K

جديد المنتدي

النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    مشرف منتدى اللغة العربية
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    المشاركات
    1,708
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    7ft1wqpbbkes شرح مختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    أما بعد، فهذا شرح مختصر على موطأة الفصيح لابن المرحل، التي نظم فيها فصيح أبي العباس ثعلب رحم الله الجميع.

    وقد كنت مترددًا في طريقة الشرح بين مطول ومختصر، ثم استقر رأيي على أن يكون الشرح مختصرا يناسب المبتدئ، ولذلك فلن أدخل في المقدمات التي كنت أريد ذكرها بين يدي هذا العلم، ولعل الفوائد الزائدة تأتي عرضا مع الأبيات، وستكون طريقة الشرح هكذا: يُذكر البيت أولا مع ضبطه ضبطا تاما، ثم يُشرح شرحا مختصرا يبين معناه الإجمالي، ثم يُُذكر شاهد أو أكثر من الكتاب والسنة إن وجد، ثم من كلام العرب إن تيسر.



    [مقدمة الناظم
    1- حَمْدُ الإلَهِ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ ....... وَشُكْرُهُ عَلَى عُلاَ هِبَاتِهِ
    2- نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَشْكُرُهْ ....... وَمِنْ ذُنُوبٍ سَلَفَتْ نَسْتَغْفِرُهْ
    3- ثُمَّ نُوَالِي أَفْضَلَ الصَّلاَةِ ....... عَلَى الرَّسُولِ الطَّاهِرِ الصِّفَاتِ
    4- مُحَمَّدٍ ذِي الْكَلِمِ الْفَصِيحِ ....... وَالْفَضْلِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ
    5- صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَسَلَّمَا ....... كَمَا هَدَى بِنُورِهِ وَسَلَّمَا
    6- وَبَعْدَ هَذَا فَجَرَى فِي خَاطِرِي ....... مِنْ غَيْرِ رَأْيِ نَادِبٍ أَوْ آمِرِ
    7- أَنْ أَنْظِمَ الْفَصِيحَ فِي سُلُوكِ ....... مِنْ رَجَزٍ مُهَذَّبٍ مَسْبُوكِ
    8- وَبَعْضَ مَا لاَ بُدَّ مِنْ تَفْسِيرِهِ ....... وَشَرْحَه وَالْقَوْلَ فِي تَعْبِيرِهِ
    9- مِنْ غَيْرِ أَنْ أَعْدُوَ ذَاكَ الْمَعْنَى ....... وَاللَّفْظَ إِلاَّ لاِضْطِرَارٍ عَنَّا
    10- فَالْمَرْءُ قَدْ تَنْتَابُهُ الضَّرُورَةْ ....... فَتُصْحِبُ النَّفْسُ بِهَا مَقْهُورَةْ
    11- رَجَوْتُ فِيهِ مِنْ إِلَهِي الأَجْرَا ....... وَالذِّكْرَ فِي عِبَادِهِ وَالشُّكْرَا
    12- وَالآنَ حِينَ أَبْتَدِي بِالْقَوْلِ ....... وَالْحَمْدُ للهِ الْعَظِيمِ الطَّوْلِ]

    لن أتعرض بالشرح لهذه المقدمة حتى لا نخرج عن الموضوع، ومن أراد شرحا موسعا لها فعليه بكتاب (موطِئة الفصيح لابن الطيب الفاسي).


    [بابُ فعَلتُ بفتح العين]

    أي هذا هو الباب الذي نذكر فيه الأفعال التي تأتي مفتوحة العين في الماضي.
    وهنا يأتي سؤال: ماذا يعني تصريف الأفعال؟
    والجواب: معناه الربط بين عين الفعل في الماضي وعينه في المضارع، فإذا قلنا: ما تصريف (ضرَب)؟ فالجواب هو: ضرَب يضرِب ضَرْبا، وإذا قلنا ما تصريف نصَر؟ فالجواب هو: نصَر ينصُر نَصْرا، وإذا قلنا: ما تصريف نفَع؟ فالجواب هو: نفَع ينفَع نَفْعا
    فتصريف الأفعال معناه معرفة حركة العين في الماضي والمضارع، وبعضهم يضيف معرفة ضبط المصدر أيضا.
    وهذه التصاريف منها ما هو قياسي ومنها ما هو سماعي، فالقياسي يُدرس في علم الصرف، والسماعي يُدرس في علم (اللغة).

    [13- قال نَمَا المالُ بمعنَى كَثُرا ....... يَنمِي نُمِيًّا إن أردتَ المصدَرَا]

    (قال) أي الإمام أبو العباس ثعلب (نما) معناه كثُر، وقول الناظم (نما المال) يختلف عن عبارة صاحب الفصيح؛ لأن ثعلبا قال (نما المال وغيره ينمي) فقوله (وغيره) زيادة لم ينظمها ابن المرحل مع أنها مهمة؛ لأن بعض العلماء فرَّق في استعمال الفعل (نما) بين الخضاب وغير الخضاب، فأراد ثعلب بيان أن الأفصح عموما هو (نما ينمي) في الخضاب وغيره، فلو قال (نما المال) فقط، لم يعرف السامع عموم هذا الفعل لغير المال، فقوله (وغيره) إشارة إلى عمومه وأنه لا يختص بذلك.
    طيب ما دام الأمر كذلك فلماذا قال أصلا (المال وغيره)، أما كان يمكنه القول (نما الشيء) فيكون أعم معنى وأخصر لفظا؟ فالجواب أنه لو فعل ذلك لما استفدنا منه الفائدة السابقة أعني الإشارة إلى الخلاف في المسألة.

    وفي بعض نسخ الفصيح ورد ذكر شاهد من الشعر على الفعل (نما ينمي)، ولذلك زاده الشيخ الددو في نظم الفصيح؛ ولم يذكره ابن المرحل لأنه لم يكن في نسخة الفصيح التي عنده:

    [14- يَا حُبَّ لَيْلَى لاَ تَغَيَّرْ وَازْدَدِ ....... وَانْمِ كَمَا يَنْمِي الْخِضَابُ فِي الْيَدِ]


    وهو على بحر الرجز فلم يحتج فيه الشيخ إلى تغيير للنظم.
    وهذا البيت فيه شاهد على المطلوب في موضعين؛ لأن قوله (وانمِ) عائد على الحب، فكأنه قال (ينمي الحب) فهذا هو الموضع الأول، وقوله (ينمي الخضاب) بعده هو الموضع الثاني، فكأنه في البيت قد جمع بين استعمال (ينمي) في الأمور الحسية والأمور المعنوية إشارة إلى تعميم صلاحيته فيهما جميعا.
    ويجوز أن يقال (نما ينمو نموا) ولكن السابق ذكره هو الأفصح كما قال ثعلب.
    وهذا الفعل بهذا المعنى لا أعرفه ورد في الكتاب والسنة، وإنما الوارد مثلا (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمي خيرا) بمعنى ينقل، وكذلك من المشهور في كتب الحديث قولهم (ينمي الحديث) أي يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قال الحافظ العراقي في ألفية الحديث:
    وقولهم: "يرفعه" "يبلغ به" ....... "رواية" "ينميه" رفعٌ فانتبه

    [15- وقد ذَوَى العُودُ بمعنى ذَبَلا ....... أي جَفَّ يَذوِي إن تُرِدْ مُسْتَقْبَلا]

    الصواب أن تقول (ذوَى العودُ) بفتح الواو في الماضي، (يذوِي) بكسرها في المضارع، والعامة تقول (ذوِي) بكسر الواو في الماضي (يذوَى) بفتح الواو في المضارع، والناظم ذكر مصدر (نما) في البيت السابق، ولكنه لم يذكر هنا مصدر (ذوى)، لأنه لم يلتزم أن يذكر المصادر، وإنما تبرّع به في البيت الأول لاتساع الأمر عليه في النظم، وهنا ضاق عليه الأمر فتركه، ومصدر (ذوى) هو (الذيّ) و(الذُّّوِيّ): الأول مثل شَوَى يَشوِي شَيًّا، والثاني مثل ثوى يثوي ثُوِيًّا.
    ولا يحضرني شاهد على هذا الفعل من الكتاب والسنة، ولا من كلام العرب.

    [16- وقَدْ غوَى الإِنسانُ يَغوِي يا فَتَى ....... أَيْ ضَلَّ والشَّاهِدُ فيه قَدْ أتَى]

    الصواب أن تقول (غوَى) بفتح الواو في الماضي (يغوِي) بكسر الواو في المضارع، والعامة تقول: (غوِي) بكسرها في الماضي (يغوَى) بفتحها في المضارع، وقد استشهد ثعلب على هذا ببيت المرقش:
    فمن يلقَ خيرا يحمَدِ الناسُ أمرَه ....... ومن يَغْوِ لا يعدم على الغي لائما
    وقد نظمه ابن المرحل على طريقته في نظم الشواهد بالمعنى؛ فقال:

    [17- مَنْ يَلقَ خيرًا حَازَ حَمْدًا دَائِمَا ....... وَمَنْ غَوَى لاَ يَعْدَمَنَّ لاَئِمَا]

    ونلاحظ أن الناظم غير الفعل من المضارع إلى الماضي؛ لأن الخطأ موجود فيهما، ولم يسعفه النظم بصيغة المضارع، وكذلك فإذا عرف الماضي هنا فقد عرف المضارع؛ لأن الفعل المعتل الآخر إذا كانت عينه واوا فلامه ياء؛ لأنه لا يكاد يجتمع واوان في أواخر الأفعال؛ فإذا كان ماضيه (غوَى) فلا بد أن يكون مضارعه (يغوِي).
    ويمكن أن يقال [وكُلُّ مَنْ يَغْوِي يُلاقِي لائِمَا]
    ثم تبرع الناظم بذكر فائدة تتعلق بالبيت وهي معرفة قائله حتى يكون السامع على ثقة من الاحتجاج به:

    [18- يَقُولُه رَبِيعَةُ الْمُرَقِّشُ ....... وَقَوْلُهُ مُنَمَّقٌ مُرقَّشُ]

    أي أن قائل البيت السابق هو المرقش الأصغر، وهو من قصيدة المفضليات التي أولها:
    ألا يا اسلَمِي لا صُرمَ لي اليومَ فاطمَا ....... ولا أبدًا ما دام وصلُكِ دائما
    وهناك شاهد آخر مشهور على هذا الفعل، وهو قول دريد بن الصمة:
    وهل أنا إلا مِن غَزِيَّةَ إن غَوَتْ ....... غَوَيْتُ وإن تَرشُدْ غزيةُ أرشُدِ

    [19- وفَسَدَ المَرْءُ كَذَاكَ يَفْسُدُ ....... كَقَوْلِهِمْ رَقَدَ فَهْوَ يَرْقُدُ]

    ذكر الناظم في هذا البيت فعلا يخطئ فيه العامة، وذكر معه فعلا آخر لا يخطئون فيه؛ ليكون الثاني ميزانا للأول يعرف به تصريفه في الماضي والمضارع؛ فتقول: (فسَد) بفتح السين مثل (رقَد) بفتح القاف، وبعض العامة تقول (فسُد) بضم السين أو (فسِد) بكسرها، وأما المضارع فهو (يفسُد) بضم السين مثل (يرقُد) بضم القاف، وكثير من العامة يقولون: (يفسَد) بفتح السين، ومن الأحاديث المشهورة في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلَحت صلَح الجسد كله وإذا فسَدت فسَد الجسد كله).

    [20- وَقَدْ عَسَيْتُ أَيْ رَجَوْتُ فَاعْرِفِ ....... وَلاَ تَقُلْ يَفْعَلُ لاَ تُصَرِّفِ]

    الصواب أن تقول (عسَيْتُ أن أفعل كذا) بفتح السين، والعامة تكسر السين فتقول عسِيت، وهذه اللغة ليست خطأ، بل قد قرأ بها بعض القراء السبعة كما في قوله تعالى: {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ..}، ولكن مراد ثعلب أن الفتح هو اللغة المشهورة الشائعة في كلام العرب.
    وهذا الفعل (عسى) لا يتصرف، فلا يأتي منه مضارع ولا اسم فاعل؛ وهذا ما وضحه الناظم تفصيلا في البيت الآتي بعد أن أشار إليه إجمالا في البيت السابق:

    [21- أَيْ لاَ تَقُلْ يَعْسِي وَلاَ ذا عاسِي ....... إِنَّ السَّمَاعَ مَانِعُ الْقِيَاسِ]

    أي أن الأصل في اللغة أنها سماعية، فهي تسمع من العرب ثم يقتدى بهم في نطقها واستعمالها، ولا يستعمل القياس مع وجود السماع، أما مع عدم وجود السماع فقد يستعمل القياس إن علمنا من استقراء كلام العرب أنها لا تمتنع من اطراد الاستعمال في أحد الأبواب، وهذه المسألة تتعلق بأصول العربية، فالكلام عليها لا يناسب المقام.

    [22- وَدَمَعَتْ عَيْنِي وَأَمَّا تَدْمَعُ ....... فَافْتَحْهُ لَكِنْ كَسْرُهُ لاَ يُمْنَعُ]

    الصواب أن تقول (دمَع) بفتح الميم في الماضي (يدمَع) بفتح الميم أيضا في المضارع، وبعض العامة يقول (دمِع) بكسر الميم في الماضي، ونلاحظ هنا أن الناظم قد زاد ما لم يذكره ثعلب في الفصيح؛ لأن ثعلبا ذكر لغة واحدة في المضارع وهي الفتح، والناظم زاد الكسر، ولكنه نظم البيت بطريقة جيدة بحيث نستطيع أن نفهم ماذا ذكر ثعلب من هاتين اللغتين؛ لأن قوله (فافتحه) أمر جازم، وقوله (كسره لا يمنع) ليس فيه جزم، ولا شك أن الفتح هو الأفصح كما ذكر ثعلب.
    ولم يرد في القرآن مما يتعلق بهذه المادة إلا (الدمْع) كما في قوله تعالى: {ترى أعينهم تفيض من الدمع}، فلا يستفاد من هذه الآية معرفة تصريف الفعل، وأما في السنة فمن المشهور فيها قوله صلى الله عليه وسلم (إن العين لتَدْمَع وإن القلب ليحزن) هذا في المضارع، وأما الماضي فورد في البخاري عند حديث (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) قال الراوي: فدمَعتْ عينا عمر.




    قال الناظم:
    [23- وَقَدْ رَعَفْتُ سَالَ مِنْ أَنْفِي دَمُ ..... وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ التَّقَدُّمُ]

    الرُّعاف: هو الدم الذي يسيل من الأنف، والفعل منه رعَف بفتح العين في الماضي، والعامة تقول (رعُف) بالضم وهي لغة ضعيفة، وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبنى ولم يتكلم.
    ولهذا الفعل (رعَف) قصة طريفة حصلت مع إمام النحو سيبويه؛ فإنه كان أولا يأخذ عن حماد بن سلمة الحديث، فقال له يوما: حدثك هشام عن أبيه في رجل رعُف في الصلاة، فقال له حماد: أخطأت إنما هو رعَف، فانصرف سيبويه إلى الخليل شاكيا، فقال: صدق حماد، ومثلُ حماد يقول هذا.
    وقول الناظم (وأصله في اللغة التقدم) ينتقل بنا نقلة عظيمة إلى علم مهم وهو (علم الاشتقاق) وقد تكلمت عليه وعلى فوائده باختصار في هذا الرابط:
    [مذاكرة الحذاق بفوائد ومسائل من علم الاشتقاق]




    فقول العلماء (الأصل كذا) له معنيان:
    الأول: أن هذا هو المعنى السابق في الكلام، وكأن العرب استعملت (رعف) في التقدم أولا ثم احتاجت إلى استعمال كلمة في معنى سيلان الدم فوجدت هذه اللفظة أقرب ما يؤدي هذا المعنى.
    الثاني: أن هذا هو المعنى الجامع لتصرفات العرب في هذه المادة؛ فكأن العالم الذي يقول الأصل كذا استقرى كلام العرب فوجد كل كلمات هذه المادة (ر ع ف) ترجع إلى معنى التقدم.
    فقول الناظم (وأصله في اللغة التقدم) يشير إلى قول العرب: (رعَف الفرسُ الخيلَ) أي تقدمها وسبقها.

    [24- أَرْعُفُ فِي اسْتِقْبَالِهِ وَأَرْعَفُ ..... بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَذَاكَ يُعْرَفُ]

    المضارع من رعَف هو يرعُف بضم العين، ويجوز أيضا يرعَف بفتح العين، والضم أشهر وهو الذي اقتصر عليه ثعلب في الفصيح.
    قوله (في استقباله) أي في مضارعه، والناظم له عدة طرق في التعبير عن الفعل المضارع، فأحيانا يذكره مباشرة من غير تمهيد، وأحيانا يعبر عنه بالمستقبل كما في البيت السابق (إن ترد مستقبلا) وأحيانا بالاستقبال كما في البيت الذي معنا، وأحيانا يعبر عنه بالمعرب كقوله (والمعرب منه يفتح)، وأحيانا يستعمل المضارع كما في قوله (والمضارع … بالفتح في فعليهما يا سامع)، وهذا التنويع مهم لطالب العلم حتى يألف طرق أهل العلم المختلفة في التعبير عن المعنى الواحد؛ لأن كثيرا من طلبة العلم يشكل عليه هذا مع الأسف.

    [25- وَقَدْ عَثَرْتُ وَهُوَ الْعِثَارُ ..... وَقَدْ نَفَرْتُ وَهُوَ النِّفَارُ]

    (عثَر) فلان بفتح الثاء معناه وقع، ومصدره (العِثار) بكسر العين، ومن أمثال العرب المشهورة: (مَن سَلَكَ الجَدَد أمِنَ العِثارَ)، فهو فعل لازم
    و(نفَر) بفتح الفاء معناه خرج أو هبّ أو أسرع، ومنه (نفرت الدابة) ومنه أيضا (يوم النَّفْر) الذي يخرج فيه الناس من منى، والمصدر هو النفار بكسر النون.
    فقول الناظم (وهو كذا) يقصد أن هذا هو المصدر أو المعنى المجرد للفعل غير مقترن بزمن، وهذا أسلوب شائع في المعجمات فاجعله منك على ذُكر.

    [26- وَالنَّفْرُ وَالنُّفُورُ وَهْوَ يَنْفِرُ ..... فَالْكَسْرُ أَعْلَى وَكَذَاكَ يَعْثِرُ]

    ومن المعلوم أن كثيرا من الأفعال لها عدة مصادر مع الاتفاق في المعنى، وأحيانا يختلف المعنى باختلاف المصادر مثل الفعل (وجد) تقول: وجدت وَجْدا من الحب، وموجدة من الغضب، وجِدَةً من المال، وسوف يأتي الكلام عليه في باب المصادر إن شاء الله.
    ففي البيت السابق ذكر الناظم (النفار) من مصادر (نفَر) وهنا ذكر مصدرين آخرين، وهما (النَفْر) و(النفور)، وأما المضارع فيجوز أن تقول (ينفِر) بالكسر ويجوز أن تقول (ينفُر) بالضم، ولكن الكسر أفصح وهو الذي اقتصر عليه ثعلب، ومنه قوله تعالى: {فلولا نفَر من كل فرقة منهم طائفة}، وقوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا}، {إلا تنفروا يعذبكم}، وقد قرئ بالضم خارج السبع.
    وأما الفعل (يعثر) فظاهر كلام الناظم أن كسر الثاء أفصح، والذي ذكره ثعلب في الفصيح هو (يعثُر) بالضم، وهو الأفصح الذي نص عليه العلماء، مع صحة الكسر.
    وفي بعض نسخ المنظومة (بالكسر والضم كذاك يعثر) ولعل هذا أقرب للصواب.
    ولو قال الناظم (فالكسر أعلى عكس ذاك يعثر) لكان أولى وأدل على المقصود.

    [27- وَشَتَمَ الإِنْسَانُ فَهْوَ يَشْتِمُ ..... فَالْكَسْرُ أَعْلَى وَالْقَلِيلُ يَشْتُمُ]

    هذا الفعل (شتَم) يستعمله الناس في الماضي على الصواب، وإنما ذكره ثعلب هنا لينبه على الأفصح في المضارع، وبهذا يُعلم أن ثعلبا إنما أراد التقريب على المتعلم، ولم يرد التبويب المنطقي الخالي من الاعتراض، ومن ثم نخرج من كثير من الاعتراضات التي ذكرها الشراح.
    فالمضارع (يشتِم) بكسر التاء، هذا هو الأفصح، ومن الغرائب أن يكون الأفصح هو لغة العامة في عصرنا هنا، أما العامة في عصر ثعلب فكانت تقول (يشتُم) بالضم، وهي لغة صحيحة أيضا لكن الكسر أفصح.
    ومن عجائب مثقفينا أن أحدهم إذا أراد أن يتفاصح فإنه يخالف لغة العامة من غير بحث، فيقع في مثل هذه الورطات.
    وقد عبر الناظم عن الأفصح بقوله (فالكسر أعلى) والتعبير عن الفصاحة بالعلو تعبير شائع في كتب اللغة فاحفظه، وقوله (والقليل يشتُم) أدق من قول بعضهم (يشتُم لغة ضعيفة) لأن القلة لا يلزم منها الضعف، وبهذا نعرف مقياس الفصاحة عند جمهور أهل العلم ومنهم ثعلب، وهي الكثرة والشياع والاشتهار في كلام العرب، فمعيار فصاحة الألفاظ أن تكون هي الأكثر استعمالا، هذا هو مذهب جمهور أهل العلم، خلافا لابن درستويه الذي يرى أن الأفصح هو الموافق للقياس مطلقا.

    [28- وَوَهَنَ الإِنْسَانُ فَهْوَ يَهِنُ ..... يَضْعُفُ لَكِنْ كَسْرُهُ مُسْتَحْسَنُ]

    هذا البيت من زيادات الشيخ الددو حفظه الله، ولم يذكره ابن المرحل، ولم ترد هذه اللفظة في كثير من شروح الفصيح، ولذلك ذكر بعض الإخوة أنها ليست من ألفاظ الفصيح كما هنا:
    *** (وهَن يَهِن) ليست من مفردات فصيح ثعلب ***
    وقد ناقشته فيما ذهب إليه في هذا الرابط فلينظر.
    وأما هذا الفعل فيقال (وهَن) الرجل أي ضعف بفتح الهاء في الماضي (يهِن) بكسرها في المضارع، ولا يجوز فيه الفتح، فلا أدري ماذا يقصد الشيخ بقوله (كسره مستحسن)؛ فإنه لا يجوز فيه إلا الكسر في المضارع، بل هو القياس في هذا الباب؛ مثل وعَد يعِد، ووقَف يقِف، ووصَل يصِل، وورَد يرِد.
    وفي القرآن الكريم {فما وهَنوا لما أصابهم} في الماضي، وفيه {ولا تهِنوا في ابتغاء القوم} في المضارع، وفيه {حملته أمه وَهْنا على وهن} في المصدر.

    [29- وَنَعَسَ الإِنْسَانُ فَهْوَ يَنْعُسُ ..... بِالضَّمِّ فِيهِ وَيُقَالُ يَنْعَسُ]

    تقول (نعَس) بفتح العين في الماضي (ينعُس) بضم العين في المضارع، والمصدر منه (نُعاس) وهو من درجات النوم ومرادفاته، وقد ذكر بعض هذه المرادفات والدرجات ابن نبهان الحضرمي في منظومته (تذكرة الحفاظ ببعض مترادف الألفاظ) فقال:
    كالنوم تَهْويمٌ نُعاس سِنَةُ .... كَرًى سُبات وَسَن وهَجْعةُ
    رَقْدٌ رُقود وهُجود والتحقْ .... قيلولةٌ، كسهر: سُهد أرَقْ
    قال الناظم (ويقال ينعَس) وهذه زيادة لم يذكرها ثعلب، أي أنه يجوز أيضا فتح العين في (ينعَس) ولكنها لغة قليلة، وقد أشار إلى قلتها بقوله (ويقال)، ولكن الذي يقوي هذه اللغة من جهة القياس وجودُ حرف الحلق (العين) في عين الكلمة، وحروف الحلق ستة (أ ، هـ ، ع ، ح ، غ ، خ) جمعها الشاطبي في حرز الأماني بقوله:
    وعند حروف الحلق للكل أظهرا ...... ألا هاج حكم عم خاليه غفلا
    والفعل الثلاثي المجرد يشار إليه بوزن (فَعَلَ) فيقال (فاء الفعل) للحرف الأول، و(عين الفعل) للحرف الثاني، و(لام الفعل) للحرف الثالث، فمثلا (ضرب) الضاد هي فاء الفعل والراء هي عين الفعل والباء هي لام الفعل، فإذا فهمنا ذلك ندخل الآن إلى قاعدة حروف الحلق؛ فالقاعدة أنه (إذا كان الفعل مفتوح العين في الماضي والمضارع فلا بد أن تكون عينه أو لامه حرف حلق)، مثل سعى يسعى، قطع يقطع، قرأ يقرأ... إلخ.
    فالفعل الذي معنا ينطبق عليه هذا الأمر: فيجوز نعَس ينعَس، وإن كان الأفصح والأشهر نعَس ينعُس.
    وقد ورد المصدر في القرآن كما في قوله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نُعاسا}، وورد الفعل الماضي في حديث عائشة عند البخاري (إذا نعَس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم).

    [30- قَالَ وَلاَ يُقَالُ نَعْسَانُ وَلَـ ..... كِنْ نَاعِسٌ وَغَيْرُهُ قَدْ قَلَّلاَ]

    هذا البيت من الأبيات التي غيّرها الشيخ الددو، وقد كان أصله:
    قال ولا يُقال فيه نَعْسانْ .... كما يُقال في النظير وَسْنانْ
    وإنما غيره لأن فيه التقاءَ ساكنين، وهذا لا يجوز في بحر الرجز، وإنما يجوز في بحر السريع، ومع هذا فقد جرت عادة أصحاب المنظومات أن يتجوّزوا في مثل هذا، ولكن الشيخ غيّره لأنه يسهل حفظه بذلك لسلاسته في الأذن، وسوف أسير في الشرح على تغييرات الشيخ من غير إشارة غالبا.
    قوله (قال) أي ثعلب (لا يقال نعسان) أي لا يصح أن تقول في هذا المعنى (نعسان) وإنما تقول (ناعس)، وإنما حمل العامةَ على استعمال كلمة (نعسان) قربُ معناها من كلمة (وَسْنان)، والعامة كثيرا ما تحمل النظير على نظيره، خلافا للعرب في قصد التفريق بينهما.
    قوله (وغيره قد قللا) أي أن غير ثعلب من العلماء أجاز أن يقال (نعسان) على قلة، أي خلاف الأفصح.



















    [31- وَلَغَبَ الإِنْسَانُ فَهْوَ يَلْغُبُ ..... بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ بِمَعْنَى يَتْعَبُ]

    يقال (لغَب) بفتح الغين في الماضي، (يلغُب) بضم الغين في المضارع بمعنى أصابه الإعياء والتعب الشديد، فليست مطابقة تماما لمعنى التعب، ولكن علماء اللغة عادتهم أن يفسروا اللفظ بما يقاربه ويدانيه ويدخل في بابه؛ لأنهم لو التزموا التفسير بالمطابقة للزم أن يوجد لكل لفظ من ألفاظ اللغة مرادف تام، وهذا غير موجود، وحتى لو وجد فقد يكون أحدهما أخفى من الآخر ولا يصح تفسير الواضح منهما بالخفي، كما قال في السلم المنورق:
    وشرطُ كلٍ أن يُرى مطردا .... منعكسا وظاهِرًا لا أبعدا
    وهذه قاعدة مهمة نستفيد منها في الرد على أهل البدع، وهي أن أوضح الألفاظ لا يمكن تفسيرها؛ لأنها لو فسرت لكان تفسيرها أوضح منها، وهو خلاف الفرض.
    ومصدر لغَب هو اللغوب، كما في قوله تعالى: {ولقد خلقنا السموات والأرض في ستة أيام وما مسنا من لغوب}، وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغَبوا -أي تعبوا- فأدركتها فأخذتها..) إلخ.

    [32- وَقَدْ ذَهَلْتُ عَنْكَ أَيْ شُغِلْتُ ..... وَقِيلَ : قَدْ نَسِيتُ أَوْ غَفَلْتُ]


    ذهَل بفتح الهاء في الماضي، هذا هو الفصيح، وبعض العلماء أنكر الكسر، وبعضهم أجازه، ولكن لا خلاف أن الفتح أفصح وأشهر.
    وأما المضارع فسوف يأتي الكلام عليه في البيت التالي، ولكن الناظم تكلم في هذا البيت فقط على معنى (ذهل) ، ولم يتعرض له ثعلب، فالبيت كله تقريبا تبرع وشرح من الناظم، وقد ذكر في معنى (ذهل) قولين: شُغِل، ونسي أو غفل، فعلى القول الأول: تقول قد ذهلت عن كذا وأنت لم تنسه وإنما تركته عمدا بسبب الانشغال بشيء آخر، وعلى القول الثاني تقول: ذهلت عن كذا أي غاب عن بالي ولم أتذكره، والمعنى الثاني هو الشائع بين العامة، وأما المعنى الأول فلا يكاد يعرفه أحد، مع أنه هو الأقوى في هذه الكلمة، ولذلك صدر المعنى الثاني بـ(قيل) دون الأول.

    [33- أَذْهَلُ فِي اسْتِقْبَالِهِ بِالْفَتْحِ ..... وَهْوَ الذُّهُولُ فَادْرِهِ بِشَرْحِي]

    المضارع من ذهَل بفتح الهاء هو يذهَل بفتح الهاء أيضا، وهذا كما سبق معنا موافق وجارٍ على القياس؛ لأن عين المضارع هاء وهي من حروف الحلق، و(الاستقبال) هو المضارعة كما سبقت الإشارة إليه في الحلقة الأولى، وتبرع الناظم أيضا بذكر مصدر (ذهل) فقال: وهو الذهول بضم الذال، وأشار إلى هذه الزيادة والتبرع بقوله (فادره بشرحي) أي أن هذا من زياداتي على الأصل، وهذا من المواضع القليلة التي أشار فيها إلى زياداته.

    [34- وَقَدْ غَبَطْتُ الْمَرْءَ فِي أَحْوَالِهِ ..... أَغْبِطُهُ بِالْكَسْرِ فِي اسْتِقْبَالِهِ]

    يقال (غبَط) بفتح الباء في الماضي، (يغبِط) بكسر الباء في المضارع، وسوف يذكر الناظم معناه في البيت القادم، والمصدر منه غَبْط مثل ضَرْب، وغِبْطة مثل فتنة، ومغبِطة ومغبَطة مثل مظلِمة ومظلَمة، وقد بوب البخاري في صحيح (باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور).

    [35- أَعْنِي تَمَنَّيْتُ لِنَفْسِي مِثْلَمَا ..... لَهُ وَلاَ يُسْلَبُ تِلْكَ النِّعَمَا]

    ذكر هنا تفسير (غبَط) المذكور في البيت السابق، والمراد بذلك التفسير أن يفرق بين (الغبطة) و(الحسد)؛ وقد جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها)، فقد فسروا الحسد هنا بأن المراد به الغبطة، وفرقوا بينهما بأن الحسد فيه تمني زوال النعمة، والغبطة لا، وهذا التفريق وإن كان صحيحا إلا أنه لا يمنع التعبير بأحد اللفظين عن الآخر، فمن عادة العرب استعمال الألفاظ المتقاربة في موضع أخواتها ثقة بعلم السامع.
    وقد قال المرقش (وهي مفضلية وأصمعية):
    يأتي الشباب الأقورين ولا ..... تغبط أخاك أن يقال حكم

    [36- وَخَمَدَتْ نَارُكَ فَهْيَ تَخْمُدُ ..... أَوْ غَيْرُهَا كَالْحَرْبِ أَوْ مَا يُوقَدُ]

    يقال (خمَدت) النار بفتح الميم في الماضي، (تخمُد) بضم الميم في المضارع، بمعنى: خبت وسكن لهبها، وكانت العامة قديما تقول: خمِدت بكسر الميم، وفي عصرنا لا يكاد يستعمل هذا الفعل أصلا.
    وقد قال ثعلب في الفصيح (وخمدت النار وغيرها تخمد) فقوله (وغيرها) فيه فائدة قد أشرنا إليها فيما سبق، وقد انتبه الناظم في هذه المرة لهذه الفائدة فنص عليها وشرحها بقوله (أو غيرها كالحرب أو ما يوقد) وفي بعض النسخ (أو ما يَقِدُ) وعليها شرح ابن الطيب الفاسي بقوله:
    (وقوله: أو ما يقد معطوف على الحرب عطف عام على خاص؛ لأن الحرب من أفراد الشيء الذي يقد، وما: موصولة وصلتها يقد، وهو مضارع وقَد الشيء كوعد وَقْدا ووقودا إذا اشتعل، ومثله اتقد أيضا، وكأنه أراد ما يوصف بالاتقاد في المعنى من نحو الحرب والفكرة والقريحة والروية والغضب وغير ذلك ...).

    [37- وَعَجَزَ الإِنْسَانُ فَهْوَ يَعْجِزُ ..... وَالْمَصْدَرُ الْعَجْزُ كَذَا لاَ الْعَجَزُ]

    يقال (عجَز) بفتح الجيم في الماضي، (يعجِز) بكسر الجيم في المضارع، والعامة تقول يعجز بفتح الجيم، وقد ورد الماضي في القرآن والمضارع في السنة؛ ففي القرآن: {يا ويلتا أعجَزت أن أكون مثل هذا الغراب}، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجِز ..) بكسر الجيم، وقد قال ابن المقفع أو غيره: (الأمر أمران؛ أمر فيه حيلة فلا تعجِز، وأمر لا حيلة فيه فلا تجزَع)، ولم يذكر الناظم معنى (عجز)، ومعناه عند العامة خاص بـ(عدم القدرة على الفعل) ولكن معناه عند العرب أعم من ذلك؛ فهو يشمل الكسل عن الفعل، أو ضعف الهمة في الفعل، أو التهاون في الفعل، أو الإهمال في الفعل، ويمكن تصور هذه المعاني بمعرفة عكس هذا الفعل عند العرب، وهو (الحزم) فالحازم هو الذي يأخذ أمره بالجد والاحتياط والتحسب للأمور والتفطن لمواطن الخلل، فهذا المعنى ضد (العجز)، ومن أمثال العرب (أعجز من هلباجة) وهو الأحمق، وفي خطبة لأبي بكر الصديق (أعجز العجز الفجور).
    وقد نبه الناظم على المصدر، وهي زيادة على الفصيح، فذكر أنه (العجْز) بسكون الجيم وليس (العجَز) بفتحها، وفي هذا تنبيه لطيف على خطأ الكسر في الماضي عجِز وخطأ الفتح في المضارع (يعجَز)؛ وقد حكى بعض العلماء هذا الفعل عجِز يعجَز عجَزا، ولكن لا خلاف بين العلماء أن هذا ضعيف، فهم بين قولين: مخطّئ ومضعّف، لا سيما وهذا الفعل يستعمل بمعنى آخر.

    [38- وَقَدْ حَرَصْتُ أَيْ طَلَبْتُ أَجْتَهِدْ ..... أَحْرِصُ بِالْكَسْرِ وَبِالضَّمِّ وُجِدْ]

    يقال (حرَص) بفتح الراء في الماضي، والعامة تقول (حرِص) بكسر الراء، وهي لغة ضعيفة، (يحرِص) بكسر الراء في المضارع، ومن كسرها في الماضي فلا بد أن يقول (يحرَص) في المضارع وهو ما لا يقوله العامة، وهذا دليل واضح على الخطأ واللحن لا على هذه اللغة الضعيفة.
    وقول الناظم (بالكسر وبالضم وجد) هكذا في المطبوع ولم يشر المحقق إلى اختلاف في النسخ، لكن رواية الشارح (بالضم وبالكسر وجد) ولم يذكر اختلافا أيضا في النسخ، وبناء على ذلك فقد اعترض على الناظم في تقديمه الضم مع أن الكسر أفصح بلا خلاف، وأغلب ظني أن النسخة التي اعتمد عليها الشارح كان فيها تقديم وتأخير، والله أعلم.
    وقد ذكر الشارح أن الضم في راء (يحرص) لا يوجد في دواوين اللغة، وهذا سهو فقد ذكره ابن سيده وغيره، ونقله عنهم اللبلي في شرح الفصيح.
    وقد قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرَصت بمؤمنين}، ومر معنا في شرح البيت السابق قول النبي صلى الله عليه وسلم (احرِص على ما ينفعك).
    وقد فسر الناظم الحرص بأنه الطلب مع الاجتهاد؛ لأن قوله (أجتهد) في موضع الحال، ففي الحرص معنى المبالغة في الطلب، وبعض العلماء يفسره بالجشع، وهو تفسير صحيح لكنه خاص باستعماله في الشر، ومعلوم أنه يستعمل في الخير والشر، وقد قال أبو ذؤيب في عينيته المشهورة:
    ولقد حرَصت بأن أدافع عنهم .... فإذا المنية أقبلت لا تدفعُ

    [39- وَقَدْ نَقَمْتَ يَا فَتَى فِعْلِيَ أَيْ ..... أَنْكَرْتَهُ تَنْقِمُهُ أَنْتَ عَلَيْ]

    يقال (نقَم) بفتح القاف في الماضي، (ينقِم) بكسر القاف في المضارع، ومعناه الإنكار كما ذكر الناظم، والمصدر نَقْمة بفتح النون.
    قال تعالى: {وما نقَموا منهم إلا أن آمنوا بالله العزيز الحميد} في الماضي، وقال: {وما تنقِم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا} في المضارع، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: (ما ينقِم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله).
    وأما نقِم ينقَم فهو فعل آخر بمعنى آخر في الاستعمال الفصيح، ومعناه: عاقَب، ومنه اشتقت النقمة بالكسر، والأشهر في هذا المعنى الفعل الخماسي (انتقم)، كما في قوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه}، وفي أمثال العرب (فلان كالأرقم إن يُقتل ينقَم، وإن يُترك يلقَم) وقد استشهد به عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في الموطأ.

    [40- وَغَدَرَ الإِنْسَانُ وَهْوَ الْغَدْرُ ..... يَغْدِرُ لاَ يُقَالُ إِلاَّ الْكَسْرُ]

    يقال (غدَر) بفتح الدال في الماضي، (يغدِر) بكسر الدال في المضارع، والعامة تقول (يغدُر) بالضم، وقد حكاها بعض العلماء لكنها لا تثبت، ولذلك جزم الناظم في ذلك بقوله (لا يقال إلا الكسر)، وعلى كل حال فالكلام هنا في الفصيح فلا يهمنا إن وجدت لأنه لا خلاف أن الكسر هو الفصيح.
    والغدر معناه نقض العهد؛ وهو مشتق من المغادرة أي الترك، كأن الغادر قد ترك هذا العهد وراء ظهره فلم يلتفت إليه.
    والمصدر (الغدْر) بسكون الدال كما نص عليه الناظم، وهي زيادة على الفصيح، وهذا هو المعلوم قياسا من علم الصرف؛ لأن هذا الفعل يتعدى بنفسه وبالباء فيقال (غدرته وغدرت به)؛ وقد قال ابن مالك:
    فَعْل قياسُ مصدر المعدى ..... من ذي ثلاثة كرَدَّ رَدَّا
    وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) هذا الماضي، وأما المضارع ففي حديث هرقل (قال فهل يغدِر؟ قال: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها)، والمصدر في حديث خبيب بن عدي رضي الله عنه (هذا أول الغَدْر).


















    [41- وَقَدْ عَمَدْتُ أَيْ قَصَدْتُ فَأَنَا ..... أَعْمِدُ أَيْ أَقْصِدُ ذَاكَ السَّنَنَا]

    يقال (عمَد) بفتح الميم في الماضي، والعامة تكسرها، (يعمِد) بكسر الميم في المضارع، والعامة تفتحها، ومعناه قصد، وهذا من المواضع القليلة التي شرحها ثعلب نفسه في الفصيح فقال: (عمدت للشيء أعمد إذا قصدت إليه)، ولكن كلام ثعلب فيه فائدة زائدة على بيت الناظم، وهي بيان حرف التعدية؛ لأن الأفعال كما هو معروف نوعان: لازم وهو الذي يكتفي بفاعله، ومتعدٍ وهو الذي يحتاج إلى مفعول به، ولكن الأفعال المتعدية منها ما يتعدى بنفسه مثل (ضرب وقتل وأخذ)، ومنها ما يتعدى بالحرف مثل (رغب في الشيء) و(عجب من كذا)، والأفعال التي تتعدى بحرف تحتاج إلى ذكر حرف التعدية؛ لأن التعدي بالحروف لا قياس فيه بل هو مقصور على السماع عن العرب، ولذلك تجد كثيرا في كلام العلماء الذين صنفوا في لحن العامة تخطئتهم استعمال حرف مكان آخر عند تعدية الأفعال.
    ومع هذا فبعض الأفعال قد تتعدى بحرفين أو أكثر، فإن كان بعضها شائعا دون بعض فإن العلماء قد يحملون غير الشائع على ما يسمى بالتضمين، وهو استعمال بعض حروف الجر موضع بعض، وللعلماء في هذه المسألة قولان:
    - قول الكوفيين أن التضمين في الحروف نفسها؛ بمعنى أن الحرف الفلاني يستعار في موضع الحرف الفلاني.
    - قول البصريين أن التضمين في الأفعال لا في الحروف، بمعنى أن الفعل يشرب معنى فعل آخر يتعدى بالحرف الجديد ومن ثم يستعمل هذا الحرف معه، وهذا القول أدق من القول السابق؛ لأن استعارة الحروف لا تظهر فائدة منها؛ لأن الحرف الجديد إن كان بمعنى القديم فما الفائدة من الاستعارة؟ وإن لم يكن بمعناه فكيف صحت الاستعارة؟ أما قول البصريين ففيه بلاغة واضحة؛ لأن المتكلم قد يحتاج إلى إشراب الفعل المستعمل معنى فعل آخر يحتاجه، فيأتي بهذا الحرف ليدل على هذا المعنى الآخر الذي يحتاج إلى إضافته؛ كما قيل في قوله تعالى: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} إن الفعل (أحسن) تضمن معنى (لطف) ولذلك عدي بالباء، وكما قيل في قوله تعالى: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا} إن الفعل (نصر) تضمن معنى (نجّى) ولذلك عدي بـ(من)، وليس معنى التضمين أن يتغير معنى الفعل إلى المعنى الجديد، وإنما معناه إفادة المعنيين معا الأول بلفظه والثاني بحرفه، وهذا الحرف قرينة على الفعل المقدر، أما قول الكوفيين فليس فيه قرينة تدل على المراد.
    والكلام في مسألة التضمين يطول، وفيه مصنفات مفردة لبعض المعاصرين، ولكن المسألة المهمة في هذا الباب هي التنبيه على الخطأ الذي يقع فيه كثير من المعاصرين، وهو اعتقاد القياس في هذا التضمين، وهو غلط؛ فقد حكى ابن السِّيد البطليوسي في كتاب الاقتضاب أن التضمين مقصور على السماع إجماعا عند الكوفيين والبصريين، والدليل على ذلك أنهم لا يجيزونه في كل موضع.
    وعودا إلى بيت الناظم، قلنا إن كلام ثعلب فيه فائدة زائدة على النظم؛ لأنه ذكر حرف التعدية لأنه قال (عمدت للشيء) فبين أنه يتعدى باللام، والعلماء ذكروا أنه يتعدى بنفسه وبإلى أيضا، ولكن الناظم لم يشر إلى شيء من ذلك، وقال ثعلب (أي قصدت إليه) فبين أنه يتعدى بـ(إلى) والعلماء ذكروا أنه أيضا يتعدى بنفسه وباللام، ولكن الناظم لم يشر إلى ذلك أيضا.
    وهذا الفعل المجرد (عمَد) لم يرد في القرآن، وإنما ورد المزيد (تعمّد)، لكن ورد في صحيح مسلم عن ابن عباس (يعمِد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)، هذا في المضارع، وفي حديث الخندق عن جابر عند مسلم أيضا: (ثم عمَد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك).

    [42- وَهَلَكَ الإِنْسَانُ فَهْوَ يَهْلِكُ ..... كَقَوْلِهِمْ مَلَكَ فَهْوَ يَمْلِكُ]

    يقال (هلَك) بفتح اللام في الماضي، (يهلِك) بكسر اللام في المضارع، والعامة تفتح اللام، وقد أحسن الناظم التنظير في قوله (ملَك فهو يملِك) للتوافق التام في الوزن مع الاختلاف في حرف واحد فقط من اللفظ، ويبدو أن اللحن في كلمة (يهلك) كان شائعا قديما، فقد حكي عن بعض الرؤساء أن سائلا قال له (أأهلِك في دولتك؟) وكسر اللام، فقال له: (وأنت من أهل أهلِك؟!) وأحسن إليه، يقصد أنه من النوادر الذي يعرفون الصواب في هذه الكلمة.
    وقد قصر الناظم أيضا في هذا البيت عن كلام ثعلب؛ لأنه قال (وهلك الإنسان) فقصره على الإنسان، وأما ثعلب فقد قال: (هلك الرجل وغيرُه يهلك)؛ وعليه فيصح أن تقول: هلك المال، وهلك الشجر، وهلكت الأرض، وقد قال تعالى: {ويهلك الحرث والنسل}، وفي حديث رافع بن خديج (كانوا يؤاجرون على الماذيانات، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا).
    وليس صحيحا ما يظنه بعض الناس أن هذا الفعل (هلك) مخصوص بالأشرار؛ فقد قال تعالى عن يوسف: {حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا}.

    [43- وَقَدْ عَطَسْتُ وَالْعُطَاسُ بَيِّنُ ..... أَعْطِسُ أَوْ أَعْطُسُ كُلٌّ حَسَنُ]

    قال (عطَس) بفتح الطاء في الماضي، (يعطِس) بكسر الطاء في المضارع، هذا ما ذكره ثعلب واقتصر عليه، أعني الكسر، وهو الأفصح، وقد تبرع الناظم بذكر الضم، وذكر أن كلا منهما -أعني الكسر والضم- حسنٌ، وفي هذا تسوية بين اللغتين من حيث الفصاحة والقوة، ومن عيوب هذا النظم أنك لا تعرف منه ما نص عليه ثعلب، فالزيادات التي زادها الناظم لم يميزها في الغالب مثل هذا الموضع، إلا أنه أشار إشارة خفيفة إلى ما ذكره ثعلب بتقديم الكسر؛ إلا أن ذلك غير واضح تمام الوضوح؛ لأن الوزن صحيح بالكسر والضم فلا تعرف أيهما المقدم.
    وقوله (والعطاس بين) أي معروف، وهذه الكلمة (معروف) وما في معناها: من الكلمات المشكلة في كتب اللغة؛ وصاحب القاموس يكثر من استعمالها ولذلك وضع لها رمز (م) اختصارًا، وسبب الإشكال في أمثال هذه الكلمة: أن قائلها لا يفيد القارئ شيئا؛ لأنه لا تنبئ عن المعنى، وإن كانت تنبئ عن كون هذه الكلمة كانت معروفة في زمن المؤلف، ولذلك ينبغي الاهتمام بمعرفة المعنى وتتبعه في كتب اللغة المتأخرة؛ لأنها قد تشرح ما تركه المتقدم لوضوحه، وهذا الموضوع يصلح رسالة علمية لو نشط له باحث.
    وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (حق المسلم على المسلم ست؛ إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطَس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه).

    [44- وَنَطَحَ الْكَبْشُ وَكَبْشٌ يَنْطَحُ ..... تَكْسِرُهُ طَوْرًا وَطَوْرًا تَفْتَحُ]

    يقال (نطَح) بفتح الطاء في الماضي، (ينطِح) بكسر الطاء في المضارع، وهذا ما ذكره ثعلب واقتصر عليه، ويلاحظ أن الناظم قال (نطح الكبش) ولم يقل (وغيره) وكذلك صنع ثعلب في الفصيح إذ اقتصر على ذكر الكبش، ومن هنا قال بعض العلماء إن النطح مختص بالكباش، واعتُرض عليهم بأن استعمال النطح في غير الكباش مذكور في كلام العرب، وهذا الاعتراض فيه نظر؛ لأن المقصود بالخصوصية الأصالة والجادة، ولا مانع بعد ذلك من استعارته في غيره؛ لا سيما مع كثرة الاستعمال، ودليل الأصالة هو كثرة الاستعمال أيضا.
    والعرب تقول (فلان ما له ناطح ولا خابط) يقصدون بالناطح الكبش والتيس والعنز، وبالخابط البعير.
    وقد زاد الناظم في المضارع الفتح (ينطَح) والأكثر في كلام العرب هو الكسر، لكن الموافق للقياس هو الفتح؛ لأن لام الفعل حرف حلق.
    وفي الصحيح من حديث أبي هريرة (ما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت، فتطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها).

    [45- وَنَبَحَ الْكَلْبُ وَكَلْبٌ يَنْبَحُ ..... وَهُوَ الاَفْصَحُ وَفِيهِ يَنْبِحُ]

    هذا البيت لم ينظمه ابن المرحل، وإنما زاده الشيخ الددو حفظه الله، بناء على وجوده في بعض نسخ الفصيح، لكنه لا يوجد في أكثر النسخ، وعليها أكثر الشروح، وقد نظمه ابن جابر الأندلسي في (حلية الفصيح)، ولم ينظمه ابن أبي الحديد أيضا، وهذه الكلمة موجودة في طبعة د. عاطف مدكور، ومن العجيب أنه لم يشر إلى اختلاف النسخ، مع أنها لا توجد في مخطوطة ياقوت، ولا توجد في الطبعة الاستشراقية القديمة، وهذا الخلل يضعف الثقة في فروق النسخ التي يذكرها.
    المهم: يقال (نبَح) بفتح الباء في الماضي، (ينبَح) بفتح الباء أيضا في المضارع، وهذا هو الأفصح كما أشار الشيخ الددو حفظه الله، وأشار أيضا إلى لغة الكسر، وإلى ضعفها بقوله (وفيه كذا).

    [46- وَقَدْ نَحَتُّ الْعُودَ أَيْ قَشَرْتُهُ ..... أَنْحِتُهُ وَالْفَتْحُ مَا أَنْكَرْتُهُ]

    يقال (نحَت) بفتح الحاء في الماضي، (ينحِت) بكسر الحاء في المضارع، هذا هو الأكثر والأشهر في كلام العرب؛ كما في قوله تعالى: {تتخذون من سهولها قصورا وتنحِتون الجبال بيوتا}، وبالكسر قرأ السبعة، وقرئ في الشواذ بالفتح، وهي لغة قليلة، وهي الموافقة للقياس لمكان حرف الحلق.
    وقد فسر الناظم معنى النحت بقوله (أي قشرته)، وهذا أحد قولي العلماء في تفسير النحت، والقول الآخر أنه (النَّجْر)، ولا تعارض بينهما فالنحت يستعمل بالمعنيين، في الخشب والجبل؛ وقد يكون ذلك من التواطؤ فيكون معناه العام القطع.

    [47- وَجَفَّ هَذَا الثَّوْبُ مِنْ بَعْدِ الْبَلَلْ ..... يَجِفُّ وَالرَّطْبُ كَذَاكَ يَا رَجُلْ]

    يقال (جفّ) الثوب (يجِف) بكسر الجيم في المضارع، ونلاحظ هنا أننا لم نتكلم على عين الفعل الماضي؛ لأنها لا تظهر في مثل هذا الفعل المضعف، فإذا كانت لا تظهر فكيف نعرفها؟ الجواب: نعرفها بالتحيل على فك الإدغام بوصله بالضمير؛ كما لو قلت (جفَفتُ) ولكن كيف عرفنا أنها (جفَفت) وليست (جفِفت) أو (جفُفت)؟ الجواب: عرفنا ذلك من المضارع؛ لأن الماضي لو كان (جفِفت) لكان المضارع (يجَف)، ولو كان الماضي (جفُفت) لكان المضارع (يجُف)، على أن المضعف لا يأتي فيه وزن (فعُل) أصلا.
    وقد أشار الشاطبي إلى هذه القاعدة في حرز الأماني بقوله:
    وتثنية الأسماء تكشفها وإن ....... رددت إليك الفعل صادفت منهلا
    وقول الناظم (والرطب كذاك) مشابه لما قاله ثعلب في الفصيح إذ قال (وجف الثوبُ وكلُّ شيء رطب)، ففيه بيان أن استعمال الفعل (جف) لا يخص الثوب وحده، وإنما يستعمل في كل شيء رطب، فتقول: جفت الأرض، وجف النهر، وجف الزرع .. إلخ.

    [48- وَقَدْ نَكَلْتُ عَنْكَ أَيْ رَجَعْتُ ..... أَنْكُلُ بِالضَّمِّ كَذَا سَمِعْتُ]

    يقال (نكَل) بفتح الكاف في الماضي، (ينكُل) بضم الكاف في المضارع، ومعناه (رجع) كما ذكر الناظم، إلا أنه قال (نكلت عنك) فيوهم كلامه أن النكول مقصور في تعديته على الإنسان، وأما ثعلب فقد قال (نكل عن الشيء ينكل) ففيه عموم.
    والمصدر (النكول) فهو من باب خرج، وهو مستعمل في لغتنا المعاصرة، ولا سيما في القضاء.
    وقد اقتصر الناظم على الضم في المضارع كما فعل ثعلب، والكسر لغة غير مشهورة، ويبدو أن الناظم لم يقف عليها، فلذلك قال (كذا سمعت).

    [49- وَقَدْ كَلَلْتُ وَحُسَامِي كَلاَّ ..... وَبَصَرِي كَلَّ فَمَاذَا حَلاَّ]

    يقال (كلّ الإنسان) أي تعب وضعف، وقد فسره ثعلب بالإعياء، ويقال (كل البصر) أي ضعف أيضا، ويقال (كل السيف) أي لم يقطع، والمضارع (يكِل) بكسر الكاف، والعامة تقول (يكَل) بفتح الكاف، والمضارع لم يذكره الناظم، مع أن ثعلبا قد ذكره في الفصيح فقال (وفي كله يكل) يعني أن المضارع واحد في كل ما سبق ذكره.
    ولعل الناظم ترك ذكره لأنه قياسي؛ إذ الفعل المضعّف إذا كان لازما فقياس مضارعه (يفعِل) بالكسر مثل جدّ يجِدّ، وإذا كان متعديا فقياس مضارعه (يفعُل) بالضم مثل رد يرُدّ، والفعل الذي معنا لازم فمضارعه (يكِل) على القياس.
    ولكن هنا يرد سؤال: ما دام المعنى واحدا والتصريف واحدا في الأمثلة الثلاثة التي ذكرها الناظم، فلماذا كررها ثلاث مرات؟ الجواب: لأن المصدر يختلف باختلاف الفاعل؛ كما سيأتي في البيت التالي.

    [50- فَلِي الْكَلاَلُ وَالْكُلُولُ لَهُمَا ..... وَالْكَلُّ وَالْكِلَّةُ أَيْضًا فِيهِمَا]

    قوله (فلي الكَلال) معناه أن مصدر هذا الفعل عند استعماله مع الإنسان هو (الكلال)، فقوله (فلي) إشارة إلى الإنسان؛ اعتمادا على قوله في البيت السابق (كللتُ).
    ثم قال (والكُلول لهما) ومعناه أن مصدر هذا الفعل عند استعماله مع السيف والبصر هو (الكُلول)، فالفعل واحد والمعنى واحد، لكن المصدر يختلف باختلاف فاعله، ثم قال (والكَل والكِلة أيضا فيهما) أي يوجد مصدران آخران يستعملان مع السيف والبصر، فيقال: كَل الحسامُ كَلا وكِلة، وكَل البصرُ كَلا وكِلة.
    وقد ضُبِطت هذه الكلمة (الكلة) في طبعة الحكمي بفتح الكاف، وهو سهو، والصواب كسر الكاف.









    [51- وَقَدْ سَبَحْتُ فِي الْمِيَاهِ أَسْبَحُ ..... أَيْ عُمْتُ وَالْمُعْرَبُ مِنْهُ يُفْتَحُ]

    تقول (سبَح) بفتح الباء في الماضي، (يسبَح) بفتح الباء في المضارع أيضا، وعلى هذا فهو موافق للقياس لمكان حرف الحلق (الحاء) في آخره، وقول الناظم (والمعرب منه يفتح) أي أن المضارع من (سبح) مفتوح، والعلماء إذا قالوا: المضارع مفتوح أو الماضي مفتوح، فإنما يقصدون عين الكلمة كما هو معروف؛ لأن العين هي التي تتصرف، أما فاء الكلمة فهي مفتوحة بكل حال في الماضي وساكنة بكل حال في المضارع، وأما لام الكلمة فهي مفتوحة دائما في الماضي لأنه مبني على الفتح، وهي مضمومة في المضارع إذا كان مرفوعا.
    وقول الناظم (في المياه) زيادة قيد لم يذكره ثعلب، وهذا القيد من الناظم مهم لأنه فسر الفعل بعد ذلك بقوله (أي عمت) ولا يستقيم تفسير (سبحت) بـ(عمت) إلا إذا كان في المياه.
    لكن يبدو أن كلام ثعلب أدق؛ لأن هذا الفعل (سبح) يستعمل في معان أخرى غير السباحة في الماء، ومنها ما في قوله تعالى: {إن لك في النهار سَبْحًا طويلا} أي فراغا طويلا، ومنها ما في قوله تعالى: {كل في فلك يَسبَحون} أي يجرون أو يدورون، وكذلك قوله تعالى: {والسابحات سَبْحا} اختلف في تفسيره فقيل: الملائكة تسبح في السماء، وقيل النجوم تسبح في الأفلاك، وقيل السفن تسبح في الماء، وجعله الطبري شاملا لكل ذلك.
    ويقال للفرس: سبَح، إذا جرى بسرعة؛ ومنه اشتهر قولهم (السوابح) للخيل لسرعتها.

    [52- وَشَحَبَ اللَّوْنُ إِذَا تَغَيَّرَا ..... ..... مِنْ جُوعٍ اوْ مِنْ مَرَضٍ قَدِ اعْتَرَى]

    تقول (شحَب) بفتح الحاء في الماضي، (يشحُب) بضم الحاء في المضارع، ولم يذكره الناظم وهذا قصور؛ لأن ثعلبا قد ذكره في الفصيح، وليس الضم موافقا للقياس حتى يقال إنه تركه لوضوحه، والفتح لغة لكن الضم أشهر.
    وقد اقتصر ثعلب على قوله(شحب لونه يشحُب) وفسره الناظم بقوله (إذا تغيرا من جوع او من مرض) وهذان مثالان على التغير ولا يقصد به الحصر، فالشحوب في اللون هو التغير؛ بجوع كان أو بمرض أو بهزال أو ببذل جهد، والعلماء يعرفون عموم المعاني بقرائن تدلهم على ذلك؛ يعرفونها من تصفح كلام العرب، ومن معرفتهم بمقاصدهم لكثرة ملازمتهم، وهذه المسألة مهمة وتحتمل بسطا في رسالة علمية، ولكن لا أظن أحدا يقدر عليها أو ينشط لها.

    [53- وَسَهَمَ الْوَجْهُ كَذَاكَ يَسْهُمُ ..... مَعَ عُبُوسٍ وَيُقَالُ: يَسْهَمُ]

    تقول (سهَم) بفتح الهاء في الماضي، (يسهُم) بضم الهاء في المضارع، وقد اقتصر عليه ثعلب، وزاد الناظم (يسهَم) بفتح الهاء، وأشار إلى أنها دون اللغة الأولى بقوله (ويقال).
    ومن العجيب أن اللبلي لم يذكر هذه اللغة في (تحفة المجد الصريح) مع تتبعه واستيعابه.
    ولم يفسر ثعلب معنى (سهم) وفسره الناظم بقوله (كذاك) أي أن معنى (سهم) هو نفسه معنى (شحب) السابق ذكره، لكن (مع عبوس)، وبين العلماء نقاش واختلاف في التفريق بينهما.

    [54- وَوَلَغَ الْكَلْبُ وَكَلْبٌ وَالِغْ ..... فِي مَائِعٍ أَوْ فِي إِنَاءٍ فَارِغْ]

    تقول (ولَغ) بفتح اللام في الماضي، والمضارع فيه وجهان سيأتي ذكرهما، ولكن هنا مسألتان:
    الأولى: قوله (ولغ الكلب) فيه تقييد الولوغ بالكلب، وكذلك قيده ثعلب، ولم يقل (وغيره) مثلا كعادته في التعبير عن العموم، ويدخل في الكلب السباع كلها؛ إما بالقياس والتوسع، وإما بتواطؤ اللفظ، وهو استعمال العرب على كل حال.
    الثانية: تفسير الولوغ سيأتي للناظم أنه إدخال اللسان في باطن الإناء، لكن هل يلزم أن يكون فيه شيء؟ فيه خلاف بين العلماء، وقد ذكر الناظم التفصيل من غير ترجيح بقوله (في مائع أو في إناء فارغ، وسيأتي له ذكر تفصيل آخر بعد بيت.
    والجادة المشهورة في كلام العرب استعمال الولوغ في الإناء إذا كان فيه ماء أو غيره من الموائع؛ وفي الحديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب)، وبحسب الخلاف في تفسير الولوغ قد يتصور الخلاف الفقهي في ولوغ الكلب في الطعام الجامد أو في الإناء الفارغ، فكن من هذه المسألة على ذُكر، ففيها تمرين وتدريب على المسائل الفقهية المعتمدة على اللغة.

    [55- أَدْخَلَ فِي بَاطِنِهِ لِسَانَهْ ..... كَذَا سَمِعْتُ فَاسْتَفِدْ بَيَانَهْ]

    ذكر الناظم في هذا البيت تفسير (ولغ الكلب) وأن معناه (أدخل في باطنه) أي الإناء (لسانه)، ثم أكمل البيت حشوا بنصيحة علمية على عادته في مثل هذا، وأصحاب المنظومات منهم المكثر من الحشو ومنهم المقل، ومنهم من يستغل أمثال هذه المواطن في ذكر فوائد نفيسة جدا، وقد ذكرت شيئا منها هنا:
    اللطائف والإشارات في مهمات المنظومات - ملتقى أهل الحديث

    [56- وَقِيلَ فِي الْمَائِعِ أَيْضًا وَحْدَهُ ..... وَمَا أَتَى مِنْ ذَاكَ لاَ تَرُدَّهُ]

    اتفق العلماء على أن ولوغ الكلب معناه إدخال لسانه في الإناء، ولكنهم اختلفوا في صفة هذا الإناء نوعين من الاختلاف:
    الأول: هل يلزم أن يكون فيه شيء، أو يمكن أن يكون فارغا؟
    الثاني: هل يلزم أن يكون الشيء الذي فيه مائعا، أو يمكن أن يكون جامدا؟
    وقد حكى الناظم الأقوال في هذا البيت وفي البيت الذي مضى، ولم يرجح، بل نهاك عن الترجيح بقوله (وما أتى من ذاك لا ترده) أي أن عليك أن تقبل ما نقله العلماء ولا تتعرض له بالرد والتغليط ما دام له وجه، وقد قال ابن عاصم في مرتقى الوصول:
    وواجب في مشكلات الحكم ... تحسيننا الظن بأهل العلم

    [57- وَيَلَغُ الْكَلْبُ هُوَ الْفَصِيحُ ..... فَافْهَمْ هُدِيتَ فَهُوَ الصَّحِيحُ]

    بعد الاستطراد السابق في تفسير الولوغ رجع الناظم إلى بيان المضارع لهذا الفعل، وقد سبق أن الماضي هو (ولَغ) بفتح اللام، وأما المضارع فهو (يلَغ) بفتح اللام أيضا، هذا هو الفصيح كما قال الناظم، وفيه إشارة إلى جواز كسر اللام وإن لم ينص عليه إلا أنه مفهوم من السياق، ولذلك عقب ذلك بقوله (فافهم هديت) أي انتبه لما يدل عليه الكلام بمنطوقه ومفهومه.

    [58- وَيُولَغُ الْكَلْبُ، وَكُلُّ فِعْلِ ..... نَقَلْتُهُ فَرَاجِعٌ لِلأَصْلِ]

    الفعل (ولغ) فعل لازم أو متعد إلى الماء بالحرف، فإذا أردت أن تعديه أضفت الهمزة في أوله فقلت: (أولغتُ الكلب) أي حملته على أن يلغ، ومنه يقال (يُولَغ الكلبُ) بالبناء للمفعول؛ مثل (يُكرَم) و(يُؤذَى) ونحوها من الأفعال.
    وقول الناظم (وكل فعل نقلته فراجع للأصل) فيه فائدة مهمة، وهي تنبيه القارئ على أن ما ذكره من الأفعال كله موجود في فصيح ثعلب؛ لأن ابن المرحل كما ذكرنا سابقا قد زاد زيادات كثيرة على الناظم، ولم يميز هذه الزيادات، فأراد أن يذكر فائدة ولو جزئية في معرفة الأصل من الزيادات، فذكر هنا أن كل الأفعال التي ذكرها موجودة في الأصل، فلم يأت بفعل من عنده، لكن قد يأتي بشرح معنى أو زيادة تصريف.

    [59- وَيُنْشَدُ الْبَيْتُ الَّذِي يُضَافُ ..... إِلَى ابْنِ قَيْسٍ وَلَهُمْ خِلاَفُ]

    قولهم (يُولَغ الكلبُ) ذكره ثعلب، وذكر عليه شاهدا من كلام العرب، وهو قول الشاعر:
    ما مَرَّ يومٌ إلا وعندهما ..... لحمُ رجالٍ أو يُولَغان دَمَا
    وطريقة ابن المرحل في نظمه أنه يحاول أن يشير إلى الشواهد التي ذكرها ثعلب، وذلك بأن يعبر عن معناها بأبيات أخرى على بحر الرجز، وهذه الطريقة وإن كانت مفيدة إلا أنها تصد عن المقصود؛ لأن المقصود من الشواهد اللغوية ألفاظها في المقام الأول لا مجرد معانيها، ولكن لعل الناظم أراد بهذه الطريقة أن يذكر القارئ بمعنى الشاهد فيسهل عليه استحضاره، إلا أني مع ذلك أرى هذه الفائدة ضعيفة وتركها أولى؛ لأنها أطالت النظم من غير طائل.
    نعود إلى كلام الناظم، ونلاحظ أنه تكلم عن هذا الشاهد في أربعة أبيات كاملة، فقوله (وينشد البيت) ذكره ثعلب، لكن قوله (الذي يضاف) لم يذكره ثعلب، ومعناه أن العلماء اختلفوا في قائل هذا البيت، فقيل هو (ابن قيس) أي عبيد الله بن قيس الرقيات، وهو شاعر أموي مشهور، وإنما نسب إلى الرقيات لأنه كان يشبب بثلاث نسوة يدعين رقية.

    [60- يَصِفُ شِبْلَيْنِ وَأُمًّا مُرْضِعَا ..... تُضْرِيهِمَا بِالدَّمِ وَاللَّحْمِ مَعَا]

    في البيت السابق تكلم الناظم عن قائل البيت، وفي هذا البيت تكلم الناظم عن جو البيت، أو عن القرائن المحتفة بالبيت، أو عن الحالة العامة المتعلقة بالبيت تمهيدا لشرحه، فقوله (عندهما) الضمير عائد على شبلين يصفهما الشاعر، و(يولغان) أي أن أمهما المرضع هي التي تحملهما على الولوغ في هذا الدم، والأكل من هذا اللحم.

    [61- مَا مَرَّ مِنْ يَوْمٍ يَقُولُ إِلاَّ ..... عِنْدَهُمَا لَحْمُ رِجَالٍ قَتْلَى]

    في هذا البيت والذي يليه شرح الناظم المعنى الإجمالي للبيت، وقوله (يقول) أي الشاعر، وأراه واضحا لا يحتاج إلى شرح.

    [62- أَوْ يُولَغَانِ دَمَ قَوْمٍ وَهُمَا ..... قَدْ نَاهَزَا الْفِطَامَ أَوْ قَدْ فُطِمَا]

    هذا البيت من الأبيات التي غيرها الشيخ الددو حفظه الله، وأصله قول الناظم:
    أو يولغان دم قوم آخرين ... فاللحم في غيلهما في كل حين
    ومن الواضح أن فيه تكرارا لما سبق، وقصورا عن إتمام شرح البيت، فغيره الشيخ إلى ما ترى إشارة إلى قول الشاعر قبل البيت المذكور:
    تُرضع شبلين وسطَ غيلهما .... يُناهزان الفطامَ أو فُطِما

    والله تعالى أعلم.







    لــــغـــــةٌ حَـــــــــوت كـــــــــلَّ الـــحِـــكَـــم
    سَــــــــــــادت وكَــــــانــــــت كـــالـــعَـــلـــم

    جَـــمـــعـــت لــــنـــــا خــــيـــــرَ الـــكَـــلِـــم
    ظــــــلَّــــــت مــــــنـــــــاراً لــــــلأُمَـــــــم

    قـــــــــد بـــيَّـــنـــت قـــــــــد فـــصَّـــلــــت
    قـــــــــد زيَّــــنـــــت خـــــــــطَّ الـــقـــلــــم

    قــــــــــــد فُــــضــــلـــــت بــبــيـــانـــهـــا
    خــضَـــعـــت لــــهـــــا لُــــغـــــة الـــعَـــجـــم

  2. #2
    مشرف منتدى اللغة العربية
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    المشاركات
    1,708
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    [63- وَأَجَنَ الْمَاءُ وَمَاءٌ آجِنُ ..... وَأَسَنَ الْمَاءُ وَمَاءٌ آسِنُ]

    تقول (أجَن) بفتح الجيم في الماضي، ويقال (أسَن) بفتح السين في الماضي، وسيأتي ذكر المضارع فيهما، وهذان الفعلان معناهما واحد وتصريفهما واحد، وكثيرا ما تفعل العرب هذا، حتى صار علماء النحو واللغة يستنبطون التصاريف بناء على تقارب المعاني، كما هي طريقة سيبويه في المجلد الرابع من الكتاب، وعلى غرارها طريقة ابن درستويه في شرحه على الفصيح.
    واسم الفاعل من أجَن آجِن ومن أسَن آسِن على القياس فيهما، كما في قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسِن}، والمصدر فيهما الأُجُون والأُسُون.
    ويتعلق بهذين الفعلين أيضا مبحث مشهور في اللغة، وهو (التعاقب) أو (الاعتقاب) أو (الإبدال)، ومعناه توارد حرفين أو أكثر على موضع واحد من الكلمة دون تغير في المعنى؛ مثل (أراق) و(هراق)، و(غيم) و(غين)، و(زعاف) و(زؤاف)، و(إكاف) و(وكاف)، و(تجاه) و(وجاه)، وهو كثير جدا في كلام العرب، حتى أفرده عدد من العلماء بالتصنيف.

    [64- مَعْنَاهُمَا تَغَيُّرٌ فِي الطَّعْمِ ..... وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ فَقُلْ بِعِلْمِ]

    ذكر الناظم في البيت السابق تصريف الفعلين، ثم ذكر في هذا البيت معنى الفعلين، ومعناهما واحد كما سبق ذكره، وهو التغير؛ إما مطلقا، وإما في هذه الأوصاف الثلاثة (الطعم واللون والريح) أو بعضها، وبعض العلماء فرق بينهما؛ فجعل الأجون تغير اللون والأسون تغير الطعم، وهو قول مرجوح.

    [65- وَقُلْ مِنَ الْفِعْلَيْنِ فِي اسْتِقْبَالِ ..... يَفْعِلُ أَوْ يَفْعُلُ لاَ تُبَالِ]

    نص ثعلب على المضارع فقال (أجن الماء يأجِن ويأجُن، وأسن الماء يأسِن ويأسُن)، وعليه تكون اللغتان عنده من باب (ما كان فيه لغتان كثرتا واستعملتا فلم تكن إحداهما أولى من الأخرى فأخبرنا بهما)، وتبعه الناظم على ذلك، لكنه جاء بالنظم في قاعدة عامة أو بي جامع، يصلح للذكر والاستدلال في كثير من الأفعال التي تأتي بالضم والكسر وما أكثرها، وهذه الأبيات الجوامع ينبغي أن يحرص عليها طالب العلم ويُعنى بحفظها، وقد ذكرت شيئا منها هنا:




    [66- وَقَدْ غَلَتْ قِدْرُكَ فَهْيَ تَغْلِي ..... وَقَدْ غَثَتْ نَفْسُكَ مِثْلَ الْفِعْلِ]

    تقول (غلَت) القدر بفتح اللام في الماضي، (تغلِي) بكسر اللام في المضارع، والعامة تقول (غلِيَت) بكسر اللام، وهو لحن قديم، كما قال أبو الأسود الدؤلي:
    ولا أقول لقدر القوم قد غليت …. ولا أقول لباب الدار مغلوق
    أي أنني فصيح لا ألحن، وأبو الأسود اسمه ظالم بن عمرو، وهو من التابعين متوفى سنة 69هـ، وفي بيته هذا وغيره من الحكايات التي تنقل ما يدل على أن ظهور اللحن قديم حتى في عصور الاحتجاج، ولا سيما بعد اختلاط العرب بالموالي والأعاجم، ولذلك فلا ينبغي أن يعتمد على ما قاله بعض المتأخرين من أن الحد الفاصل بين الاحتجاج وعدمه هو سنة 150هـ، وهو مستنبط من كلمة للأصمعي لكنه لا يقصد بها التحديد، وإنما يقصد بها التقريب، والأمر في أكثره يعتمد على القرائن، ولا سيما من العلماء المتقدمين مثل سيبويه، فلا يصح أن تعترض على سيبويه مثلا بأنه احتج بقول شاعر توفي بعد 150هـ؛ لأن هذه القاعدة أصلا ما عرفت إلا بعد سيبويه، وسيبويه أعرف منك بالقرائن والدلائل التي تفيد فصاحة المتكلم.
    ويقال (غثَت) نفسه بفتح الثاء في الماضي، (تغثِي) بكسر الثاء في المضارع، فهذان الفعلان متشابهان في التصريف ولذلك جمعهما معا تسهيلا على المتعلم، وقد أشار إلى ذلك بقوله (مثل الفعل) وهذا اللفظ من الشيخ الددو حفظه الله، وأصل كلام الناظم (فهي تغثي)، وهو أقرب إلى كلام ثعلب في الفصيح، لكنه أبعد من انتظام شأن البيت من جهة القافية لذلك غيره الشيخ.
    ولما كان (غليان القدر) معروفا، لم يحتج إلى تفسيره، لكن (غثيان) النفس فيه غموض، ولذلك سوف يفسره في البيت التالي.

    [67- وَغَثْيُهَا بِأَنْ يَجِيشَ قَيُّهَا ..... أَوْ تَخْبُثَ النَّفْسُ فَذَاكَ غَثْيُهَا]

    المصدر من (غثَت النفس) هو الغَثْي والغَثَيان، وقد فسره الناظم بقوله (أن يجيش قيها) أي يفيض القيء منها حتى يقرب من الفم، وهو ما نسميه في لغتنا العامية (انقلاب المعدة)، وقديما كانوا يقولون لمن غثت نفسه (خبثت نفسه) وقد ورد النهي عن ذلك كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا (لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لَقِسَت نفسي)، وهذه الأفعال كلها بمعنى واحد أو معان متقاربة: غثت نفسه، ولقست، وجاشت وضاقت وتحركت .. إلخ.

    [68- وَكَسَبَ الْمَالَ الْفَتَى يَكْسِبُهُ ..... وَالْكَسْبُ بِالْفَتْحِ كَذَا أَغْلَبُهُ]

    تقول (كسَب) بفتح السين في الماضي، (يكسِب) بكسر السين في المضارع، والعامة تقول يكسَب بفتح السين، وقد كسَب الرجلُ مالا، وكسَب الرجلُ غيرَه مالا، يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى مفعولين، فهو من الأفعال التي جاءت في باب (فعلته ففعل) مثل جبَرتُ العظمَ فجبر العظمُ، ورجعتُه فرجَع هو، ووقفتُه فوقَف هو، وكفَفته فكف هو، وهو باب مهم في اللغة قد أفرده العلماء بالتصنيف والتبويب.
    وقوله (كسب المال) مماثل لقول ثعلب في الفصيح، ولم يقل (وغيره)، وهذا قد يقال إن فيه إشارة إلى أن الكسب مقصور على المال، ويستعمل في غيره استعارة، وقد يقال: إن ذكر المال هنا مجرد تمثيل؛ لشهرة استعمال الكسب في غير المال؛ كما في قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة}، {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه}، {أو كسبت في إيمانها خيرا}.
    وقول الناظم (والكَسْب بالفتح) شرح منه لقول ثعلب (وهو الكسب)، ولم يلتزم الناظم ولا ثعلب ذكر مصادر الأفعال، فلعله قصد من ذلك بيان أن الفتح هو الفصيح.
    وقوله (كذا أغلبه) فيه احتمالان:
    الأول: أن يكون عائدا على قوله (الكسب بالفتح) إشارة إلى جواز الكسر (الكِسْب).
    الثاني: أن يكون عائدا على قوله (كسب المال) إشارة إلى أن الكسب يستعمل في غير المال، لكنه في المال أغلب.
    وهذا الاحتمال الثاني أرجح فيما أرى؛ لأن ذكر المصدر ليس هو المقصود الأول من الكلام.

    [69- وَرَبَضَ الْكَلْبُ رُبُوضًا أَيْ رَقَدْ ..... يَرْبِضُ بِالْكَسْرِ كَذَا قِيلَ فَقَدْ]

    تقول (ربَض) بفتح الباء في الماضي، (يربِض) بكسر الباء في المضارع، والمصدر (ربوض) وهو القياس في مصادر الأفعال اللازمة التي بوزن (فعَل)، كما قال ابن مالك:
    وفعَل اللازمُ مثل قعَدا .... له فعولٌ باطراد كغدا
    وهذا الفعل لم يفسره ثعلب، وقد فسره الناظم بقوله (أي رقد) ولعل الأقرب أن يقال (أي قعد)، وبه يصح الوزن أيضا؛ لأن الرقود هو النوم، وليس هذا هو المقصود بالربوض.
    ومن الملاحظ في كلام العرب أنها تعبر عن معنى (القعود) بفعل خاص لكل نوع من أنواع الفاعلين؛ ففي (الإنسان) يقولون: قعد وجلس، وفي (البعير) يقولون: برك، وفي (الطائر) يقولون: جثم، وهكذا.
    هذا هو الأصل لكن لا مانع من استعارة بعضها في بعض كما هو شائع في كلام العرب، وقد أشار ثعلب إلى هذا بقوله (ربض الكلب وغيره) أي أن الأصل هو الكلب، لكن يجوز استعماله في غيره خلافا لمن منعه من اللغويين.
    وقول الناظم (كذا قيل فقد) أي لا يوجد في هذا الفعل سوى الكسر، (فقد) بمعنى (فقط).

    [70- وَرَبَطَ الإِنْسَانُ شَيْئَا يَرْبِطُ ..... تَكْسِرُهُ وَقَدْ يُقَالُ يَرْبُطُ]

    تقول (ربَط) بفتح الباء في الماضي، (يربِط) بكسر الباء في المضارع، هذا هو الفصيح الذي اقتصر عليه ثعلب، وزاد الناظم (يربُط) بالضم، وقوله (وقد يقال) إشارة إلى أنها زيادة على كلام ثعلب، وقد تكون أيضا إشارة إلى أنها دون الكسر في الفصاحة.
    وقول الناظم (تكسره وقد يقال يربُط) نعلم منه أنه لم يقصد (يربَط) بفتح الباء؛ لأن التقابل في حركات المضارع يكون بين الكسر والضم؛ لأنهما يتواردان كثيرا على الأفعال، إلا أن يوجد شيء بخصوصه يقتضي حركة بعينها؛ مثل المغالبة التي تقتضي الضم في المضارع، وحرف الحلق الذي يقتضي الفتح في المضارع.

    [71- وَنَحَلَ الْجِسْمُ وَجِسْمٌ نَاحِلُ ..... وَقَحَلَ الْجِلْدُ وَجِلْدٌ قَاحِلُ]

    تقول (نحَل) بفتح الحاء في الماضي، و(قحَل) بفتح الحاء في الماضي أيضا، وسيأتي ذكر المضارع فيهما، وقد نسب الناظم (نحل) إلى الجسم و(قحل) إلى الجلد، وهي زيادة لم يذكرها ثعلب، لأنه أطلق الفعلين في بعض النسخ فقال (نحل ينحل وقحل يقحل)، وفي بعضها (نحل الجسم وقحل الشيء) ولم يذكر الجلد، وكأن مراد ثعلب الإشارة إلى مجرد ضبط الفعل من جهة التصريف دون بيان المعنى، فذكر الناظم ذلك وزاد المعنى على طريقته في الشرح المختصر.
    وهذا البيت يشبه البيت السابق (وأسن الماء وماء آسن ... إلخ)، ويشبه أيضا البيت السابق (وقد غلت قدرك فهي تغلي.. إلخ) من الجمع بين فعلين متشابهين في التصريف والحروف، وبينهما تعلق أيضا من جهة المعنى، وهذا الجمع بين النظائر مهم جدا لطلبة العلم؛ لأنه يعين على الحفظ والاستحضار والتحصيل، وقد أشرت إلى شيء من هذا هنا:



    [72- وَالْقَاحِلُ الْيَابِسُ وَالْمُضَارِعُ ..... بِالْفَتْحِ فِي فِعْلَيْهِمَا يَا سَامِعُ]

    لم يفسر الناظم (النحول) لوضوحه وهو النحافة والهزال؛ قال ابن نبهان الحضرمي في منظومة المترادف:
    وكالنحيفِ ناحلٌ هزيلُ ... نِضْو قضيفٌ ضامرٌ ضئيلُ
    ولكنه فسر (القحول) لغرابته، ثم ذكر أن المضارع في هذين الفعلين (نحل) و(قحل) هما (ينحَل) و(يقحَل) بفتح الحاء فيهما، وهذا هو الموافق للقياس؛ لوجود حرف الحلق في العين.
    وهذان الفعلان (نحل) و(قحل) من زيادات بعض النسخ في الفصيح، ولذلك لم ينظمها ابن أبي الحديد في نظمه للفصيح.

  3. #3
    مشرف منتدى اللغة العربية
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    المشاركات
    1,708
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    [بَابُ فَعِلْتُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ]

    [73- قَدْ قَضِمَتْ شَعِيرَهَا الْحَمِيرُ ..... أَيْ أَكَلَتْ وَأَكْلُهَا يَسِيرُ]

    تقول (قضِم) بكسر الضاد في الماضي، (يقضَم) بفتح الضاد في المضارع، والعامة تقول قضَم يقضِم، وهو لحن أو لغة ضعيفة.
    وإليك هذه القاعدة الصرفية المطردة التي لا تتخلف إلا في بعض الأفعال القليلة، وقد نص عليها العلماء في كتب التصريف، ليسهل على طالب العلم تطبيق القاعدة إذا حفظ ما شذ عنها، وهذه القاعدة تختصر عليك نحو النصف من تصريف الأفعال، وهي هذه:
    (انظر إلى الماضي أو المضارع فإذا كان أحدهما مكسورا فالآخر لا بد أن يكون مفتوحا)
    فمثلا (سمِع) بكسر الميم في الماضي، فلا بد أن يكون المضارع (يسمَع) بفتح الميم، و(يضرِب) بكسر الراء في المضارع، فلا بد أن يكون الماضي (ضرَب) بفتح الراء في الماضي، وهكذا.
    ولكن انتبه فهذا معناه أن الكسر لا بد أن يكون معلوما في أحد التصريفين ثم يستنبط منه التصريف الآخر، فالقاعدة لا تنعكس؛ بمعنى أن أحدهما إذا كان مفتوحا فلا يلزم أن يكون الآخر مكسورا؛ فمثلا (قتَل) بفتح التاء في الماضي، ومضارعه (يقتُل) بضم التاء، و(يفتَح) بفتح التاء في المضارع، وماضيه (فتَح) بفتح التاء.
    وبناء على ما سبق فجميع الأفعال في هذا الباب (باب فعِلت بكسر العين) تأتي مفتوحة العين في المضارع لأنها مكسورة العين في الماضي، ومن ثم فمن العجيب أن يضبط محقق الفصيح بعض الأفعال في هذا الباب بفتح العين في الماضي، ويحتمل أن يكون من أخطاء الطباعة فما أكثرها في هذه الطبعة.
    والأفعال التي شذت عن القاعدة قليلة محصورة تجدها في كتب الصرف، وقد نظمها ابن مالك في لامية الأفعال، ونظمها كذلك ابن جابر الأندلسي في نظمه على الفصيح، فراجعه تستفد.
    ولم يذكر ثعلب في هذا الباب شيئا من هذه الأفعال الشاذة، لذلك اطرد هذا الباب كله من الفصيح على القاعدة.
    وأما هذا الفعل (قضِم) فقد قال فيه ثعلب (قضمت الدابة شعيرها) فعمم الفاعل بقوله (الدابة) وهذا أفضل من المثال الذي ذكره الناظم (الحمير)؛ لأنه قد يفهم منه التخصيص بالحمير، مع أنه عام في الدواب، وقد فرقوا بين (القَضْم) و(الخَضْم) بأن الأول في الدواب والثاني في الإنسان، أو أن الأول في اليابس والثاني في الرطب، وسيذكر الناظم الفرق بينهما في البيتين التاليين.
    والقضم ليس خاصا بالشعير اتفاقا، فذكرُه في كلام ثعلب وفي كلام الناظم مجرد تمثيل كما هو واضح.

    [74- وَأَصْلُ ذَاكَ الأَكْلُ بِالْمُقَدَّمِ ..... بِالشَّفَتَيْنِ أَوْ بِأَسْنَانِ الْفَمِ]

    قوله (وأصل ذاك) أي وأصل معنى القضم في اللغة هو (الأكل بالمقدم) أي بمقدم الفم؛ إما بالشفتين وإما بالأسنان.
    وقول الناظم في البيت السابق (وأكلها يسير) أي أن القضم هو الأكل القليل؛ قال مكي في شرح الفصيح: إذا كان القَضْم أكل الشيء بأطراف الأسنان؛ فكأنه أكلُ الشيء القليل، والخَضْم أكل الشيء بالفم كله؛ فكأنه أكل الشيء الكثير، قال الشاعر:
    تبلّغ بأخلاق الثياب جديدها ... وبالقضم حتى تبلغ الخَضْمَ بالقَضْمِ

    [75- وَالْخَضْمُ أَكْلُ الشَّيْءِ بِالأَضْرَاسِ ..... وَالْفََمِ أَجْمَعَ كَأَكْلِ النَّاسِ]

    تقول (خضِم) بكسر الضاد في الماضي، (يخضَم) بفتح الضاد في المضارع، فتصريفُ هذا الفعل مثل تصريف الفعل السابق (قضِم) تماما، إلا أن المعنى فيهما مختلف وإن كان فيه تقارب؛ لأن كليهما يتعلق بالأكل؛ وقد فرق بينهما في النظم بأن القضم هو الأكل بمقدم الفم وهو أكل الدواب، والخضم الأكل بجميع الفم وهو أكل الناس.
    وفرق بينهما ابن جابر في نظم الفصيح بقوله:
    والقَضْم مخصوص بأكل ما يبس .... والخَضْم أكلُ الرطب فاعلم واقتبس
    وذكر بعض شراح الفصيح أن هذين الفرقين يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن الشيء اليابس يناسب أكله بمقدم الفم، والشيء الرطب يناسب أكله بجميع الفم.
    ولم يذكر ثعلب (الخضم) في الفصيح، هذا ما أعرفه من جميع النسخ والطبعات والشروح، ولكن ابن الطيب الفاسي ذكر في شرحه على موطأة الفصيح أن الخضم موجود في الفصيح، فلا أدري على أي نسخة اعتمد في ذلك.
    وعادة العلماء في كتب اللغة أن يذكروا الألفاظ المتقاربة التي قد يخفى الفرق بينها لينبهوا على ما يمكن أن يقع فيها من خطأ، أو هو من باب تمام الفائدة بذكر ما يقرب منها وما هو من بابها، فلذلك ذكر الناظم وغيره (الخضم) مع (القضم).
    وأنقل لكم كلاما مفيدا لابن جني ذكره في الخصائص ونقله عنه السيوطي في المزهر، في التفريق بين القضم والخضم؛ قال:
    (( فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتَها من الأحداث فبابٌ عظيم واسع، ونهج متلئب [أي مستمر مطرد] عند عارفيه مأمومٌ؛ وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها؛ فيعدلونها بها، ويحتذونها عليها، وذلك أكثر مما نقدره وأضعاف ما نستشعره؛ من ذلك قولهم: خضم وقضم؛ فالخَضْم لأكل الرَّطْب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقَضْم للصلب اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها ونحو ذلك، وفي الخبر (قد يُدْرَك الخَضْم بالقَضْم) أي قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف، وعليه قول أبي الدرداء: (يخضَمون ونقضَم، والموعِد الله) فاختاروا الخاءَ لرخاوتها للرطب، والقافَ لصلابتها لليابس؛ حذوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث )).
    وهذا الموضوع له تعلق بعلم الاشتقاق، وتعلق بعلم الأصوات، وله تعلق بأصل اللغات، وتعلق بأصول الفقه، وهو موضوع ضخم، لا يناسب هذا الشرح المختصر، فأردتُ فقط الإشارة إليه بهذا النقل تشجيعا على التوسع فيه، فلعلكم تراجعونه في الخصائض والمزهر وغيرهما، ولابن السيد البطليوسي في الاقتضاب نقد لكلام ابن جني، وفيه نظر.

    [76- وَقَدْ بَلِعْتُ وَسَرِطْتُ مِثْلُهُ ..... لَكِنَّهُ فِيمَا يَلِينُ أَكْلُهُ]

    تقول (بلِع) بكسر اللام في الماضي، (يبلَع) بفتح اللام في المضارع، وكذلك تقول (سرِط) بكسر الراء في الماضي (يسرَط) بفتح الراء في المضارع، فكلا الفعلين متفقان في التصريف، ومتفقان في المعنى أيضا؛ لأن معناهما الأكل، وفرّق الناظم بينهما بأن (سرطت) في الأكل اللين، وأما (بلعت) فيشمل اللين وغيره.

    [77- وَقَدْ زَرِدْتُ مِثْلُهُ فِي سُرْعَهْ ..... وَقَدْ لَقِمْتُ لَسْتَ تَعْنِي بَلْعَهْ]

    تقول (زرِدت) بكسر الراء في الماضي، (أزرَد) بفتح الراء في المضارع، ومعناه وتصريفه مثل (بلعت)، إلا أن الفرق بينهما أن (زردت) في الأكل السريع، وأما البلع فيشمل السريع وغيره.
    وأما اللقم فهو مجرد وضع اللقمة في الفم ولا يلزم منه البلع، لذلك قال الناظم (لست تعني بلعه) مع أنه غالبا يليه البلع؛ لذلك ذكر بعض العلماء أنه يعني البلع بإطلاق.
    قال ابن درستويه: (وهذا الباب كله [يقصد هذه الأفعال المتعلقة بالأكل] على وزن واحد ومعنى واحد، ومصدره كله على فَعْل ساكن العين مفتوح الفاء، كالبَلْع واللَقْم والزَرْد والسَرْط؛ لأنه كله متعد).

    [78- وَقَدْ جَرِعْتُ جُرْعَةً مِنْ مَاءِ ..... بَلِعْتُهَا كَذَاكَ فِي الدَّوَاءِ]

    تقول (جرِع) بكسر الراء في الماضي، (يجرَع) بفتح الراء في المضارع، ومعناه الشرب، أو البلع، وخصه ثعلب بالماء على سبيل ضرب المثال، وزاد الناظم أنه كذلك يقال (في الدواء)، وهذا أيضا لعله من باب ضرب المثال، والمقصود أنه يعم الماء وغيره مما يشابهه من المائعات، وفي أكثر النسخ من موطأة الفصيح (كذاك في الصَّهْبَاء) وهي الخمر، وهذا أدق؛ لأن الدواء لا يلزم أن يكون مائعا.
    وفي القرآن {من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجَرَّعه ولا يكاد يُسيغه}، ويستعار كذلك في غير المحسوس؛ كما تقول: تجرع الألم، وتجرع الغيظ.
    وذكر الناظم (جرْعة) ولم يذكرها ثعلب، فإن كانت مضمومة فالمقصود بها القطعة أو المقدار الذي يتجرعه، وإن كانت مفتوحة فالمقصود بها المرة الواحدة.

    [79- وَقَدْ مَسِسْتُ وَهْوَ لَمْسٌ بِالْيَدِ ..... وَقَدْ شَمِمْتُ رِيحَهُ مِنْ بُعُدِ]

    تقول (مسِست) بكسر السين في الماضي (أمَس) بفتح الميم في المضارع، وأصله (أمْسَس) بسكون الميم وفتح السين، ثم نقلت حركة السين إلى الميم وأدغمت السين في السين التي تليها، وهو قياس مطرد في الأفعال المضعفة؛ مثل (ضَنَّ يضَنَّ) و(شَمَّ يشَمَّ) و(عَضَّ يعَضَّ) وغيرها.
    وفسر الناظم المس بأنه (اللمس باليد)، هذا أصله، وقد يستعار في غيره كما في قوله تعالى: {فتمسكم النار}.
    وفي الفرق بين المس واللمس كلام بين أهل العلم، وقد ينبني عليه خلاف فقهي؛ فمثلا في الحديث (من مَسَّ ذكره فليتوضأ) خصه بعض العلماء بباطن الكف فلا ينتقض الوضوء إن مسه بظهرها، وجعله بعضهم عاما فينتقض الوضوء بباطنها وظاهرها.
    وتقول (شمِمت) بكسر الميم في الماضي (أشَم) بفتح الشين في المضارع، وأصله (أشْمَم) بسكون الشين وفتح الميم، كما سبق بيانه في الفعل السابق.
    وفسر الناظم الشم بذكر لوازمه وهي (الريح) أي الرائحة، و(البعد) أي المسافة؛ لأن الشم يرتبط بالرائحة ولا يلزم أن يكون بتلامس أو تلاصق كالأفعال السابق ذكرها، فالبعد هنا يقصد به مطلق المسافة لا ما يقابل القرب، والله أعلم.

    [80- وَقَدْ عَضِضْتُ أَيْ شَدَدْتُ بِفَمِي ..... أَوْ بِيَدِي أَوْ بِسِوَاهَا فَاعْلَمِ]

    تقول (عضِضت) بكسر الضاد في الماضي، (أعَض) بفتح العين في المضارع، وأصلها (أعْضَض) بسكون العين وفتح الضاد كما سبق بيانه في البيت السابق، وبعض العامة تقول (أعُض) بضم العين، وفي الأمر يقولون (عُض)، والصواب فتح العين في الماضي (عَضَّ) وفي الأمر (عَضَّ) أيضا، فالماضي كما في قوله تعالى: {عَضُّوا عليكم الأنامل من الغيظ}، والأمر كما في الحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عَضُّوا عليها بالنواجذ)، ويُلغَز بمثل هذا فيقال (ما الفعل الذي يأتي الماضي والأمر منه متطابقين تماما؟)
    ولم يفسر ثعلب العض في الفصيح، وفسره الناظم بأنه (الشد بالفم أو اليد أو غيرها)، وهذا من المواضع المشكلة في هذا النظم؛ كما قال الشارح في موطئة الفصيح: (( وظاهر قوله "أو بيدي أو بسواها" أن العض هو الجس بالفم وبغيره من اليد ونحوها، وهو مخالف لما أطبق عليه الأئمة وصرح به جميعهم من تخصيص العض بالفم أو ما اشتمل عليه من الأسنان واللسان فقط، ولم يسم أحد قبض اليد ونحوه عضا فليتأمل والله أعلم )).
    وينظر هنا:

    وقد تأملت البيت فظهر لي وجه في تأويله، وهو أن يكون المقصود بقوله (بفمي أو بيدي أو بسواها) الشيء المعضوض نفسه؛ وتكون الباء بمعنى (على) كما في قوله تعالى {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار} أي على قنطار؛ والمغتاظ قد يعض على شفتيه، وقد يعض على يده من الغيظ؛ والعرب تصرّفت كثيرا في معاني الباء حتى أوصلها بعضُ العلماء إلى أربعة عشر معنى أو أكثر؛ وقد جمعها بعضُهم بالإشارة في قوله:
    تعد لصوقا واستعن بتسبب ... وبدل صحابا قابلوك بالاستعلا
    وزد بعضهم إن جاوز الظرف غاية .... يمينا تحز للبا معانيها كلا
    وفي البيت وجه آخر، وإن كان فيه بعد، وهو أن يكون المراد الاستعارة في غير المحسوس؛ كقول الشاعر:
    وعض زمان يا ابن مروان لم يدع .... من المال إلا مسحتا أو مجلف
    ولذلك يقولون: عضته الحرب، وعضه الأمر إذا اشتد عليه

    والله أعلى وأعلم.





















    [تكملة باب فعِلت بكسر العين]

    [81- وَقَدْ غَصِصْتُ فَأَنَا أَغَصُّ ..... وَقَدْ مَصِصْتُ فَأَنَا أَمَصُّ]

    تقول (غصِصْت) بكسر الصاد الأولى في الماضي، (أغَص) بفتح الغين في المضارع، وأصله (أغْصَص) بتسكين الغين وفتح الصاد، لكن نقلت الحركة كما سبق ذكره.
    وتقول (مصِصْت) في الماضي (أمَص) في المضارع، مثل الفعل السابق تماما.
    ولكن نلاحظ أن الفعل (غص) لازم، والفعل (مص) متعد، ولذلك يختلف المصدر منهما؛ لأن القياس في مصدر (فعِل) إذا كان متعديا هو (فَعْل)، والقياس في مصدر (فعِل) إذا كان لازما هو (فَعَل)، كما قال ابن مالك:
    وفعِل اللازم بابه فَعَل .... كفَرَح وكجَوًى وكشَلَل
    فمصدر غصصت: الغَصَص، ومصدر مصصت: المَص، كما سيأتي.

    [82- وَغَصَصُ الْحَلْقِ كَمِثْلِ الشَّرَقِ ..... لَكِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَثِقِ]

    في البيت السابق ذكر الناظم تصريف الفعلين، وفي هذا البيت ذكر معنى الفعل الأول (غصصت) وقد فسره بتفسير مصدره؛ وهذه طريقة أهل العلم؛ لأن معرفة معنى المصدر تكفي لمعرفة معنى الماضي والمضارع وغيره؛ فإذا قلت مثلا: (الضرب: معناه كذا وكذا) فهذا يكفي في معرفة معنى (ضَرَبَ) و(يضرِب) و(مضروب) .. إلخ؛ لأن هذه الاشتقاقات قياسية.
    وقد فسر الناظم (الغصص) بأنه مثل الشرق، والشَّرَق بفتحتين: مصدر (شرِق) بكسر الراء في الماضي، وقد عرفنا قاعدة هذا الباب أن ما كان مكسور العين في الماضي فلا بد أن يكون مفتوحا في المضارع، فالمضارع يشرَق، ومثله (غرِق يغرَق) وبعض العامة يقول غرَق يغرِق.
    إذن فالغصص كما قال الناظم هو مثل الشرق، (لكنه بكل شيء)، يقصد أن (الشرق) يستعمل في الماء ونحوه من المائعات، أما الغصص ففي كل ما يؤكل ويشرب، ولذلك تقول: غص فلان باللقمة، وغص بالشراب؛ قال ابن الأعرابي: الغصص يكون في الطعام والشراب والكلام والريق.
    ومن الشواهد المشهورة في كتب العربية قول عدي بن زيد العبادي:
    لو بغير الماء حلقي شرق .... كنت كالغصان بالماء اعتصاري

    [83- وَالْمَصُّ جَذْبُ الشَّفَتَيْنِ الْمَائِعَا ..... وَرُبَّمَا كُنْتَ لِصَوْتٍ سَامِعَا]

    ذكر الناظم قبل بيت تصريف الفعل (مص)، ثم ذكر معناه في هذا البيت ببيان معنى المصدر، كما سبقت الإشارة إليه في البيت السابق، ومعنى المص كما قال الناظم هو (جذب الشفتين المائعا) وهو ما نسميه في العامية (الشفط)، ويقول العلماء في تفسيره (هو الشرب الرفيق) أو (الشرب برفق)، وفي كلام بعض الحكماء (مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا) ولا يصح حديثا.
    ويفهم من كلام الناظم أن (المص) مخصوص بالمائعات وفيه نظر؛ ففي حديث جابر: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة، فكان يعطينا تمرة تمرة، فكنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء.
    وقد يقال: إن المقصود بالحديث مَصّ ما يتحلب عن التمرة من الحلاوة بجذب الشفتين، وذلك أقرب إلى المائعات، ولذا لا يقال لمن أكل التمرة أو بلعها إنه: قد مصها.
    قال الناظم (وربما كنت لصوت سامعا) أي أن المص يطلق على ما سبق ذكره سواء منه ما سمع فيه الصوت وما لم يسمع فيه الصوت، و(رُبّ) للتقليل عند الأكثرين من العلماء، وبعضهم يقول إنها للتكثير وفيه نظر، وبعضهم يقول ليست للتقليل ولا للتكثير وإنما يفهم ذلك من السياق.
    وهنا سؤال أرجو أن يجيب عنه بعض القراء: (اضبِط المقولة السابق ذكرها بالشكل "مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا").

    [84- وَقَدْ سَفِفْتُ بِفَمِي دَوَاءَا ..... ثُمَّ سَوِيقًا إِنْ تَشَأْ أَوْ مَاءَا]

    تقول (سفِفت) بكسر الفاء في الماضي، (أسَف) بفتح السين في المضارع، وأصله (أسْفَف) كما سبق بيانه في غيره من الأفعال، ومصدره (السَّف) لأنه متعد كما سبق بيانه.
    ومعنى (السف) الجذب بالفم والشفتين أيضا مثل (المص)، إلا إن (السف) يستعمل في الجامدات والمائعات جميعا، وقد عبر الناظم عن هذا المعنى بذكر أمثلة المفعولات، وقد ذكر ثلاثة أمثلة (الدواء، والسويق، والماء).
    قال عنترة في معلقته:
    ما راعني إلا حمولة أهلها .... وسط الديار تسف حب الخمخم

    [85- وَقَدْ زَكِنْتُ أَيْ ظَنَنْتُ ظَنَّا ..... وَقِيلَ: خَمَّنْتُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى]

    تقول (زكِن) بكسر الكاف في الماضي (يزكَن) بفتح الكاف في المضارع، وفي معناه أقوال عند العلماء، منها: أنه بمعنى (الظن)، ومنها أنه بمعنى (التخمين) والفرق بينهما أن الأول يكون مبنيا على دلائل وقرائن وإن لم تكن يقينية، وأما الثاني فيكون مبنيا على مجرد الحدْس، ومنها أنه بمعنى (العلم) كما سيأتي في البيت التالي.

    [86- عَلِمْتُ، ثُمَّ أَنْشَدُوا يَا صَاحِبِي ..... بَيْتًا رَوَوْهُ لابْنِ أُمِّ صَاحِبِ]

    ذكر الناظم ثلاثة معانٍ لكلمة (زكن)، ولم يذكر ثعلب منها سوى (العلم) وذكر عليه شاهدا من كلام العرب، وهو قول الشاعر (قعنب بن ضمرة المعروف بابن أم صاحب):
    ولن يراجع قلبي حبهم أبدا .... زكنت من بغضهم مثل الذي زكنوا
    ومن العجيب أن بعض العلماء قال إن (زكنت) بمعنى الظن فقط ولا يصح بمعنى العلم، وبعضهم قال إنه بمعنى العلم فقط ولا يصح بمعنى الظن، وهذا هو المشهور عند العلماء وهو ما اقتصر عليه ثعلب في الفصيح.
    وقد نظم ابن المرحل معنى الشاهد على طريقته المعتادة بالتعبير عن معناه على بحر الرجز، كما سيأتي في الأبيات التالية.

    [87- يَقُولُ فِي قَوْمٍ تَسَلَّى بَعْدَهُمْ: ..... وَلَنْ يُرَاجِعَ الْفُؤَادُ وُدَّهُمْ]

    قوله (يقول) أي الشاعر ابن أم صاحب (في قوم تسلى بعدهم) أي يقول هذا الشعر مخبرا عن قوم قد فارقهم ونسيهم (ولن يراجع الفؤاد ودهم) أي أن ما بيننا من الكراهية مستمر لن يتغير.

    [88- زَكِنْتُ مِنْ أَمْرِهِمُ مَا زَكِنُوا ..... فَأَمْرُهُمْ لِي مِثْلُ أَمْرِي بَيِّنُ]

    قوله (زكنت من أمرهم ما زكنوا) أي مثل ما زكنوا، وحذف (مثل) كثير في كلام العرب لوضوحه؛ كقوله تعالى: {يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون}.
    قوله (فأمرهم لي مثل أمري بين) أي أن شأنهم عندي واضح، مثل شأن نفسي في الوضوح.
    وقد استغرق الناظم ثلاثة أبيات في التعبير عن هذا البيت الواحد، وكان يمكنه الاستغناء عن ذلك كله؛ لأن الطالب في جميع الأحوال لا يستغني عن حفظ الشاهد بألفاظه.

    [89- وَنَهِكَ الْجِسْمَ السَّقَامُ أَنْحَلَهْ ..... أَجْهَدَهُ سَقَامُهُ وَأَهْزَلَهْ]

    تقول (نهِك) بكسر الهاء في الماضي، (ينهَك) بفتح الهاء في المضارع، ومعناه المبالغة في الإجهاد أو الإيذاء؛ تقول (نهِك المرضُ الرجلَ) أي أضعفه وأجهده حتى أصابه الهزال والضعف.
    وفي حديث صلح الحديبية (إن قريشا قد نهِكتهم الحربُ وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدةً ويخلّوا بيني وبين الناس).

    [90- وَانْهَكْهُ بِالْعِقَابِ أَيْ بَالِغْ فِي ..... عِقَابِهِ حَتَّى يُرَى ذَا ضَعْفِ]

    تقول (اِنْهَك فلانا بالعقوبة) أي أنزل عليه العقاب الشديد، وبالغ في ذلك حتى يظهر عليه الضعف، ومن الواضح أن الناظم يقصد هنا الفعل الثلاثي مثل السابق ذكره في البيت قبله، وأما ثعلب فقد اختلفت نسخ الفصيح، فالذي في أكثر النسخ مثل ما هنا (انهكه) بهمزة وصل، وفي بعض النسخ (أنهكه السلطان عقوبةً) بهمزة قطع وعليها نظم ابن جابر الأندلسي، وكذلك ابن أبي الحديد إذ قال في نظمه:
    نهِكه المرضُ حتى سقِما .... أنهكه السلطانُ ضربا مؤلما
    وهذه المسألة من المسائل التي استُنكرت على ثعلب رحمه الله، أنكرها الزجّاجُ في رده على ثعلب (كما في المزهر وغيره)، وأنكرها علي بن حمزة البصري في (التنبيهات على أغاليط الرواة)، وقد دافع العلماءُ عن ثعلب رحمه الله، ولهم في ذلك طريقتان: الطريقة الأولى طريقة الجواليقي في رده على الزجاج، إذ أنكر صحة ذلك أصلا عن ثعلب، وقال إن هذا خطأ في النسخ، وأما الصحيح المقروء على ثعلب فهو بالوصل، والطريقة الثانية طريقة اللبلي في شرحه على الفصيح، وهي أن (أنهكه) بهمزة قطع صحيح قياسا؛ لأن الهمزة للنقل.
    وهذا الرد الأخير فيه ضعف؛ لأن ثعلبا لم يكن ممن يذكر في كتبه شيئا بناء على مجرد القياس حتى لو كان صحيحا، فضلا عن أن يكون غيره أفصح منه، وقد اشترط على نفسه ذكر الأفصح في الفصيح.

    والله أعلى وأعلم.


















    [تكملة باب فعِلت بكسر العين]

    [91- وَقَدْ بَرِئْتُ وَبَرَأْتُ أَبْرَأُ ..... بُرْءًا مِنَ السُّقْمِ فَعُمْرِي يُنْسَأُ]

    تقول (برِئ) بكسر الراء في الماضي، (يبرَأ) بفتح الراء في المضارع، ومعناه السلامة أو الشفاء من المرض، وقد عبر الناظم عن هذا المعنى بلازمه فقال (فعمري يُنسأ) أي يؤخّر.
    ويجوز أن تقول (برَأ) بفتح الراء في الماضي أيضا، ولكن الكسر أشهر، ولذلك ذكره ثعلب في هذا الباب ولم يذكره في باب ما يقال بلغتين، لا سيما والفعل (برَأ) يستعمل بمعنى آخر وهو الخلق؛ تقول (برَأ الله السموات والأرض) ومنه اسمه تعالى (البارئ).
    وأذكّر هنا بقاعدة حرف الحلق، وهي أن الفعل إذا كان مفتوح العين في الماضي والمضارع فلا بد أن تكون عينُه أو لامُه حرف حلق، وهذا متحقق هنا لوجود الهمزة.
    وقول الناظم (بُرْءًا) هو بضم الراء إن أردت مصدر (برِئ)، وبفتح الراء إن أردت مصدر (برَأ).

    [92- وَقَدْ بَرَيْتُ قَلَمِي وَقِدْحِي ..... بَرْيًا وَلَيْسَ الْبَابُ بَابَ الْفَتْحِ]

    تقول (برَى) بفتح الراء في الماضي، (يبرِي) بكسر الراء في المضارع، ومعناه قَشْر القَلَم أو نَحْتُه، وقوله (وقِدْحي) زيادة من الناظم، وأما ثعلب فقال (بريت القلم وغيرَه) فعمّم، فذِكرُ الناظم (القِدْح) من باب التمثيل لقول ثعلب (وغيره).
    وأما (القِدْح) فهو السهم قبل أن يُركَّب نصلُه، وجمعه (قِداح)، وأما القَدَح فهو الكوب، وجمعه أَقْداح، والناس تخلط بينهما أحيانا، ولا سيما في قول العرب إذا أرادوا أن يمدحوا شخصا (فلانٌ له القِدْحُ المُعَلَّى) والمقصود بذلك أحد السهام التي كانت العرب تستقسم بها في الميسر وفي القرعة، وهي التي تسمى الأزلام، وكل منها له قيمة أو نصيب معين، فإذا اقترعوا بها وخرج أحدُها كان لصاحبه حظُّه، وأسماءُ هذه السهام عشرة: الفَذّ، والتوأم، والرقيب، والحِلْس، والنافس، والمُسبِل، والمُعَلَّى، ثم ثلاثة سهام لا نصيبَ لها وهي الفسيح والمنيح والوَغْد.
    فالسهم المعلى أو القِدْح المعلى: هو أعلى هذه السهام نصيبا، ولذلك يُضرب به المثل كما قلنا فيقال (فلان له القدح المعلى).
    ولكن هذا الفعل (برَى) مفتوح العين في الماضي، فلا ينبغي أن يدخل في هذا الباب، ولذلك قال الناظم (وليس البابُ بابَ الفتح) أي وليس هذا البابُ الذي نحن فيه بابَ الأفعال المفتوحة العين حتى يذكر فيها هذا الفعل، وإنما ذكره ثعلب استطرادا من باب تتميم الفائدة؛ لأن بعض الناس قد يخطئ في الفعل المهموز (برِئت) أو (برَأت) فيقول (برَيت)، والمتقدمون كانوا يعتنون بإفادة الطالب أكثرَ من عنايتهم بمراعاة صناعة التأليف والتقسيم الاصطلاحي.
    وأما هذا الفعل (بريت) فيستعمل كثيرا مع القوس، ولما كان بَرْيُ القوس بحاجة إلى إحكام الصناعة ضربوا به المثل في الإتقان عموما فقالوا (أعطِ القوسَ باريها) أي: ارجع في كل عمل إلى صاحبه الذي يُتقنه، واسأل في كل شيء أهلَه الذين يُحسنونه؛ وفي بعض نسخ الفصيح زيادة هذا البيت:
    يا باريَ القوسِ بَرْيا ليس تُحكِمه .... لا تظلمِ القوسَ واعط القوسَ باريها

    [93- وَقَدْ بَرِئْتُ مِنْهُ أَوْ إِلَيْهِ ..... بَرَاءَةً ظَاهِرَةً لَدَيْهِ]

    سبق ذكر معنى للفعل (بَرِئَ) وهو الشفاء من المرض، وذكر هنا معنى آخر، وهو البراءة من الحقوق؛ تقول: (برِئتُ من الرجل، وبرِئتُ من الدَّين) أي سقطت عني المطالبة بذلك، وقد ذكر ثعلب هذين المثالين (الرجل والدين) ولم يذكرهما الناظم، واقتصر ثعلب على تعدية الفعل بـ(من) وزاد الناظم تعديته بـ(إلى).
    ويلاحظ هنا اختلاف المعاني باختلاف المصادر؛ فبرئت من المرض مصدره (البُرء) وبرئت من الحقوق مصدره (البراءة).

    [94- وَقَدْ ضَنِنْتُ أَيْ بَخِلْتُ بَخَلاَ ..... وَالأَمْرُ إِنْ عَمَّ فَقُلْ قَدْ شَمِلاَ]

    تقول (ضنِنْت) بكسر النون في الماضي، (أضَن) بفتح الضاد في المضارع، ومعناه البُخْل كما ذكر الناظم، وأصله (أضْنَن) بسكون الضاد وفتح النون على ما ذكرنا سابقا في تصريف الفعل المضعف، ومن كلام البلغاء (فلانٌ لا يَضَنُّ على القرطاس) أي يطيل في بحثه وتصنيفه.
    وقول الناظم (بَخَلا) بفتح الباء والخاء هو مثل البُخْل، وكثيرا ما يأتي هذا في كلام العرب؛ أعني تعاقب وزن (فَعَل) ووزن (فُعْل)؛ مثل عَرَب وعُرْب، عَجَم وعُجْم، رَهَب رُهْب، وَلَد وُلْد، شَغَل وشُغْل، سَقَم وسُقْم .. إلخ.
    وتقول (شمِل) بكسر الميم في الماضي، (يشمَل) بفتح الميم في المضارع، بمعنى العموم كما ذكر الناظم، وقد وقع في النسخة المطبوعة من موطأة الفصيح (شمَلا) بفتح الميم وهو سبق قلم؛ لأن الباب كله باب فعِل بكسر العين.

    [95- وَدَهِمَتْهُمْ خَيْلُنَا أَيْ كَثُرَتْ ..... عَلَيْهِمُ وَفَجِئَتْ وَانْتَشَرَتْ]

    تقول (دهِم) بكسر الهاء في الماضي، (يَدْهَم) بفتح الهاء في المضارع، تقول (دهِمتهم الخيل تدهَمهم)، وذكر ثعلب (الخيل) لكنه لم يذكر تفسير الفعل، وقد فسره الناظم بقوله (أي كثُرت عليهم وفجِئت وانتشرت)، فمعناه الكثرة والانتشار؛ ومنه اشتقاق (الدهماء) للعدد الكثير من الناس.

    [96- وَشَلَّتِ الْيَدُ وَمَعْنَى الشَّلَلِ ..... تَقَبُّضُ الْكَفِّ لِبَعْضِ الْعِلَلِ]

    تقول (شَلِلْتَ) بكسر اللام في الماضي (تَشَلّ) بفتح الشين في المضارع، وأصله (تشْلَل) بسكون الشين وفتح اللام كما سبق بيانه في تصريف الفعل المضعف، ومصدره (الشَّلَل) وهو قياس فَعِلَ اللازم كما قال ابن مالك:
    وفَعِلَ اللازمُ بابه فَعَل ..... كفرح وكجوى وكشَلَلْ
    وفسّره الناظم بقوله (تقبُّض الكف لبعض العلل)، وأوضحُ منه أن يُقال (ذَهابُ عمل اليد أو بطلان حركتها لمرض أو نحوه).
    والعامة تقول (شُلّت اليد) وهي لغة حكاها بعض اللغويين، إلا أن الأكثرين من العلماء على أنها خطأ، وعلى كل حال فلا خلاف أن (شَلّت) بفتح الشين هو الفصيح المشهور في كلام العرب.
    ولم يذكر الناظم المضارع في معظم الأفعال في هذا الباب؛ لأنها جارية على القياس كما قلنا، لكن ثعلب ذكر المضارع في معظم الأفعال؛ لأنه وضع كتابه تمرينا للمبتدئ الذي لا يعرف مثل هذه القواعد القياسية، وأكثرُ الاعتراضات التي اعترض بها الشراحُ على ثعلب جاءت من الغفلة عن هذه النكتة، مع أنها واضحة فيما أرى.
    وزاد ثعلب قوله (ولا تَشْلَلْ يَدُك) وهو دعاء بالسلامة من الشلل، وفي بعض نسخ الفصيح جاء هذا البيت:
    فلا تَشلَلْ يدٌ فتكت بعمرو .... فإنك لن تذِل ولن تُضاما

    [97- وَنَفِدَ الشَّيْءُ بِمَعْنَى فَنِيَا ..... وَقَدْ لَجِجْتَ يَا فَتَى تَأَبِّيَا]

    تقول (نفِد) بكسر الفاء في الماضي، (ينفَد) بفتح الفاء في المضارع، ومعناه (فَنِي) كما قال الناظم، وقد قال تعالى: {ما عندكم ينفَد وما عند الله باق}، ومن الأخطاء الشائعة بين العامة قولهم (نفَذ الشيء ينفذ) بالذال، وفتح الفاء في الماضي، وكلاهما خطأ، والصواب كسر الفاء في الماضي، وكونه بالدال المهملة.
    وتقول (لَجِجْت) بكسر الجيم في الماضي، (تلَجّ) بفتح اللام في المضارع، وأصله (تلْجَج) بسكون اللام وفتح الجيم كما سبق ذكره في تصريف الفعل المضعف.
    وقول الناظم (يا فتى) زيادة لم يذكرها ثعلب، إلا أنها مشهورة في كتب اللغة، والمقصود بها تفهيم القارئ أن الفعلَ المسطور مذكورٌ بصيغة المخاطب (لججتَ) بفتح التاء، وليست (لججتُ) بتاء المتكلم، ولا (لججتِ) بتاء المخاطبة.
    ولم يفسر ثعلب كعادته الفعل(لَجّ)، وقد فسره الناظم بقوله (تأبِّيا) وهو من باب التفسير باللازم؛ لأن اللجاج عادة يكون مع الإباء والرفض.

    [98- وَخَطِفَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى أَسْرَعَا ..... فِي أَخْذِهِ أَوْ نَقْلِهِ مُسْتَمِعَا]

    تقول (خطِف) بكسر الطاء في الماضي، (يخطَف) بفتح الطاء في المضارع، ومعناه الإسراع في الأخذ، كما قال تعالى في المضارع: {يكاد البرق يخطَف أبصارهم}، وقال في الماضي {إلا من خطِف الخطفة}، وفيه لغة أخرى وهي خطَف يخطِف، لكن اللغة الأولى هي الأشهر والأكثر استعمالا.

    [99- وَقَدْ وَدِدْتُ الْمَرْءَ أَيْ أَحْبَبْتُهُ ..... وَقَدْ وَدِدْتُّ أَنَّنِي أَصَبْتُهُ]

    تقول (ودِدْت) بكسر الدال في الماضي، (أوَدّ) بفتح الواو في المضارع، وأصله (أوْدَد) بسكون الواو وفتح الدال كما سبق بيانه، ومعناه الحب، ومعناه أيضا تمني الشيء، وهما متقاربان.
    ولذلك تقول العرب (وددت أنْ كان كذا) أي رغبت وأحببت، و(وددت لو كان كذا) أي تمنيت، فيستعملون (لو) لأن المقصود التمني، وهو الأشهر في كلام العرب.
    وقد جاء الماضي في قوله تعالى: {وَدّ الذين كفروا لو تغفلون}، وجاء المضارع في قوله تعالى: {يَوَدُّ أحدُهم لو يعمر ألف سنة}.
    والمصدر من ذلك (الوُد) بضم الواو؛ كما في قوله تعالى: {سيجعل لهم الرحمن وُدا}، و(الموَدّة) كما في قوله تعالى: {وجعل بينكم مودة ورحمة}.










    [100- وَرَضِعَ الْمَوْلُودُ حَتَّى رَوِيَا ..... وَفَرِكَتْهُ زَوْجُهُ فَابْتُلِيَا]

    تقول (رضِع) بكسر الضاد في الماضي، (يرضَع) بفتح الضاد في المضارع، وفيه لغة أخرى حكاها بعض العلماء، وهي (رضَع يرضِع) مثل ضرَب يضرِب، ولكن اللغة التي ذكرها ثعلب هي الأفصح والأشهر، ونلاحظ أن لام الفعل هي حرف العين، وهو من حروف الحلق، ومن ثم فلو كان في هذا الفعل لغة أخرى بفتح الماضي والمضارع (رضَع يرضَع) لما كانت مخالفة للقياس، ولكن بعض العلماء ذكر أن هذه اللغة لم تسمع عن العرب، إلا أن تركيب اللغات جائز ما لم يؤدِّ إلى محظور، والمقصود بالتركيب أن تأخذ تصريفا من إحدى لغات العرب، وتأخذ التصريف الآخر من لغة أخرى من لغات العرب؛ وعلى ذلك حمل بعض العلماء قول العرب (أبَى يأبَى)؛ لأنه مخالف لقاعدة حروف الحلق، قالوا: إن فيه لغتين (أبِي يأبَى) و(أبَى يأبِي)، فأخذ بعضهم الماضي من اللغة الأولى والمضارع من اللغة الثانية فتركبت لغة (أبَى يأبَى).
    وقد يقول قائل: كيف عرف العلماء هذا التركيب؟ إنهم يسمعون كلام العرب في سياقه، والعربي قد يتكلم بالماضي وحده وقد يتكلم بالمضارع وحده، ولا يلزم أن يتكلم بهما معا، فكيف حكموا أن (رضِع يرضَع) لغة وأن (رضَع يرضِع) لغة أخرى. وأحيانا يطلقون إطلاقات واسعة لا يمكن الجزم بها؛ كقولهم: (الهجانُ: الخيار من كل شيء)، فكيف عرف العالم أن ذلك يقال في كل شيء؟
    والجواب: أننا لا نعرف كيف عرف العلماء ذلك على وجه اليقين، وإن كنا نستطيع أن نفكر في بعض الاحتمالات، وقد ذكرتُ في موضع آخر أن هذا الموضوع مهم، ويستحق أن يفرد بالبحث في رسائل علمية، وأعني بذلك (تتبع طرائق العلماء الأوائل في معرفة اللغة)، فمثلا قد يقال: إن العالم كثرت مخالطته لبعض قبائل العرب ولم يسمع أحدا منهم جمع بين الفتح في الماضي والمضارع، وهكذا.
    وإنما أطلتُ في هذه المسألة؛ لأننا صرنا في عصر كثر فيه التعدي على أهل العلم الأوائل بالاعتراض والتجهيل والتخطئة اعتمادا على الجهل بطرائقهم في الاستدلال، وينظر هنا للفائدة:


    ولم يفسر ثعلب معنى الرضاع، وفسره الناظم بقوله (حتى رويا)، ففيه إشارة إلى أن المقصود من الرضاع هو الشرب وإن لم يكن بالتقام، ولذلك قرر العلماء أن العبرة في الرضاع هي اللبن بغض النظر عن الالتقام، وينظر هنا للفائدة:



    وتقول (فرِك) بكسر الراء في الماضي (يفرَك) بفتح الراء في المضارع، ولم يفسره الناظم إلا بالإشارة في قوله (فابتليا) وسوف يفسر المصدر في البيت القادم، أما ثعلب فقد فسره بالنص في قوله (فركت المرأة زوجها تفركه فركا إذا أبغضته).
    ومن الأفعال التي تشتبه بهذا الفعل قولهم (فرَك يفرُك فَرْكا) بمعنى دَلَك، كما في حديث عائشة: كنت أفرُك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وفي الحديث (لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنة؛ إذا كره منها خلقا رضي منها آخر) الحديث بفتح الراء، وكثير من الناس يخطئ في نطقه، فبعضهم يضم الراء وبعضهم يكسر الراء، والصواب الفتح.

    [101- وَالْفِرْكُ بُغْضُ الزَّوْجِ وَهْيَ فَارِكُ ..... كَمَا تَقُولُ طَامِثٌ وَعَارِكُ]

    المصدر من (فرِكت المرأةُ زوجَها) هو الفِرْك؛ بكسر الفاء كما سيأتي للناظم النص عليه، وقد وقع في بعض كتب اللغة ضبطه بالفتح وهو تساهل من المحققين، وإن كان بعض العلماء حكى الفتح إلا أن المشهور المعروف هو الكسر، لا سيما لمنع اللبس بالفَرْك الذي هو الدلك.
    وبعد أن ذكر الناظم معنى (الفِرك) تبرع بزيادة لم يذكرها ثعلب، وهي أن الصفة من الفرك هي (فارك) والقياس أن تقول (فاركة) مثلما تقول (كارهة) (ساخطة) (غاضبة)؛ لكن لما كان الفرك مختصا بالنساء عند الإطلاق حذفت منه الهاء كما قالوا (امرأة طامث) و(امرأة عارك) أي حائض.

    [102- وَقَدْ شَرِكْتُ رَجُلاً مِسِّيكَا ..... أَشْرَكُهُ كُنْتُ لَهُ شَرِيكَا]

    تقول (شرِك) بكسر الراء في الماضي، (يشرَك) بفتح الراء في المضارع، ومعناه كما قال الناظم: أن يكون الشخص شريكا لغيره، والعامة تخطئ في هذا الفعل فتقول: (شرَك يشرِك)، وقول الناظم (رجلا مسيكا) أي بخيلا، وهي صيغة مبالغة مثل (فِسِّيق) و(سِكِّير)، وهي حشو لمجرد الوزن؛ لأن الشركة أعم من ذلك.

    [103- تَقُولُ فِي مَصْدَرِ هَذَا الشِّرْكُ ..... كَمِثْلِ مَا تَقُولُ قَبْلُ الْفِرْكُ]

    معظم نسخ الفصيح لم يرد فيها مصدر (شرك يشرك)، وورد في بعضها، ولعل الناظم اعتمد على ذلك أو تبرع بذكره، فتقول: شرِك يشرَك شِرْكا، كما تقول: فرِك يفرَك فِرْكا، وكذلك تقول: علِم يعلَم عِلْما، وألِف يألَف إِلْفا، وخطِئَ يخطَأ خِطْأ، وهكذا.
    وذِكرُ هذه النظائر مما يعين على حفظ العلم ورسوخه في الصدر، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يهتم بمثل هذه الفوائد، ويحفظ هذه النظائر، ويربِط بعضها ببعض؛ حتى لا ينسى العلم، وللفائدة ينظر هنا:
    ضم النظير إلى النظائر من الفوائد المستخرجة من الدفاتر - ملتقى أهل الحديث

    [104- وَقَدْ صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ يَا فَتَى ..... كَأَنَّ هَذَا مَثَلٌ كَذَا أَتَى]

    تقول (برِرْتَ) بكسر الراء في الماضي، (تَبَرّ) بفتح الباء في المضارع، وأصله (تبْرَر) بسكون الباء وفتح الراء، ثم نقلت الحركة على قاعدة الفعل المضعف كما سبق بيانه.
    وقولهم (صدَقت وبرِرت) بفتح الدال وكسر الراء، والعامة تقوله بفتح الراء من باب المشاكلة، وهو خطأ، ومقصود ثعلب التنبيه على (بررت) وإنما ذكر (صدقت) معه لورودهما هكذا في الاستعمال، ولذلك قال الناظم في شرحه (كأن هذا مثل كذا أتى)، ولا يسمى مثل هذا (مثلا) في الاصطلاح؛ لأن المثل يكون معتمدا على (حكمة) أو (أفضلية) أو (قصة) في الغالب.
    ومعنى (برِرت) قريب من معنى صدقت، ولذلك قرن ثعلب بينهما وتبعه الناظم؛ لأن تفسير الألفاظ بالقرائن واللوازم والسياقات كثيرا ما يكون أفضل من التفسير بالمرادف؛ لأن المرادف التام لا يكاد يوجد، وإن وجد فقد يكون أخفى من الأصل فلا يصح التفسير به.

    [105- وَقَدْ بَرِرْتُ وَالِدِي أَبَرُّهُ ..... فَأَنَا بَرٌّ لاَ يَغِبُّ بِرُّهُ]

    الفعل (برّ) يستعمل لازما ومتعديا، فاستعماله لازما سبق بيانه في البيت السابق، واستعماله متعديا ذكره الناظم في هذا البيت؛ تقول (بَرَّ فلانٌ والدَه) أي أكرمه وأطاعه، والصفة منه (بَرّ) و(بارّ)، وقد أشار الناظم إلى (بر) في هذا البيت، وإلى (بار) في البيت القادم.

    [106- وَقَدْ أَتَى اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّا ..... بِأَلِفٍ كَمَا أَتَى مِنْ سَرَّا]

    أشار الناظم في هذا البيت إلى أن الصفة من (البر) هي (بارّ) أيضا على وزن فاعل، وقوله (وقد أتى اسمَ فاعل) أي وقد أتى الوصف اسمَ فاعل، فكلمة (اسم) منصوبة، ويجوز رفعها على الفاعلية ويكون التقدير (أتى اسمُ فاعل بهذا المعنى)، ولكن الأقرب فيما أرى أن تكون منصوبة.
    وقول الناظم (بألف كما أتى من سرا) أي كما تقول (سَرَّني الخبر فهو سارّ) فكذلك (بَرَّني الولد فهو بار)، فهو من باب ذكر النظائر أيضا لتسهيل الحفظ.
    وجمع (بَرّ) أبرار؛ مثل جَدّ وأجداد، وجمع (بارّ) بَرَرَة؛ مثل فاجر وفَجَرة.

    [107- وَجَشِمَتْ نَفْسِيَ هَذَا الأَمْرَ ..... تَكَلَّفَتْهُ مَعَ كُرْهٍ قَسْرَا]

    تقول (جشِم) بكسر الشين في الماضي، (يجشَم) بفتح الشين في المضارع، وقد ورد شرحه في بعض نسخ الفصيح، إلا أن أكثر النسخ خلت من تفسيره، وفسره الناظم بقوله (تكلفته مع كره قسرا)، وأوضح منه أن يقال (فعلته بمشقة).

    [108- وَسَفِدَ الطَّيْرُ وَغَيْرُ الطَّيْرِ ..... وَفَجِئَ الأَمْرُ عَسَى بِخَيْرِ]

    تقول (سفِد) بكسر الفاء في الماضي، (يسفَد) بفتح الفاء في المضارع، وقول الناظم (وغير الطير) مثل قول ثعلب (سفد الطيرُ وغيرُه) والمقصود (غيره) من جنس الحيوان، مثل السبع والبعير والثور والتيس، فلا يشمل الإنسان؛ لأن الإنسان مخصوص بلفظ آخر وهو (الجماع)، وكثيرا ما تخص العرب الإنسان بلفظ وتستعمل لفظا آخر في الحيوان، أو تستعمل لفظا خاصا بكل جنس من أجناس الحيوان، كما سبقت الإشارة إليه في (الخضم والقضم) وغيره.
    وتقول (فجِئ) بكسر الجيم في الماضي، (يفجَأ) بفتح الجيم في المضارع، بمعنى: حصل بغتة، أو حدث فجأة، ولم يفسره ثعلب، وفسره الناظم بلازمه إذ قال (عسى بخير)، وفي بعض نسخ الفصيح (يفجأني فَجْأة وفُجاءة) فذكر المصدر، وقد ورد في الحديث النهي عن نظر الفجأة أو الفجاءة في رواية.

    وبهذا ينتهي بابُ (فعِلت) بكسر العين، والحمد لله رب العالمين.



























    والله أعلى وأعلم.

  4. #4
    مشرف منتدى اللغة العربية
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    المشاركات
    1,708
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    [بَابُ فَعَلْتُ بِغَيْرِ أَلِفٍ]

    مقصود ثعلب بهذا الباب: التنبيه على الأفعال التي يزيد فيها العامة الألف خطأ أو خلاف الأفصح، وليس مقصوده بـ(باب فعَلت) ما يكون مفتوح العين فقط، بل الباب يشمل كل الأوزان الثلاثية المجردة، فكأنه قال: باب الأفعال الثلاثية التي يزيد فيها العامة ألفا في أولها.
    ومن المشهور جدا في هذا العصر قولهم (شيء مُلْفِت للنظر) وهذا خطأ والصواب (لافت) لأنه لا يوجد في كلام العرب (أَلْفَتَ) الرباعي، وإنما الموجود (لَفَتَ) الثلاثي، وكذلك يقولون (أكربني هذا الأمر) والصواب (كرَبني)، ويقولون (البضاعة المُباعة) من (أباع) الرباعي والصواب (المبيعة) من (باع) الثلاثي.
    وفي عكس ذلك يقولون (الراسل) والصواب (المُرْسِل) لأن الفعل (أرسل) رباعي، لا (رَسَل) الثلاثي، ويقولون أيضا (مَسَك) والفصيح المعروف (أمْسَك)، ويقولون (قفَلت الباب) والصواب (أقفلت) الرباعي، وهكذا، وسيأتي باب آخر للأفعال المزيدة بالألف على وزن (أَفْعَلَ) إن شاء الله.

    [109- تَقُولُ فِي الرِّيَاحِ مِنْ صِفَاتِهَا ..... إِذَا جَرَتْ يَا صَاحِ مِنْ جِهَاتِهَا]

    هذا البيت ذكره الناظم تمهيدا لما سيأتي بعده من الأبيات؛ لأنها ستكون شرحا وبيانا للأفعال والصفات التي تستعمل للدلالة على جريان الرياح وإتيانها من الجهات المختلفة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا؛ وهذه الطريقة في التمهيد من الوسائل الجيدة في التعليم، وقد ذكر ثعلب الأفعال دون تمهيد، ومن ثم قد يظن ظان أن لا علاقة بينها، فجاء الناظم بهذا البيت من باب الإجمال قبل التفصيل؛ كما تقول مثلا: (الصلاة فيها أركان وواجبات وسنن؛ فأما الأركان فكذا، وأما الواجبات فكذا، وأما السنن فكذا) فهذه الطريقة أفضل من أن تقول (الصلاة فيها أركان وهي كذا، وفيها واجبات وهي كذا، وفيها سنن وهي كذا).

    [110- قَدْ شَمَلَتْ مِنَ الشَّمَالِ فَاعْلَمِ ..... وَجَنَبَتْ مِنَ الْجَنُوبِ فَافْهَمِ]

    الجهات المتعلقة بالرياح أربع: شمالية وجنوبية وشرقية وغربية، فالريح الآتية من جهة الشمال تسمى (الشَّمَال)، والريح الآتية من جهة الجنوب تسمى (الجَنُوب)، وإذا أردت أن تقول (هبت ريحُ الشمال) فإنك تختصر ذلك في قولك (شمَلت) بفتح الميم في الماضي (تشمُل) بضم الميم في المضارع، وإذا أردت أن تقول (هبت ريحُ الجنوب) فإنك تختصر ذلك في قولك (جنَبت) بفتح النون في الماضي (تجنُب) بضم النون في المضارع.

    [111- وَقِسْ عَلَى بَقِيَّةِ الرِّيَاحِ ..... إِذَا جَرَتْ مِنْ سَائِرِ النَّوَاحِي]

    يقول الناظم: كما عرفتُك أيها القارئ أن (شملت) من الشمال، و(جنبت) من الجنوب، فكذلك قل في باقي الرياح الآتية من بقية الجهات.
    وهذه الطريقة أيضا من الطرق النافعة في التعليم؛ أن تذكر مثالا أو مثالين؛ ثم تقول: (وعلى ذلك فقِسْ)، لتدريب الذهن على الانتقال من الجزئيات إلى الكليات، ومن المثال إلى القاعدة، وقديما قال بعض العلماء (الذكيُّ يفهم بالمثال الواحد ما لا يعرفه البليدُ بألف شاهد).

    [112- مِثْلُ الْقَبُولِ وَهِيَ الشَّرْقِيَّةْ ..... أَوِ الدَّبُورِ وَهِيَ الْغَرْبِيَّةْ]

    أراد الناظم -تتميما للفائدة- أن يذكر تفصيلا لما أجمله في قوله السابق (بقية الرياح)؛ فقال (مثل القبول) وهي التي تأتي من جهة الشرق؛ فإذا أردت أن تقول (هبت ريحُ القبول) فإنك تختصر ذلك بقولك (قبَلت) بفتح الباء في الماضي، (تقبُل) بضم الباء في المضارع، وإذا أردت أن تقول (هبت ريحُ الدبور) وهي التي تأتي من جهة الغرب، فإنك تختصر ذلك بقولك (دبَرت) بفتح الباء في الماضي (تدبُر) بضم الباء في المضارع. ولم يذكر ثعلب القبول في الفصيح اكتفاء بذكر (الصبا) وستأتي.
    وقول الناظم (مثلُ) يجوز فيه الرفعُ والنصب، ويحتمل الجر أيضًا هنا، والكلام فيها كالكلام في قول العلماء (نَحْو)، وينظر تفصيله ومناقشته هنا:
    ما إعراب كلمة (( نحو )) - ملتقى أهل الحديث

    [113- وَقَدْ صَبَتْ مِنَ الصَّبَا كَذَاكَا ..... وَهْيَ الْقَبُولُ شَرْحُهَا أَتَاكَا]

    من الرياح أيضا ريحُ (الصَّبا)، وتسمى كذلك (القَبول)، وهي الشرقية كما سبق بيانه وشرحه للناظم، فإذا أردت أن تقول (هبت ريحُ الصبا) فإنك تختصر ذلك في قولك (صبَت) بفتح الباء في الماضي (تصبُو) بضمها في المضارع.

    [114- وَكُلُّهَا تَقُولُ فِيهِ: يَفْعُلُ ..... بِالضَّمِّ لَكِنْ فِي الصَّبَا يُحْتَمَلُ]

    ذكر الناظم في الأبيات السابقة الفعل الماضي لكل نوع من أنواع الرياح، ولم يذكر المضارع، فاستدرك ذلك في هذا البيت إجمالا، وهذا أيضا من طرق التعليم النافعة؛ أن تُجمل القاعدة في عبارة مختصرة، بعد تفصيلها وشرحها لترسخ في الذهن وتثبت؛ لإن الإكثار مظنة النسيان.
    وكما سبق ذكره: تقول في الشمال (شمَلت تشمُل) وفي الجنوب (جنَبت تجنُب) وفي القبول (قبَلت تقبُل) وفي الدبور (دبَرت تدبُر) وفي الصبا (صبَت تصبُو)، قال الناظم (لكن في الصبا يحتمل) يقصد أن الفعل من (الصبا) يحتمل (يصبُو) و(يصِبي)، وهذا الاحتمال مبني على أن (الصبا) تكتب بالألف وتكتب بالياء، ويقال في التثنية: صَبَوان وصَبَيان، إلا أني لم أقف على أحد من أهل العلم قال إنه يجوز في المضارع (يصبِي) بالكسر، فهذا الاحتمال الذي ذكره الناظم لا ينبغي الالتفات إليه؛ لأن اللغة لا تثبت بمجرد العقل.
    وقول الناظم (يحتمل) يجوز فيه البناء للفاعل (يَحْتَمِل) والبناء للمفعول (يُحْتَمَلُ)، فعلى الأول يكون المعنى: (يحتمل هذا الفعل الوجهين) وعلى الثاني يكون المعنى (يحتمل الوجهان في هذا الفعل).

    [115- إِلَّا النُّعَامَى فَتَقُولُ: أَنْعَمَتْ ..... وَهْيَ الَّتِي مِنَ الْجَنُوبِ يَمَّمَتْ]

    من فوائد القواعد الكلية أنها تختصر على طالب العلم الوقت وتضبط العلم في الذهن، ولما كانت معظم القواعد أغلبية، كان من أهم الأشياء لطالب العلم: حفظ الاستثناءات ومعرفة الشواذ عن القاعدة، حتى يستطيع تطبيق القاعدة باطراد فيما سوى ذلك، والقاعدة التي معنا هي أن "جميع أفعال الرياح يقال فيها (فعَلت تفعُل)"، ويستثنى من ذلك ريح (النعامى) وهي من أسماء ريح (الجنوب)، فيقال فيها (أنْعَمت تُنعِم) بالألف في أولها على وزن (أَفْعَلَ)، فهو فعل رباعي، والأفعال الرباعية لا تفتقر إلى سماع في تصريفها؛ لأنها مطردة مقيسة لا يشذ عنها شيء؛ تقول فيها دائما (أَفْعَلَ يُفْعِلُ إِفْعَالًا فهو مُفْعِل).

    [116- وَقَدْ خَسَأْتُ الْكَلْبَ أَيْ قُلْتُ: اخْسَأِ ..... لِيَبْعُدَ الْكَلْبُ، وَلِلْقِطِّ: اغْسَأِ]

    تقول (خسَأتُ الكلبَ) بفتح السين في الماضي (أخسَؤه) بفتح السين في المضارع أيضا؛ لمكان حرف الحلق في آخره، وتقول أيضا (خسَأ الكلبُ يخسَأ)، فهذا الفعل من الأفعال التي يستوي فيها المتعدي واللازم من جهة التصريف؛ مثل (وقَفتُه فوقَف) و(رجَعتُه فرجَع) و(زِدتُه فزاد) و(نقَصته فنقَص)، وهي كثيرة جدا حتى أفردها بعض العلماء بالتصنيف، ويسمون هذا النوع (باب فعلت وأفعلت).
    وكما تقول للكلب (اخسَأ) تقول للقط (اغسأ) بالغين، وهذا الفعل لم يذكره ثعلب، وذكره الناظم استطرادا لتمام الفائدة، بدلا من أن يحشو آخر البيت بزيادة لا تفيد.

    [117- وَفَلَجَ الْإِنْسَانُ فِي خِصَامِهِ ..... عَلَيْكَ فُلْجًا نَالَ مِنْ مَرَامِهِ]

    تقول (فلَج) بفتح اللام في الماضي (يفلُج) بضم اللام في المضارع، ومعناه الغلبة والظفر والإفحام في الجدال، ولم يذكر ثعلب مصدر هذا الفعل في الفصيح، وتبرع الناظم بذكره وهو (الفُلج) بضم الفاء، وقد وقع سهوا في المطبوع بفتح الفاء، وهي لغة، لكن المشهور هو الضم.
    والمقصود من ذكره التنبيه على خطأ من يقول (أفلج) بزيادة الهمزة، مع أنها لغة لكن الأفصح ما ذكره ثعلب.

    [118- وَقَدْ مَذَى يَمْذِي وَسَالَ الْمَذْيُ ..... بِفِكْرَةٍ أَوْ لَذَّةٍ وَالْوَدْيُ]

    تقول (مذَى) بفتح الذال في الماضي (يمذِي) بكسر الذال في المضارع، ويجوز أن تقول (أمذى) بالألف في لغة قليلة، لكن اللغة الفصيحة المشهورة هي (مذَى) الثلاثي، ولما كان ذكرُ (المذي) و(الودي) يرد كثيرا في كلام أهل العلم وخاصة كتب الفقهاء، تبرع الناظم بذكر الفرق بينهما، مع أن ثعلبا لم يذكر إلا (مذى) فقط.

    [119- لَكِنْ لِغَيْرِ لَذَّةٍ يَسِيلُ ..... وَيَعْتَرِي الإِنْسَانَ إِذْ يَبُولُ]

    فرق الناظم بين (المذي) و(الودي) بأن الأول هو الذي ينزل عادة مع اللذة عند الملاعبة أو الفكرة، وأن الثاني هو الذي ينزل بغير لذة اعتيادًا بعد البول، وهذا الفرق مشهور كما تجده في كتب الفقهاء كثيرا.

    [120- وَقَدْ رَعَبْتُ الْقِرْنَ يَوْمَ الْفَزَعِ ..... كَأَنَّمَا مَلَأْتُهُ مِنْ جَزَعِ]

    تقول (رعَب) بفتح العين في الماضي (يرعَب) بفتح العين في المضارع أيضا؛ لمكان حرف الحلق في وسطه، وقول الناظم (رعبت القرن يوم الفزع) معناه (أخفتُ الشخصَ الذي يُقاتلني يومَ الحرب)، والمقصود من هذا التنبيه على خطأ من يقول (أرْعَبتُ)، وهي لغة قليلة، لكن الفصيح الكثير المشهور هو الثلاثي (رعَبتُ) كما ذكر ثعلب.














    [121- وَرَعَدَتْ سَمَاؤُنَا وَبَرَقَتْ ..... كَأَنَّمَا قَدْ بَسَمَتْ وَنَطَقَتْ]

    يقال (رعَدت السماء) بفتح العين في الماضي، و(برَقت) بفتح الراء في الماضي، أي صدر منها الرعد والبرق، ولم يذكر الناظم المضارع في هذين الفعلين، وكذلك لم يذكره ثعلب في الفصيح؛ لأن المقصود أن الفعل ثلاثي يقال بغير ألف في الكلام الفصيح.
    والمضارع يرعُد بضم العين ويبرُق بضم الراء، وحكى بعض العلماء الفتح في يرعَد.
    ونص ثعلب هو (رعدت السماء من الرَّعْد، وبرقت من البَرْق)، ولعله أوضح من كلام الناظم؛ لأن قوله (كأنما –وفي نسخة كأنها- قد بسمت ونطقت) لا يفهم إلا بمزيد تأمل؛ فقوله (بسمت) أي ضحكت يفسر به البرق؛ لأن المبتسم يضيء وجهه ويستنير، فشبه به ضوء البرق؛ كما في حديث كعب بن مالك في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. وقوله (نطقت) يفسر به الرعد؛ لأن كليهما له صوت؛ وفي القرآن {ويسبح الرعد بحمده}، وفي البرق {يكاد البرق يخطف أبصارهم}.
    وقد يفهم من كلام الناظم أن (رعدت) السماء و(برقت) مأخوذ من تشبيه السماء بالإنسان في نطقه وابتسامه، وهذا خلاف ما يفهم من كلام أهل العلم؛ أن رعد الإنسان وبرق هو المأخوذ من رعد السماء وبرقها.
    ولعل الناظم استأنس في كلامه بما ورد في المسند وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله ينشئ السحاب؛ فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك).

    [122- كَذَلِكَ الإِنْسَانُ فِي الْوَعِيدِ ..... وَفِي الْجَخِيفِ مِنْهُ وَالتَّهْدِيدِ]

    يقصد الناظم أن هذين الفعلين (رعد) و(برق) يستعملان في الإنسان أيضا؛ فيقال (رعَد) الإنسان و(برَق) إذا أوعد غيره وهدده، ونص ثعلب في الفصيح (وكذلك رعد الرجل وبرق: إذا أوعد وتهدد).
    وكلمة (الخجيف) التي استعملها الناظم لم يذكرها ثعلب، واستعمالها في هذا الموضع زيادة لا حاجة لها؛ لأنها أولا: من الغريب الذي لا يعرفه أكثر الناس، وهي أخفى من (رعد وبرق)، ومن المقرر أنه لا يصح تعريف الواضح بالخفي أو الخفي بالأخفى.
    وثانيا: لأنها تحتمل عدة معان؛ فالجخيف يرد بمعنى الكبر والافتخار، ويرد بمعنى غطيط النائم، ويرد بمعنى الصوت عموما، وهو المقصود هنا.

    [123- وَقَدْ يُقَالُ فِي الْوَعِيدِ: أَرْعَدَا ..... وَأَبْرَقَ الإِنْسَانُ؛ أَيْ تَهَدَّدَا]

    يعني أنه يجوز استعمال الفعل المزيد بالألف في أوله بهذا المعنى؛ فيقال: (أرعد) و(أبرق) بمعنى (رعد) و(برق)، ولكن الأول أفصح ولذلك قدَّمه، وإن كان الثاني فصيحًا أيضًا لكنه دون الأول ولذلك أخَّره، وأيضا لأن بعض العلماء كالأصمعي أنكر استعماله، ولذلك ذكر ثعلب بعد ذلك شاهدا يدل على صحته؛ كما في بعض نسخ الفصيح، وهو قول الكميت كما سيأتي.

    [124- قَالَ الْكُمَيْتُ عِنْدَ كَسْرِ السِّجْنِ ..... وَهَرَبٍ صَارَ بِهِ فِي أَمْنِ:]

    يمهد الناظم بهذا البيت لذكر الشاهد؛ فيقول (قال الكميت) الشاعر المشهور (عند كسر السجن) أي قال الكميت هذا الشعر الذي سيأتي في البيت القادم عندما كسر سجنه (وهرب صار به في أمن) أي فر من سجنه فأصبح آمنا، وذلك بحيلة احتالها مع زوجه (أم المستهل) إذ كانت تزوره في سجنه حتى عرف أهل السجن هيئتها وثيابها، فلبس ثيابها وخرج!
    وأما الكميت فهو ابن زيد الأسدي المشهور بقصائده (الهاشميات)، وهو متوفى سنة 126هـ أي في عصر الاحتجاج، ولم يخالف في الاحتجاج بشعره إلا الأصمعي، ثم استقر بعده الاتفاق على الاحتجاج بقوله.
    وقد كان الأصمعي متشددا في انتقاء فصيح الكلام، ولذلك لم يحتج ببعض الشعراء الذين احتج بهم باقي العلماء؛ فكان لا يحتج بالكميت ويقول: هذا جرمقاني من أهل الموصل ليس بحجة، ولا يحتج بربيعة الرقي، ويقول: ليس بفصيح يحتج به، ولا يحتج بذي الرمة، ويقول: قد أكل البقل والمملوح في حوانيت البقالين حتى بشم، ولا يحتج بعديّ بن زيد ولا بأبي دواد الإيادي ويقول: إن العرب لا تروي أشعارهما لأن ألفاظهما ليست بنجدية.
    وقول بعض الشراح (إن الأصمعي انحرف عن الكميت لمذهبه لا لأدبه) يعني لأنه كان شيعيا، فيه نظر واضح، وليس الأصمعي بهذه السطحية في التفكير؛ وقد رأى الأئمة من قبله يحتجون بشعر الكفرة والفجرة والخوارج بغير خلاف.
    ومع الأسف هذه الطريقة شائعة عند المعاصرين كلما رأوا في كلام أهل العلم شيئا لا يعجبهم تراهم يتفننون في افتراض الأسباب المزعومة لأقوال أهل العلم؛ فيقولون (الشافعي تغير مذهبه لتأثره بالبيئة المحيطة) (وابن تيمية تكلم بحسب ما كان شائعا في عصره) و(ابن باز قال هذا القول لأنه كان أعمى لا يرى) .. إلى آخر هذه الترهات الباطلة.
    وهذا لا يعني تقديس العلماء ولا أنهم معصومون من الخطأ، ولكن المقصود أن تحترم عقول الناس وتخالفهم بأدب، فلا مانع أن تقول: أخطأ الشافعي أو ابن تيمية أو ابن باز، لكن لماذا تحجر على عقولهم وتزعم أنهم تأثروا في ذلك بالبيئة؟ ألا يمكن أن يكون قولهم عن نظر واجتهاد وفكر؟

    [125- أَبْرِقْ وَأَرْعِدْ يَا يَزِيدُ إِنَّنِي ..... لَيْسَ الْوَعِيدُ ضَائِرِي فَأَمْعِنِ]

    هذا البيت تتمة للبيت السابق؛ فهو مقول القول، وقد حكى به الناظم معنى بيت (الكميت) على طريقته في التعبير عن معاني الأبيات، وأصل بيت الكميت هو:
    أَبرِق وأَرعِد يا يَزيـ ............ ـدُ فما وعيدُك لي بضائِرْ
    وبعده:
    هل أنت إلا الفقع فقـ ............ ـع القاع للحجل النوافر
    أنشأت تنطق في الأمو ............ ر كوافد الرخم المداور
    إن قيل يا رخم انطقي ............ في الطير إنك شر طائر

    [126- هَذَا يَزِيدُ وَأَبُوهُ يُشْهَرُ ..... بِخَالِدِ الْقَسْرِيِّ لَيْسَ يُنْكَرُ]

    هذا البيت أيضا تبرع وشرح من الناظم لزيادة البيان في معنى بيت الكميت وما يرتبط به من أحوال وقرائن؛ ومعناه أن (يزيد) المذكور في البيت هو (يزيد بن خالد بن عبد الله القسري) وهو مشهور معروف، ولذلك قال الناظم (ليس ينكر).
    ومن العجيب أن (خالدا القسري) هذا قد توفي مقتولا في السنة التي توفي فيها (الكميت) 126هـ

    [127- وَقَدْ هَرَقْتُ أُهَرِيقَ مَائِي ..... بِأَلِفٍ ضُمَّتْ وَفَتْحِ هَاءِ]

    يقال (هَرَقت الماء) بفتح الهاء والراء، وأصله (أَرَقْت) مِن (أَرَاقَ) فهو فعلٌ رباعي مزيد بالألف في أوله، ولكن العرب خففته لكثرة الاستعمال بقلب الهمزة هاء فقال (هَرَاقَ)؛ كما قالوا (أرحت الدابة) و(هرحتها)، وقالوا (هنرت الثوب) أي أعلمته و(أنرته)، وقالوا: (هردت أن أفعل) و(أردت).
    ومضارع (هراق) هو (يُهَرِيق) بضم الياء وفتح الهاء، وبعضهم يسكن الهاء لكن الأفصح فتحها، وفي الصحيحين عن أبي هريرة في حديث الرجل الذي بال في المسجد (دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء)، وفي حديث أنس في الصحيحين أيضا: أمر النبي بذنوب من ماء فأهريق عليه، وفي حديث عائشة (هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن).
    وقد انتُقد ثعلب بإدخاله هذا الفعل في هذا الباب؛ لأن الفعل رباعي والباب ثلاثي، وقد تقدم معنا فيما سبق أن مثل هذا مغتفرٌ ولا سيما عند المتقدمين؛ لأن مرادهم التقريب والتسهيل على المتعلم، ولما كان (هرقت الماء) قد يشتبه على المبتدئ بالثلاثي ذكره فيه ولم يبال، وقد يقال إن مقصود ثعلب بـ(باب فعلت بغير ألف) أي الأفعال الواردة بغير ألف عموما لا خصوص الثلاثي، فذكر (هرقت) في هذا الباب ليبين بذلك أن (أَهْرَقْتُ) لغة ضعيفة.

    [128- وَإِنْ أَمَرْتَ قُلْتَ مِنْ هَذَا: هَرِقْ ..... كَمَا تَقُولُ مِنْ أَرَقْتَهُ: أَرِقْ]

    هذا الكلام تابع لما قبله في إيضاح تصريف الفعل، وقد ذكره الناظم تبعا لثعلب، ومنه يتضح أن مراد ثعلب التقريب على المتعلم كما سبق ذكره؛ وذلك لأن تصريف الفعل الرباعي (أَفْعَلَ) معلوم مقيس لا يتخلف في كلام العرب؛ فتقول: أَرَاقَ يُرِيقُ إِرَاقَةً واسم الفاعل مُرِيقٌ واسم المفعول مُراق والأمر منه أَرِقْ؛ كل هذا مقيس كما تقول أدار يُدير إدارة فهو مُدير والمفعول مُدار والأمر أَدِرْ، فكذلك تقول في الأمر من هراق: (هَرِقْ).

    [129- وَالأَصْلُ هَذَا يَا فَتَى فَلْتَعْرِفِ ..... وَالْهَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنْ أَلِفِ]

    هذا تمام البيان للمقصود من شرح الفعل (هراق)؛ ببيان أن أصل (هراق) هو (أراق)، ومن ثم فالهاء فيه مبدلة من الهمزة، وقول الناظم (يا فتى فلتعرف) فيه إشارة إلى ما سبق ذكره من أن كتاب الفصيح ونظمه موضوعان للمبتدئين، فنسأل الله أن يرحم حالنا ويوفقنا لتعلم هذه اللغة الشريفة، ونشر تعلمها في هذا الزمان الذي مات فيه هذا العلم (علم اللغة) أو كاد، فلا تجد في معظم بلاد الإسلام من يدرس هذا العلم، حتى في بلاد شنقيط المعروفة بالحفظ والتأصيل، سألت بعض مشايخهم الكبار عما يدرسون في المحاضر من كتب اللغة غير موطأة الفصيح، فقال: (لا يوجد)!.





















    [130- وَقَدْ صَرَفْتُ الْقَوْمَ وَالصِّبْيَانَا ..... سَرَّحْتُهُمْ، فَاقْتَبِسِ الْبَيَانَا]

    تقول (صرَف) بفتح الراء في الماضي، (يصرِف) بكسرها في المضارع، وهذا في جميع المعاني التي سيرد ذكرها لهذا الفعل؛ فمنها (صرفت القوم وصرفت الصبيان) وفسره الناظم بقوله (سرحتهم) أي أمرتهم بالانصراف، وقد سقط من مطبوع الفصيح (ص 267) قوله (صرفت القوم) وهي في كثير من النسخ.
    ومن ذلك قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم}، وقوله: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض}
    وقول الناظم (فاقتبس البيانا) زيادة لتكميل البيت، وفي نسخة الشارح (فالتمس).
    ومراد ثعلب بهذا أنك لا يصح أن تقول (أصرفتُ القوم)، ومما يدل على هذا أن مطاوعه (انصرف)؛ كما في قوله تعالى: {ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم}، و(انفعل) لا يجيء مطاوعا للرباعي إلا شذوذا؛ كما تقول (شققته فانشق) (بعثته فانبعث) (كسرته فانكسر) (دفعته فاندفع) .. إلخ

    [131- وَصَرَفَ اللهُ الأَذَى عَنْكَ دَفَعْ ..... وَقَدْ قَلَبْتُ كُلَّ وَفْدٍ فَرَجَعْ]

    من معاني (صرف) أيضا الرد؛ تقول: (صرَف الله عنك الأذى) وفسره الناظم بقوله (دفع) أي رده ومنعه عن الوصول إليك، ومنه قوله تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء}، وقوله: {وإلا تصرف عني كيدهن}، {فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن}، {فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء}، {ربنا اصرف عنا عذاب جهنم}.
    ثم شرع في الكلام على فعل آخر وهو (قلَب) بفتح اللام في الماضي، (يقلِب) بكسر اللام في المضارع، ومثَّل عليه بقوله (قلبت كل وفد فرجع) أي صرفتهم إلى بلدهم، ومنه قوله تعالى: {وإليه تقلبون}، وفي الحديث عن صفية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفا فأتته تزوره فخرج معها ليقلِبها، أي ليعود بها إلى البيت.
    ومطاوع (قلب) هو (انقلب) وهو كثير في القرآن.

    [132- وَقَلَبَ الثَّوْبَ: بِمَعْنَى حَوَّلَهْ ..... كَذَلِكَ الْحَدِيثَ: تَعْنِي بَدَّلَهْ]

    من معاني (قلَب) أيضا تحويل الثوب، ومضارعه كسابقه، ومنه قلب الثوب في صلاة الاستسقاء، وكذلك تقول (قلَب الحديث) أي بدَّله، ومنه المقلوب في علوم الحديث؛ ومن أشهر مُثُله: (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، ومما وقع فيه الخلاف بين العلماء (لا يبرك أحدكم كبروك البعير، ولينزل بيديه قبل ركبتيه).
    ومراد ثعلب بذلك أنه لا يقال (أقلبتُ) بالهمزة في جميع هذه المعاني.

    [133- وَقَدْ وَقَفْتُ فَرَسِي فَوَقَفَا ..... أَقِفُهُ، وَقَدْ وَقَفْتُ مَوْقِفَا]

    تقول (وقَف) بفتح القاف في الماضي، (يقِف) بكسر القاف في المضارع، وأصلها (يَوْقِف) فاستثقلت الواو مع الكسرة فحذفت، وهو باب مطرد في الصرف؛ مثل (وعَد يعِد) (وصَل يصِل) (ورَد يرِد) (وثَب يثِب) (وجَد يجِد) (ولَج يلِج) (ولَد يلِد) .. إلخ.
    وهذا الفعل (وقف) يأتي متعديا ولازما؛ تقول: (وقفتُ الرجلَ) أي جعلته (يقف)، وتقول: (وقف الرجلُ) أي صدر منه الوقوف، فمن المتعدي قوله تعالى: {وقِفوهم إنهم مسؤولون}، وقوله: {ولو ترى إذ وُقِفوا على النار}، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم}، ولم يرد اللازم في القرآن.
    ومن اللازم قول النابغة في معلقته:
    وقفت فيها أصيلانا أسائلها ............. عيت جوابا وما بالربع من أحد
    وقول زهير في معلقته:
    وقفت بها من بعد عشرين حجة ............. فلأيا عرفت الدار بعد توهم
    ويختلف المتعدي عن اللازم في المصدر؛ فالمتعدي مصدره (وَقْف) واللازم مصدره (وقوف)، وهذا موافق للقياس؛ كما قال ابن مالك:
    (فَعْل) قياس مصدر المعدى ............. من ذي ثلاثة كرد ردا
    .......
    وفعَل اللازم مثل قعَدا ............. له (فُعول) باطراد كغدا
    وكلام ثعلب (وقفت الدابة) فهو أعم من كلام الناظم؛ إلا أنه لما كان المقصود منه التمثيل لم يضر التخصيص.
    ومراد ثعلب أنه لا يقال (أوقفتُ) يعني في اللغة الفصيحة العالية.
    وقول الناظم (وقد وقفت موقِفا): المَوقِف: يصلح مصدرا، ويصلح اسما للمكان، ويصلح اسما للزمان أيضا، وهذا مطرد في علم الصرف إذا كان الفعل واوي الفاء مكسور العين في المضارع.

    [134- وَقَدْ وَقَفْتُ لِلْيَتَامَى وَقْفَا ..... أَيْ حُبُسًا فَافْهَمْهُ حَرْفًا حَرْفَا]

    من معاني (وقَف) أيضا ما يسمى في الفقه (التحبيس) أو (الحَبْس) وهو أن تتصدق بأصل له رَيع؛ بحيث يبقى الأصل وينفق الريع على الفقراء أو غيرهم بحسب وصية صاحب الوقف، وفي الحديث أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أرض خيبر، فقال: احبِس أصلها وسَبِّل ثمرتها.

    [135- وَقَدْ مَهَرْتُ الزَّوْجَ أَيْ سَمَّيْتُ ..... لَهَا صَدَاقًا وَكَذَا أَعْطَيْتُ]

    تقول (مهَر) المرأةَ بفتح الهاء في الماضي، (يمهَرها) بفتح الهاء في المضارع، و(يمهُرها) بضم الهاء أيضا، ويجوز كذلك أن تقول (أَمهَرَها) ولكن الثلاثي هو الفصيح كما أشار ثعلب باختياره.
    ومعناه فيه وجهان ذكرهما الناظم؛ الأول: (سميت لها صداقا)، تقول: (مهرت المرأة كذا) أي اتفقت مع وليها على هذا المهر قبل نقده، والثاني: (أعطيت) تقول: (مهرتها كذا) أي نقدتها، والمعنيان آيلان في الحقيقة إلى معنى واحد، ولكنه من باب استعمال الفعل عند مجرد الشروع فيه أو الاقتراب؛ كقولك (قد قامت الصلاة)، وقولك لصاحبك عند قرب وصولك إليه (قد وصلت فافتح لي الباب)، وهذا الاستعمال مشهور في كلام العرب، والتفريق بينه وبين سابقه يعرف بالقرائن والسياق، وبسبب الاحتمال فيه اختلف الفقهاء في بعض المسائل؛ كاختلافهم في قوله صلى الله عليه وسلم (إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فقوله (أمَّن) هل يقصد به انتهى من تأمينه، أو مجرد شروعه فيه؟
    وقول الناظم (مهرتُ الزوجَ) المقصود به (المرأة)، وهذه هي اللغة الفصيحة؛ كما قال تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}، وقد يقال (زوجة) كما سيأتي للناظم في قوله:
    وامرأة خزيا ومرء خزيانْ ............. وطلقت زوجة ذاك الإنسانْ
    لكن الفصيح المشهور في كلام العرب حذف التاء؛ وأكثر الفقهاء يقولون (زوجة) بالتاء حتى لا يحصل لبس؛ لأن المسائل الفقهية فيها دقة وخطر، والعرب لا تحفل بمثل هذا اللبس؛ لأنها تعتمد أكثر ما تعتمد على القرائن والسياق.

    (136- وَقَدْ مَهَرْتُ الْعِلْمَ ذَا مُهُورَا ..... حَذِقْتُهُ فَلَانَ لِي مَقْهُورَا)

    هذا البيت من زيادات الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله، وليس من الموطأة، وأصله لا يوجد في معظم نسخ فصيح ثعلب، ولذلك لم ينظمه ابن المرحل.
    ومن عجائب الاتفاق أن هذا البيت يلائم حال الشيخ الددو في سعة علمه ومهوره فيه وحذقه، نسأل الله له مزيدا من الرفعة في الدنيا والآخرة.
    وقوله (حذِقته) فيه لغتان: حذِق يحذَق، وحذَق يحذِق.
    ومضارع (مهرت العلم) كمضارع الفعل بالمعنى السابق.

    [137- وَقَدْ عَلَفْتُ فَرَسِي وَبَغْلِي ..... وَقَدْ زَرَرْتُ قُمُصِي لِشُغْلِي]

    تقول (علَف) بفتح اللام في الماضي، (يعلِف) بكسرها في المضارع، وفسر الناظم الفعل بذكر مفعوله (فرسي وبغلي) وبه يتضح المقصود من (العَلْف) أنه إطعام الحيوان، وكلام ثعلب في الفصيح أعم؛ لأنه قال (علفت الدابة).
    والعلف مختص بالطعام دون الشراب؛ وأما قول الشاعر:
    علفتها تبنا وماء باردا ............. حتى شتت همالة عيناها
    فهو محمول عند النحويين جميعا على الحذف وتقديره: وسقيتها ماء؛ وإنما حذفه لفهمه من السياق.
    وتقول (زرَرت) بفتح الراء في الماضي، (أزُر) بضم الزاي في المضارع، وأصله (أزْرُر) بسكون الزاي وضم الراء، فأدغمت الراء في الراء فصارت ساكنة فنقلت حركتها إلى الزاي قبلها لكي لا يلتقي ساكنان، وهذا مطرد في علم الصرف أيضا؛ تقول (عد يعُدّ) (بل يبُلّ) (سر يسُرُّ) .. إلخ، وأصله (يعدد – يبلل – يسرر).
    والقُمُص جمع قميص، وهو ثوب له أكمام وجيب، وقوله (زررت قُمُصي لشغلي) أي ربطت أزرار ما عندي من القمصان من أجل الشغل.

    [138- وَازْرُرْ قَمِيصًا قَدْ حَلَلْتَ زِرَّهُ ..... وَزُرُّهُ وَزُرِّهِ وَزُرَّهُ]

    حركة عين فعل الأمر كحركة عين الفعل المضارع؛ فإن كان مفتوح العين فتحت العين كقولك (يسمَع – اسمَع)، وإن كان مكسور العين كسرت العين كقولك (يضرِب – اضرِب)، وإن كان مضموم العين ضممت العين كقولك (ينظُر – انظُر)، فلماذا ذكر الناظم الأمر هنا؟ ذكره لأن الفعل المضاعف له عدة أوجه في كلام العرب عند استعمال الأمر، وهي أوجه مطردة في جميع الأفعال، وهي من اختصاص علم النحو والصرف، فلا ينبغي ذكرها هنا؛ إلا أن المتقدمين كما سبق معنا مرارا كانوا يحرصون على إفادة الطالب، ولا ينظرون إلى مطرد أو غيره؛ لأن الكتاب إنما وضع للمبتدئين.
    فماذا تقول إن أردت استعمال فعل الأمر من (غَضَّ) مثلا؟
    الجواب أن لك في ذلك أربعة أوجه: وجه خاص بفك الإدغام، وثلاثة بالإدغام، فأما مع فك الإدغام، فتقول: (اغضض) كقوله تعالى: {واغضُضْ من صوتك} وحينئذ تعامله معاملة الفعل غير المضاعف فتظهر حركة العين وتبنيه على السكون.
    وأما مع الإدغام فتقول (غضّ) بالتشديد، لكن عندنا هنا يلتقي ساكنان، فكيف نتصرف؟ ذكر ثعلب أنك تحرك الفعل بالفتح أو بالضم أو بالكسر، فكله جائز عند ثعلب، ومن ذلك قول الشاعر:
    فغُضَّ الطرف إنك من نمير ........... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
    يجوز أن تقول (فغضَّ الطرف) و(فغضِّ الطرف) و(فغضُّ الطرف).
    قالوا: الكسر لالتقاء الساكنين، والفتح لأنه أخف، والضم إتباعا.
    (تنبيه)
    وقع في المطبوع (حللتُ) بالضم، ولعل الأوفق للسياق (حللتَ) بالخطاب، ليكون من يحل هو من يزر. ووقع في المطبوع أيضا (حللت زُره) بضم الزاي، والصواب (زِره) بالكسر، وهو واحد الأزرار، وهو ما نقول له في العامية (زرار)، ولم أر أحدا من علماء اللغة ضبطه بالضم، وقد سموا به ومنه (زِر بن حبيش).

    [139- كَقَوْلِهِمْ: مُدَّ وَمُدُّ لِي يَدَا ..... وَمُدِّ أَيْضًا، وَالْجَمِيعُ وَرَدَا]

    هذا البيت زيادة بيان لما ذكر في البيت السابق بذكر مثال آخر على أحوال الفعل المضعف، وإنما ذكره تبعا لثعلب لكي لا يُظن أن هذه اللغات خاصة بالفعل (زر)؛ لأن كتاب الفصيح ونظمه موضوعان للألفاظ اللغوية الخاصة لا للقوانين الكلية.
    وقوله في آخر البيت (والجميع وردا) فيه رد على من أنكر من العلماء على ثعلب في بعض هذه الأوجه؛ كما لو اتصل الفعل بضمير المذكر؛ فإن البصريين يوجبون تحريكه بالضم ولا يجيزون الفتح ولا الكسر، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان (إنا لم نرُدُّه عليك إلا أنَّا حُرُم) فالفصيح الضم، لكن المشهور عند المحدثين هو الفتح، وثعلب لا يحكي مثل هذا إلا سماعا؛ وقد قال ابن الطيب الفاسي: (أبو العباس من فرسان هذا الشأن؛ فينبغي أن يُتبع دون توقيف).
    ومن هذه الأوجه ومن كون الفصيح هو الضم تعلم خطأ من قال إن قوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} لا يمكن حمله على النهي لأنه لو كان نهيا لقال: (لا يمسَّه) بالفتح.

    [140- وَقَدْ نَشَدْتُ اللهَ هَذَا الزَّاهِي ..... أَنْشُدُهُ سَأَلْتُهُ بِاللهِ]

    تقول (نشَد) بفتح الشين في الماضي، (ينشُد) بضم الشين في المضارع، ويلاحظ أن الناظم لم يذكر المضارع تبعا لثعلب في كثير من أفعال هذا الباب؛ لأن المقصود منه بيان الفصيح في الماضي وأنه ثلاثي لا رباعي، فلا يقال (أنشدت الله)، ولا يقال (أعلفَ) ولا يقال (أمهرَ)، ولا يقال (أوقفَ) أي لا يقال ذلك في اللغة العالية الفصيحة، وإن كان بعض ذلك ورد عن العرب على قلة.
    وقولك (نشدتُه اللهَ) فسره الناظم بقوله (سألته بالله) وهو واضح، ونشدته يتعدى إلى مفعولين، أو هو منصوب على نزع الخافض.
    والباء هنا تسمى باء القسم الطلبي؛ كما قال ابن مالك في الكافية:
    بالطلب البا اخصص كذا نشدتكا ............. الله أو بالله أو عمرتكا
    فالمعنى (ذكَّرتك الله مستحلفا)، وفي حديث كعب بن مالك أنه قال لأبي قتادة: (أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ وفي حديث حسان بن ثابت أنه سأل أبا هريرة: نشدتك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا حسان أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس).



















    [141- وَحُشْ عَلَيَّ الصَّيْدَ أَيْ ضُمَّ إِلَيْ ..... وَاجْمَعْ لِكَيْ يَحْصُلَ بِالْحَوْشِ لَدَيْ]

    تقول: (حاشَ يَحوشُ حَوْشًا) كما تقول (قال يقول قولا - عاد يعود عودا - جار يجور جورا - إلخ)، والأمر منه (حُش) كما تقول (قُل – عُد – جُر – إلخ)، وفسَّر معناه الناظمُ بالضمِّ والجمع، وأوضحُ من هذا أن يُقال (حُشتُ الصيدَ: أي جِئتُه من حوالَيه وجهاته لكي أصرفَه إلى الشِّباك).
    ولم يرد هذا الفعلُ في القرآن، ولا في مشهور السنة، ويقرب من معناه قولُ أنس رضي الله عنه كما في البخاري (أنفَجْنا أرنبًا)، أي أثرتُها، وبمعناه أيضا (أنفَرَ).
    ومرادُ ثعلب بذكر هذا الفعل التنبيهُ على أنه أفصح من (أحوَشَ) الرباعي المزيد بالهمزة في أوله، على ما فيه من شذوذ.

    [142- وَنَبَذَ النَّبِيذَ يَعْنِي صَنَعَهْ ..... وَقِيلَ: يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ قَطَعَهْ]

    تقول (نبَذ) بفتح الباء في الماضي (ينبِذ) بكسر الباء في المضارع، وفسر معناه الناظم بقولين:
    - الأول: بمعنى الصناعة وهذا هو المعروف، وأوضحُ منه أن يقال (نبذتُ النبيذَ أي ألقيتُ التمرَ ونحوَه في الجرةِ أو الوعاءِ ونحوه وتركتُه حتى صار نبيذا)
    - الثاني: بمعنى القطع؛ هذا ما قاله الناظم، ولم يتضح لي فيه معنى مفهوم إلا بتكلف؛ وقد قال الشارحُ في هذا الموضع:
    (يُحتمل أنه أراد بقطعه تركَه ورفضَه ونبذَ شربه وطرحه، ويحتمل أنه مأخوذ من قولهم قطَع الحوضَ أي ملأه إلى نصفه ثم قطعَ عنه الماءَ، فكأنه نبذ النبيذ في إناء مثلا وملأه إلى نصفه وقطع الماء عنه، فيرجع للأول على ما فيه من بعض البعد، والله أعلم).
    و(نبذ) له معنى آخر في اللغة؛ لكنَّ ثعلبًا تركه ربما لشهرته وعدم الحاجة إلى النص عليه، وهو الترك؛ كما في قوله تعالى في الماضي: {فنبَذوه وراء ظهورهم}، وفي الأمر {فانبِذ إليهم على سواء}.

    [143- وَرَهَنَ الرَّهْنَ لَدَيَّ يَرْهَنُ ..... بِالْفَتْحِ أَيْضًا فَأَنَا مُرْتَهِنُ]

    تقول: (رهَن) بفتح الهاء في الماضي، (يرهَن) بفتح الهاء أيضا في المضارع، وهذا موافق لقاعدة حرف الحلق؛ لمكان حرف الهاء في عين الكلمة، كما سبق بيانه.
    وقول الناظم (فأنا مرتهِن) هذا اسم فاعل من الفعل (ارتهن)، وعادة العلماء في التصاريف أن يذكروا اسم الفاعل من الفعل السابق ذكره؛ فيقال (ضرب يضرب فهو ضارب، ونصر ينصر فهو ناصر) وهكذا، ولا يقال مثلا (كسَب فهو مكتسب) ولا (سرق فهو مسترق)، ولكن الناظم ذكر اسم الفاعل من فعل آخر ليفيد أن الفعل (ارتهن) يأتي مطاوع (رهَن)، ومهَّد لذلك بقوله في الشطر الأول (لديَّ)، وقد وقع في مطبوعة النظم (فأنا مرتهَن) بفتح الهاء، واستدركها المحققُ جزاه الله خيرا في جدول الخطأ والصواب بأنها بالكسر، وهذا هو الصواب لأنها اسم فاعل؛ إذ الفعل (ارتهن) مبني للفاعل لا للمفعول.
    والفقهاء يفرقون في الاصطلاح بين (الراهن) و(المرتهن)؛ فيجعلون الأول لمن يدفع الرهن والثاني لمن يأخذ الرهن، وهو تفريق صحيح موافق للغة، ومن أجل هذه الفائدة زاد الناظم هذا الفعل.
    ومراد ثعلب بذكر هذا الفعل أنه لا يقال (أرهنَ)، أو أنه لغة قليلة والفصيح (رهنَ).
    وفي بعض النسخ (بالفتح فاعلم).

    [144- وَقَدْ خَصَيْتُ الْفَحْلَ، وَالْخِصَاءُ ..... أَنْ يُنْزَعَ الْخُصْيَانِ، وَالْوِجَاءُ]

    تقول: (خصَى) بفتح الصاد في الماضي، (يخصِي) بكسر الصاد في المضارع؛ مثل (رمَى يرمِي).
    ومصدره الخِصاء بكسر الخاء، وفسره الناظم بنزع الخُصيين وهما الأُنثيانِ، ووقع في المطبوع (الخِصيان) بكسر الصاد والصواب ضم الخاء، و(الخُصيانِ) مثنى (خُصية) بحذف التاء على غير قياس، ونظيره (الأَليان) مثنى (أَلية) بحذف التاء أيضا على غير قياس، و(الأَلية) بهمزة مفتوحة والعامة تكسرها.
    فإن قيل (لعله يقصد الخِصْيانُ) بكسر الخاء وهو جمع (خصية)، فالجواب: أن هذا بعيد؛ لأنه قال في البيت بعده (أن يُتركا) بألف المثنى.
    وقول الناظم (والوجاء) هو ابتداء كلام جديد وتكملته في البيت الآتي، والناظم يريد بذلك أن يفسر هذه الكلمة (الوجاء) مع أن ثعلبا لم يذكرها؛ إلا أنه لما كان الناس يخلطون بين (الخصاء) و(الوجاء) أراد الناظم إفادة القارئ بالفرق بينهما.
    وكل ما ذكره ثعلب هو قولهم (وبرئتُ إليك من الخِصاء والوِجاء) وهو شاهد من كلام العرب على كلمة الخصاء؛ ومعناه: إن مات بسبب هذا الخصاء أو الوجاء فلا شيء عليَّ.

    [145- أَنْ يُتْرَكَا هُنَاكَ بَعْدَ رَضِّ ..... يَنُوبُ عَنْ نَزْعِهِمَا وَعَضِّ]

    في هذا البيت تفسير كلمة (الوجاء) وبه يظهر الفرق بينها وبين (الخصاء)؛ فالخِصاء هو نزع الخُصيين، أما (الوِجاء) فهو دقُّهما في محلِّهما، وهذا الدقُّ يُزيل منفعتَهما، ومن ثم ينوبُ عن نزعِهما، وكل هذا من زوائد الناظم على الفصيح.
    فقوله (أن يُتركا) أي الخُصيانِ (هناك) أي في موضعِهما دون نزع (بعد رض) أي دقٍّ (ينوبُ) أي هذا الدقُّ (عن نزعِهما) لأنَّ المرادَ بالنزع إزالةُ المنافع، والرضُّ يقوم مقامَ هذا.
    وقول الناظم (وعض) لا يظهر له معنى مفيدٌ للسياق، وينظر هنا للفائدة:
    أسئلة وإشكالات في (موطأة الفصيح)..

    [146- وَقَدْ نَعَشْتُ صَاحِبِي رَفَعْتُهُ ..... أَقَلْتُهُ أَفَدْتُهُ نَفَعْتُهُ]

    تقول: (نعَش) بفتح العين في الماضي، (ينعَش) بفتح العين في المضارع أيضا، وهذا موافق لقاعدة حرف الحلق التي سبق ذكرها مرارا، وفسره الناظم بأربعة أفعال تبين معناه؛ فقال (رفعته أقلته أفدته نفعته)، وحاصل المعنى (أخرجتُه من عثرته ووَرْطته)، أو (رفعتُه من صرعته إذا وقع على الأرض مغشيا عليه)، والمعنيان متقاربان.
    ومراد ثعلب بهذا الفعل أنه أفصح من (أنعَشَ) الرباعي المزيد بالألف، لأنه هو المشهور في كلام العامة.

    [147- وَقَدْ حَرَمْتُ الرَّجُلَ الْعَطَاءَا ..... أَحْرِمُهُ؛ إِذْ كَانَ قَدْ أَسَاءَا]

    تقول (حرَم) بفتح الراء في الماضي، (يحرِم) بكسر الراء في المضارع، ومعناه (المنع) وهو ضد العطاء، وفي بعض نسخ الفصيح استشهاد على هذا المعنى بقول الشاعر:
    مَن يَسألِ الناسَ يحرِموه .......... وسائلُ اللهِ لا يُرَدُّ
    وهذا البيت لا يعرفه قائله، وإنما يُعرف بيت يشبهه من قول عَبِيد بن الأبرص:
    من يسأل الناس يحرِموه .......... وسائل الله لا يخيبُ
    والقافية بائية، ويبعد جدا أن يخطئ ثعلب في مثل هذا؛ فإما أن يكون بيتا لشاعر آخر، وإما أن يكون زيادة من غير ثعلب.
    ومراد ثعلب بهذا الفعل أنه لا يقال (أحرمتُه) أو أنها لغة ضعيفة.

    [148- وَقَدْ حَلَلْتُ أَنَا مِنْ إِحْرَامِي ..... أَكْمَلْتُهُ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ]

    تقول (حَلَّ من إحرامه يَحِلُّ) بكسر الحاء في المضارع؛ مثل (جَلَّ يجِلُّ - تَمَّ يتِمُّ)، وهو قياس مطرد في الفعل المضعف اللازم؛ أما المتعدي فيكون بضم عينه في المضارع؛ مثل (شد يشُد – رد يرُد – إلخ)، وبهذا نفرق بين (حل يحِل) و(حل يحُل)؛ فالأول من الإحرام مثلا، والثاني بمعنى الفك.
    وتقول (أَحرَم الرجل للحج يُحرِم إحرامًا فهو مُحرِم) وهذا فعلٌ رباعي تصريفُه مُطردٌ لا يتخلف؛ مثل (أكرَم يُكرِم إكرامًا فهو مُكرِم) (أَخرَج يُخرِج إخراجًا فهو مُخرِج) (أَدبَر يُدبِر إدبارًا فهو مُدبِر) (أَسرَف يُسرِف إسرافًا فهو مُسرِف) إلخ.
    ومراد ثعلب بهذا الفعل (حللت) أنه أفصح من (أحللتُ من إحرامي) وإن كان لغة صحيحة.

    [149- وَحَزَنَ الأَمْرُ، وَأَمْرٌ شَغَلاَ، ..... وَقَدْ شَفَى الرَّحْمَنُ هَذَا الرَّجُلاَ]

    ذكر الناظم في ثلاثة أفعال في بيت واحد، وقليلا ما يفعل هذا؛ وذلك لأنها أفعال واضحة لا تحتاج لتفسير؛ وهي:
    - الأول: (حزَن) بفتح الزاي في الماضي (يحزُن) بضم الزاي في المضارع، وهو الفعل المتعدي للفعل اللازم (حزِن) بكسر الزاي؛ فتقول (حزَنتُ الرجلَ فحزِن الرجلُ) أي جعلته يحزَن فأصابه الحُزن، قال تعالى: {لا يحزُنهم الفزع الأكبر}، هذا في المتعدي، وقال: {ولا هم يحزَنون} هذا في اللازم، ولم يرد الفعل الماضي في القرآن، لا من هذا ولا من هذا.
    والمصدر (حُزْن) و(حَزَن) كما قال تعالى: {وابيضت عيناه من الحُزْن}، وقال: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن}، وهذان الوزنان (فُعْل) و(فَعَل) يتعاقبان كثيرا في كلام العرب؛ مثل (شغل وشغل) (عرب وعرب) (عجم وعجم)، وقد سبقت الإشارة إلى هذا.
    ومراد ثعلب بذكر هذا الفعل أنه أفصح من الرباعي (أحزَنَ)؛ فتقول (يَحزُنني) أفصح من أن تقول (يُحزِنني)، والثاني هو المشهور بين العامة.
    - الثاني: (شغَل) بفتح الغين في الماضي (يشغَل) بفتح الغين في المضارع، كما هي قاعدة حرف الحلق السابق ذكرها مرارا.
    ومراد ثعلب بذكر هذا الفعل أنه أفصح من الرباعي (أَشغَلَ)، وقد أُولِع الناس بالرباعي فلا يكادون يقولون الثلاثي، مع أنه أفصح وأشهر بلا نزاع.
    - الثالث: (شفَى) بفتح الفاء في الماضي، (يشفِي) بكسر الفاء في المضارع، من باب (رمَى يرمِي) كما سبق ذكره في (خصى يخصي).
    وقد ذكر ثعلب المضارع (يشفي) وأغفله الناظم، ربما لوضوحه.

    [150- وَغَاظَنِي الأَمْرُ وَأَنْتَ غِظْتَنِي ..... تَقُولُ فِي مَعْنَاهُ: قَدْ أَحْفَظْتَنِي]

    تقول (غاظ) مثل (باع) في الماضي، (يَغِيظ) في المضارع مثل (يَبِيع)، والأمر (غِظْ) مثل (بِع)، وفسره الناظم بقوله (أَحفَظَ) وهو تفسيرٌ بالأخفى أو المساوي؛ وعادة العلماء في تفسير الألفاظ الواضحة أن يقولوا (معروف) أو يفسروها بالمساوي وأحيانا بالأخفى؛ لأنه لا يمكن تفسير جميع الألفاظ بما هو أوضح منها.
    وقد ذكر ثعلب المضارع (يغيظ) ولم يذكره الناظم؛ لأنه استغنى بذكر الأمر عنه.
    فالحاصل أن (غاظ) معناه (أحفظ) أي أغضب، وهي ألفاظ متقاربة؛ جمعها ابن نبهان الحضرمي في منظومة المترادف بقوله:
    كالغيظ سُخْط حَنَق وغضَبُ .......... كذا احتدامٌ حَرَدٌ تلهُّبُ
    ولم يرد الفعل الماضي في القرآن؛ وورد المضارع كما في قوله {ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار}، والمصدر كما في قوله: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس}.

























    [151- وَقَدْ نَفَيْتُ رَجُلاً مِنْ بَلَدِهْ ..... طَرَدْتُهُ عَنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهْ]

    تقول (نفَى يَنْفِي نَفْيًا) مثل (رمَى يرمِي رَمْيًا)، ويختصر العلماء ما سبق بقولهم (نفَى من باب رمَى)، فقولهم (من باب) معناه أنه مثله في حركة عين الماضي والمضارع، ومثله أيضا في ضبط المصدر، وهذا هو اصطلاح صاحب مختار الصحاح، أما صاحب المصباح المنير فإذا قال (من باب كذا) فهو يقصد الماضي والمضارع فقط، فلينتبه لهذا فهو مهم، وقد نص في المقدمة على أنه إذا ذكر المصدر في التمثيل دخل في الباب وإلا فلا، أي أنه إذا قال (نفى نفيا من باب رمى) فالتصريف حينئذ يشمل المصدر، وإذا قال (نفى من باب رمى) فلا يدخل المصدر فيه.

    [152- وَمِثْلُهُ أَنْ تَنْفِيَ النَّفِيَّا ..... وَتَتْرُكَ الطَّيِّبَ وَالنَّقِيَّا]

    وفي نسخة (الرَّدِيَّا)، ونص ثعلب في الفصيح (ونفيتُ الرجلَ ورديءَ المَتاعِ أنفيه نفيًا)
    ومعنى البيتين واضح، وبقي أن نذكر ما ورد في الكتاب والسنة من هذا الفعل؛ فمن ذلك قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ... أو يُنْفَوا من الأرض}، وفي الحديث (المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)، والمعنى أنها تخرج الخبيث من الناس كما يخرج الكير ما في الحديد من الخبث، وفي رواية (تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة)، ومنه أيضا (نفي الزاني) ومعناه تغريبه، وفي الحديث (خذوا عني .. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة).
    والفعلان وإن كانا يرجعان إلى معنى واحد؛ إلا أن بينهما فرقا في الاستعمال؛ فقولك (نفيت الرجل) معناه طردته، أما (نفيت الرديء) فمعناه فصلته عن الجيد، وحديث (نفي الزاني) من الأول، وحديث (المدينة تنفي خبثها) من الثاني.

    [153- مِنَ الرِّجَالِ وَمِنَ الدَّرَاهِمِ ..... وَالتَّمْرِ وَالطَّعَامِ وَالْبَهَائِمِ]

    هذا البيت زيادة إيضاح للبيت السابق؛ لأن كلام ثعلب قد يتوهم منه أن نفي الرديء يقتصر على المتاع، فبين الناظم أنه عام؛ يدخل في الرجال وفي الدراهم والتمر والطعام والبهائم؛ كما في الحديث (المدينة تنفي خبثها) أي من الرجال، وتقول (نفيت رديءَ الدراهم، ودقلَ التمر، وآسنَ الطعام، ومريضَ البهائم).
    وقد يُتوهم من كلام الناظم أن النفي خاص بهذه الأشياء، وهو خطأ، بل هو عام في كل شيء، وإنما ذكر الناظم هذه الأشياء لأنها هي المشهورة في الاستعمال عند ذكر هذا الفعل.

    [154- وَقَدْ زَوَى عَنِّيَ وَجْهًا قَبَضَهْ ..... يَزْوِيهِ زَيًّا وَيَجُوزُ قَبَّضَهْ]

    نص هذا البيت يكاد يطابق كلام ثعلب في الفصيح، دُون ما في آخر البيت (ويجوز قَبَّضه) فهي زيادة من الناظم.
    تقول (زوَى يَزوِي زَيًّا) مثل (شوَى يشوِي شَيًّا) و(غوَى يغوِي غَيًّا) و(طوَى يطوِي طَيًّا)، وهو من الأفعال القليلة التي اجتمع فيها حرفا علة، فهو فعل معتل، ويسمى في اصطلاح الصرفيين (لفيف مقرون) لأن حرفي العلة متواليان، ويقابله (اللفيف المفروق) مثل (وعى – وفى – وقى – إلخ) لأن حرفي العلة مفصولان بحرف.
    وقد سبق معنا الكلام عن الفعل (غوى) في الحلقة الأولى عند قول الناظم: (وقد غوى الإنسان يغوي يا فتى) إلخ.
    والعامة تقول (زوَّى فلان بين عينيه) بتشديد الواو، وهي لغة؛ لكن الأفصح ما ذكره ثعلب (زوَى) بتخفيف الواو.
    وفي بعض نسخ الفصيح ذكر شاهد من قول الأعشى على هذا الفعل، وهو قوله:
    يزيد يغض الطرف عني كأنما ...... زوَى بين عينيه عليَّ المحاجمُ
    وبعده:
    فلا يَنبَسِطْ من بين عينيك ما انْزَوَى ........ ولا تَلقَني إلا وأنفُك راغمُ
    وفي حديث ثوبان عند مسلم (إن الله زوَى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها)، وفي حديث أنس عند البخاري ومسلم (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قط قط وعزتك، ويُزوَى بعضها إلى بعض)، وفي رواية (يَنزَوِي)، وكلاهما صحيح من جهة اللغة؛ لأن المطاوع من (زوَى) هو (انزَوَى) قياسًا وسماعًا؛ كما سبق معنا في قول الأعشى:

    [155- وَقَدْ بَرَدْتُ بِالْبَرُودِ عَيْنِي ..... أَبْرُدُهَا بِالضَّمِّ دُونَ مَيْنِ]

    وفي نسخة (فقله)، تقول (برَد) بفتح الراء في الماضي، (يبرُد) بضم الراء في المضارع، ولم يفسره الناظم تصريحا، ولكن أشار إلى معناه بالقرائن؛ لأن (البَرُود) هو الكحل البارد ويستعمل لعلاج العين من الحرارة؛ فإذا قلت (برَدت العينَ أبرُدها) فمعناه أنك فعلت هذا.
    ومراد ثعلب أن هذا هو الأفصح أن يقال (برَدت)، وليس (أبردتُ) ولا (برَّدت).
    وقول الناظم (بالبَرُود) من زياداته على ثعلب، وهو بفتح الباء؛ وهذا الوزن شائع في أسماء الأدوية وما قاربها؛ مثل (سَعوط) و(وَجور) و(نَشوق) و(لَدود) و(لَعوق)؛ وكل هذا بمعنى المفعول؛ لأنه بمعنى ما يستعمل في كذا؛ فالسعوط والنشوق في الأنف، والوجور واللعوق في الفم، وهكذا.

    [156- وَبَرَدَ الْمَاءُ غَلِيلَ جَوْفِي ..... يَبْرُدُهُ فَقُلْهُ دُونَ خَوْفِ]

    تقول أيضا (برَد يبرُد) في الماء إذا أذهب عنك حرارة الجوف، وتصريفه كتصريف الفعل السابق تماما، والمعنى أيضا متقارب؛ لأن كليهما يذهب الحرارة.
    ومراد ثعلب أيضا أن هذا هو الأفصح، فلا يقال (أبردته) و(برَّدت) إلا دون الأول.

    [157- وَيُنْشَدُ الْبَيْتُ الَّذِي قَدْ رُوِيَا ..... لِمَالِكِ بْنِ الرَّيْبِ فِيمَا حُكِيَا]

    وفي نسخة (فيما انْتُقِيَا)، وقد سار الناظم على طريقته في شرح الشواهد التي يذكرها ثعلب في الفصيح، وذلك بهذا الأسلوب المطول؛ فالشاهد في الفصيح بيت واحد، فشرحه الناظم هنا في سبعة أبيات! أشار في البيت الأول منها وهو هذا البيت أن قائله هو (مالك بن الريب) بفتح الراء وسكون الواو على وزن (الريب) الذي بمعنى الشك، وقوله (فيما حُكِيا) أي أنه قول مرجوح؛ إذ الراجح أنه (جعفر الحارثي) وهو قول الأكثر كما سيأتي.
    ومالك بن الريب الشاعر من بني تميم، وهو من طبقة التابعين، توفي سنة 60هـ.

    [158- وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّهُ لِجَعْفَرِ ..... الْحَارِثِيِّ وَهْوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ]

    أشار الناظم في هذا البيت إلى قول آخر في نسبة البيت، وذكر أنه قول الجمهور؛ أن قائله هو (جعفر بن عُلْبة) وهو شاعر صاحب غزل وفروسية من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، توفي سنة 145هـ.

    [159- يَقُولُ فِي الشِّعْرِ إِذَا أَتَيْتَا ..... الْحَارِثِيَّاتِ فَهَبْنِي مَيْتَا]

    أشار في هذا البيت وما بعده إلى البيت السابق للشاهد المراد، وهو قوله:
    إذا ما أتيتَ الحارثيَّاتِ فانْعَني ........ لهُنَّ وخَبِّرْهن أنْ لا تَلاقِيا
    وقوله في الشعر (الحارثيات) يدل على ترجيح نسبة البيت له؛ لأنه حارثي.

    [160- فَلْتَنْعَنِي لَهُنَّ يَا خَلِيلِي ..... فَلَيْسَ لِلِّقَاءِ مِنْ سَبِيلِ]

    قوله (يا خليلي) وقوله (من سبيل) زيادة من الناظم لتتمة البيت، وقد سبق ذكره.
    وقوله (فلتنعَني) هو بفتح العين من (نعَى ينعَى نَعْيًا)؛ مثل (سعَى يسعَى سَعْيًا)، والعامة تقول (ينعِي) بكسر العين، وهو خطأ؛ وكذلك في قول طرفة بن العبد:
    إذا مت فانعَيني بما أنا أهله ...... وشُقي علي الجيبَ يا ابنةَ معبد
    يحكيه كثير من طلبة العلم وأهله في دروسهم بكسر العين، والصواب فتح العين.

    [161- وَعَطِّلِ الْقَلُوصَ فِي الرِّكَابِ ..... وَذَاكَ لِلْإِشْعَارِ بِالتَّبَابِ]

    أشار في هذا البيت وما بعده إلى الشاهد المقصود إيراده، وهو قوله:
    وعَطِّل قلوصي في الركابِ فإنها ...... ستَبرُد أكبادًا وتُبكي بَواكِيا
    والشاهد فيه قوله (ستبرُد) بضم الراء من الثلاثي (برَد)، وقد ضُبِط في بعض شروح الفصيح (ستُبرِد)، وهو خطأ فاحش يذكرني بقول من قال (.. عندما يكون المؤلفُ في وادٍ والمحققُ في وادٍ آخر)، وهذه آفةٌ عامة في الكتب المحققة، ولا سيما كتب اللغة، والله المستعان.
    وقوله (وذاك للإشعار بالتباب) شرح لجوِّ البيت والمقصودِ منه؛ لأن قوله (عطل قلوصي) إشارة إلى الهلاك.
    فإن قيل (إن هذا الشاهد يدل على أن المضارع يَفْعُل، فكيف عرفنا منه أن الماضي فَعَل، وليس فعُل ولا فعِل؟) وأترك الجواب للقراء من باب التفاعل والامتحان.

    [162- فَإِنَّهَا سَتَبْرُدُ الْأَكْبَادَا ..... مِنَ الْعِدَا وَتُشْمِتُ الْحُسَّادَا]

    تتمة في الإشارة إلى معنى البيت المقصود، وقوله (من العدا وتشمت الحسادا) زيادة على معنى البيت، لمزيد الإيضاح؛ قال الشارح: (يقول: إن هذه الناقة التي أمر بتعطيلها تبرد أكباد الأعداء أي تسرهم وتفرحهم وتبعث لهم الطرب والنشاط ... وأن هذه الناقة أيضا تبكي البواكي وهم أقارب الشاعر وأهله وتحزنهم وتثير من أشجانهم ما كان كامنا وتحرك من أحزانهم ما كان ساكنا لما يجدوه من الحسرة على هلاكه وتعطيل ناقته فيجتمعون ويتحزنون ويتكاثرون لندبه وبكائه والنوح عليه).

    [163- وَتَحْزُنُ الْأَحْبَابَ حَتَّى تُبْكِي ..... بَوَاكِيَ الْحَيِّ لِأَجْلِ هُلْكِي]

    وفي نسخة (مِنَ اجْلِ)، والمقصود من البيت الإشارة إلى قول الشاعر (وتبكي بواكيا)؛ فقد أبهمه الشاعر، لأنه مفهوم ضمنا؛ إذ لا يبكي على موت الشاعر إلا من كان من أحبابه بسبب هلاكه، والهُلك والهلاك واحد.
    وقوله (وتَحْزُن) هو بفتح التاء وضم الزاي .















    [164- وَالتُّرْبَ هِلْتُ فَوْقَهُ أَهِيلُهُ ..... صَبَبْتُهُ كَأَنَّنِي أُسِيلُهُ]

    تقول (هالَ فلانٌ الترابَ على فلانٍ) من الثلاثي، والعامة تقول (أهال) من الرباعي، وهي لغة لكن الفصيح ما ذكره ثعلب؛ ولفظه في الفصيح (هِلتُ عليه التربَ) فاستعمل الناظم كلمة (فوقه) موضع كلمة (عليه)؛ لأن (على) معناها الاستعلاء والفوقية، ثم زاد الناظم من عنده شرح الفعل بقوله (صببته كأنني أسيله) أي كأنك تصب الماء، وأوضح من ذلك أن يقال (ألقيته عليه وواريته به).
    والمضارع (يَهِيل)؛ مثل (باع يبيع)، فإن رددت إليك الفعل قلت (بِعْت)، فكذلك هنا تقول (هِلْت)، فالكسرة التي في الياء والهاء تدل على عين الفعل؛ فإن كانت ضمة فالعين واو؛ كقولك (قُلْت) من قال يقول، (عُذْت) من عاذ يعوذ، (رُحْت) من راح يروح، وإن كانت كسرة فالعين ياء؛ كقولك (مِلْت) من مال يميل، (عِبْت) من عاب يعيب، (عِشْت) من عاش يعيش، وهكذا.
    ولم يرد من تصاريف هذا الفعل في القرآن إلا كلمة واحدة، أتركها للقارئ من باب التدريب.

    [165- وَفَضَّ رَبِّي فَاهُ فَضًّا أَيْ كَسَرْ ..... فَفَرَّقَ الْأَسْنَانَ مِنْهُ وَنَثَرْ]

    تقول (فَضَّ يفُضُّ فَضًّا) مثل (رد يرد ردا) و(عد يعد عدا) و(جر يجر جرا) وهكذا، وسيذكر الناظم المضارع في البيت التالي، ومعنى البيت واضح.
    ومراد ثعلب من هذا أن الأفصح (فض) وليس (أَفَضَّ)؛ لأن بعض الناس يقولون (لا يُفْضِض الله فاك) بضم الياء كما سيأتي ذكره.
    ويقال أيضا (لا يُفْضِ الله فاك) أي لا يجعله كالفضاء بلا أسنان، وهذا من زيادات ابن فارس في كتابه (تمام فصيح الكلام).
    والفعل (فضَّ) له معنى آخر وهو التفريق، تقول (فض الناس فانفضوا) أي فرقهم فتفرقوا، كما قال تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها}.

    [166- مِنْ ذَاكَ لاَ يَفْضُضْ إِلَهِي فَاكَا ..... وَهْوَ دُعَاءٌ حَسَنٌ أَتَاكَا]

    وفي نسخة (كذاك)، والأول أدق وأحسن، ويستفاد من هذا البيت أمور:
    أولا: بيان مضارع (فض) أنه مضموم العين في المضارع، ومن ثم فلا بد أن يكون مفتوح العين في الماضي كما تقدم معنا مرارا.
    ثانيا: بيان أن هذا الفعل متعد وليس لازما؛ لأن القاعدة الصرفية للفعل المضعف أنه يكون مضموما في المتعدي ومكسورا في اللازم، ولهذا استثناءات مذكورة في كتب الصرف وخاصة لامية الأفعال وشروحها.
    ثالثا: ثالثا: ذكر مثال من كلام العرب على هذا الفعل، وهو أيضا مثل من الأمثال ودعاء حسن كما قال الناظم، وورد في حديث مرفوع، لكنه ضعيف، وهو المروي عن النابغة الجعدي أنه أنشد النبي صلى الله عليه وسلم:
    بلغنا السماء مجدنا وجدودنا .......... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
    فقال: إلى أين؟ قال: إلى الجنة، قال: لا يفضض الله فاك.

    [167- وَوَدَجَ الْحِمَارَ شَقَّ الْوَدَجَا ..... فِي عُنْقِهِ فَصْدًا لِأَمْرٍ أَحْوَجَا]

    (الوَدَج) عرق في العنق، ويقال في الجناس (وَدَجَهُ فقطع وَدَجَهُ)؛ لأن الفعل (وَدَجَ) أيضا، وقول الناظم (فصدا) يقصد أن هذا الصنيع في الحيوان بمنزلة (الفصد) للإنسان.
    ومعنى البيت لعله واضح، وتصريف الفعل في يأتي في البيت التالي.

    [168- تَقُولُ مِنْهُ: دِجْ إِذَا أَمَرْتَا ..... وَيَدِجُ الْإِنْسَانُ إِنْ أَخْبَرْتَا]

    الفعل المذكور في البيت السابق (ودَج) هو الماضي، فما المضارع؟ وما الأمر منه؟
    أجاب الناظم عن ذلك في هذا البيت؛ أن الأمر هو (دِجْ) والمضارع هو (يدِج)؛ كما تقول (عِدْ) من وعَد يعِد، وكما تقول (قِفْ) من وقَف يقِف، وكما تقول (صِلْ) من وصَل يصِل، وهكذا.

    [169- وَقَدْ وَتَدْتُ وَتِدًا: ضَرَبْتُهُ ..... فِي الْأَرْضِ، أَوْ فِي حَائِطٍ: أَنْشَبْتُهُ]

    تقول (وتَد الوَتِد) مثل الفعل السابق تماما في التصريف (ودَج يدِج)، ومعناه غرزته أو ركزته أو ضربته كما قال الناظم، وفي الحائط معناه دققته أو أثبته، ولعله أوضح من قول الناظم (أنشبته).
    ومن الجناس أيضا أن يقال (وَتِدِ الوَتِد).
    ومراد ثعلب من ذلك أن الفصيح هو الثلاثي (وتدت الوتد) ولا يقال (أوتدت) الرباعي إلا في لغة قليلة.

    [170- أَتِدُهُ وَتْدًا وَتِدْ هَذَا الْوَتِدْ ..... إِذَا أَمَرْتَ مِنْهُ فَافْهَمْ تَسْتَفِدْ]

    هذا البيت إيضاح لتصريف الفعل السابق (وتَد)؛ فالمضارع هو (يَتِد) والمصدر (وَتْد) بسكون التاء، والأمر هو (تِدْ) مثل الذي ذكر في البيت 168.
    وقول الناظم (فافهم تستفد) فيه الإشارة إلى التدبر والتفكر في هذه التصاريف للأفعال؛ لأن حفظ العلم لا بد فيه من كثرة الممارسة والتدريب والتكرار والإعادة بطرق مختلفة حتى يحصل من مجموع ذلك ملكة علمية راسخة في الصدر لا تزول مع الأوقات، ولا تتأثر بالتشكيكات، ولا تعتريها الشبهات، وطلبة العلم في هذا العصر أحوج ما يكونون إلى ذلك؛ لكثرة ما نراه من الأقوال الشاذة والآراء العجيبة والشبهات المتكاثرة.
    وقد ذكرتُ مرارا من قبل أن هذه الأشياء وإن كانت قياسية معروفة في علم التصريف إلا أن ثعلبا وغيره لا يلتفتون إلى مثل هذا؛ لأن غرضهم إفادة المتعلم، والقوانين الصرفية المجملة لا ترسخ في الذهن إلا بالتطبيق، وشتان بين معرفة الأمور مجملة ومعرفتها مفصلة، قال الشارح:
    (والناظم تابع في ذلك لأصله، وقد بُحِث معه بأن هذا من الأمور القياسية التي لا تخفى، فالصواب عدم التعرض لها. ويجاب بأن كونها معروفة مقيسة غير خافية إنما هو في علم التصريف، ولا يلزم كلَّ ناظر في هذا الكتاب معرفتُه، فاللائق بأهل اللغة بيانُ ذلك والتعرض له كما هو شأن أكثرهم).

    [171- وَقَدْ جَهَدْتُ فَرَسِي أَوْ نَاقَتِي ..... حَمَّلْتُهَا فِي السَّيْرِ فَوْقَ الطَّاقَةِ]

    تقول (جهَده) بفتح الهاء في الماضي، (يجهَد) بفتح الهاء في المضارع أيضا، وهو موافق لقاعدة حرف الحلق التي تقدمت معنا مرارا، وصاحب مختار الصحاح يعبر عن هذا التصريف بقوله (من باب قطَع)، وصاحب المصباح المنير يقول (من باب نفَع).
    وبيت الناظم مشابه جدا لكلام ثعلب في الفصيح، والخلاف بينهما أن ثعلبا قال (جهدت دابتي) فعمم كلامه في الدواب، وبيت الناظم يوهم أن ذلك مختص بالفرس أو الناقة، وهو غير صحيح، لكن الناظم مقصوده التمثيل كما تقدم معنا مرارا.
    ومراد ثعلب من هذا أن الفصيح هو الفعل الثلاثي (جهدت دابتي) وليس كما يقول العامة (أجهدت دابتي) بالهمزة من الرباعي، وإن كان ذلك لغة إلا أنها أقل فصاحة.
    ومما يرتبط بهذا الفعل من البحوث التفريق بين (جَهد وجُهد)، وأتركه للقارئ تدريبا وبحثا.

    [172- وَفَرَضَ السُّلْطَانُ لِلْأَجْنَادِ ..... يَفْرِضُ فِي دِيوَانِهِ الْمُعْتَادِ]

    تقول (فرَض) بفتح الراء في الماضي (يفرِض) بكسر الراء في المضارع، ووقع في شرح ابن الطيب الفاسي (بالضم كنصر) وهو سهو مع أنه كرره مرتين في أول شرح البيت وآخره.
    وهذا الفعل له معان كثيرة؛ لكن مراد ثعلب هنا التنبيه على أن استعمال الفعل الثلاثي في المعنى المذكور هو الأفصح؛ لأن العامة تقول (أفرض السلطان لفلان) بالهمزة، والفصيح (فرض) أي أعطاه عطاء ثابتا؛ وهذا المعنى وما يقاربه له ألفاظ عدة تجدها في كلام العلماء ويخفى معناها على كثير من طلبة العلم ؛ فمن ذلك (الرِّزْق)، و(العَطاء) و(الوظيفة) و(المرتب) و(الفريضة) و(التعيين) و(الإقطاع) ونحو ذلك.
    ومعاني كلمة (فرض) في اللغة ترجع كلها إلى أصل القطع وما يتعلق به كما أشار ابن فارس وابن هشام اللخمي وغيرهما.
    وقد ورد الماضي في القرآن كما في قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج}، والمضارع في قوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة}.

    [173- وَصِدْتُ صَيْدًا فَأَنَا أَصِيدُهُ ..... كَقَوْلِهِمْ: كِدْتُ الْفَتَى أَكِيدُهُ]

    تقول (صاد يَصِيد صَيْدا) وتصريفه مثل (باع يبيع بيعا) و(زان يزين زينا) و(سار يسيرا سيرا) و(سال يسيل سيلا) و(عاب يعيب عيبا) و(غاظ يغيظ غيظا) و(كال يكيل كيلا) و(مال يميل ميلا) إلخ..
    وإنما أكثرت من الأمثلة؛ لأن هذه هي الطريقة المثلى في التعلم، ولها أثر واضح في تحقيق العلم وتثبيته في الصدر؛ لأنه يصير بذلك ملكة راسخة لا تزول.
    وقد أشار الناظم إلى هذا المعنى؛ لأنه ذكر فعلا مشابها لهذا الفعل في التصريف تماما، وهو قوله (كقولهم: كدت الفتى أكيده) فقوله (كقولهم) أي في التصريف، ولا يقصد أنه مثله في المعنى.
    وقد ورد الاسم من هذا الفعل في القرآن؛ كما في قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}، وقوله: {أحل لكم صيد البحر وطعامه}، وهو في الأصل مصدر، ولذلك يقع على الواحد والجمع.

    [174- وَقَرَحَ الْبِرْذَوْنُ فَهْوَ يَقْرَحُ ..... قُرُوحًا ايْ كَبِرَ هَذَا الْأَفْصَحُ]

    هذا البيت من زيادات الشيخ الددو حفظه الله، ولم يذكره ابن المرحل، ولم يذكره أيضا ابن أبي الحديد، وإنما نظمه ابن جابر الأندلسي في (حلية الفصيح) فقال:
    وقرَح البرذونُ يعني دخَلا ..... في سادسِ الأعوام فيما نُقِلا
    وسبب الاختلاف في نظمه اختلاف نسخ الفصيح، فبعضها خلا من هذه الزيادة، وفي بعضها ثبت قوله (وقرَح البرذون يقرَح قروحا إذا كبِرت سِنُّه)، وبه يتضح أن نظم الشيخ الددو حفظه الله أقرب إلى نص ثعلب، لكن نظم ابن جابر أدق وأوضح في المعنى.
    وقد وقع في المطبوع (كبُر) بضم الباء وهو خطأ مطبعي؛ وللفائدة فالفعل (كبِر) يكون بكسر الباء إن قصدت به السن، ويكون بضم الباء إن قصدت به العظم أو المكانة أو المنزلة أو الحجم؛ قال تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبَروا} فهذا في السن مفتوح الباء في المضارع؛ لأنه مكسور في الماضي، وقال تعالى: {كبُر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} فهذا في العظم والمنزلة، ويقال أيضا (كبُر فلان في عيني) أي عظم.





















    والله تعالى أعلى وأعلم.

  5. #5
    مشرف منتدى اللغة العربية
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    المشاركات
    1,708
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    [بَابُ فُعِلَ بِضَمِّ الْفَاءِ]

    المقصود من هذا الباب بيان الأفعال التي وردت عن العرب بصيغة المبني للمجهول، ولا يقصد ثعلب ما ورد على صيغة (فُعِل) بخصوصها؛ لأنه ذكر صيغا أخرى من باب المبني للمجهول؛ مثل (أُفْعِلَ) و(استُفْعِل) وغيرها.
    وطالب العلم الذي حصَّل مبادئ (علم الصرف) من قبل، لن يجد صعوبةً في معرفة جميع تصاريف الأفعال في هذا الباب؛ لأنها كلها جارية على القياس، وهذه نماذج منها:
    - فُعِلَ يُفْعَل فهو مَفعول: مثل كُسِر يُكسَر فهو مَكسور
    - أُفْعِلَ يُفْعَل فهو مُفْعَل: مثل أُكرِم يُكرَم فهو مُكرَم
    - افْتُعِلَ يُفتَعَلُ فهو مُفتَعَل: مثل امتُحِن يُمتحَن فهو مُمتحَن
    - استُفعِلَ يُستفعَلُ فهو مُستَفعَل: مثل استُخرِج يُستخرَج فهو مُستخرَج


    [175- وَقَدْ عُنِيتُ بِكَذَا شُغِلْتُ ..... أُعْنَى بِهِ فَعَنْهُ مَا عَدَلْتُ]

    لفظ ثعلب في الفصيح (عُنِيتُ بحاجتك) فغيرها الناظمُ ليستقيم له الوزن، وليكون أعم.
    تقول (عُنِيَ فلانٌ بالشيء) بضم العين وكسر النون؛ كما تقول (قُتِلَ) و(ضُرِبَ)، فهو فعل مبني للمجهول، ويقولون أيضا (مبني للمفعول) أو (مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه).
    والجادة في كلام العرب أن الفعل المبني للمجهول لا بد أن يكون متفرعا عن الفعل المبني للمعلوم؛ فتقول (كَسَرته فكُسِر، وصَنَعتُه فصُنِع، وأَكَلتُه فأُكِل)، إلخ.
    ولا يلزم أن يكون من الأفعال المتعدية، بل قد يكون لازما؛ كما تقول: (ذُهِبَ إلى المسجد، ونِيمَ في البيت، وجُلِسَ على الكرسي)، ومنه قوله تعالى: {يُسبَّح له فيها} على قراءة من فتح الباء.
    ويرِدُ هنا سؤال: ما دامت صيغةُ المبني للمجهول قياسيةً مطردة في كلام العرب، فلماذا ذكر ثعلب هذه الأفعالَ دون غيرها في هذا الباب؟ والجواب: أنه لا يقصد جميع ما ورد عن العرب مبنيا للمجهول قياسا؛ لأن هذا مطرد لا ينحصر، وإنما يقصد ما استُعمِل بهذه الصيغة على غير القياس من جهة المعنى، بأن يكون بمعنى المبني للمعلوم، وأيضا قد يورد ثعلب بعض الأفعال القياسية المطردة لأمر عارض، وذلك إذا كانت العامة تخطئ فيها أو تستعمل خلاف الأفصح لتمام الفائدة.
    وهذا الفعل (عُنِي) عند التأمل ليس من الشواذ؛ لأنك تقول (عَنَاني الشيءُ، وعَنَاني الأمرُ، فعُنِيتُ به) كما تقول (كفاني الشيء، فكُفِيت به)، و(هداني الرجل، فهُدِيت به)، وهكذا.
    ويدل على هذا أنهم فسروا (عُنِيتُ) بقولهم (شُغِلتُ) وهو مبني للمجهول قياسا مطردا بلا خلاف، وبهذا التقرير يظهر أنه لا يصح انتقادُ ثعلب على ذكر بعض الأفعال القياسية في هذا الباب.

    [176- وَأَنَا مَعْنِيٌّ بِهِ، وَمُولَعُ ..... بِالشَّيْءِ مِنْ أُولِعَ فَهْوَ يُولَعُ]

    هذا تمام بيان للفعل السابق بذكر بعض تصاريفه المستعملة في كلام الناس؛ لأن الخطأ (أو خلاف الأفصح) لا يقتصر على الفعل، بل قد يقع في المشتقات أيضا؛ فكما تقول (شُغِلت فأنا مشغول) تقول (عُنِيت فأنا مَعنِيٌّ)، وإنما اشتبه ذلك على العامة لأنه فعلٌ معتل، لكنه يسهلُ فهمُه برَدِّه إلى نظائره؛ كما تقول (رُمِيت فأنا مَرميّ)، و(كُفِيتُ فأنا مَكفيّ)، هذا في الأفعال اليائية، وأما الأفعال الواوية فتقول: (دُعِيتُ فأنا مَدعوّ)، و(بُليتُ فأنا مَبلوّ)، و(تُلِي الكتاب فهو مَتلوّ)، وهكذا.
    وهذه قاعدة عامة تستفيد منها في كثير من مسائل العلم وفي معظم العلوم، وهي تفهُّم المسألة وتدبرها بجمع نظائرها وأشباهها وما يقرب منها ويكون منها بسبب، ولذلك تجد العلماء يؤلفون في (الأشباه والنظائر) أو (الوجوه والنظائر) في علم الفقه، وفي علم التفسير، وفي علم النحو، وغير ذلك.
    وفي هذا البيت أيضا فعلٌ آخر قريب من معنى (عُني) ويستعمل استعمالَه كذلك، وهو (أُولِعَ بالشيء) بضم الهمزة وكسر اللام، والمضارع: (يُولَع) بضم الياء وفتح اللام، ومعناه (شُغِف)، وبهذا التفسير يتضح أنه جارٍ على القياس أيضا؛ لأنه مبني للمفعول، ولذلك تقول: (أَوْلَعْتُ فلانا بالشيء فأُولِع به) مثل (أَغرَيتُه بالشيء فأُغرِي به).
    هذا في الفعل الرباعي، أما الثلاثي فتقول: (ولِع وَلوعًا) بفتح الواو في المصدر شذوذا؛ لأن المصادر في مثل هذا تأتي بضم الأول؛ مثل (خرج خُروجا، وخضع خُضوعا، وقعد قُعودا)، وقد شذ عن هذه القاعدة مصادر قليلة ورد منها في القرآن (قَبول) في قوله تعالى: {فتقبلها ربها بقَبول حسن}، ومنها أيضا (وَزوع)، وأما (الوضوء والطهور والوقود) ففيها خلاف قديم معروف بين العلماء، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في باب المفتوح أوله من الأسماء.

    [177- وَبُهِتَ الْإِنْسَانُ فَهْوَ يُبْهَتُ ..... يَشْخَصُ مِنْ تَعَجُّبٍ وَيَسْكُتُ]

    في بعض النسخ (وبهت الرجلُ) وهو الموافق لكلام ثعلب في الفصيح.
    تقول (بُهِتَ) بضم الباء وكسر الهاء، ومنه قوله تعالى: {فبهت الذي كفر}، وسبب الشذوذ في هذا الفعل أنه لا يجري على المبني للمعلوم منه؛ لأنك تقول (بَهَتَ) بمعنى كذب أو افترى أو نحو ذلك كما في حديث أبي هريرة عند مسلم (إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه)، والمبني للمجهول من هذا المعنى أن تقول (بُهِتَ فلانٌ) أي افتُرِي عليه، وهذا المعنى مخالف لمعنى الفعل الذي هنا.
    ويدل على شذوذه أيضا أن الناظم فسره بفعلين مبنيين للمعلوم بقوله (يَشخَص من تعجب ويَسكت).
    ومنه قول أبي صخر الهذلي:
    فما هو إلا أن أراها فجاءة .... فأُبْهَت لا عرف لدي ولا نكر

    [178- وَوُثِئَتْ يَدُ الْفَتَى فَيَدُهُ ..... مَوْثُوءَةٌ لِأَلَمٍ يَجِدُهُ]

    تقول (وُثِئَت اليد) بضم الواو وكسر الثاء، والمضارع (تُوثَأ) بضم التاء وفتح الثاء؛ كما تقول (وُضِع يُوضَع)، و(وُتِر يُوتَر) كما في الحديث (من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه).
    هذا من جهة التصريف، وأما المعنى فسيأتي تمامه في البيت الذي بعده.

    [179- مِنْ ضَرْبَةٍ يَأْلَمُ مِنْهَا الْعَظْمُ ..... وَقِيلَ بَلْ يُوصَمُ مِنْهَا اللَّحْمُ]

    يقول الناظم إن معنى (وثئت اليد) هو أن تصاب بضربة موجعة، لكن اختلف العلماء في تحديد ذلك أو في قدر ما تصل إليه الضربة، فقيل: (يبلغ الوجع إلى العظم من غير أن ينكسر) وقيل: (يصاب منها اللحم دون العظم)، وقوله (يوصم) معناه يألم، أو يعاب من الوَصْمَة.

    [180- وَشُغِلَ الْإِنْسَانُ عَنَّا، وَشُهِرْ ..... أَيْ أَمْرُهُ فِي النَّاسِ بَادٍ قَدْ ظَهَرْ]

    تقول (شُغِل فلان يُشغَل) ومعناه معروف، وتقول في تفسيره: (انشغل) وهذا من الأدلة على أنه مبني للمفعول قياسا؛ لأن وزن (انفعل) من صيغ المطاوعة؛ كما تقول (كسرته فكُسِر، وانكسر)، و(قطعته فقُطِع، وانقطع)، و(فتحته ففُتِح، وانفتح)، و(فصلته ففُصِل وانفصل)، وهكذا.
    وقد سبق ذكرُ هذا الفعل في الباب السابق (باب فعلت بغير ألف) عند قول الناظم:
    149- وحزن الأمر وأمرٌ شَغَلَا .... وقد شفى الرحمن هذا الرجلا
    وهذا دليل واضح على أن ثعلبا لا يقصد بذكر هذا الفعل في باب فُعِل أنه ملازم لصيغة المبني للمجهول، وإلا لما ذكر المبني للمعلوم فيما سبق.
    وقد سبق أيضا ذكر هذا الفعل عرضا عند قول الناظم:
    32- وقد ذَهَلت عنك أي شُغِلت .... وقيل قد نسيت أو غفلت
    ولعل مراد ثعلب بذكر هذا الفعل (شغل) في هذا الباب أن العرب تتعجب منه على صيغة ما لم يسم فاعله فيقولون: (ما أَشْغَلَه) أي ما أكثر شغله، وهذا شاذ؛ لأن من شروط التعجب أن يكون الفعل المتعجب منه مبنيا للمعلوم؛ كما قال ابن مالك:
    وصُغهما من ذي ثلاث صُرفا .... قابلِ فضل تم غيرِ ذي انتفا
    وغيرِ ذي وصف يضاهي أشهلا .... وغيرِ سالكٍ سبيلَ فُعِلا

    وتقول (شُهِرَ فلانٌ) بضم الشين وكسر الهاء، (يُشْهَر) بضم الياء وفتح الهاء، فهو (مشهور)، وهذا الفعل قياسي؛ لأنك تقول في المبني للمعلوم (شَهَرْتُ فلانا فشُهِر) أي جعلته مشهورا، والمطاوع منه تقول (اشْتَهَر) بفتح التاء والهاء على صيغة الفاعل؛ لأنه فعل مطاوع، ويجوز أيضا أن تقول (اشتُهِر) بالبناء للمفعول سماعا عن العرب؛ لأن الفعل (اشتهر) يستعمل لازما ومتعديا، لكن الأكثر استعمالا في كلام العرب استعماله لازما بمعنى (شُهِر)، وهو أيضا الموافق للقياس؛ لأنه مطاوع (شَهَر).

    ووقع في بعض نسخ الفصيح زيادة الفعل (ذُعِرَ)، وهو قياسي؛ لأنك تقول (ذَعَرتُ فلانا أذعَرُه) أي أخفته، وذُعِر يُذعَر فهو مذعور.

    [181- وَدَمُ زَيْدٍ طُلَّ أَيْ لَمْ يُقْتَلِ ..... قَاتِلُهُ وَلاَ وُدِيْ بِجَمَلِ]

    هذا من المواضع القليلة التي فسرها ثعلب؛ إذ قال كما ورد في بعض النسخ: (وقد طُلَّ دمه فهو مطلول: إذا لم يُدرَك بثأره)، ويحتمل أن يكون ثعلب قد قاله في أثناء قراءة الفصيح عليه فأضافه بعضهم للنسخة؛ لأنه لا يوجد في أكثر النسخ.
    وقوله (وُدِيْ) بسكون الياء لضرورة الشعر، وحقه أن يبنى على الفتح لأنه فعل ماض غير متصل بشيء، وهذه الضرورة مستساغة كثيرة في الشعر، لا تستقبح.
    وقوله (وُدِي) مشتق من الدية التي عادة تكون بالجِمال كما أشار الناظم، فقوله (بجمل) من باب التمثيل، ومن باب التوضيح كذلك؛ كي لا يقع في الكلام تصحيف.
    وتفسير (طُل) بـ(لم يُقتل قاتله) و(لا وُدِي) يدل على أنه فعل قياسي في بنائه للمجهول، ولذلك تقول (طَلَلْتُ دم فلان فطُلَّ) أي أهدرته، وأضعته، ولم أجعل فيه دية، وإنما ذكره ثعلب لأن بعض الناس يقول (طَلَّ دمُه) أو (أُطِل دمه)، والفصيح هو (طُل) كما ذكر.
    وقد ورد هذا الفعل في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، فقال ولي المرأة: (كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلّ) أي يهدر ولا تكون له دية.
    وقال الحارث بن حلزة في معلقته:
    ثم خيلٌ من بعد ذاك مع الغَلَّـ ..... ـاق لا رأفةٌ ولا إبقاءُ
    ما أصابوا من تَغلَبي فمطلو .......... لٌ عليه إذا أُصِيبَ العفاءُ
    أي أن كل من أصابوا من بني تغلب فقد طل دمه، أي أهدر ليس له من ينتصر له، ولا من يأخذ بثأره.

    [182- وَمِثْلُهُ أُهْدِرَ، لَكِنْ فُرِّقَا ..... بَيْنَهُمَا فِي الشَّرْحِ لَمَّا حُقِّقَا]

    قوله (ومثله أُهدِر) أي ومثل الفعل السابق (طُل) فكلاهما بمعنى واحد كما سبقت الإشارة.
    وقد ذكر ثعلب اسم المفعول (مُهدَر) لأن كتابه موضوع للتعليم، ولم يذكره الناظم لوضوحه.
    والعرب عندها كثير من الألفاظ في هذا المعنى؛ لأن القتال كان كثيرا بين القبائل، ومن لوازمه أمرُ الديات وتحصيلها أو إهدارها، ومن هذه الألفاظ (جُبَار) بضم الجيم وفتح الباء المخففة، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم (العجماءُ جبار، والبئرُ جبار، والمعدِنُ جبار، وفي الركاز الخمس)، أي أن ذلك مُهدَر شرعا، ولا تجب الديةُ فيه.
    ومن ذلك حديث يعلى بن أمية عند البخاري ومسلم (كان لي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما إصبع صاحبه فانتزع إصبعه فسقطت ثنيته، فانطلق إلى النبي فأَهْدَرَ ثَنِيَّتَه)
    وبعضُ العلماء فرق بين (طُل) و(أهدر) كما سيأتي في البيت الذي بعده.

    [183- فَقِيلَ فِي طُلَّ مَقَالٌ وَاحِدُ ..... وَقِيلَ فِي أُهْدِرَ أَمْرٌ زَائِدُ]

    القائل هو ابن درستويه كما سيأتي، وقوله (مقال واحد) أي أنه هو المعنى نفسه المذكور سابقا في البيت (181)، وأما (أهدر) ففيه زيادة معنى ستأتي.

    [184- فَإِنَّهُ الْمُبَاحُ مِنْ سُلْطَانِ ..... أَوْ غَيْرِهِ فَالْقَتْلُ فِي أَمَانِ]

    في بعض النسخ (بأنه) وهو أوضح في المعنى، والمقصود (فإن أهدر تقال في المباح ...) إلخ.
    قال ابن درستويه: (إلا أن بين طُل وأُهدِر فرقا؛ وهو أن الإهدار إنما هو الإباحة من سلطان أو غيره لدم إنسان ليقتل بغير مخافة من قود أو دية أو طلب به).
    يقصد أن (طُل) تكون بعد حصول القتل بإسقاط الدية، و(أُهدِر) تكون قبل حصوله، فلا يخشى القاتل المطالبة بالدية أو القصاص.






    [تابع باب فُعِل]

    تقدم معنا في الحلقة السابقة أن هذا الباب كله (باب فُعِل) جار في تصريفه على القياس؛ فتقول (فُعِلَ يُفْعَلُ) في الثلاثي، و(أُفْعِلَ يُفْعَلُ) في الرباعي، ونحو ذلك.

    [185- وَوُقِصَ الْإِنْسَانُ وَقْصًا أَيْ صُرِعْ ..... فَانْكَسَرَتْ عُنُقُهُ لَمَّا وَقَعَ]

    نص كلام ثعلب (وُقِص الرجلُ إذا سقط عن دابته فاندقَّت عنقُه فهو موقوصٌ)، ففسر الفعل بقوله (سَقَط) المبني للمعلوم، وفسره الناظم بقوله (صُرِع) المبني للمجهول، والمعنى فيهما قريب، لكن نستفيد من ذلك أن هذا الفعل جارٍ على القياس؛ لأنك تقول (وَقَصَ الشيءُ العنقَ يَقِصُها) أي كسرها (فوُقِصَت العنقُ) أي انكسرت، وفي البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: بينما رجل واقفٌ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوَقَصَتْه ناقتُه؛ أي كسَرت عنقَه، وفي حديث أنس رضي الله عنه أن ابنة ملحان ركبت دابتها فوَقَصَت بها؛ أي رَمَت بها. وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم (أُتِي بفرس فركبه رجلٌ فجعل يتَوَقَّص به) أي يتحرك ويتوثب، كأنه يريد أن يلقيه ليَقِصَه.
    وربما يكونُ ثعلب قد وضع هذا الفعل في هذا الباب لأن الناس تقول (وَقِص الإنسانُ) أو (وَقِصت العنقُ) بفتح الواو، وهناك احتمال ثانٍ؛ أن يكون وضعه بسبب أن هذا الفعل خالف جادةَ القياس؛ لأن فيه نسبة الوَقْص للإنسان بدلا من العنق؛ فكأنك قلت (وُقِصَ الإنسانُ عُنُقَه) كما تقول (سَفِه نَفْسَه) و(غَبِنَ رأيَه) كما سيأتي، وهناك احتمال ثالث، وهو أنه قد سُمع عن العرب (واقصة) بمعنى موقوصة؛ كما في أثرٍ عن علي رضي الله عنه أنه قضى في الواقصة والقامصة والقارصة بالدية أثلاثًا، ولكن هذا الوجه الأخير فيه نظر؛ لأن ثعلبا قد نص على أن الفصيح هو (موقوص).
    ومن العجيب أن أكثر الشراح في هذا الموضع تكلموا باختصار عن (الوقص) الذي هو المقصود من السياق، وأطالوا في الكلام عن (العنق) مع ورودها عرضا في كلام ثعلب!

    [186- وَوُضِعَ الْإِنْسَانُ فِي الْبَيْعِ خَسِرْ ..... وَمِثْلُهُ وُكِسَ أَيْضًا؛ فَاعْتَبِرْ]

    تقول (ذهبت إلى السوق متاجرا فوُضِعْتُ مائةَ دينار)، وتقول (لم أوفَّق في هذه الصفقة إذ وُكِستُ فيها) ومعناهما جميعا خسرت كما ذكر الناظم.
    وقوله (فاعتبر) فيه إيجاز وبلاغة لأنه مناسب للمقام من جهتين: من جهة تفسير اللفظين وتقارب معنييهما، فكأنه يقول: اعتبر كلا منهما بالآخر في التفسير والتصريف، ومن جهة المعنى والتطبيق، فكأنه يقول: اعتبر ذلك في حياتك، فلا تقع في مثل هذه الخسارة.
    وفي الصحيحين من حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له فارتفعت أصواتهما في المسجد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (ضَعِ الشطر)، فقد يكون اشتقاق (وُضِعَ في البيع) من هذا؛ لأنك تقول (اشتريتُ هذا الشيء بمائة وبعته بخمسين، فوَضَعتُ من سعره الشطرَ).
    وقد يكون ثعلب وضع هذا الفعل في هذا الباب لأن بعض الناس يقول (وَضِع) بفتح الواو، ويحتمل أن يكون قد وضعه لسبب آخر، وهو أنه لا يتصرف؛ فلا يقال (فلان موضوع في تجارته) كما يقال (سُقِط في يده) ولا يقال (مسقوط في يده).
    وتقول (وكَسه) بفتح الكاف في الماضي، (يَكِسُه) بكسر الكاف في المضارع، أي نقصه في السعر، ومن الشائع في كلام الناس (باعه بأوكس الأسعار) أي أدناها، وفي حديث ابن عمر عند مسلم (من أعتق عبدا بينه وبين آخر، قوم عليه قيمة عدل، لا وَكْسَ ولا شطط)، أي لا يُنقص عن حقه فيخسر، ولا يُزاد فيه فيطغى.
    وإنما ذكر ثعلب هذا الفعل في هذا الباب لأن العامة تقول (أُوكِست) بالهمزة من الرباعي، وهي لغة حكاها بعض العلماء، لكن الفصيح (وُكِس).

    [187- وَغُبِنَ الْإِنْسَانُ فِيهِ خُدِعَا ..... غَبْنًا، وَفِي الرَّأْيِ بِفَتْحٍ سُمِعَا]

    قوله (فيه) أي في البيع السابق ذكره في البيت الذي قبله، فالحاصل أنك تقول (وُضِع، ووُكِس، وغُبِن) كله بمعنى خسر في البيع، أو خُدع في البيع، أو انتقص في قيمة السلعة عن رأس المال.
    وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، أي مخدوع عن عقله، كما يخدع التاجر في البيع.
    ولكن الفعل (غبن) يستعمل في غير البيع، ولذلك قال (وفي الرأي بفتح سمعا) أي ويستعمل هذا الفعل (غبن) في باب الرأي، لكنه يكون في هذا المعنى بفتح الغين (غَبِنَ)، وسيأتي توضيح ذلك في البيت بعده.

    [188- تَقُولُ: قَدْ غَبِنَ زَيْدٌ رَأْيَهُ ..... وَالْمَصْدَرُ الْغَبَنُ، حَسِّنْ وَعْيَهُ]

    وقع في المطبوع (غُبِن) بضم الغين، والصواب الفتح؛ لأن المراد من هذا البيت إيضاح استعمال الفعل (غَبِن) الذي أشار في البيت قبله إلى أنه بفتح الغين في باب الرأي، بخلاف (غُبِن) المضموم العين في باب البيع؛ فتقول (غَبِنَ الرجلُ رأيَه) أي صار ضعيف الرأي، قليل الحكمة والتصرف في الأمور، ولذلك ختم الناظم البيت بقوله (حَسِّنْ وعيَه) أي لعلاج هذه الآفة التي أصابته.
    وقوله (والمصدر الغبَن) أي بفتح الباء، بخلاف مصدر الفعل السابق فهو (الغبْن) بالسكون؛ كما في البيت (187).
    وقول العرب (غبِن رأيَه) هو مثل (سفِه نفسَه) و(جهِل أمرَه) و(وجِع بطنَه)، وفي تفسير مثل هذه الأفعال أقوال عند العلماء:
    القول الأول: أن معناها (غبن الشخصُ في رأيه)، و(سفِه هو في نفسه) و(جهل الإنسان في أمره)، و(ووجع المرء في بطنه). والعلماء يعبرون عن ذلك بقولهم (منصوب على نزاع الخافض) أو (منصوب على إسقاط الجار)؛ كما تقول (ذهبتُ الشامَ)، و(مررت الديارَ)، و(قعدتُ البيتَ) .. إلخ.
    وجمهور العلماء على أن هذا مقصور على السماع، كما قال ابن مالك:
    وعَدِّ لازمًا بحرف جر ........ وإن حُذف فالنصبُ للمُنجر
    نقلا وفي أنَّ وأنْ يَطردُ ........ مع أمْنِ لبسٍ كعجبتُ أن يدوا
    فقوله (نقلا) إشارة إلى قصر ذلك على السماع.
    القول الثاني: أن هذه الأفعال وإن كانت لازمة إلا أنها صارت متعدية في هذا الموضع، وما بعدها مفعول به، فيكون التقدير (غبِن رأيَه) أي (أضاعَ رأيَه)، وفي (سفِه نفسَه) جعل نفسه سفيهة، وهكذا.
    القول الثالث: أن هذه المنصوبات كلها من باب التمييز؛ كأنك قلت (غبن رأيًا) و(سفه نفسًا).
    وهذا الفعل (غَبِنَ) ليس له علاقة بباب (فُعِل)، وإنما أدرجه ثعلب في هذا الباب ليبين الفرق بينه وبين (غُبِن) حتى لا يختلط على طالب العلم.

    [189- وَهُزِلَ الرَّجُلُ فَهْوَ يُهْزَلُ ..... وَغَيْرُهُ فَالْجِسْمُ مِنْهُ يَنْحَلُ]

    قول الناظم (وغيرُه) له علاقةٌ بقول ثعلب (وهُزِل الرجلُ والدابة) لكن كلام ثعلب أدق؛ لأن الهزال لا يستعمل في الجمادات مثلا، وسيأتي تفسيره في البيت بعده.
    وقد علم من كلام الناظم أن الصواب أن تقول (هُزِلَت الدابة)، والعامة تقول (هَزُلَت)، وهذا الفعل يستعار للدلالة على ابتذال الشيء وقلة قيمته عند الناس؛ مثل الدابة المهزولة التي لا يرغب أحد في شرائها؛ ومن ذلك الأبيات المشهورة:
    تصدَّر للتدريس كلُّ مهوَّس ........ بليدٍ تَسمَّى بالفقيه المدرسِ
    فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثَّلوا ........ ببيتٍ قديم شاع في كل مجلسِ
    لقد هُزِلَت حتى بدا من هُزالها ....... كُلاها وحتى سامها كل مُفلسِ

    [190- مِنَ الْهُزَالِ وَهْوَ ضِدُّ السِّمَنِ ..... وَقَدْ نُكِبْتُ مَرَّةً فِي الزَّمَنِ]

    يقول الناظم إن الفعل السابق ذكره (هزل الرجل) هو من (الهُزَال) الذي هو ضد السمن، وهذا من تفسير الشيء بضده لوضوحه؛ كما تقول (الكبير ضد الصغير) و(الطويل ضد القصير) و(السمين ضد النحيف) و(العظيم ضد الضئيل) و(الكثير ضد القليل) وهكذا.
    فالتفسير بالمضاد طريقة نافعة، ومنهج مسلوك عند أهل العلم، ولا يقال فيه (إنه من الدَّور بناءً على أن كلا منهما يفسر بالآخر)؛ لأن المقصود بيانُ الشيء بذكر لازمه أو بذكر مقتضاه، لأن تصور معنى (الكبير) يستلزم أو يقتضي تصور معنى (الصغير)، وتصور معنى (السمين) يستلزم تصور معنى (النحيف)، وهكذا.
    وهذا النوع من اللوازم يسمى اللازم الذهني؛ لأن اللوازم ثلاثة أنواع: لازم خارجي فقط، ولازم ذهني فقط، ولازم ذهني وخارجي معا؛ كما قال عبد السلام في توشيحه على السلم:
    في الذهن والخارجِ لازمٌ دُعي ..... مثالُه زوجيَّةٌ للأربعِ
    ولازمُ الذهنِ فقط كالبصَرِ ...... له العمى مُستلزِم التصوُّر
    ولازمُ الخارج كالسوادِ ........ للزنجِ والغرابِ أمرٌ بادِ
    وقوله (نُكِبت) أي أصبت بنكبة، كما سيأتي.

    [191- وَكَمْ تَرَى مِنْ رَجُلٍ مَنْكُوبِ ..... بِحَادِثٍ وَأَلَمٍ مُصِيبِ]

    هذا البيت مثال على الفعل (نُكِبَ يُنْكَبُ نَكْبًا)، فهو (منكوب)، وأصابته (نَكْبة)، وهي المصيبة أو الحادث أو الألم كما هو ظاهر من تمثيل الناظم؛ ومن المترادفات أيضا في هذا الباب ما ذكره ابن نبهان الحضرمي في نظم المترادف بقوله:
    كعَثْرةٍ تورُّطٌ ونكبةُ ...... بليَّةٌ ومِحنةٌ وسَقْطةُ
    وزَلَّةٌ وهَفْوةٌ وكَبْوةُ ...... وفَلْتةٌ وفَرْطةٌ ونَبْوةُ
    مصائبٌ ومثلُها الخُطوبُ ....... مُلِمَّة نوائبٌ تنوبُ
    بَواتِرٌ جَوائِحٌ قَواصِمُ ....... بَوائقٌ قَوارِعٌ عَظائِمُ
    فَجائِعٌ نَوازِلٌ رَزايا ....... عنَّا اصرِفَنَّ الكل يا مولايا
    وذهب بعض العلماء إلى أن (نُكِبَ) مشتق من (المَنكِب) أي كأنه قد أصيب منكبُه، وقد تكرر ذكر المنكب في الحديث كثيرا؛ كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه.
    وبوَّب البخاري في صحيحه (باب من يُنكَب في سبيل الله)، وفي صحيح مسلم عن جندب بن سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم (نُكِبَت إصبعُه) أي أصيبت، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    هل أنتِ إلا إصبَعٌ دَميتِ ........ وفي سبيل الله ما لَقِيتِ
    وبعض الناس يخطئ في نطق هذا الحديث، فيقول: (هل أنتَ إلا إصبع دميتَ ..).
    وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (في كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها).

    [192- وَحُلِبَتْ نَاقَةُ زَيْدٍ تُحْلَبُ ..... وَقِيلَ فِي الْمَصْدَرِ مِنْهُ: الْحَلَبُ]

    تقول (حَلَب الناقةَ) بفتح اللام في الماضي، (يحلُبها) بضم اللام في المضارع، وهو أشهر من كسرها.
    ونص كلام ثعلب (حُلِبت ناقتُك وشاتُك)، فحذف الناظم (الشاة) واكتفى بالناقة، وصنيع الناظم أحسن وأقرب للفهم؛ لأن الحلب لا يقتصر على الناقة والشاة بل يشمل البقر، فالجادة أن يُكتفى في التمثيل بواحد، أو يحصر الجميع إن أريد الحصر، أما التمثيلُ باثنين فقد يوهم السامع أن الحلب يقتصر استعماله على الناقة والشاة.
    وقياس المصدر أن يكون (حَلْبًا) بسكون اللام؛ كما قال ابن مالك:
    فَعْلٌ قياس مصدر المعدى ....... من ذي ثلاثة كرد ردا
    لكن المسموع في مصدر هذا الفعل هو الحَلْب بسكون اللام والحَلَب أيضًا بفتح اللام، وبعض العلماء قال: الصواب الفتح فقط ولا يجوز التسكين، وأشار إليه الناظمُ بقوله (وقيل في المصدر منه الحَلَب)، وفيه قول آخر سيأتي في البيت القادم.

    [193- وَقِيلَ: إِنَّ الْحَلَبَ الْحَلِيبُ ..... مِنْ لَبَنٍ وَذَلِكَ الْمَحْلُوبُ]

    هذا البيت تتمة للبيت السابق الذي أشار فيه الناظم إلى أن المصدر قيل فيه (حلَب) بفتح اللام، أي وقيل أيضًا إن هناك فرقًا بين (الحلْب والحلَب)؛ فالأول هو المصدر والثاني: هو الحَلِيب أي اللبن، وهو فعيل بمعنى مفعول، وإليه أشار الناظم بقوله (وذلك المحلوب).

    [194- وَرُهِصَ الْحِمَارُ أَوْ سِوَاهُ ..... بِحَجَرٍ فِي حَافِرٍ آذَاهُ]

    تقول (رهَص الحجرُ الحمارَ) بفتح الهاء في الماضي، (يرهَصه) بفتح الهاء في المضارع، هكذا مقتضى القياس لوجود حرف الحلق، ولم أقف على ضبط المضارع في كتب اللغة.
    ونص ثعلب (رهصت الدابة) فغيرها الناظم إلى (الحمار) لأنه هو الدابة في العرف، ولأن المقصود التمثيل لا الحصر اتفاقا، ومراد ثعلب أن الأفصح بناء هذا الفعل للمجهول، لأنه قد يقال أيضا (رَهِصت الدابة) و(أرهصت)، وكله جائز لكن ما ذكره ثعلب أفصح.

    [195- وَقِيلَ فِي الرَّهْصَةِ: مَاءٌ يَنْزِلُ ..... فِي رُسْغِهِ؛ كِلاَهُمَا يَحْتَمِلُ]

    وقع في المطبوع (رصغه) بالصاد سهوًا، والصواب (رسغه) بالسين، وكذلك هو في النسخ المخطوطة وفي مخطوط الشرح أيضا. وإن كان (الرصغ) بالصاد لغة، لكنه بالسين أفصح وأشهر، وبعض العلماء جعل الصاد من كلام العامة.
    وقد وقع هذا البيت في المطبوع بعد البيت الآتي، والأنسب فيما أرى أن يكون هذا موضعه؛ لأنه ما زال في تفسير اللفظ لم ينته منه، وكذلك وقع الترتيب في أضبط النسخ المخطوطة وفي مخطوط الشرح أيضا. وقد سقط البيتان جميعا من بعض النسخ.
    والمقصود من البيت كما هو ظاهر ذكر تفسير آخر أو معنى آخر لـ(رُهِص الحمار) أو (رُهِصت الدابة)؛ لأن بعض العلماء قال إن (الرهصة) هي الإصابة بالحجر أو نحوه، وبعضهم قال: (بل هو مرض يصيب الدابة ينتج عنه ماء يوجد في رسغها، فيداوى باستخراجه).

    [196- فَقُلْ: رَهِيصٌ مِنْهُ أَوْ مَرْهُوصُ ..... كِلاَهُمَا فِي وَصْفِهِ مَنْصُوصُ]

    وقع هذا البيت في المطبوع قبل البيت السابق كما بينتُ فيه.
    ونص كلام ثعلب (فهي –أي الدابة- مرهوصة أو رهيص) ومنه يظهر أن هذا الفعل جار على القياس في بنائه للمفعول، وليس فيه شذوذ من هذه الجهة، وقول الناظم (كلاهما في وصفه منصوص) أي أن ثعلبا قد نص عليها في الفصيح، فلا تعترض عليه بأن هذا البيت لا داعي له لأنه مجرد تصريف قياسي؛ كما تقول (جُرِح فهو مجروح وجريح)، و(قتل فهو مقتول وقتيل)، و(كُسِر فهو مكسور وكسير)، وقد استفدنا من كلام ثعلب فائدة زائدة على كلام الناظم، وهو أن وزن (فعيل) يستعمل بغير تاء للمذكر والمؤنث.


    والله تعالى أعلم.

المواضيع المتشابهه

  1. مختصر الروح لابن القيم
    بواسطة نحو غد مشرق في المنتدى منتدى العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 14-12-2014, 06:16 PM
  2. دفاع عن الفصحى ..
    بواسطة أميرة العفاف في المنتدى منتدى اللغة العربية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 19-10-2012, 08:58 PM
  3. الأبكم الفصيح
    بواسطة اقرأ القرآن وأذكر ربك في المنتدى الوعظ والإرشاد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 03-06-2012, 05:44 AM
  4. مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 03-02-2012, 05:58 AM
  5. الأبكم الفصيح
    بواسطة ْ*عبق زهور*ْ في المنتدى الوعظ والإرشاد
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 10-11-2011, 05:08 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •