة بالنبي لمجرد خدر الرجل فالاستغاثة به عند وقوع المجاعة أولى، ولو كانت الاستغاثة عند الصحابة جائزة لأجازوا التوسل به صلى الله عليه وسلم. غير أن الثابت عند البخاري أنهم تركوا التوسل به بعد موته. ثبت ذلك بأدلة أصح إسناداً من الأسانيد المشكلة التي تتمسكون بها وأوضح متوناً منها.
    فكيف يترك الصحابة التوسل ويجيزون الاستغاثة؟ وكيف تكون الاستغاثة به بعد موته جائزة وهم لم يجيزوا لأنفسهم التوسل به بعد موته وهو دون الاستغاثة!
    7 ) أن ابن عمر أصيب بالعمى ولم يعرف عنه أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم فكيف يستغيث بالنبي لمجرد خدر الرجل ولا يستغيث به لما هو أعظم من خدر الرجل وهو ذهاب البصر، لو كانت الاستغاثة به جائزة لفعل.
    تذكر المحبوب عند خدر الرجل

    8 ) أن الرجل قال لابن عمر: « اذكر أحب الناس إليك » فأمره بتذكره ولم يقل له: استغث بأحب الناس إليك. فقال "محمد" أو "يا محمد" أي يا محمد أنت أحب الناس إلي. فكانت إجابة ابن عمر مطابقة لسؤال من أمره بتذكر أحب الناس إليه. وأما أن تكون استغاثة فجواب ابن عمر يكون غير مطابق لمن سأله أن يذكره ولم يسأله أن يدعوه مع الله.
    ومن هذا الباب أوردها البخاري وابن تيمية وابن السني على فرض ثبوت لفظ النداء. فلم يبن النووي ولا ابن علان ولا البخاري على رواية ابن عمر جواز الاستغاثة بغير الله، وإنما كان شرح ابن علان لرواية دليلاً على بطلان تمويهاتكم كما سيأتي.
    كيف فهم أهل العلم هذه الرواية
    فذكر الحبيب عند الخدر كان أمراً شائعاً عند العرب، وجاءت أشعارهم بهذه العادة الشائعة في استعمال ياء النداء عند تذكر الحبيب، ويطلب به استحضار المنادى في القلب، يستشفون بذكر الحبيب لإذهاب خدر الرجل، فيقال لمن خدرت رجله تذكر أحب الناس إليك فيذكر اسمه لا على سبيل الاستغاثة به وإنما كما قال ابن علان: « من حيث كمال المحبة بهذا المحبوب بحيث تمكن حبه من الفؤاد حتى إذا ذكره ذهب عنه الخدر » [الفتوحات الربانية على الأذكار النووية 6/200 لابن علان ط: دار إحياء التراث].
    وروى ابن السني قول الوليد بن عبد الملك في حبابة:
    أثيبى مُغرما كلِفًا مُحِبًا إذا خدرت له رجل دعاكِ [وانظر بلوغ الأرب 2/ 320-321]
    وقول جميل لبثينة:
    وأنتِ لعيني قرة حين نلتقي وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي
    وقل الموصلي:
    والله ما خدرت رجلي وما عثرت إذ ذكرتكِ حتى يذهب الخَدَرُ
    وقال أبو العتاهية:
    وتخدر في بعض الأحايين رجله فإن لم يقل يا عتب لم يذهب الخدر
    وقول آخر:
    صبّ محبّ إذا ما رِجلُهُ خَدِرَت نادى كُبَيشَةَ حتى يذهب الخدر
    وقالت امرأة:
    إذا خدرت رجلي دعوت ابنَ مُصعب فإن قلتُ: عبد الله أجلى فتورها
    فإن كان هذا العمل صحياً فقد صححتم فعل الجاهلية وزعمتم أن كل مشرك استغاث بحبيبته أغاثه حبيبه وأن الله يرضى لجميل استغاثته ببثينة، وهذا قمة الجهل المركب.

    هل (يا محمد) لمجرد النداء؟

    أما زعمهم أننا نكفّر المسلم الموحد لقوله (يا محمد) لمجرد النداء. فإن الأنبياء كانوا ينهون عن دعاء غير الله كقول إبراهيم عليه السلام: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه } [مريم 48]، وقصدهم الدعاء الديني الذي يثدعى فيه غير الله لكشف ضر أو جلب نفع بدعوى التقرب بالولي إلى الله. ونحن إذ نتكلم عن الدعاء فإنما نعني به هذا، لا مجرد دعاء الزوجة بإحضار الطعام! فسحقاً لمن يعتمد التمويه والتلبيس ليضل الناس بغير علم.
    ونحن نشهد أن استعمال (يا) لمجرد النداء لا شرك فيه، وهو شبيه بقول المصلي: « السلام عليك أيها النبي » أو للندبة كقول فاطمة رضي الله عنها لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أبتاه: أجاب رباً دعاه، يا أبتاه: جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. وقول أبي بكر له لما مات: بأبي أنت وأمي "يا" رسول الله. وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل: يا أرض ربي وربك الله ».
    فأنتم تعلمون أن النزاع معكم ليس في هذا، وإنما في النداء المتضمن طلب دفع الكرب وقضاء الحوائج، وهو الذي ننكره عليكم، أما أن يكون كل نداء لمجرد النداء محرم وكفر عندنا: فإن الله استعمل (يا) المنادى في حق محمد صلى الله عليه وسلم لمجرد النداء، فإنه يقول له حين يسجد تحت العرش « يا محمد ارفع رأسك . . .» فهذا نداء لا نحرمه. ولا نحرم أن يقول القائد (يا محمد صلى الله عليك) وإنما نحرم نداء قضاء الحوائج وكشف الضر.
    يَاؤُكُم ليست لمجرد النداء

    ولكن: هل حقاً (ياؤكم) لمجرد النداء أم لحاجة، تريدون من غير الله قضاءها، وضرّ تريدون كشفه، ومدد تريدون مدّكم به كقولكم: المدد يا رفاعي شيء لله يا جيلاني اقض حاجتي، لا تردنا خائبين، نشكو إليك حالنا تعطّف تكرّم تلطّف تحنّن!
    ونداء غير الله لدفع مضرة أو جلب منفعة فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك يؤدي إلى سخط الله، قد شهد بذلك شيخكم الرفاعي حين ذكر في كتاب "حالة أهل الحقيقة مع الله ص92" أن أحد الصوفية استغاث بغير الله فغضب الله منه وقال: أتستغيث بغيري وأنا الغياث؟ فلماذا يغضب الرب؟ أليس لأن الاستغاثة بغيره شركٌ به.

    تغيير الصحابة (أيها النبي)

    في التشهد بعد موته إلى (النبي)

    وحتى مجرد النداء الذي ليس فيه استغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم قد تركه العديد من الصحابة، فقد ذكر ابن مسعود صيغة التشهد: « السلام عليك أيها النبي » ثم قال: « وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام، يعني: على النبي صلى الله عليه وسلم » [البخاري رقم 6265]. وهم لا يغيرون شيئاً علمهم صلى الله عليه وسلم إياه كما كان يعلمهم الصلاة إلا بتعليم منه صلى الله عليه وسلم.
    قال الحافظ ابن حجرك « وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون: « السلام عليك أيها النبي » بكاف الخطاب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات النبي تركوا الخطاب وذكروه بلفظ الغيبة فصاروا يقولون: « السلام على النبي » [فتح الباري 11/56 كتاب الاستئذان : باب الأخذ باليد]. قال: « وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ "فلما قبض قلنا السلام على النبي » بحذف لفظ (يعني).
    قال السبكي في شرح المنهاج بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده « إن صحّ هذا عن الصحابة دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير واجب فيقال: السلام على النبي » فتعقب ابن حجر السبكي فقال: « قد صحّ بلا ريب ». وقد وجدت له متابعاً قوياً: قال عبد الرزاق: « أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي صلى الله عليه وسلم حي "السلام عليك أيها النبي". فلما مات قالوا: السلام على النبي » (الفتح 2/314) كتاب الأذان: باب التشهد في الآخرة.
    وقد حكى الزبيدي هذه العبارة عن الحافظ ابن حجر كاملة كما في إتحافه (3/161) فخذوه حيث حافظ عليه نص.
    فهلا أجبتمونا عن سبب تركهم التوسل به بعد موته وتغيير صيغة السلام عليه؟.
    إن هذا يؤكد تقيد الصحابة في الألفاظ: فإذا كانوا يتركوا لفظ الخطاب وهو دعاء له صلى الله عليه وسلم. فكيف يتلفظون بخطاب فيه دعاء إليه مع الله؟ هذا مع عدم التسليم بأن السلام عليه دليل على الاستغاثة به، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يسلم على أموات المسلمين بهذا السلام وليس كل المسلمين أحياء في قبورهم يصلون كما هو الحال مع الأنبياء!

  7. شكراً شكر هذه المشاركة خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة خاشعة بالذكر
  8. #5
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي من إضافات العضو/ عبد الله الأحد (بارك الله فيه)

    كيف نفهم التوحيد

    ومن الشرك الذي يفوق شرك أهل الشرك القدامى ما يرويه الصيادي عن علي بن عثمان خليفة الرفاعي أنه قال « يا سادة، من كان منكم له حاجة فليلزمني بها، ومن شكا إلى سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت، أو نخلة لا تثمر، أو دابة لا تحمل: فليلزمني بها فإني مجيب له » [قلادة الجواهر 323 روضة الناظرين 84 جامع الكرامات 1/162].
    ويروي النبهاني أن الشيخ جاكير الكردي كان يقول للناس: « إذا وقعتم في شدة فنادوا باسمي » فكانوا في مركب فهبت الريح بهم وتلاطمت الأمواج فاستقبلوا العراق جهة مكان الشيخ ونادوه باسمه فسكنت الريح. فشعر الشيخ باستغاثتهم به فأشار بكمه إلى الجنوب فهبت ريح طيبة وأوصلتهم إلى البر [جامع كرامات الأولياء 1/379 وانظر 2/66].
    وذكر النبهاني أن تجار اليمن كانوا يستغيثون بأبي الغيث اليمني في شدائد البحر ومضايق البر [جامع كرامات الأولياء 2/231].
    بعد هذا ينكر الأحباش على مؤلف كتاب "كيف نفهم التوحيد" قوله إن أبا جهل أكثر توحيداً من الذين يقولون لا إله إلا الله في زماننا، وقد اقتطعوا كلامه، ولم يكملوا عبارته التي ذكر فيها أنه كان في مركب وهبت بهم الريح فصار الناس يستغيثون بالجيلاني بدلاً من التوجه إلى الله القائل: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [العنكبوت 65]، ويقول: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [يونس 22]، فأولئك دعوه مخلصين له الدين، وهؤلاء دعوا الجيلاني فأي الفريقين على التوحيد؟!

    لا تتّبعوا خُطُوات الشّيطان

    هؤلاء المجادلون المشوشون يبدؤون تشويشهم خطوة خطوة:
    المرحلة الأولى: ما المانع من التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الله.
    المرحلة الثانية: ما الفرق بين النبي وبين الصحابي والتابعي؟
    المرحلة الثالثة: ما الفرق بين الصحابة وبين الأولياء؟
    المرحلة الرابعة: تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قبره، إذن فهو يسمع كلامنا وقد أوكل الله له ملكاً يسمعه كلامنا فلماذا لا نستغيث به وهو المقرب إلى الله صاحب الجاه عنده؟
    المرحلة الخامسة: أليس ما كان معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي؟ إذن فهؤلاء الأولياء مكرَّمون في قبورهم لهم من الأحوال ما للأنبياء فلماذا لا نستغيث بهم.
    وهكذا خطوات تدريجية نحو الشرك قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } [النور 21].
    مراتب الأولياء وخصائصهم

    ـ ونسب منحرفو الصوفية إلى الأولياء ما لم يخطر ببال المشركين الأوائل، فجعلوا السماوات والأرض تقوم بهم:
    فالنقباء ثلاثمائة: وهم الذين نقبوا الكون وخرجوا إلى فضاء شهود المُكوِّن ومسكنهم المغرب.
    والأبدال أربعون: "الأبدال" ومسكنهم الشام.
    والأخيار سبعة: وهم السياحون في الأرض.
    والأوتاد أربعة: موزعون على أربع زوايا من الكون ليكونوا ركنا له. فهؤلاء هم الذين يثبّتون الأرض ويحفظونها من الجهات الأربع.
    والنّجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق من الأشياء التي لا تفي القوّة البشريّة بحملها.
    والنّقباء مشرفون على بواطن الناس وخفايا الضّمائر.
    والحواريّون اثنان: وكان منهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم الزبير.
    والقطب أو الغوث: « ويكون واحداً وهو القائم بحق الكون والمكون. وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعظم ... فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل » [انظر التعريفات للجرجاني 35 و 39 و 177 و 239 , 245].
    إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. وأجبتم قوله تعالى: { وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ } [فاطر 41]، فقلتم: يمسكها القطب والبدل والوتد والنجب ... الخ.
    كيف يكون لهؤلاء هذا التصرف المزعوم، وقد قال سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم : « لا أملك لكم من الله شيئاً ». إن سموم عقائد الأمم الأخرى قد دست بين المسلمين وتسرب إليهم كثيرا من عقائد الشيعة فيجب مجاهدة هذه السموم حتى ينصرنا الله.

  9. شكراً شكر هذه المشاركة خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة خاشعة بالذكر
  10. #6
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي من إضافات العضو/ عبد الله الأحد (بارك الله فيه)

    أقسام التّوحيد بين السّلف والمتكلّمين

    وقد اعترض الحبشي على تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات واعتبر ذلك بدعة لا دليل عليها [سبقه إلى ذلك صاحب كتاب براءة الأشعريين 89] ووصف كاتب حاقد تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات بأنه مشابهة لعقيدة الثالوث عند النصارى.
    الجواب الأول
    ـ إذا كان تقسيم التوحيد عند أمثال هذا كالثالوث: فما الفرق بينه وبين ثالوث أهل الكلام الأشاعرة الذين قسموا التوحيد إلى:
    · واحد في ذاته لا قسيم له.
    · واحد في صفاته لا شبيه له.
    · واحد في أفعاله لا شريك له.
    ـ أن دليلنا على تقسيم التوحيد هو نفس دليلكم في تقسيم الكفر والتوحيد إلى ثلاثة أقسام وعلى تقسيم البدعة، حيث حسن الحبشي ما ذمه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: « كلّ بدعة ضلالة » وجزّأ ما لم يقبل التجزئة.
    ـ أما تقسيمكم للكفر فقد جاء في مجلتكم (منار الهدى 2/16 و39) ما نصه: « وهؤلاء فقهاء الإسلام الذين قسّموا الكفر إلى ثلاث أقسام أخذوا ذلك مما فهموا من القرآن ». وذلك رداً على من طالب الحبشي بالدليل على تقسيم الكفر إلى ثلاث أقسام.
    ـ وأما تقسيم شيخكم التوحيد إلى ثلاثة أقسام فهو مبنيٌّ على طريقة الفلاسفة كابن سينا والفارابي [نهاية الإقدام 99 الإشارات لابن سينا 3: 44 فصوص الحكم 123 للفارابي] ويتّفق تماماً مع تقسيم المعتزلة كما نجده عند القاضي عبد الجبار المعتزلي وبنفس اللفظ [كتاب المغني ص 241 للقاضي عبد الجبار المعتزلي].
    حيث يقسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
    ـ واحد في ذاته لا قسيم له. بمعنى نفي الكثرة المصححة للقسمة. وفسرّه بمعنى (ال ةخأحد) الذي لا ينقسم [إظهار العقيدة السنية 26]، وهو من تعبير الفلاسفة كقول الفيلسوف الكندي: « ولا ينقسم الله بنوع من أنواع التكثر » [مذاهب فلاسفة المشرق 76 للعراقي تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام 337 آراء أهل المدينة الفاضلة 3 وفصوص الحكم 132]. [وهو تقسيم باطل لأن الإنسان يوصف بأنه واحد مع أنه منقسم، قال تعالى: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } [المدثر 11]، وهذا الوحيد له عينان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة. وقال: { وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف 110]، فوصف المخلوق بأنه (أحد) فمن أين يدّعي أن الأحد خاص فيما لا ينقسم ولا يقبل الاتصاف؟ لا القرآن يفيد ذلك ولا اللغة. فإنه لا يعقل أن يكون الواحد مما لا يتصف بالصفات وإلا كان نفياً للأحد، وإنما يريدون بهذا نفي ما ثبت من صفات الله أن له يدين وأن القلوب بين أصابعه. فهذا عندهم تبعيض لا يليق بالله لكن النبي صلى الله عليه وسلم وصف ربه به مما يدل على تعارض منهج النبوة مع منهج أهل الكلام. وتعارض ما وصف الله (الواحد) به نفسه من أنه استوى وينزل ويراه المؤمنون]. ولفظ (الأحد) مفهوم عند العامة والخاصة، ولكن جاء المؤولة أهل الكلام واصطلحوا على معنى خفي لهذا اللفظ وهو: الذات المجردة عن الصفات.
    ـ واحد في صفاته لا شبيه له. بمعنى نفي النظير عنه في ذاته [وأرادوا من القسم الثاني إدراج نفي الصفات تحت ذريعة نفي التشبيه. وصدق من قال اتخذوا نفي التشبيه جُنّةً فصدّوا عما وصف الله به نفسه].
    ـ واحد في أفعاله لا شريك له. بمعنى نفي المساهم في اختراع المصنوعات وتدبير المخترعات [الدليل القويم 33]. [وهذا التقسيم غاية التوحيد عندهم به يُثبتون خالقاً واحداً لكن الأنبياء أول ما دعوا إليه الناس عبادة هذا الخالق الواحد لم يكونوا يبدؤونهم بأن خالق العالم واحد].
    وليس في شيء من هذه الأقسام الثلاثة تطرقٌ إلى التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: وهو توحيد الله في الدعاء والعبادة والذبح والنذر { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي } [مريم 48]، { فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن 18] ولهذا نجد عندهم شرك دعاء غير الله على النحو الذي كان عليه أهل الجاهلية من نذر وذبح للأولياء وللأضرحة، مع زعمهم أنهم قرروا التوحيد بهذه الأقسام الثلاثة.
    فهذه التعابير مُحدَثَة لم ينطق بها السلف ولا يستسيغها الناس لا لصعوبتها وإنما لعُجْمَة لكنتها ولأنها من عند الفلاسفة والمتكلمين الذين هم أكثر الناس مرضاً وشكاً في الله على حد قول الغزالي القائل: « إنّ الإيمان المستفاد من الدّليل الكلامي ضعيف جداً ومشرف على الزوال بكل شبهة » (الإحياء 1: 94) وقال أيضاً في (فيصل التفرقة 153): « فَقِسْ عقيدة العامّي بعقيدة المتكلمين والمجادلين تجد اعتقاد العامّيّ في الثّبَات كالطّوْد الشَّامخ لا تُحرّكه الدّواهي والصّواعق ».
    قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: « والأحد هو الواحد في ألوهيته وربوبيته. وفسره أهل الكلام بما لا يتجزأ ولا ينقسم » [تفسير سورة الإخلاص ط: السلفية الكويت].
    الجواب الثاني

    التّوحيد عند الغزالي أربع أقسام أفضلها وحدة الوجود

    ينقسم التوحيد عند الغزالي "الأشعري" إلى أربعة أقسام:
    رابعها: وهو أعظمها: أن لا يرى العبد في الوجود إلا واحداً .. وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد، وتقسم التوحيد إلى توحيد شهودي وتوحيد وجودي.
    قال الغزالي: « فإن قلتَ: كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحداً وهو يشاهد السماء والأرض وسائر الأجسام المحسوسة: فكيف يكون الكثير واحداً؟
    أجاب: فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات: وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون: « إفشاء سرّ الربوبية كفر ».
    أضاف: « إنّ الشّيء يكون كثيراً بنوع مشاهدة واعتبار، ويكون واحداً بنوع واعتبار آخر. وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر واحد إذ نقول: إنه إنسان واحد ».
    « وكم من شخص يشاهد إنساناً ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه ... فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق ... فهو باعتبارٍ واحدٍ من الاعتبارات: واحد، وباعتبار آخر سواه: كثير ...
    ويستحسن طريقة الحلاج في وحدة الوجود

    وإلى هذا أشار: الحسين بن منصور الحلاج حيث قال للخوّاص: « قد أفنيت عمرك في عمران باطنك: فأين الفناء في التوحيد؟» ثم أكد الغزالي عقيدته في وحدة الوجود قائلاً: « وليس مع الله موجود: بل الموجودات كلّها كالظّلّ من نور القدرة ».
    وقال في كتابه مشكاة الأنوار: « العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق ... فقال بعضهم: « أنا الحق » وقال الآخر: « سبحاني ما أعظم شأني » [إحياء علوم الدين 4/245 247 وانظر كتاب الأربعين للغزالي 104 ط: دار الآفاق الجديدة بيروت].
    ثم احتج ثانية بالحلاج وبشِعره الذي يقول فيه [مشكاة الأنوار 19 20 ط : مكتبة الجندي مصر]:
    أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
    فهذه تقسيمات أربعة للتوحيد ينتهي فيها الغزالي إلى عقيدة وحدة الوجود والاحتجاج بالحلاج الذي ينقل الأحباش تحذير أحمد الرفاعي منه غاية التحذير.
    ولقد حكم الأحباش بكفر سيد قطب لقوله بأن: « الوجود الحقيقي إنما هو لله فقط » قالوا: « أليس هذا قولاً بوحدة الوجود التي اتفق علماء المسملين على كفر قائلها » غير أنهم لتحيزهم لا يتحدثون عن هذه الكلمات التي كان الزبيدي يقر الغزالي عليها ويشرحها ويصرح بأنه ليس في الوجود على الحقيقة إلا الله وأفعاله » [إتحاف السادة المتقين 10 / 219]!
    فانظر إلى المتعصبين المشوشين كيف يتكتمون على ما عند الغزالي من الانحراف، ويظهرون في مواقفهم من المصلحين بمظهر المصلح. أليس هذا دليلاً على أن الدافع على إنكارهم على ابن تيمية ليس نصرة الحق. لو كانوا يريدون الحق لأنكروا على الغزالي عقيدته في وحدة الوجود.
    النّقشبنديّون يُقسّمون التّوحيد إلى وحدة الوجود

    جاء في البهجة السنية في آداب النقشبندية: « اعلم أن التوحيد قسمان:
    توحيد شهودي كقول الحلاج: أنا الحق. وقول أبي يزيد: سبحاني ما أعظم شأني.
    توحيد وجودي. فالتوحيد الشهودي لا يخالف العقل بخلاف التوحيد الوجودي » [البهجة السنية في آداب الطريقة الخالدية العلية النقشبندية ص 80-81 ط: مكتبة الحقيقة وقف الإخلاص. استنبول].
    الجواب الثالث

    أن المرتضى الزبيدي قسّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
    1- توحيد الذات.
    2- توحيد الصفات.
    3- توحيد الأفعال.
    وأقرّ التفريق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية ناقلاً عن صاحب البصائر أن الصبر لله متعلق بالإلهية، والصبر به متعلق بربوبيته، وما تعلق بالإلهية أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته » [إتحاف السادة المتقين 9/42 و9/645 وكذلك 3/364]. انتهى.
    فهل تتهمون الزبيدي بموافقة القائلين بالثالوث كما اتهمتم ابن تيمية، ولا يخفاكم وصف الزبيدي لابن تيمية بأنه شيخ الإسلام رغم أنوفكم [انظر إتحاف السادة المتقين 4/537 539 و3/482].
    أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية ذكره البيجوري في شرح جوهرة التوحيد (ص 97) ففي تفسير: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الفاتحة 2]، قال: « يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية ». وهو عين ما قاله العلامة الحنفي ملا علي قاري رحمه الله [وصفه الكوثري بأنه ناصر السنة (تبديد الظلام 100)] وزاد عليه: « والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [لقمان 25]، بل غالب سُوَر القرآن وآياته متضمّنة لنوعَي التّوحيد بل القرآن من أوّله إلى آخره في بيانهما » [شرح الفقه الأكبر 8].
    وذكر تلميذ الكوثري الشيخ أبو غدة أن هذا التقسيم مُستقى مما جاء به الكتاب والسنة [كلمات في كشف أباطيل ص 37].
    وأشار صاحب الحدائق الوردية النقشبندي إلى هذا الفرق بين توحيد الربوبية التي سماها مرتبة الخالقية والمرتبة الثانية التي أسماها بمرتبة الألوهية [الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبندية 187].
    الجواب الرابع

    أن تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية ليس بدعة بل حكاه الطبري وغيره عن أهل العلم قبل ابن تيمية بمئات السنين: فقد قال في تفسير قوله تعالى: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ } [يونس 3]، أي فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته وأفرِدوا له الربوبية والألوهية » [المجلد السابع 11 : 60].
    وكذلك قوله تعالى: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاّ هُو } [غافر 62]، أي الذي فعل هذه الأفعال وأنعم عليكم هذه النِعَم هو الله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره » [المجلد 11 / 53].
    وفي تفسير قوله: { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة 22]، قال: « كانت العرب تُقِرّ بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك في عبادته » [الطبري 1 : 128].
    وقوله تعالى: { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ } [يوسف 106]، « وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكاً في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له في الطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل » ثم رُوي مثل ذلك عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعامر وقتادة وعطاء وجمع. قال قتادة: « لا تسأل أحداً من المشركين من ربك؟ إلا ويقول ربي الله وهو يشرك في ذلك »، وقال ابن زيد: « ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه خالقه ورازقه وهو يشرك به ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك: المشركون كانوا يقولون هذا » [تفسير الطبري 13 / 50 51].
    فالتقسيم دليله من كتاب الله كتقسيم الأحكام إلى فرض وواجب ومسنون ومباح ومكروه ومحرم وليس في ذلك نص وإنما هو مستفاد من نصوص الشرع، بخلاف التقسيمات المخالفة للنصوص الشرعية كتقسيم البدعة إلى بدعة واجبة وبدعة مستحبة وقد قصرها النبي صلى الله عليه وسلم على واحدة « كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ».
    ومن الأدلة على صحة التقسيم ما أخرجه (مسلم 382) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار. فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال: "على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خرجت من النار". فنظروا فإذا هو راعي معزى ».
    فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال: الله أكبر « على الفطرة » أفاد أمراً مهماً وهو أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية مستقر في الفطرة البشرية ولذلك لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا عندما أتى بالشهادة بتوحيد الألوهية.
    لماذا نُذكّر بهذا التّقسيم؟

    وقد وجب تذكير الناس بهذا حين اعتقدوا أن (لا إله إلا الله) تعني أنه لا خالق ولا رازق إلا الله وهو المعنى نفسه الذي ذهب إليه المشركون كلما سئلوا: { مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } [العنكبوت 61]، قالوا: { الله }.
    ومن هنا وجب تذكير الناس بتوحيد الألوهية لئلا يظنوا أن لهم الفضل في توحيدهم الفطري للربوبية. وليعلموا أنهم مطالبون بمقتضى توحيد الربوبية الفطري أن يوحدوه توحيد الألوهية وذلك بإفراده بالدعاء والذبح والنذر وسائر الطاعات والعبادات. فإن من يعتقد أن الله هو الخالق الرازق وحده وجب عليه بمقتضى ذلك أن يعبده وحده فيجعل صلاته وذبحه ودعاءه له وحده لا يشركه في ذلك ولي ولا صنم ولا ضريح.
    وقد احتيج إلى هذا التقسيم أيضاً لقطع الطريق على أهل الكلام الذين قصَروا الناس على توحيد الربوبية الذي كان يعتقده أبو جهل وجعلوه غاية توحيدهم، كما زعموا أن أحمد الرفاعي قال: « غاية المعرفة بالله: الإيقان بوجوده » [مرشد الحائر في حل ألفاظ ابن عساكر 34] وليتنبهوا إلى أن غاية التوحيد الذي أرسل الله من أجله رسله وأنزل كتبه ليس لمجرد اعتقاد أن صانع العالم واحد وإنما غايته إفراد صانع العالم وحده بالعبادة. والدعاء عبادة والذبح والنذر عبادة.
    لماذا قال الملكان: من ربك ولم يقولا من إلهك؟

    شبهة: واحتج الحبشي بسؤال الملكين للميت « من ربك » ولم يقولا له « من إلهك » على أن الربوبية والألوهية شيء واحد.
    والجواب:
    أن هذا الدليل شبهة ليست بأوضح ولا أقوى من النص القرآني: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [الزخرف 87]، { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } [الزخرف 9]، فالنص القرآني محكم يرد إليه المتشابه الذي احتج به أهل الزيغ.
    أن الربوبية والألوهية يجتمعان ويفترقان كما في قوله تعالى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، مَلِكِ النَّاسِ ، إِلَهِ النَّاسِ } [الناس 1-3]، وكما يقال (رب العالمين) و (إله المرسلين). وذلك مثل لفظ (المؤمن والمسلم) و(الفقير والمسكين) و(الزكاة والصدقة).
    وعند الإفراد يجتمعان كما في قول الملَك للميت (من ربك) ومعناه من إلهك. لأن الربوبية التي أقر بها المشركون وشهد لهم القرآن بالإقرار بها ما يُمتحن بها أحد. وكقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } [الأحقاف 13]، { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } [الحج 40]، { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا } [الأنعام 164]، فالربوبية في هذه الآيات هي الألوهية ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة عند الاقتران.
    فإذا قيل: فقولوا بأن آية الميثاق: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْل } [الأعراف 172]، تتعلق بالألوهية وليس الربوبية. فالجواب:
    أولاً: أن هناك قرينة تثبت أن الربوبية هي المراد هنا دون الألوهية، وهي أن الكافر بعد أن يُعرَض عليه مقعده من النار يقول: « ربّ لا تقم الساعة » فهذا يدل على أنه مؤمن به مقرّ بوجوده كيف يسأل عنه؟
    وقد حرمه الله أن يجيب عن هذه الحقيقة التي فُطِر عليها ولم يثبّته عند السؤال عقوبة له، والجزاء من جنس العمل: فكما أنه نسي الله في الدنيا فقد أنساه الله الإجابة عما فيه نجاته في الآخرة. فقال عند السؤال (هاه هاه لا أدري). وقال بعد السؤال (رب لا تقم الساعة).
    وقد شهد الله على المشركين أنهم ما غفلوا عن ربوبيته حين اتخذوا معه آلهة أخرى { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [لقمان 25]، { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [الزخرف 87]، فإذا سألتهم إذن لماذا عبدتم غيره قالوا: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر 3]. والتجربة تثبت أنه حتى النصارى المثلثة ما زالوا يقولون: نحن نؤمن بالرب الواحد.
    ثانياً: أن الرب: المقصود به الإله، ويقويه رواية البخاري: « إذا أقعد المؤمن أُتِيَ ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله » فهذه الرواية تفسر الرواية الأخرى الواردة بلفظ: « من ربك » ففي آية الميثاق شهدوا بربوبيته، وفي حديث القبر شهد المؤمنون الموحدون منهم بألوهيته دون سواه.

    دليل التّمانع

    وطلب الحبشي الدليل على تقسيم التوحيد من الكتاب أو السنة يوحي بأنه ملتزم بهما ولكن: من أي أتى ب‍ (دليل التّمانع)؟ أمن كتاب الله أم من عند أرسطو ومِن بعدِهِ المعتزلة؟ هنا تظهر حقيقة الرجل:
    فلقد أكّد الحافظ ابن حجر أن الرازي [هو من أئمة الأشاعرة وإمام في علم الكلام قال فيه الحافظ ابن حجر "كان له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة، وكان يورد شُبه الخصم بدقة ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهاء (لسان الميزان 4: 426-428) واعترف السبكي بتراجع الرازي عن منهج المتكلمين وذكر الحافظ أنه كتب وصية تدل على أنه قد حسن اعتقاده. ولكن النص عند السبكي مخالف لما ذكره الذهبي وابن كثير (قارن بين طبقات الشافعية 37:5 وبين البداية والنهاية 56:13 وسير أعلام النبلاء 21: 501) فإن رجوع الرازي عن طريق الكلام إلى منهاج السلف لا يروق للسبكي المتعصب الذي زعم أن الذهبي تفرد بنقد الرازي والآمدي اللذين لم يضعف أحد شيئاً من علومهما أو يجرحهما (طبقات السبكي 2/14 محققة)] أخذ دليل التمانع عن الفلاسفة وسلك فيه سبيل أرسطو [لسان الميزان 4 : 428].
    وفي قول الحافظ تكذيب لما زعمه النسفي في تبصرة الأدلة أن: « دليل التمانع أخذه المتكلمون من كتاب الله ». وقد قدح التفتازاني الماتريدي في هذا الدليل واعتبره دليلاً ظنياً [شرح العقائد النسفية 33 34]. مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى تكفيره كما سيأتي.
    دليل التمانع سلاح المعتزلة

    ودليل التمانع من أقوى الأدلة عند المعتزلة على وجود الله، وقد ذكروه بنفس التفصيل الذي ذكره الأشاعرة، واحتجوا له بقوله تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء 22]، قال القاضي عبد الجبار: « لو كانا اثنين يصح التمانع بينهما فيبطل أن يكون له ثان. فإن قيل فما مقصدكم بأنه لو كان معه ثان لصح التمانع بينهما؟ قيل: نريد بذلك كونه واحداً في القِدم وأنه لا ثاني له فيها ولذلك نستدل بدليل التمانع » [المغني 4: 244 و245 و 257].
    وقال الشهرستاني وقد سلكتِ المعتزلةُ طريق التمانع في استحالة الإلهَيْن كما سلكناه » [نهاية الإقدام 101رسائل العدل والتوحيد 1/229 للمرتضى المعتزلي شرح الأصول الخمسة 281 للقاضي عبد الجبار].
    وهو من جملة السم الذي سقاه المعتزلة للأشاعرة (أو قل) وبقي من مخلفاتهم وتفاخر به الحبشي وأسلافه من خَلَف المعتزلة [الإنصاف للباقلاني 49 الإرشاد للجويني 71 المواقف للإيجي 278].
    ولعلهم تجاهلوا ما ذكره المرتضى الزبيدي أن من الأشاعرة من أورد على هذا البرهان اعتراضات كالآمدي الذي وصفه بأنه مسلك ضعيف كالسعد التفتازاني الذي ذكر من مفاسد هذا الدليل: أنه لو تعدد الإله لم تتكون السماوات والأرض أصلاً. ثم نقل عن النسفي إشكالاً آخر وذلك أن يسأل سائل: لماذا لا يجوز فرض إلهين متوافقين في الإرادة بحيث يمنع وقوع المخالفة بينهما؟
    ثم عاد فنقل عن السعد أن هذا البرهان إقناعي وليس قطعياً ولا يفحم الجاحد، مما أدى بالشيخ عبد اللطيف الكرماني إلى التشنيع عليه، مستنداً في تشنيعه إلى أن صاحب التبصرة حكم بكفر أبي هاشم لقدحه في دلالة الآية [إتحاف السادة المتقين 2/129 و132 وجوهرة التوحيد بشرح البيجوري 61 وغاية المرام للآمدي 151 وشرح العقائد النسفية 82].
    على أن هذا الدليل بحد ذاته صادق وبرهان تام على امتناع صدور العالم عن اثنين، ولكن الآية لا علاقة لها بإثبات صانع واحد، وإنما معناها أنه لو وُجد من يستحق العبادة مع الله لفسدت السماوات والأرض.
    وبهذا يبطل الاستدلال بالقرآن على صحة دليل التمانع: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا } [الأنبياء 22]، لأن الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين للعالم أو أكثر بل اتخذوا آلهة لم يعتقدوها أنها خالقة بل جعلوها وسيلة لهم تقربهم إلى الخالق الواحد وتشفع لهم عنده. فإذا ثبت بدليل صريح أن المشركين كانوا يعتقدون بوجود خالقين آخرين مع الله فقد صح دليل التمانع وإن لم يثبت بطل دليل التمانع.
    ولفظ (آلهة) جمع إله. وهو المألوه أي المعبود. وليس معناه: القادر على الاختراع كما قاله الرازي وحكاه البغدادي عن الأشعري [لوامع البينات للرازي 124 وأصول الدين للبغدادي 123]. بينما مطلوب دليل التمانع إثبات خالق رازق مخترع واحد. وهو دليل تمنع الأنبياء عن الدعوة إليه.
    وبما أن غاية دليل التمانع [هو قاعدة جدلية لإثبات وحدانية الله في الخلق ابتكرها الفلاسفة ثم تلقاها عنهم الجهمية ثم المعتزلة ثم أخذ بها الأشاعرة والماتريدية] إثبات صانع مبدع للكون لا خالق سواه، وبما أنه ينتهي بعد الخوض في الله بالطريقة الرياضية الحسابية إلى إثبات أن خالق العالم واحد لا شريك له في خلق الكائنات وتدبير المصنوعات، وأنه لم يتطرق إلى توحيد هذا الخالق في العبادة والدعاء والاستغاثة وإفراده في الذبح والنذر، اضطر أهل السنة إلى تفصيل أنواع التوحيد كما وردت في القرآن الكريم فقالوا [انظر الصفحة المقابلة]:

    توحيد الرّبوبيّة

    هو توحيد فطري، فطر الله العباد عليه، سواء منهم المؤمنون والكافرون حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم: { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شهدنا } [الأعراف 172] فمن جحد ربوبية الله فقد جحد ما استيقنه قلبه كما حكى الله عن فرعون وقومه: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا } [النمل 14] وقال موسى لفرعون: { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِر } [الإسراء 102].
    فاعتقاد أن الله هو الخالق الرازق وحده من المسلّمات الفطرية، ولذلك يخطئ من يفني عمره في استخراج الأدلة على إثبات وجود الله لأن الدليل على ذلك مركوز في الفطرة.
    وهذه حقيقة اعترف الحبشي بها بعد كثرة الخوض وإيراد الأدلة وهو أن العلم بذلك مستقر في قلوب البشر وفِطَرِهم، ونقل اعتراف الرازي بذلك [الدليل القويم 25]. وهو قول الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص124).
    غير أن الغزالي قد شكك بهذه الفطرة حين قال: « وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعاً هو صادق، بل الصادق ما يشهد به قوة العقل » [المستصفى 1/47].
    فتوحيد الربوبية كان يعتقده المشركون، ولذلك لم يدعهم إليه الرسل لعلمهم أن الله فطرهم عليه والدليل على ذلك من القرآن الكريم:
    { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } [الزخرف 9].
    { قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } [المؤمنون 84، 85].
    { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ } [المؤمنون 86، 87].
    {قل من بيده ملكوت كل شيئ وهو يجير ولايجار عليه إن كنتم تعلمون , سيقولون لله قل فأنى تسحرون }[المؤمنون 87، 89].
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: « خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين » [مسلم ( 2865)]. فالحنيفية هي الإسلام.
    ولذلك لم يدْعُ الأنبياءُ قومَهم إلى اعتقاد أن الله هو الخالق الرازق، فالقرآن أفاد بأنهم يؤمنون بذلك. وإنما كانت أول دعوتهم إلى:
    توحيد الألوهيّة

    { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [الأعراف 59] فقد كانوا يتخذون بينهم وبينه وسائط يتقربون بهم إلى الله زلفى.
    قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } [يونس 18].
    فتوحيد الألوهية يدخل فيه توحيد الربوبية، بمعنى أن من أفرد الله بالدعاء والطاعة والامتثال والخوف والرجاء فلا بد أن يكون معتقداً بتوحيد ربوبية الله بالخلق والإيجاد وأنه لا خالق إلا هو. وأن من أتى بتوحيد الألوهية لا يُطلب منه أن يأتي بتوحيد الربوبية لأن الثاني داخل فيه.
    وهذا التوحيد (توحيد الألوهية) لم يعالجه دليل التمانع عند أهل الكلام ولم يتطرق إليه ولذلك تجدهم يبيحون الاستغاثة بغير الله وسؤال أهل القبور وطلب الشفاعة منهم:
    والدليل على ذلك ما قاله الحبشي من أن من قال لا إله إلا الله فهو موحد وإن استغاث بالأنبياء والأولياء، وإن استعاذ بسوى الله، وأن الأولياء يخرجون من قبورهم ليجيبوا دعوة الداع إذا دعاهم!
    ـ وجملة القول أن من يعتقدون بتوحيد الربوبية فقط ويظنون أنهم موحدون مع لجوئهم إلى الأموات، يستغيثون بهم ويتضرعون إليهم ويسألونهم قضاء الحوائج ورفع الكربات، ويظنون أن مشايخهم يتصرفون في الأكوان: متورطون في الشرك وإن اعتقدوا فيهم أنهم لا يخلقون ولا يرزقون وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله.
    توحيد الأسماء والصّفات

    وأما « توحيد الأسماء والصفات » فإنه بعدما أكثر أهل الكلام من الخوض والإلحاد في أسماء الله وصفاته بما أدى بهم إلى تعطيلهاو تحريفها بضروب التأويلات:
    قال أهل السنة حينئذ بأن هذا القسم من أقسام التوحيد: يتعلق بإثبات ما أثبته الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، ولا نقول على الله ما لا نعلم، فإن التأويل في أسمائه وصفاته إلحاد فيها، وتحريف للكلم عن مواضعه من جنس عمل اليهود، قال الحافظ في الفتح: « قال ابن عباس: { يُحَرِّفُون } [النساء 46، المائدة 13، 40]: يزيلون، وليس أحد يُزيل لفظ كتاب من كتب الله، ولكنهم يحرفونه: يتأولونه عن غير تأويله » ثم نص الحافظ على أن تحريف أهل الكتاب لمعاني النصوص لا يُنكر بل موجود عندهم بكثرة [فتح الباري 13/524].
    ولقد توعّد الله الخائضين فيها بالعقاب فقال: { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الأعراف 180].
    فأهل الكلام (والحبشي منهم) يشملهم هذا الوعيد، فإنهم يقولون: « لا نقطع أن يكون ما تأولناه مراداً لله، وإنما يحتمل أن يكون تأويلنا موافقاً لمراد الله ويحتمل أن لا يكون كذلك » [الدليل القويم 47 التوحيد للماتريدي 74].
    فهم يُقحمون الاحتمالات في أشرف مسائل العقائد بينما يمنعون من الاستدلال بخبر الواحد ولو كان في البخاري ومسلم.

  11. شكراً شكر هذه المشاركة خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة خاشعة بالذكر
  12. #7
    جهود لا تنسى
    تاريخ التسجيل
    Jun 2014
    المشاركات
    1,171
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي وختم الموضوع بمبحث من كتاب الشيخ/ دمشقية عن ...

    الشّــفـاعـة

    خلط مفهوم الشّفاعة بالتّوسّل والاستغاثة

    الآيات القرآنيّة في الشّفاعة

    آلهتهم شفعاؤهم

    الشّفاعة الشّرعيّة والشّفاعة الشّركيّة


    الشّفاعة

    ومن مغالطات أهل البدع ومخادعتهم للعامة: الخلط بين التوسل وبين الشفاعة: { وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } [الأنعام 137]، ويراد بهذا الخلط طمس الشَّبَه والمضاهأة بين الشفاعة البدعية الشركية الحاضرة وبين الشفاعة الشركية الماضية التي تذرع بها المشركون الأوائل والتي منعها القرآن.

    فمفهوم الشفاعة عند المشركين والفلاسفة كابن سينا والصوفية أن شفاعة الرسول لا تحتاج إلى دعاء منه وإنما هي رحمة تفيض على الرسول فينعكس هذا الفيض (بما يسميه الصوفية بالمدد) على طالب الشفاعة من غير شعور أو دعاء من الشفيع، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على مرآة ثم انعكس الشعاع من المرآة على الحائط. فكذلك تفيض الرحمة على النفوس الفاضلة كنفوس الأنبياء والصالحين ثم تفيض بتوسطهم على نفوس المتعلقين بهم. وهذا الفيض يمكن تحققه عند زيارة قبر ولي أو نبي فتجتمع الأرواح المفارقة والأرواح الزائرة ويبدأ المدد عن طريق الذبذبات الكهرومغناطيسية وأشعات اللايزر! وارتكبوا جناية على الألفاظ أدت إلى ارتكاب جناية على الدين حين بدلوا معاني الألفاظ.
    جاء في تهذيب اللغة: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ } [البقرة 255] الشفاعة هنا أي الدعاء.
    والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره [تهذيب اللغة للأزهري 1/436]. وشفع إليه: أي طلب إليه. وعلى هذا يفسر موارد اللفظ في القرآن والسنة في لفظ الشفاعة.
    ومعنى الشفاعة الدعاء. فعن أنس وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شُفّعوا فيه » وفي رواية ابن عباس: « ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفّعهم الله فيه » [وهذا يفسر قول الأعمى في الدعاء "وشفعني فيه" أي اقبل دعائي في أن تتقبل منه صلى الله عليه وسلم . والحديث رواه مسلم].
    شروط الشفاعة

    نعم، الشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين يوم القيامة، ولكن للشفاعة شرطان نصّ عليهما القرآن الكريم:
    الأوّل: إذْنُ الله للشّافِعِ أن يشفع.
    الثّاني: رضاه عن المَشفوع له.
    فشرطا الشفاعة: الإذن والرضا من الله { يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً } [طه 109]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: « أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً » فلو كان يملك الشفاعة لضمنها لابنته، فإن مالك الشفاعة لا يجوز أن ينتظر أن يأذن له أحد بها وإلا لا يسمى مالكاً لها.
    الآيات القرآنية في الشفاعة

    والآيات التي جاءت في الشفاعة على ثلاثة أنواع:
    الأول: اختصاص الشفاعة بالله وحده { قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } [الزمر 44]، { لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ } [الأنعام 51].
    الثاني: مقيد بإذنه ورضاه { يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً } [طه 109] فحق الشفاعة لله حق مطلق لا يقيده حق أحد عليه، وإنما شفاعة غيره مقيدة بأن يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع.
    الثالث: الشفاعة الشركية، وهي اتخاذ المشركين وسطاء بينهم وبين الله زعموا أنهم يشفعون لهم: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء } [الزمر 43]، والتقرب بهم إلى الله: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر 3].
    التفتازاني يعترف أن شرك المشركين توسل وتشفع
    قال التفتازاني: أن شرك المشركين وقع حين « مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله وتوسلاً » [شرح المقاصد للتفتازاني 4/41-42].
    الرازي يشرح قول المشركين: إلا ليقربونا إلى الله

    ذكر الرازي أربعة أسباب مفضية إلى الشرك منها: « قولُ من قال: إنّا نعبد هذه الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا، فقال تعالى في إبطال أقوالهم: { وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [سبأ 23]، فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره، فبِطَلَبِكم الشفاعة تُفوّتون على أنفسكم الشفاعة.
    وقال: « اعلم أن الكفار قالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما ... لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى: { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ } [الزمر 43] [التفسير الكبير 25/254-255 و26/285]. انتهى.
    وقال تعالى: { لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } [مريم 87].
    آلهتهم شفعاؤهم

    فمن زعم أن فلاناً يشفع له مما لا برهان له به فسيضل عنه يوم القيامة كما قال تعالى: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [الأنعام 94] ونحن لا نشك في أن محمداً صلى الله عليه وسلم يشفع لكننا لا نعلم فيمن يؤذن له بالشفاعة؟ لأن الأمر أولاً وأخيراً بيد الله.
    موقف سلفنا من الشفاعة
    ثم الشفاعة ليست خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء، بل باقي الأنبياء يشفعون، وليس هو الحي الوحيد في قبره وإنما باقي الأنبياء أحياء في قبورهم، وكان الصحابة لا يجهلون أن الأنبياء يشفعون، ومع هذا فلم يعلّم أصحابه أن يسألوه الشفاعة بعد موته، ولا علّمهم طلب الشفاعة من الأنبياء، ولم يقل لهم يجوز طلب الشفاعة من النبي المفضول مع وجود النبي الفاضل كما يدعي الحبشي في فعل عمر.
    سؤال: لماذا نجد الشفاعة منفية تارة ومثبتة تارة أخرى؟
    والجواب: أن الشفاعة المنفية شفاعة أهل الشرك الذين اتخذوا لأنفسهم عهداً بأن غير الله سيشفع لهم عنده. وهي الشفاعة التي يدافع عنها مشركو اليوم ممن يخاطبون الأموات ويطلبون منهم الشفاعة. يسيئون العمل ويعلقون على الشفيع الأمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة « أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً ».
    قال ابن تيمية: « وأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره... فالله هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفع أحد في أحد إلا لمن أذن الله للشفيع أن يشفع، وإذا لم يأذن الله لم تنفع الشفاعة كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا لوط في قومه ولا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنافقين واستغفاره لهم » [الرد على البكري 60 – 61]. فإكرام الله نبيه بالشفاعة ليس مطلقاً من غير تقييد، كما يهوى أهل الهوى والبدع.
    الشفاعة لأهل الكبائر لا لأهل الشرك

    تحقيق التوحيد أهم أسباب الشفاعة

    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : « من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه » [أخرجه البخاري رقم (99)].
    فلا نصيب في الشفاعة لمن أشرك مع الله في الدعاء ولم يخجل من مناداة غيره جاهلاً أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لا نصيب فيها لمشرك، إنما هي لأهل الكبائر الموحدين من أمته لا لأهل الشرك كما قال: « فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً » [رواه مسلم (199)]. فحتى الزنا وشهادة الزور وقتل النفس ذنوب يرجى معها المغفرة والشفاعة لا الشرك، فالله أكبر كم غفل الناس عن قباحة هذا الذنب!!!
    ثم إن مفهوم الشفاعة عند هؤلاء يودي إلى التعلق بالأماني وترك العمل والاستعاضة عنه بالتعلق بنبي أو صالح يستغيث به من دون الله، ويسأله أن يدعو الله له في قبره، فيزعم أن الله لا ينظر إليه لذنوبه وهنا تأتي أهمية الوسيط الصالح المطهر المحبوب عند الله. وكأن هذا الوسيط أرحم بالعباد من رب العباد!!!
    وغفل أن الشفاعة بيد الله هو الآذن بها لمن يشاء ويرتضي لها من يشاء للشفيع أن يشفع، وهذا يقطع الطريق على من يتعلقون بالذوات ويربطون نجاتهم بهم فيعتمدون في أمر نجاتهم على الآخرين لا على العمل مضاهأة للنصارى.
    قال تعالى: { لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } [مريم 87]، قال ابن جريج: « أي عملاً صالحاً » [رواه ابن جرير عنه بسنده (الطبري المجلد الثامن ج16 ص 97)].
    ليست كل دعوات الأنبياء مجابة
    وليعلم أن دعوات الأنبياء ليست مستجابة كلها، فالله لم يستجب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه حتى قال: { إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } [التوبة 80] وقد ردّ الحافظ على من زعم أن « جميع دعوات الأنبياء مستجابة » قائلاً: « وهذا فيه غفلة عن الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة ». وسأل ربه أن يستغفر لأمه فمنعه ذلك. ولما أراد نوح أن يستغفر لابنه قال الله له: { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } [هود 46]. وهذا إبراهيم عليه السلام لم تنفع شفاعته في أبيه.
    فائدة أخرى من كلام الحافظ: قال: « وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط. والجواب أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة » [فتح الباري 11/97].
    وقال الكِرْماني في شرح البخاري (22/122) عند شرح الحديث: « معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهي على رجاء إجابتها: بعضُها يُجاب وبعضها لا يُجاب ».
    وإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع، وبعد قيامه يشفع: فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم : « أنا أوّل شافع »؟
    وما معنى قوله: « إني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلةٌ إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً »؟ فالرسول يقول: « اختبأت » وهؤلاء يتعجلونها ويكذّبونه حين يزعمون أنه لم يختبئها بل هي نائلة من يستغيث به في الدنيا عند قبره، وهم بطلبهم الشفاعة بهذه الطريقة قد يُحْرَمُون من الشفاعة، فإن من طلب شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.
    والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا أنه سيشفع يوم القيامة فيسجد تحت العرش ما شاء الله له أن يسجد ثم يقال له: « أي محمد، ارفع رأسك وقل يُسمع لك، وسَلْ تُعطه، واشفع تُشفّع » فشفاعاته في الدنيا وهو حي ثابتة، كقول عكاشة: « يا رسول الله ادع الله أن أكون منهم » فقال له: « أنت منهم ».
    وشفاعته في الآخرة ثابتة لا جدال فيها. ويبقى أن يأتينا من يزعم أنه يشفع في قبره بعد موته بدليل صحيح، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يخبرنا أنه سيكون شافعاً في قبره أيضاً، وليس لدى من يزعمون ذلك دليل واحد من كتابٍ أو سنة. بل لم يصح حديث في الشفاعة لمن زار قبره.
    صحيح أنه صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قبره ولكن الأنبياء جميعهم يحيون حياة برزخية مختلفة عن حياتنا. فلماذا لم يخطر ببالكم أن تنادوا الأنبياء الآخرين: فتقولوا يا سليمان يا داود يا آدم يا يعقوب يا إسحاق: أغيثونا، وقدّمتم عليهم الرفاعي والجيلاني والبدوي والدسوقي: أهؤلاء أحب إلى الله وإليكم – من أولئك ؟
    وهؤلاء شهداء أُحُد وبدر وغيرهم: أحياء كذلك، وقد نهى الله أن يقال إنهم أموات: { وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ } [البقرة 154] فلماذا لم يخطر في بالكم أن تستغيثوا بهم. أم أنكم وجدتم آباءكم ومشايخكم على هذا السبيل وأنتم على آثارهم مقتدون.
    ولو كان يجوز طلب الشفاعة ممن ورد أنهم يشفعون لجاز لنا أن نطلب الشفاعة من القرآن والصيام والحجر الأسود، فقد ثبت أنهم يشفعون يوم القيامة، وكذلك الملائكة الذين لا يزالون يستغفرون للمؤمنين: { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } [غافر 7].
    وأنت إذا تأملت نصوص الشفاعة فستجدها كثيرة في حياته صلى الله عليه وسلم ولكنك لن تجد منها ما يفيد جوازها في حياته البرزخية. ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه طلب الشفاعة منه بعد موته [النبي مات بنص القرآن {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} غير أنه حي بحياة برزخية ذات قوانين أخرى تختلف عن نظام حياتنا] بل إنك تجد ما يضاد ذلك، فقد عدل عمر عن دعاء النبي بعد موته وتوسل إلى الله بدعاء عمه العباس وكذلك توسل معاويةُ بيزيد بن الأسود أمام جمع غفيرٍ من الصحابة.
    أويس القرني حجة عليكم

    وهذا أويس القرني الذي يحتج أهل البدع بأن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه إذا هم لقوه أن يسألوه أن يستغفر لهم كما قال: « إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له أويسٌ ... فمن لقيه منكم فليستغفر لكم » [مسلم (2542)]. فقيّد طلب الاستغفار عند لقائه وليس مطلقاً.
    فهل اكتفوا بطلب الاستغفار منه قبل اللقاء به أم طلبوا منه ذلك حين لقوه كما هو ثابت عن عمر، التزاماً منهم بنص الحديث الذي قيد الطلب باللقاء؟!
    وكيف ينص النبي للصحابة بكلام صريح أن يطلبوا من أويس الاستغفار إذا هم لقوه ولم يقل إذا أنا متّ فأتوا قبري فإذا أتيتم فسلوني الاستغفار بعد موتي وسلوني حوائجكم فإني حي في قبري!
    الشّفاعة الشّرعيّة والشّفاعة الشّركيّة

    وقد علّمنا صلى الله عليه وسلم إذا أردنا الفوز بشفاعته صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله له، لا أن نسأله من دون الله كما في صحيح مسلم قال: « سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو. فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة » [رواه مسلم (384)].
    يسألونه مقاماً لا ينبغي إلا له!!!
    فقال سلوا الله لي الوسيلة. ولم يقل سلوني الوسيلة.
    فخالفوا طريقه: فلم يسألون الله له وإنما صاروا يسألونه.
    فكيف نسأله الوسيلة التي سألنا أن نسألها الله له؟ هل تريدون أن تنالوا المقام المحمود الذي لا ينبغي إلا للنبي صلى الله عليه وسلم فقط؟
    ـ وعلّمنا صلى الله عليه وسلم نص الوسيلة، فقال: « من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدتَه: حلّت له شفاعتي ».
    ـ وقال صلى الله عليه وسلم : « من صلى عليّ عشراً أول النهار وعشراً في آخره: حلّتْ له شفاعتي » [ذكره المنذري 659 بإسناد صحيح].
    تلك هي الطريقة الشرعية لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم :
    ـ فالشفاعة الشرعية السنّيّة أن ندعو الله من أجل النبي لينال الوسيلة.
    ـ والشفاعة الشركية البدعية أن ندعو النبي صلى الله عليه وسلم من دون الله ونطلب منه مقامه الخاص به، فنسأله الوسيلة التي صرح بأنها لا تنبغي إلا لعبد واحد .




    من كتاب [موسوعة أهل السنة والجماعة ونقد فرقة الأحباش]
    للشيخ عبد الرحمن دمشقية رحمه الله




    التعديل الأخير تم بواسطة معتزجمعة ; 23-03-2015 الساعة 05:25 PM سبب آخر: ذكر المصدر

  13. شكراً شكر هذه المشاركة خاشعة بالذكر
    أعجبني معجب بهذه المشاركة خاشعة بالذكر

المواضيع المتشابهه

  1. ضلال الاحباش في الصفات للشيخ دمشقية
    بواسطة عبد الله الأحد في المنتدى منتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 16-10-2015, 12:28 AM
  2. احاديث يحتج بها الاحباش والرد عليهم
    بواسطة عبد الله الأحد في المنتدى منتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 23-07-2015, 04:38 PM
  3. الاحباش والقواعد العامة في الاسماء والصّفات ويليه اثبات العلو لله ردا على الاحباش
    بواسطة عبد الله الأحد في المنتدى منتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 16-03-2015, 12:32 AM
  4. اعتقاد الأحباش في القرآن حوار بين احدهم والشيخ دمشقية
    بواسطة عبد الله الأحد في المنتدى منتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 13-03-2015, 08:36 PM
  5. تحت المجهر لشيخ عبد الرحمن دمشقية 30.5.2012 ::وصال:: تسجيلي
    بواسطة المشتاق إلى اللـه في المنتدى الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 02-11-2012, 11:58 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •