K

جديد المنتدي

صفحة 1 من 13 12311 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 11 من 133
  1. #1
    فرسان حملة مسك الوجود الصورة الرمزية راجية الجنة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    ALGER
    المشاركات
    1,870
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.



    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين




    اخواني اخواتي اعضاء المنتدى بفضل الله تعالى


    جمعنا لكم تفسير القرآن الكريم كاملا للسعدي


    تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن)


    المجلد الأول من تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن
    لجامعه الفقير إلى الله‏:‏ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين‏.‏
    مقدمة المؤلف
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذى أنزل على عبده الفرقان الفارق بين الحلال والحرام، والسعداء والأشقياء، والحق والباطل‏.‏
    وجعله برحمته هدًى للناس عمومًا، وللمتقين خصوصًا، من ضلال الكفر والمعاصي، والجهل، إلى نور الإيمان والتقوى والعلم، وأنزله شفاء للصدور من أمراض الشبهات والشهوات ويحصل به اليقين والعلم في المطالب العاليات، وشفاء للأبدان من أمراضها وعللها وآلامها وسقمها‏.‏ وأخبر أنه لا ريب فيه ولا شك بوجه من الوجوه، وذلك لاشتماله على الحق العظيم، في أخباره، وأوامره، ونواهيه، وأنزله مباركًا، فيه الخير الكثير، والعلم الغزير، والأسرار البديعة، والمطالب الرفيعة، فكل بركة وسعادة تنال في الدنيا والآخرة، فسببها الاهتداء به واتباعه، وأخبر أنه مصدق ومهيمن على الكتب السابقة، فما يشهد له فهو الحق، وما رده فهو المردود؛ لأنه تضمنها وزاد عليها، وقال تعالى فيه‏:‏ ‏{‏يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام‏}‏، فهو هاد لدار السلام، مبين لطريق الوصول إليها، وحاثٌّ عليها، كاشف عن الطريق الموصلة إلى دار الآلام ومحذًُر منها، وقال تعالى مخبرًا عنه‏:‏ ‏{‏كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير‏}‏ فبين آياته أكمل تبيين وأتقنها أي إتقان، وفصلها بتبيين الحق من الباطل والرشد من الضلال، تفصيلًا كاشفًا للبس، لكونه صادرًا من حكيم خبير، فلا يخبر إلا بالصدق والحق واليقين، ولا يأمر إلا بالعدل والإحسان والبر، ولا ينهى إلا عن المضار الدينية والدنيوية‏.‏
    وأقسم تعالى بالقرآن ووصفه بأنه ‏"‏مجيد‏"‏ والمجد‏:‏ سعةُ الأوصاف وعظمتها، وذلك لسعة معانى القرآن وعظمتها، ووصفه بأنه ‏"‏ذو الذكر‏"‏ أي يتذكر به العلوم الإلهية والأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة، ويتعظ به من يخشى‏.‏
    وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون‏}‏ فأنزله بهذا اللسان لنعقله ونتفهمه، وأمرنا بتدبره، والتفكير فيه، والاستنباط لعلومه، وما ذاك إلا لأن تدبره مفتاح لكل خير، محصل للعلوم والأسرار‏.‏ فلله الحمد والشكر والثناء، الذى جعل كتابه هدى وشفاء ورحمة ونورًا، وتبصرة وتذكرة، وبركة وهدى وبشرى للمسلمين‏.‏
    فإذا علم هذا، علم افتقار كل مكلف لمعرفة معانيه والاهتداء بها‏.‏
    وكان حقيقًا بالعبد أن يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في تعلمه وتفهمه بأقرب الطرق الموصلة إلى ذلك‏.‏
    وقد كثرت تفاسير الأئمة رحمهم الله لكتاب الله، فمن مُطَوِّل خارج في أكثر بحوثه عن المقصود، ومن مُقَصِّر يقتصر على حل بعض الألفاظ اللغوية‏.

    وكان الذى ينبغي في ذلك، أن يجعل المعنى هو المقصود، واللفظ وسيلة إليه، فينظر في سياق الكلام، وما سيق لأجله، ويقابل بينه وبين نظيره في موضع آخر، ويعرف أنه سيق لهداية الخلق كلهم، عالمهم وجاهلهم، حضريهم وبدويهم، فالنظر لسياق الآيات مع العلم بأحوال الرسول وسيرته مع أصحابه وأعدائه وقت نزوله، من أعظم ما يعين على معرفته وفهم المراد منه، خصوصًا إذا انضم إلى ذلك معرفة علوم العربية على اختلاف أنواعها فمن وفق لذلك لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبره وتفهمه وكثرة التفكير في ألفاظه ومعانيه ولوازمها، وما تتضمنه، وما تدل عليه منطوقًا ومفهومًا، فإذا بذل وسعه في ذلك، فالرب أكرم من عبده، فلابد أن يفتح عليه من علومه أمورًا لا تدخل تحت كسبه‏.‏
    ولما منَّ الباري علىَّ وعلى إخوانى بالاشتغال بكتابه العزيز بحسب الحال اللائقة ‏[‏بنا‏]‏ أحببت أن أرسم من تفسير كتاب الله ما تيسر، وما من به الله علينا، ليكون تذكرة للمحصلين، وآلة للمستبصرين، ومعونة للسالكين ولأقيده خوفَ الضياع، ولم يكن قصدى في ذلك إلا أن يكون المعنى هو المقصود ولم أشتغل في حل الألفاظ والعقود، للمعنى الذى ذكرت، ولأن المفسرين قد كفوا مَنْ بعدهم، فجزاهم الله عن المسلمين خيرًا‏.‏
    والله أرجو، وعليه أعتمد، أن ييسر ما قصدت، ويذلل ما أردت، فإنه إن لم ييسره الله، فلا سبيل إلى حصوله، وإن لم يعن عليه، فلا طريق إلى نيل العبد مأموله‏.‏
    وأسأله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم،
    ‏ اللهم صلِ على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا‏.‏






    أسأل الله تعالى أن ينفعكم به

    [blink]تنبيه هام[/blink] اتمنى فقط عدم الرد الى حين الانتهاء من التفسير كاملا






    تفسير سورة الناس





    تفسير سورة الفلق





    تفسير سورة الإخلاص






    تفسير سورة النصر





    تفسير سورة المسد






    تفسير سورة الكافرون







    تفسير سورة الكوثرو سورة الماعون







    تفسير سورة لإيلاف قريش و سورة الفيل






    تفسير سورة الهمزة وسورة والعصر




    تفسير سورة ألهاكم التكاثر وسورة القارعة




    تفسير سورة العاديات و سورة الزلزلة










    تفسير سورة البينة وسورة القدر




    تفسير سورة العلق و سورة التين






    تفسير سورة الشرح و سورة الضحى




    تفسير سورة والليل و سورة والشمس





    تفسير سورة البلد





    تفسير سورة الفجر



    تفسير سورة الغاشية



    تفسير سورة الأعلى



    تفسير سورة الطارق


    تفسير سورة البروج




    تفسير سورة الانشقاق




    تفسير سورة المطففين
    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=12505




    تفسير سورة الانفطار



    تفسير سورة التكوير
    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=12802



    تفسير سورة عبس





    تفسير سورة النازعات




    تفسير سورة النبأ





    يتبع
    التعديل الأخير تم بواسطة الراحلة إلى الله ; 14-10-2009 الساعة 10:36 AM

  2. #2
    عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا الصورة الرمزية مريم العلي
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    9,317
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي

    التعديل الأخير تم بواسطة مريم العلي ; 15-08-2009 الساعة 11:03 PM

  3. #3
    مصممة مشاركة الصورة الرمزية العراقيـه
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    عابرة سبيل استظل بظل شجرة وسأرحل
    المشاركات
    1,726
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    جزاك الله كل خير

    وجعلها في ميزان حسناتك ان شاء الله

    شكرا على الموضوع الرائع

  4. #4
    فرسان حملة مسك الوجود الصورة الرمزية راجية الجنة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    ALGER
    المشاركات
    1,870
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.

    تفسير سورة المرسلات





    تفسير سورة الإنسان





    تفسير سورة القيامة





    تفسير سورة المدثر





    تفسير سورة المزمل

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=13901



    تفسير سورة الجن

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14022



    تفسير سورة نوح

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14147



    تفسير سورة المعارج

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14302



    تفسير سورة الحاقة

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14445




    تفسير سورة القلم

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14577



    تفسير سورة الملك

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14695



    تفسير سورة التحريم

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14722



    تفسير سورة الطلاق

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14850




    تفسير سورة التغابن

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=14991



    تفسير سورة المنافقين


    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=15168



    تفسير سورة الجمعة

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=15298



    تفسير سورة الصف

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=15465




    تفسير سورة الممتحنة

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=15649




    تفسير سورة الحشر

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=15795



    تفسير سورة المجادلة

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=15918



    تفسير سورة الحديد

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=16119



    تفسير سورة الواقعة

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=16231



    تفسير سورة الرحمن

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=16502



    تفسير سورة القمر

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=16671




    تفسير سورة النجم

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=16802




    تفسير سورة الطور

    http://www.arefe.com/vb/showthread.php?t=16952



    يتبع
    التعديل الأخير تم بواسطة راجية الجنة ; 18-08-2009 الساعة 05:16 PM

  5. #5
    فرسان حملة مسك الوجود الصورة الرمزية راجية الجنة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    ALGER
    المشاركات
    1,870
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.

    تفسير سورة الذاريات





    تفسير سورة ق





    تفسير سورة الحجرات




    تفسير سورة الفتح





    تفسير سورة محمد




    تفسير سورة الأحقاف




    تفسير سورة الجاثية




    تفسير سورة الدخان




    تفسير سورة الزخرف




    تفسير سورة الشورى





    تفسير سورة فصلت




    تفسير سورة غافر






    تفسير سورة الزمر




    تفسير سورة ص





    تفسير سورة الصافات





    تفسير سورة يس




    تفسير سورة فاطر






    تفسير سورة سبأ




    تفسير سورة الأحزاب الجزء 1 و2و الاخير







    تفسير سورة السجدة





    تفسير سورة لقمان الجزء 1




    تفسير سورة لقمان الجزء2









    يتبع

  6. #6

    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    طيبة الطيبة
    المشاركات
    4,498
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.

    بارك الله فيك على جهدك الرائع

    وجعله في ميزان حسناتك

    ووفقك الله للبقية

  7. #7
    الصورة الرمزية خادم السنه ابوعبد الله
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    الجنة أن شاء الله
    المشاركات
    81
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بارك الله فيكم ونفع بكم الامه

  8. #8
    بصمة رائدة الصورة الرمزية حمود العتيبي
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    الكويت
    المشاركات
    16,687
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.

    بارك الله فيك

    وجزاك الله خير الجزاء
    [flash=http://im20.gulfup.com/2012-07-31/1343704000311.swf]WIDTH=300 HEIGHT=240[/flash]

  9. #9
    فرسان حملة مسك الوجود الصورة الرمزية راجية الجنة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    ALGER
    المشاركات
    1,870
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.





    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين


    تفسير سورة الروم




    سورة الـروم ( 135 من 230 )


    وهي مكية
    ‏[‏1 ـ 7‏]‏ ‏‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ‏}‏
    كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال ما يكون بين الدول المتوازنة‏.‏
    وكانت الفرس مشركين يعبدون النار، وكانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون ـ لاشتراكهم والفرس في الشرك ـ يحبون ظهور الفرس على الروم‏.‏
    فظهر الفرس على الروم فغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركو مكة وحزن المسلمون، فأخبرهم اللّه ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس‏.‏
    {‏فِي بِضْعِ سِنِينَ‏}‏ تسع أو ثمان ونحو ذلك مما لا يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث، وأن غلبة الفرس للروم ثم غلبة الروم للفرس كل ذلك بمشيئته وقدره ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ‏}‏ فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر‏.‏
    ‏{‏وَيَوْمَئِذٍ‏}‏ أي‏:‏ يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم ‏{‏يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ‏}‏ أي‏:‏ يفرحون بانتصارهم على الفرس وإن كان الجميع كفارا ولكن بعض الشر أهون من بعض ويحزن يومئذ المشركون‏.‏
    ‏{‏وَهُوَ الْعَزِيزُ‏}‏ الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء‏.‏ ‏{‏الرَّحيم‏}‏ بعباده المؤمنين حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم ما لا يدخل في الحساب‏.‏
    {‏وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ‏}‏ فتيقنوا ذلك واجزموا به واعلموا أنه لا بد من وقوعه‏.‏
    فلما نزلت هذه الآيات التي فيها هذا الوعد صدق بها المسلمون، وكفر بها المشركون حتى تراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على مدة سنين عينوها، فلما جاء الأجل الذي ضربه اللّه انتصر الروم على الفرس وأجلوهم من بلادهم التي أخذوها منهم وتحقق وعد اللّه‏.‏
    وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها اللّه قبل وقوعها ووجدت في زمان من أخبرهم اللّه بها من المسلمين والمشركين‏.‏ ‏{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ أن ما وعد اللّه به حق فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعد الله، ويكذبون آياته‏.‏
    وهؤلاء الذين لا يعلمون أي‏:‏ لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها‏.‏ وإنما ‏{‏يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ فينظرون إلى الأسباب ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده ويتيقنون عدم الأمر الذي لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئا، فهم واقفون مع الأسباب غير ناظرين إلى مسببها المتصرف فيها‏.‏
    {‏وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ‏}‏ قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها وحطامها فعملت لها وسعت وأقبلت بها وأدبرت وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة تشتاق إليها ولا النار تخافها وتخشاها ولا المقام بين يدي اللّه ولقائه يروعها ويزعجها وهذا علامة الشقاء وعنوان الغفلة عن الآخرة‏.‏
    ومن العجب أن هذا القسم من الناس قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ظاهر الدنيا إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب‏.‏
    وأظهروا من العجائب الذرية والكهربائية والمراكب البرية والبحرية والهوائية ما فاقوا به وبرزوا وأعجبوا بعقولهم ورأوا غيرهم عاجزا عما أقدرهم اللّه عليه، فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء وهم مع ذلك أبلد الناس في أمر دينهم وأشدهم غفلة عن آخرتهم وأقلهم معرفة بالعواقب، قد رآهم أهل البصائر النافذة في جهلهم يتخبطون وفي ضلالهم يعمهون وفي باطلهم يترددون نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون‏.‏
    ثم نظروا إلى ما أعطاهم اللّه وأقدرهم عليه من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها و‏[‏ما‏}‏ حرموا من العقل العالي فعرفوا أن الأمر للّه والحكم له في عباده وإن هو إلا توفيقه وخذلانه فخافوا ربهم وسألوه أن يتم لهم ما وهبهم من نور العقول والإيمان حتى يصلوا إليه، ويحلوا بساحته ‏[‏وهذه الأمور لو قارنها الإيمان وبنيت عليه لأثمرت الرُّقِيَّ العالي والحياة الطيبة، ولكنها لما بني كثير منها على الإلحاد لم تثمر إلا هبوط الأخلاق وأسباب الفناء والتدمير‏}‏
    ‏[‏8 ـ 10‏]‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏
    أي‏:‏ أفلم يتفكر هؤلاء المكذبون لرسل اللّه ولقائه ‏{‏فِي أَنْفُسِهِمْ‏}‏ فإن في أنفسهم آيات يعرفون بها أن الذي أوجدهم من العدم سيعيدهم بعد ذلك وأن الذي نقلهم أطوارًا من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى آدمي قد نفخ فيه الروح إلى طفل إلى شاب إلى شيخ إلى هرم، غير لائق أن يتركهم سدى مهملين لا ينهون ولا يؤمرون ولا يثابون ولا يعاقبون‏.‏ ‏{‏مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ‏}‏ ‏[‏أي‏}‏ ليبلوكم أيكم أحسن عملا‏.‏ ‏{‏وَأَجَلٌ مُسَمًّى‏}‏ أي‏:‏ مؤقت بقاؤهما إلى أجل تنقضي به الدنيا وتجيء به القيامة وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات‏.‏
    {‏وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ‏}‏ فلذلك لم يستعدوا للقائه ولم يصدقوا رسله التي أخبرت به وهذا الكفر عن غير دليل، بل الأدلة القاطعة قد دلت على البعث والجزاء، ولهذا نبههم على السير في الأرض والنظر في عاقبة الذين كذبوا رسلهم وخالفوا أمرهم ممن هم أشد من هؤلاء قوة وأكثر آثارا في الأرض من بناء قصور ومصانع ومن غرس أشجار ومن زرع وإجراء أنهار، فلم تغن عنهم قوتهم ولا نفعتهم آثارهم حين كذبوا رسلهم الذين جاءوهم بالبينات الدالات على الحق وصحة ما جاءوهم به، فإنهم حين ينظرون في آثار أولئك لم يجدوا إلا أمما بائدة وخلقا مهلكين ومنازل بعدهم موحشة وذم من الخلق عليهم متتابع‏.‏ وهذا جزاء معجل نموذج للجزاء الأخروي ومبتدأ له‏.‏
    وكل هذه الأمم المهلكة لم يظلمهم اللّه بذلك الإهلاك وإنما ظلموا أنفسهم وتسببوا في هلاكها‏.‏
    {‏ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السوأى‏}‏ أي‏:‏ الحالة السيئة الشنيعة، وصار ذلك داعيا لهم لأن ‏{‏كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ‏}‏ فهذا عقوبة لسوئهم وذنوبهم‏.‏
    ثم ذلك الاستهزاء والتكذيب يكون سببا لأعظم العقوبات وأعضل المثلات‏.


    يتبع

  10. #10
    فرسان حملة مسك الوجود الصورة الرمزية راجية الجنة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    ALGER
    المشاركات
    1,870
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.




    ‏[‏11 ـ 16‏]‏{‏اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ‏}
    يخبر تعالى أنه المتفرد بإبداء المخلوقات ثم يعيدهم ثم إليه يرجعون بعد إعادتهم ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا ذكر جزاء أهل الشر ثم جزاء أهل الخير فقال‏:‏
    {‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ‏}أي‏:‏ يقوم الناس لرب العالمين ويردون القيامة عيانا، يومئذ ‏{‏يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ ييأسون من كل خير‏.‏ وذلك أنهم ما قدموا لذلك اليوم إلا الإجرام وهي الذنوب، من كفر وشرك ومعاصي، فلما قدموا أسباب العقاب ولم يخلطوها بشيء من أسباب الثواب، أيسوا وأبلسوا وأفلسوا وضل عنهم ما كانوا يفترونه، من نفع شركائهم وأنهم يشفعون لهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ‏}التي عبدوها مع اللّه{‏شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ‏}تبرأ المشركون ممن أشركوهم مع اللّه وتبرأ المعبودون وقالوا‏:‏ ‏{‏تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ‏}والتعنوا وابتعدوا، وفي ذلك اليوم يفترق أهل الخير والشر كما افترقت أعمالهم في الدنيا‏.‏
    {‏فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}آمنوا بقلوبهم وصدقوا ذلك بالأعمال الصالحة{‏فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ‏}فيها سائر أنواع النبات وأصناف المشتهيات، ‏{‏يُحْبَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يسرون وينعمون بالمآكل اللذيذة والأشربة والحور الحسان والخدم والولدان والأصوات المطربات والسماع المشجي والمناظر العجيبة والروائح الطيبة والفرح والسرور واللذة والحبور مما لا يقدر أحد أن يصفه‏.‏
    ‏[‏16‏]‏ ‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا‏}وجحدوا نعمه وقابلوها بالكفر ‏{‏وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا‏}‏ التي جاءتهم بها رسلنا{‏فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ‏}فيه، قد أحاطت بهم جهنم من جميع جهاتهم واطَّلع العذاب الأليم على أفئدتهم وشوى الحميم وجوههم وقطَّع أمعاءهم، فأين الفرق بين الفريقين وأين التساوي بين المنعمين والمعذبين‏؟‏‏"‏
    ‏[‏17 ـ 19‏]‏{‏فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏}
    هذا إخبار عن تنزهه عن السوء والنقص وتقدسه عن أن يماثله أحد من الخلق وأمر للعباد أن يسبحوه حين يمسون وحين يصبحون ووقت العشي ووقت الظهيرة‏.‏
    فهذه الأوقات الخمسة أوقات الصلوات الخمس أمر اللّه عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات وما يقترن بها من النوافل، لأن هذه الأوقات التي اختارها اللّه ‏[‏لأوقات المفروضات هي‏}‏ أفضل من غيرها ‏[‏فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها‏}‏ بل العبادة وإن لم تشتمل على قول ‏"‏سبحان اللّه‏"‏ فإن الإخلاص فيها تنزيه للّه بالفعل أن يكون له شريك في العبادة أو أن يستحق أحد من الخلق ما يستحقه من الإخلاص والإنابة‏.‏
    {‏يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ‏} كما يخرج النبات من الأرض الميتة والسنبلة من الحبة والشجرة من النواة والفرخ من البيضة والمؤمن من الكافر، ونحو ذلك‏.‏
    {‏وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ‏}بعكس المذكور{‏وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا‏}فينزل عليها المطر وهي ميتة هامدة فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ‏{‏وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ‏}‏ من قبوركم‏.‏
    فهذا دليل قاطع وبرهان ساطع أن الذي أحيا الأرض بعد موتها فإنه يحيي الأموات، فلا فرق في نظر العقل بين الأمرين ولا موجب لاستبعاد أحدهما مع مشاهدة الآخر‏.‏
    ‏[‏20 ـ 21‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}
    هذا شروع في تعداد آياته الدالة على انفراده بالإلهية وكمال عظمته، ونفوذ مشيئته وقوة اقتداره وجميل صنعه وسعة رحمته وإحسانه فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ‏}‏ وذلك بخلق أصل النسل آدم عليه السلام{‏ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ الذي خلقكم من أصل واحد ومادة واحدة‏}‏ وبثكم في أقطار الأرض ‏[‏وأرجائها ففي ذلك آيات على أن الذي أنشأكم من هذا الأصل وبثكم في أقطار الأرض‏}‏ هو الرب المعبود الملك المحمود والرحيم الودود الذي سيعيدكم بالبعث بعد الموت‏.‏
    ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ‏}‏ الدالة على رحمته وعنايته بعباده وحكمته العظيمة وعلمه المحيط،{‏أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا‏}تناسبكم وتناسبونهن وتشاكلكم وتشاكلونهن{‏لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً‏} بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة‏.‏
    فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، {‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}يُعملون أفكارهم ويتدبرون آيات اللّه وينتقلون من شيء إلى شيء‏.‏
    ‏[‏22‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ‏}
    والعَالِمُون هم أهل العلم الذين يفهمون العبر ويتدبرون الآيات‏.‏ والآيات في ذلك كثيرة‏:‏ فمن آيات خلق السماوات والأرض وما فيهما، أن ذلك دال على عظمة سلطان اللّه وكمال اقتداره الذي أوجد هذه المخلوقات العظيمة، وكمال حكمته لما فيها من الإتقان وسعة علمه، لأن الخالق لا بد أن يعلم ما خلقه{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ‏}وعموم رحمته وفضله لما في ذلك من المنافع الجليلة، وأنه المريد الذي يختار ما يشاء لما فيها من التخصيصات والمزايا، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ويوحد لأنه المنفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة، فكل هذه أدلة عقلية نبه اللّه العقول إليها وأمرها بالتفكر واستخراج العبرة منها‏.‏
    ‏{‏و‏}‏ كذلك في {‏اخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ‏}على كثرتكم وتباينكم مع أن الأصل واحد ومخارج الحروف واحدة، ومع ذلك لا تجد صوتين متفقين من كل وجه ولا لونين متشابهين من كل وجه إلا وتجد من الفرق بين ذلك ما به يحصل التمييز‏.‏ وهذا دال على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته‏.‏
    و‏[‏من‏}‏ عنايته بعباده ورحمته بهم أن قدر ذلك الاختلاف لئلا يقع التشابه فيحصل الاضطراب ويفوت كثير من المقاصد والمطالب‏.‏
    ‏[‏23‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏}
    أي‏:‏ سماع تدبر وتعقل للمعاني والآيات في ذلك‏.‏
    إن ذلك دليل على رحمة اللّه تعالى كما قال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}وعلى تمام حكمته إذ حكمته اقتضت سكون الخلق في وقت ليستريحوا به ويستجموا وانتشارهم في وقت، لمصالحهم الدينية والدنيوية ولا يتم ذلك إلا بتعاقب الليل والنهار عليهم، والمنفرد بذلك هو المستحق للعبادة‏.‏
    ‏[‏24‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}
    أي‏:‏ ومن آياته أن ينزل عليكم المطر الذي تحيا به البلاد والعباد ويريكم قبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخَاف ويُطْمَع فيه‏.‏
    {‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ‏} ‏[‏دالة‏}‏ على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها‏.‏
    ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ لهم عقول تعقل بها ما تسمعه وتراه وتحفظه، وتستدل به عل ما جعل دليلا عليه‏.‏
    ‏[‏25 ـ 27‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏}
    أي‏:‏ ومن آياته العظيمة أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا، يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض إذا هم يخرجون{‏لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ‏}
    {‏وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏} الكل خلقه ومماليكه المتصرف فيهم من غير منازع ولا معاون ولا معارض وكلهم قانتون لجلاله خاضعون لكماله‏.‏
    {‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ‏}أي‏:‏ الإعادة للخلق بعد موتهم ‏{‏أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}‏ من ابتداء خلقهم وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول، فإذا كان قادرا على الابتداء الذي تقرون به كانت قدرته على الإعادة التي أهون أولى وأولى‏.‏
    ولما ذكر من الآيات العظيمة ما به يعتبر المعتبرون ويتذكر المؤمنون ويتبصر المهتدون ذكر الأمر العظيم والمطلب الكبير فقال‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏}وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة والمحبة والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده المخلصين والذكر الجليل والعبادة منهم‏.‏ فالمثل الأعلى هو وصفه الأعلى وما ترتب عليه‏.‏
    ولهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري قياس الأولى، فيقولون‏:‏ كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه فتنزيه الخالق عنه من باب أولى وأحرى‏.‏
    {‏وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم‏}أي‏:‏ له العزة الكاملة والحكمة الواسعة، فعزته أوجد بها المخلوقات وأظهر المأمورات، وحكمته أتقن بها ما صنعه وأحسن فيها ما شرعه‏.‏
    ‏[‏28 ـ 29‏]‏ ‏{‏ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ‏}‏
    هذا مثل ضربه اللّه تعالى لقبح الشرك وتهجينه مثلا من أنفسكم لا يحتاج إلى حل وترحال وإعمال الجمال‏.
    {‏هَلْ لَكُمْ ممَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ‏}أي‏:‏ هل أحد من عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم وترون أنكم وهم فيه على حد سواء‏.‏
    {‏تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ‏} أي‏:‏ كالأحرار الشركاء في الحقيقة الذين يخاف من قسمه واختصاص كل شيء بحاله‏؟‏
    ليس الأمر كذلك فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكا لكم فيما رزقكم اللّه تعالى‏.‏
    هذا، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم وهم أيضا مماليك مثلكم، فكيف ترضون أن تجعلوا للّه شريكا من خلقه وتجعلونه بمنزلته، وعديلا له في العبادة وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم‏؟‏
    هذا من أعجب الأشياء ومن أدل شيء على ‏[‏سفه‏}‏ من اتخذ شريكا مع اللّه وأن ما اتخذه باطل مضمحل ليس مساويا للّه ولا له من العبادة شيء‏.‏
    {‏كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ‏}بتوضيحها بأمثلتها ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ الحقائق ويعرفون، وأما من لا يعقل فلو فُصِّلَت له الآيات وبينت له البينات لم يكن له عقل يبصر به ما تبين ولا لُبٌّ يعقل به ما توضح، فأهل العقول والألباب هم الذين يساق إليهم الكلام ويوجه الخطاب‏.‏
    وإذا علم من هذا المثال أن من اتخذ من دون اللّه شريكا يعبده ويتوكل عليه في أموره، فإنه ليس معه من الحق شيء فما الذي أوجب له الإقدام على أمر باطل توضح له بطلانه وظهر برهانه‏؟‏ ‏[‏لقد‏}‏ أوجب لهم ذلك اتباع الهوى فلهذا قال‏:‏ ‏{‏بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}هويت أنفسهم الناقصة التي ظهر من نقصانها ما تعلق به هواها، أمرا يجزم العقل بفساده والفطر برده بغير علم دلهم عليه ولا برهان قادهم إليه‏.‏
    {‏فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ‏} أي‏:‏ لا تعجبوا من عدم هدايتهم فإن اللّه تعالى أضلهم بظلمهم ولا طريق لهداية من أضل اللّه لأنه ليس أحد معارضا للّه أو منازعا له في ملكه‏.‏
    {‏وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ‏}ينصرونهم حين تحق عليهم كلمة العذاب، وتنقطع بهم الوصل والأسباب‏.‏
    ‏[‏30 ـ 32‏]‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ‏}
    يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال وإقامة دينه فقال‏:‏ ‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ‏}‏ أي‏:‏ انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها‏.‏ وشرائعه الباطنة كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة بأن تعبد اللّه فيها كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏.‏
    وخص اللّه إقامة الوجه لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب ويترتب على الأمرين سَعْيُ البدن ولهذا قال‏:‏ ‏{‏حَنِيفًا‏}‏ أي‏:‏ مقبلا على اللّه في ذلك معرضا عما سواه‏.‏
    وهذا الأمر الذي أمرناك به هو{‏فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا‏}ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع اللّه في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة‏.‏
    ومن خرج عن هذا الأصل فلعارض عرض لفطرته أفسدها كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏"‏كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه‏"‏
    {‏لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ‏}أي‏:‏ لا أحد يبدل خلق اللّه فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه اللّه، ‏{‏ذَلِكَ‏}‏ الذي أمرنا به ‏{‏الدِّينُ الْقَيِّمُ‏}‏ أي‏:‏ الطريق المستقيم الموصل إلى اللّه وإلى كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه،{‏وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه‏.‏
    {‏مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ‏}‏ وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب وانجذاب دواعيه لمراضي اللّه تعالى‏.‏
    ويلزم من ذلك حمل البدن بمقتضى ما في القلب فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك المعاصي الظاهرة والباطنة فلذلك قال‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُوهُ‏}‏ فهذا يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات‏.‏
    وخص من المأمورات الصلاة لكونها تدعو إلى الإنابة والتقوى لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ‏}فهذا إعانتها على التقوى‏.‏
    ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ‏}فهذا حثها على الإنابة‏.‏ وخص من المنهيات أصلها والذي لا يقبل معه عمل وهو الشرك فقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}لكون الشرك مضادا للإنابة التي روحها الإخلاص من كل وجه‏.‏
    ثم ذكر حالة المشركين مهجنا لها ومقبحا فقال‏:‏ ‏{‏مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ‏}مع أن الدين واحد وهو إخلاص العبادة للّه وحده وهؤلاء المشركون فرقوه، منهم من يعبد الأوثان والأصنام‏.‏ ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين ومنهم يهود ومنهم نصارى‏.‏
    ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَكَانُوا شِيَعًا‏}‏ أي‏:‏ كل فرقة من فرق الشرك تألفت وتعصبت على نصر ما معها من الباطل ومنابذة غيرهم ومحاربتهم‏.‏
    {‏كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ‏}من العلوم المخالفة لعلوم الرسل ‏{‏فَرِحُونَ‏}‏ به يحكمون لأنفسهم بأنه الحق وأن غيرهم على باطل، وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق بل الدين واحد والرسول واحد والإله واحد‏.‏
    وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها اللّه وربطها أتم ربط، فما بال ذلك كله يُلْغَى ويُبْنَى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضا، ويتميز بها بعضهم عن بعض‏؟‏
    فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها للمسلمين‏؟‏
    وهل السعي في جمع كلمتهم وإزالة ما بينهم من الشقاق المبني على ذلك الأصل الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل اللّه وأفضل الأعمال المقربة إلى اللّه‏؟‏
    ولما أمر تعالى بالإنابة إليه ـ وكان المأمور بها هي الإنابة الاختيارية، التي تكون في حَالَي العسر واليسر والسعة والضيق ـ ذكر الإنابة الاضطرارية التي لا تكون مع الإنسان إلا عند ضيقه وكربه، فإذا زال عنه الضيق نبذها وراء ظهره وهذه غير نافعة فقال‏:‏
    ‏[‏33 ـ 35‏]‏{‏وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏}
    {‏وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ‏}مرض أو خوف من هلاك ونحوه‏.‏ ‏{‏دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ‏}ونسوا ما كانوا به يشركون في تلك الحال لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا اللّه‏.
    {‏ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً‏}شفاهم من مرضهم وآمنهم من خوفهم،{‏إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ‏}ينقضون تلك الإنابة التي صدرت منهم ويشركون به من لا دفع عنهم ولا أغنى، ولا أفقر ولا أغنى، وكل هذا كفر بما آتاهم اللّه ومَنَّ به عليهم حيث أنجاهم، وأنقذهم من الشدة وأزال عنهم المشقة، فهلا قابلوا هذه النعمة الجليلة بالشكر والدوام على الإخلاص له في جميع الأحوال‏؟‏‏.‏
    {‏أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا‏}أي‏:‏ حجة ظاهرة ‏{‏فَهُوَ‏}‏ أي‏:‏ ذلك السلطان،{‏يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ‏}ويقول لهم‏:‏ اثبتوا على شرككم واستمروا على شككم فإن ما أنتم عليه هو الحق وما دعتكم الرسل إليه باطل‏.‏
    فهل ذلك السلطان موجود عندهم حتى يوجب لهم شدة التمسك بالشرك‏؟‏ أم البراهين العقلية والسمعية والكتب السماوية والرسل الكرام وسادات الأنام، قد نهوا أشد النهي عن ذلك وحذروا من سلوك طرقه الموصلة إليه وحكموا بفساد عقل ودين من ارتكبه‏؟‏‏.‏
    فشرك هؤلاء بغير حجة ولا برهان وإنما هو أهواء النفوس، ونزغات الشيطان‏.‏
    ‏[‏36 ـ 37‏]‏ ‏{‏وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏
    يخبر تعالى عن طبيعة أكثر الناس في حالي الرخاء والشدة أنهم إذا أذاقهم اللّه منه رحمة من صحة وغنى ونصر ونحو ذلك فرحوا بذلك فرح بطر، لا فرح شكر وتبجح بنعمة اللّه‏.‏
    {‏وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ‏}أي‏:‏‏:‏ حال تسوؤهم وذلك{‏بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏}من المعاصي‏.‏{‏إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ‏}ييأسون من زوال ذلك الفقر والمرض ونحوه‏.‏ وهذا جهل منهم وعدم معرفة‏.‏
    ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ‏} فالقنوط بعد ما علم أن الخير والشر من اللّه والرزق سعته وضيقه من تقديره ضائع ليس له محل‏.‏ فلا تنظر أيها العاقل لمجرد الأسباب بل اجعل نظرك لمسببها ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ فهم الذين يعتبرون بسط اللّه لمن يشاء وقبضه، ويعرفون بذلك حكمة اللّه ورحمته وجوده وجذب القلوب لسؤاله في جميع مطالب الرزق‏.‏
    ‏[‏38 ـ 39‏]‏ ‏{‏فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏}
    أي‏:‏ فأعط القريب منك ـ على حسب قربه وحاجته ـ حقه الذي أوجبه الشارع أو حض عليه من النفقة الواجبة والصدقة والهدية والبر والسلام والإكرام والعفو عن زلته والمسامحة عن هفوته‏.‏ وكذلك ‏[‏آت‏}‏ المسكين الذي أسكنه الفقر والحاجة ما تزيل به حاجته وتدفع به ضرورته من إطعامه وسقيه وكسوته‏.‏
    ‏{‏وَابْنَ السَّبِيلِ‏}‏ الغريب المنقطع به في غير بلده الذي في مظنة شدة الحاجة، لأنه لا مال معه ولا كسب قد دبر نفسه به ‏[‏في‏}‏ سفره، بخلاف الذي في بلده، فإنه وإن لم يكن له مال ولكن لا بد ـفي الغالبـ أن يكون في حرفة أو صناعة ونحوها تسد حاجته، ولهذا جعل اللّه في الزكاة حصة للمسكين وابن السبيل‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ‏}‏ أي‏:‏ إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل{‏خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ‏}‏ بذلك العمل ‏{‏وَجْه اللَّهِ‏}‏ أي‏:‏ خير غزير وثواب كثير لأنه من أفضل الأعمال الصالحة والنفع المتعدي الذي وافق محله المقرون به الإخلاص‏.‏
    فإن لم يرد به وجه اللّه لم يكن خيرا لِلْمُعْطِي وإن كان خيرا ونفعا لِلْمُعْطي كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ‏}‏ مفهومها أن هذه المثبتات خير لنفعها المتعدي ولكن من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة اللّه فسوف نؤتيه أجرا عظيما‏.‏
    وقوله‏:‏ ‏{‏وَأُولَئِكَ‏}‏ الذين عملوا هذه الأعمال وغيرها لوجه اللّه ‏{‏هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏ الفائزون بثواب اللّه الناجون من عقابه‏.‏
    ولما ذكر العمل الذي يقصد به وجهه ‏[‏من النفقات‏}‏ ذكر العمل الذي يقصد به مقصد دنيوي فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُو فِي أَمْوَالِ النَّاسِ‏}أي‏:‏ ما أعطيتم من أموالكم الزائدة عن حوائجكم وقصدكم بذلك أن يربو أي‏:‏ يزيد في أموالكم بأن تعطوها لمن تطمعون أن يعاوضكم عنها بأكثر منها، فهذا العمل لا يربو أجره عند اللّه لكونه معدوم الشرط الذي هو الإخلاص‏.‏ ومثل ذلك العمل الذي يراد به الزيادة في الجاه والرياء عند الناس فهذا كله لا يربو عند اللّه‏.‏
    {‏وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ‏}أي‏:‏ مال يطهركم من الأخلاق الرذيلة ويطهر أموالكم من البخل بها ويزيد في دفع حاجة الْمُعْطَى‏.‏ ‏{‏تُرِيدُونَ‏}‏ بذلك{‏وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ‏}أي‏:‏ المضاعف لهم الأجر الذين تربو نفقاتهم عند اللّه ويربيها اللّه لهم حتى تكون شيئًا كثيرًا‏.‏
    ودل قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ‏}أن الصدقة مع اضطرار من يتعلق بالمنفق أو مع دَيْنٍ عليه لم يقضه ويقدم عليه الصدقة أن ذلك ليس بزكاة يؤجر عليه العبد ويرد تصرفه شرعا كما قال تعالى في الذي يمدح‏:‏ ‏{‏الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى‏}فليس مجرد إيتاء المال خيرا حتى يكون بهذه الصفة وهو‏:‏ أن يكون على وجه يتزكى به المؤتي‏.‏
    ‏[‏40‏]‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}
    يخبر تعالى أنه وحده المنفرد بخلقكم ورزقكم وإماتتكم وإحيائكم، وأنه ليس أحد من الشركاء التي يدعوهم المشركون من يشارك اللّه في شيء من هذه الأشياء‏.‏
    فكيف يشركون بمن انفرد بهذه الأمور من ليس له تصرف فيها بوجه من الوجوه‏؟‏‏!‏
    فسبحانه وتعالى وتقدس وتنزه وعلا عن شركهم، فلا يضره ذلك وإنما وبالهم عليهم‏.‏
    ‏[‏41‏]‏ ‏{‏ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}
    أي‏:‏ استعلن الفساد في البر والبحر أي‏:‏ فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها‏.‏
    هذه المذكورة{‏لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا‏} أي‏:‏ ليعلموا أنه المجازي على الأعمال فعجل لهم نموذجا من جزاء أعمالهم في الدنيا ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ عن أعمالهم التي أثرت لهم من الفساد ما أثرت، فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم‏.‏ فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا فلو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة‏.‏
    ‏[‏42‏]‏ {‏قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ‏}
    والأمر بالسير في الأرض يدخل فيه السير بالأبدان والسير في القلوب للنظر والتأمل بعواقب المتقدمين‏.‏
    {‏كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ‏}تجدون عاقبتهم شر العواقب ومآلهم شر مآل، عذاب استأصلهم وذم ولعن من خلق اللّه يتبعهم وخزي متواصل، فاحذروا أن تفعلوا فعالهم يُحْذَى بكم حذوهم فإن عدل اللّه وحكمته في كل زمان ومكان‏.‏
    ‏[‏43 ـ 45‏]‏ ‏{‏فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ‏}
    أي‏:‏ أقبل بقلبك وتوجه بوجهك واسع ببدنك لإقامة الدين القيم المستقيم، فنفذ أوامره ونواهيه بجد واجتهاد وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة‏.‏ وبادر زمانك وحياتك وشبابك،{‏مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ‏}وهو يوم القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده ولا يرجأ العاملون أن يستأنفوا العمل بل فرغ من الأعمال لم يبق إلا جزاء العمال‏.‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتفرقون عن ذلك اليوم ويصدرون أشتاتا متفاوتين لِيُرَوْا أعمالهم‏.‏
    ‏{‏مَنْ كَفَرَ‏}‏ منهم ‏{‏فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ‏}‏ ويعاقب هو بنفسه لا تزر وازرة وزر أخرى،{‏وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا‏}من الحقوق التي للّه أو التي للعباد الواجبة والمستحبة، ‏{‏فَلِأَنْفُسِهِمْ‏}‏ لا لغيرهم ‏{‏يَمْهَدُونَ‏}‏ أي‏:‏ يهيئون ولأنفسهم يعمرون آخرتهم ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها، ومع ذلك جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم بل يجزيهم اللّه من فضله الممدود وكرمه غير المحدود ما لا تبلغه أعمالهم‏.‏ وذلك لأنه أحبهم وإذا أحب اللّه عبدا صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة‏.‏
    وهذا بخلاف الكافرين فإن اللّه لما أبغضهم ومقتهم عاقبهم وعذبهم ولم يزدهم كما زاد من قبلهم فلهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ‏}
    ‏[‏46‏]‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}
    أي‏:‏ ومن الأدلة الدالة على رحمته وبعثه الموتى وأنه الإله المعبود والملك المحمود،{‏أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ‏}أمام المطر ‏{‏مُبَشِّرَاتٍ‏}‏ بإثارتها للسحاب ثم جمعها فتبشر بذلك النفوس قبل نزوله‏.‏
    {‏وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ‏}فينزل عليكم من رحمته مطرا تحيا به البلاد والعباد، وتذوقون من رحمته ما تعرفون أن رحمته هي المنقذة للعباد والجالبة لأرزاقهم، فتشتاقون إلى الإكثار من الأعمال الصالحة الفاتحة لخزائن الرحمة‏.
    ‏{‏وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ‏}‏ في البحر ‏{‏بِأَمْرِهِ‏}‏ القدري{‏وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏}بالتصرف في معايشكم ومصالحكم‏.‏
    ‏{‏وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏ من سخر لكم الأسباب وسير لكم الأمور‏.‏ فهذا المقصود من النعم أن تقابل بشكر اللّه تعالى ليزيدكم اللّه منها ويبقيها عليكم‏.‏
    وأما مقابلة النعم بالكفر والمعاصي فهذه حال من بدَّل نعمة اللّه كفرا ونعمته محنة وهو معرض لها للزوال والانتقال منه إلى غيره‏.‏
    ‏[‏47‏]‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏}
    أي‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ‏}في الأمم السابقين{‏رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ‏}حين جحدوا توحيد اللّه وكذبوا بالحق فجاءتهم رسلهم يدعونهم إلى التوحيد والإخلاص والتصديق بالحق وبطلان ما هم عليه من الكفر والضلال، وجاءوهم بالبينات والأدلة على ذلك فلم يؤمنوا ولم يزولوا عن غيهم، ‏{‏فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا‏}ونصرنا المؤمنين أتباع الرسل‏.‏ ‏{‏وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ‏}أي‏:‏ أوجبنا ذلك على أنفسنا وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم به فلا بد من وقوعه‏.‏
    فأنتم أيها المكذبون لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن بقيتم على تكذيبكم حلَّت بكم العقوبة ونصرناه عليكم‏.‏
    ‏[‏48 ـ 50‏]‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}
    يخبر تعالى عن كمال قدرته وتمام نعمته أنه{‏يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا‏}من الأرض،{‏فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ‏}أي‏:‏ يمده ويوسعه ‏{‏كَيْفَ يَشَاءُ‏}‏ أي‏:‏ على أي حالة أرادها من ذلك ثم ‏{‏يَجْعَلُهُ‏}‏ أي‏:‏ ذلك السحاب الواسع ‏{‏كِسَفًا‏}‏ أي‏:‏ سحابا ثخينا قد طبق بعضه فوق بعض‏.‏
    {‏فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ‏}أي‏:‏ السحاب نقطا صغارا متفرقة، لا تنزل جميعا فتفسد ما أتت عليه‏.
    {‏فَإِذَا أَصَابَ بِهِ‏}بذلك المطر{‏مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏}يبشر بعضهم بعضا بنزوله وذلك لشدة حاجتهم وضرورتهم إليه فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ‏}أي‏:‏ آيسين قانطين لتأخر وقت مجيئه، أي‏:‏ فلما نزل في تلك الحال صار له موقع عظيم ‏[‏عندهم‏}‏ وفرح واستبشار‏.‏
    {‏فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا‏}فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج كريم‏.‏
    ‏{‏إِنَّ ذَلِكَ‏}‏ الذي أحيا الأرض بعد موتها{‏لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}فقدرته تعالى لا يتعاصى عليها شيء وإن تعاصى على قدر خلقه ودق عن أفهامهم وحارت فيه عقولهم‏.‏
    ‏[‏51 ـ 53‏]‏{‏وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ * فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏}‏
    يخبر تعالى عن حالة الخلق وأنهم مع هذه النعم عليهم بإحياء الأرض بعد موتها ونشر رحمة اللّه تعالى لو أرسلنا على هذا النبات الناشئ عن المطر وعلى زروعهم ريحا مضرة متلفة أو منقصة، ‏{‏فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا‏}‏ قد تداعى إلى التلف{‏لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ‏}فينسون النعم الماضية ويبادرون إلى الكفر‏.‏
    وهؤلاء لا ينفع فيهم وعظ ولا زجر{‏فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ‏}وبالأولى{‏إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ‏}فإن الموانع قد توفرت فيهم عن الانقياد والسماع النافع كتوفر هذه الموانع المذكورة عن سماع الصوت الحسي‏.‏
    {‏وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ‏}لأنهم لا يقبلون الإبصار بسبب عماهم فليس منهم قابلية له‏.‏
    {‏إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ‏}فهؤلاء الذين ينفع فيهم إسماع الهدى المؤمنون بآياتنا بقلوبهم المنقادون لأوامرنا المسلمون لنا، لأن معهم الداعي القوي لقبول النصائح والمواعظ وهو استعدادهم للإيمان بكل آية من آيات اللّه واستعدادهم لتنفيذ ما يقدرون عليه من أوامر اللّه ونواهيه‏.‏
    ‏[‏54‏]‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ‏}
    يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى أن صار حيوانا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة‏.‏ ثم ما زال اللّه يزيد في قوته شيئا فشيئا حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم‏.‏
    {‏يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ‏} بحسب حكمته‏.‏ ومن حكمته أن يري العبد ضعفه وأن قوته محفوفة بضعفين وأنه ليس له من نفسه إلا النقص، ولولا تقوية اللّه له لما وصل إلى قوة وقدرة ولو استمرت قوته في الزيادة لطغى وبغى وعتا‏.‏
    وليعلم العباد كمال قدرة اللّه التي لا تزال مستمرة يخلق بها الأشياء، ويدبر بها الأمور ولا يلحقها إعياء ولا ضعف ولا نقص بوجه من الوجوه‏.‏
    ‏[‏55 ـ 57‏]‏{‏وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏}
    يخبر تعالى عن يوم القيامة وسرعة مجيئه وأنه إذا قامت الساعة ‏{‏يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ باللّه أنهم ‏{‏مَا لَبِثُوا‏}‏ في الدنيا إلَا ‏{‏سَاعَة‏}‏ وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر واستقصار لمدة الدنيا‏.‏
    ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له قال تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ‏}أي‏:‏ ما زالوا ـ وهم في الدنيا ـ يؤفكون عن الحقائق ويأتفكون الكذب، ففي الدنيا كذَّبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون، وفي الآخرة أنكروا الأمر المحسوس وهو اللبث الطويل في الدنيا، فهذا خلقهم القبيح والعبد يبعث على ما مات عليه‏.
    {‏وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ‏}أي‏:‏ مَنَّ اللّه عليهم بهما وصارا وصفا لهم العلم بالحق والإيمان المستلزم إيثار الحق، وإذا كانوا عالمين بالحق مؤثرين له لزم أن يكون قولهم مطابقا للواقع مناسبا لأحوالهم‏.‏
    فلهذا قالوا الحق‏:‏ ‏{‏لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏}أي‏:‏ في قضائه وقدره، الذي كتبه اللّه عليكم وفي حكمه ‏{‏إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ‏}أي‏:‏ عمرتم عُمْرًا يتذكر فيه المتذكر ويتدبر فيه المتدبر ويعتبر فيه المعتبر حتى صار البعث ووصلتم إلى هذه الحال‏.
    {‏فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ‏}فلذلك أنكرتموه في الدنيا وأنكرتم إقامتكم في الدنيا وقتا تتمكنون فيه من الإنابة والتوبة، فلم يزل الجهل شعاركم وآثاره من التكذيب والخسار دثاركم‏.
    {‏فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ‏}فإن كذبوا وزعموا أنهم ما قامت عليهم الحجة أو ما تمكنوا من الإيمان ظهر كذبهم بشهادة أهل العلم والإيمان، وشهادة جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وإن طلبوا الإعذار وأنهم يردون ولا يعودون لما نُهوا عنه لم يُمَكَّنُوا فإنه فات وقت الإعذار فلا تقبل معذرتهم،{‏وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ‏} أي‏:‏ يزال عتبهم والعتاب عنهم‏.‏
    [‏58 ـ 60‏]‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ‏}
    أي‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا‏}‏ لأجل عنايتنا ورحمتنا ولطفنا وحسن تعليمنا{‏لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏}تتضح به الحقائق وتعرف به الأمور وتنقطع به الحجة‏.‏ وهذا عام في الأمثال التي يضربها اللّه في تقريب الأمور المعقولة بالمحسوسة‏.‏ وفي الإخبار بما سيكون وجلاء حقيقته ‏[‏حتى‏}‏ كأنه وقع‏.‏
    ومنه في هذا الموضع ذكر اللّه تعالى ما يكون يوم القيامة وحالة المجرمين فيه وشدة أسفهم وأنه لا يقبل منهم عذر ولا عتاب‏.‏
    ولكن أبى الظالمون الكافرون إلا معاندة الحق الواضح ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ‏}أي‏:‏ أي آية تدل على صحة ما جئت به{‏لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ‏}أي‏:‏ قالوا للحق‏:‏ إنه باطل‏.‏ وهذا من كفرهم وجراءتهم وطَبْعِ اللّه على قلوبهم وجهلهم المفرط ولهذا قال‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ‏}‏ فلا يدخلها خير ولا تدرك الأشياء على حقيقتها بل ترى الحق باطلا والباطل حقا‏.‏
    ‏{‏فَاصْبِرْ‏}‏ على ما أمرت به وعلى دعوتهم إلى اللّه، ولو رأيت منهم إعراضا فلا يصدنك ذلك‏.‏
    {‏إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ‏}أي‏:‏ لا شك فيه وهذا مما يعين على الصبر فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع بل سيجده كاملا هان عليه ما يلقاه من المكاره ويسر عليه كل عسير واستقل من عمله كل كثير‏.‏
    {‏وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ‏}أي‏:‏ قد ضعف إيمانهم وقل يقينهم فخفت لذلك أحلامهم وقل صبرهم، فإياك أن يستخفك هؤلاء فإنك إن لم تجعلهم منك على بال وتحذر منهم وإلا استخفوك وحملوك على عدم الثبات على الأوامر والنواهي، والنفس تساعدهم على هذا وتطلب التشبه والموافقة وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف اليقين ضعيف ‏[‏العقل‏}‏ خفيفه‏.‏
    فالأول بمنزلة اللب والآخر بمنزلة القشور فاللّه المستعان‏.‏

  11. #11
    فرسان حملة مسك الوجود الصورة الرمزية راجية الجنة
    تاريخ التسجيل
    Jan 2009
    الدولة
    ALGER
    المشاركات
    1,870
    شكراً و أعجبني للمشاركة

    افتراضي رد: تفسير السعدي (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) كاملاً.



    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين





    تفسير سورة العنكبوت




    سورة العنكبوت ( 132 من 230 )




    وهي مكية
    ‏[‏1ـ3‏]‏ ‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {‏الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ‏}‏
    يخبر تعالى عن ‏[‏تمام‏}‏ حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال ‏"‏ إنه مؤمن ‏"‏ وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته‏.‏
    ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه‏.‏
    والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها‏.‏
    ‏[‏4‏]‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ‏}
    أي‏:‏ أحسب الذين همهم فعل السيئات وارتكاب الجنايات، أن أعمالهم ستهمل، وأن اللّه سيغفل عنهم، أو يفوتونه، فلذلك أقدموا عليها، وسهل عليهم عملها‏؟‏{‏سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ أي‏:‏ ساء حكمهم، فإنه حكم جائر، لتضمنه إنكار قدرة اللّه وحكمته، وأن لديهم قدرة يمتنعون بها من عقاب اللّه، وهم أضعف شيء وأعجزه‏.‏
    ‏[‏5ـ6‏]‏{‏مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ‏}
    يعني‏:‏ يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آت، وكل آت إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر نحوه، مستصحبا الرجاء، مؤملا الوصول إليه، ولكن، ما كل من يَدَّعِي يُعْطَى بدعواه، ولا كل من تمنى يعطى ما تمناه، فإن اللّه سميع للأصوات، عليم بالنيات، فمن كان صادقا في ذلك أناله ما يرجو، ومن كان كاذبا لم تنفعه دعواه، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح‏.‏
    ‏{‏وَمَنْ جَاهَدَ‏}‏ نفسه وشيطانه، وعدوه الكافر،{‏فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ‏}لأن نفعه راجع إليه، وثمرته عائدة إليه، والله غني عن العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به لينتفع به، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بُخْلًا عليهم‏.‏
    وقد علم أن الأوامر والنواهي يحتاج المكلف فيها إلى جهاد، لأن نفسه تتثاقل بطبعها عن الخير، وشيطانه ينهاه عنه، وعدوه الكافر يمنعه من إقامة دينه، كما ينبغي، وكل هذا معارضات تحتاج إلى مجاهدات وسعي شديد‏.‏
    ‏[‏7‏]‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}
    يعني أن الذين منَّ اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح، سيكفر اللّه عنهم سيئاتهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، ‏{‏وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}وهي أعمال الخير، من واجبات ومستحبات، فهي أحسن ما يعمل العبد، لأنه يعمل المباحات أيضا، وغيرها‏.‏

    ‏[‏8‏]‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}
    أي‏:‏ وأمرنا الإنسان، ووصيناه بوالديه حسنا، أي‏:‏ ببرهما والإحسان إليهما، بالقول والعمل، وأن يحافظ على ذلك، ولا يعقهما ويسيء إليهما في قوله وعمله‏.‏
    {‏وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}وليس لأحد علم بصحة الشرك باللّه، وهذا تعظيم لأمر الشرك،{‏فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}فأجازيكم بأعمالكم، فبروا والديكم وقدموا طاعتهما، إلا على طاعة اللّه ورسوله، فإنها مقدمة على كل شيء‏.‏
    ‏[‏9‏]‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ‏}
    أي‏:‏ من آمن باللّه وعمل صالحا، فإن اللّه وعده أن يدخله الجنة في جملة عباده الصالحين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كل على حسب درجته ومرتبته عند اللّه، فالإيمان الصحيح والعمل الصالح عنوان على سعادة صاحبه، وأنه من أهل الرحمن، والصالحين من عباد اللّه تعالى‏.‏
    ‏[‏10ـ11‏]‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ‏}‏
    لما ذكر تعالى أنه لا بد أن يمتحن من ادَّعى الإيمان، ليظهر الصادق من الكاذب، بيَّن تعالى أن من الناس فريقا لا صبر لهم على المحن، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل فقال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ‏}بضرب، أو أخذ مال، أو تعيير، ليرتد عن دينه، وليراجع الباطل، {‏جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ‏} أي‏:‏ يجعلها صادَّة له عن الإيمان والثبات عليه، كما أن العذاب صادٌّ عما هو سببه‏.‏
    {‏وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ‏}لأنه موافق للهوى، فهذا الصنف من الناس من الذين قال اللّه فيهم‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ‏}
    ‏{‏أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ‏}‏ حيث أخبركم بهذا الفريق، الذي حاله كما وصف لكم، فتعرفون بذلك كمال علمه وسعة حكمته‏.
    {‏وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ فلذلك قَدَّرَ مِحَنًا وابتلاء، ليظهر علمه فيهم، فيجازيهم بما ظهر منهم، لا بما يعلمه بمجرده، لأنهم قد يحتجون على اللّه، أنهم لو ابتُلُوا لَثَبَتُوا‏.‏
    ‏[‏12ـ13‏]‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏
    يخبر تعالى عن افتراء الكفار ودعوتهم للمؤمنين إلى دينهم، وفي ضمن ذلك، تحذير المؤمنين من الاغترار بهم والوقوع في مكرهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا‏}فاتركوا دينكم أو بعضه واتبعونا في ديننا، فإننا نضمن لكم الأمر ‏{‏وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ‏}‏ وهذا الأمر ليس بأيديهم، فلهذا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ‏}لا قليل ولا كثير‏.‏ فهذا التحمل، ولو رضي به صاحبه، فإنه لا يفيد شيئا، فإن الحق للّه، واللّه تعالى لم يمكن العبد من التصرف في حقه إلا بأمره وحكمه، وحكمه ‏{‏أن لَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏}‏
    ولما كان قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ‏}قد يتوهم منه أيضا، أن الكفار الداعين إلى كفرهم ـ ونحوهم ممن دعا إلى باطله ـ ليس عليهم إلا ذنبهم الذي ارتكبوه، دون الذنب الذي فعله غيرهم، ولو كانوا متسببين فيه، قال‏:‏ ‏[‏مخبرا عن هذا الوهم‏}‏
    ‏{‏وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ أثقال ذنوبهم التي عملوها {‏وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ‏}وهي الذنوب التي بسببهم ومن جرائهم، فالذنب الذي فعله التابع ‏[‏لكل من التابع‏}‏، والمتبوع حصته منه، هذا لأنه فعله وباشره، والمتبوع ‏[‏لأنه‏}‏ تسبب في فعله ودعا إليه، كما أن الحسنة إذا فعلها التابع له أجرها بالمباشرة، وللداعي أجره بالتسبب‏.‏ ‏{‏وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}من الشر وتزيينه، ‏[‏وقولهم‏}‏ ‏{‏وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ‏}‏
    ‏[‏14ـ15‏]‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ‏}
    يخبر تعالى عن حكمه وحكمته في عقوبة الأمم المكذبة، وأن اللّه أرسل عبده ورسوله نوحا عليه الصلاة السلام إلى قومه، يدعوهم إلى التوحيد وإفراد اللّه بالعبادة، والنهي عن الأنداد والأصنام، ‏{‏فَلَبِثَ فِيهِمْ‏}‏ نبيا داعيا{‏أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا‏}وهو لا يَنِي بدعوتهم، ولا يفتر في نصحهم، يدعوهم ليلا ونهارا وسرا وجهارا، فلم يرشدوا ولم يهتدوا، بل استمروا على كفرهم وطغيانهم، حتى دعا عليهم نبيهم نوح عليه الصلاة والسلام، مع شدة صبره وحلمه واحتماله، فقال‏:‏ ‏{‏رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا‏}‏ ‏{‏فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ‏}‏ أي‏:‏ الماء الذي نزل من السماء بكثرة، ونبع من الأرض بشدة ‏{‏وَهُمْ ظَالِمُونَ‏}‏ مستحقون للعذاب‏.‏
    {‏فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ‏}الذين ركبوا معه، أهله ومن آمن به‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَاهَا‏}‏ أي‏:‏ السفينة، أو قصة نوح ‏{‏آيَةً لِلْعَالَمِينَ‏}‏ يعتبرون بها، على أن من كذب الرسل، آخر أمره الهلاك، وأن المؤمنين سيجعل اللّه لهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا‏.‏
    وجعل اللّه أيضا السفينة، أي‏:‏ جنسها آية للعالمين، يعتبرون بها رحمة ربهم، الذي قيض لهم أسبابها، ويسر لهم أمرها، وجعلها تحملهم وتحمل متاعهم من محل إلى محل ومن قُطرٍ إلى قُطرٍ‏.‏
    ‏[‏16ـ22‏]‏ ‏{‏وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ‏}‏
    يذكر تعالى أنه أرسل خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى قومه، يدعوهم إلى الله، فقال ‏[‏لهم‏}‏‏:‏ ‏{‏اعْبُدُوا اللَّهَ‏}‏ أي‏:‏ وحِّدوه، وأخلصوا له العبادة، وامتثلوا ما أمركم به، ‏{‏وَاتَّقُوهُ‏}‏ أن يغضب عليكم، فيعذبكم، وذلك بترك ما يغضبه من المعاصي، ‏{‏ذَلِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ عبادة الله وتقواه ‏{‏خَيْرٌ لَكُمْ‏}‏ من ترك ذلك، وهذا من باب إطلاق ‏{‏أفعل التفضيل‏}‏ بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فإن ترك عبادة الله، وترك تقواه، لا خير فيه بوجه، وإنما كانت عبادة الله وتقواه خيرا للناس، لأنه لا سبيل إلى نيل كرامته في الدنيا والآخرة إلا بذلك، وكل خير يوجد في الدنيا والآخرة، فإنه من آثار عبادة الله وتقواه‏.‏
    {‏إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}ذلك، فاعلموا الأمور وانظروا ما هو أولى بالإيثار، فلما أمرهم بعبادة الله وتقواه، نهاهم عن عبادة الأصنام، وبيَّن لهم نقصها وعدم استحقاقها للعبودية، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا‏}تنحتونها وتخلقونها بأيديكم، وتخلقون لها أسماء الآلهة، وتختلقون الكذب بالأمر بعبادتها والتمسك بذلك،{‏إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏}في نقصه، وأنه ليس فيه ما يدعو إلى عبادته،{‏لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا‏} فكأنه قيل‏:‏ قد بان لنا أن هذه الأوثان مخلوقة ناقصة، لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وأن من هذا وصفه، لا يستحق أدنى أدنى أدنى مثقال مثقال مثقال ذرة من العبادة والتأله، والقلوب لا بد أن تطلب معبودا تألهه وتسأله حوائجها، فقال ـ حاثا لهم على من يستحق العبادة ـ ‏{‏فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ‏}فإنه هو الميسر له، المقدر، المجيب لدعوة من دعاه في أمر دينه ودنياه ‏{‏وَاعْبُدُوهُ‏}‏ وحده لا شريك له، لكونه الكامل النافع الضار، المتفرد بالتدبير، ‏{‏وَاشْكُرُوا لَهُ‏}‏ وحده، لكون جميع ما وصل ويصل إلى الخلق من النعم فمنه، وجميع ما اندفع ويندفع من النقم عنهم فهو الدافع لها‏.‏ ‏{‏إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏ يجازيكم على ما عملتم، وينبئكم بما أسررتم وأعلنتم، فاحذروا القدوم عليه وأنتم على شرككم، وارغبوا فيما يقربكم إليه، ويثيبكم ـ عند القدوم ـ عليه‏.‏
    ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏}يوم القيامة{‏إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏}
    ‏{‏قُلْ‏}‏ لهم، إن حصل معهم ريب وشك في الابتداء‏:‏ ‏{‏سِيرُوا فِي الْأَرْضِ‏}بأبدانكم وقلوبكم{‏فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ‏}فإنكم ستجدون أمما من الآدميين والحيوانات، لا تزال توجد شيئا فشيئا، وتجدون النبات والأشجار، كيف تحدث وقتا بعد وقت، وتجدون السحاب والرياح ونحوها، مستمرة في تجددها، بل الخلق دائما في بدء وإعادة، فانظر إليهم وقت موتتهم الصغرى ـالنومـ وقد هجم عليهم الليل بظلامه، فسكنت منهم الحركات، وانقطعت منهم الأصوات، وصاروا في فرشهم ومأواهم كالميتين، ثم إنهم لم يزالوا على ذلك طول ليلهم، حتى انفلق الإصباح، فانتبهوا من رقدتهم، وبعثوا من موتتهم، قائلين‏:‏ ‏"‏ الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ‏"‏
    ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اللَّهُ‏}‏ بعد الإعادة{‏يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ‏}‏ وهي النشأة التي لا تقبل موتا ولا نوما، وإنما هو الخلود والدوام في إحدى الدارين‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}فقدرته تعالى لا يعجزها شيء وكما قدر بها على ابتداء الخلق، فقدرته على الإعادة من باب أولى وأحرى‏.‏
    {‏يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ‏}أي‏:‏ هو المنفرد بالحكم الجزائي، وهو إثابة الطائعين ورحمتهم، وتعذيب العاصين والتنكيل بهم‏.‏ ‏{‏وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ‏}‏ أي‏:‏ ترجعون إلى الدار، التي بها تجري عليكم أحكام عذابه ورحمته، فاكتسبوا في هذه الدار، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات، وابتعدوا من أسباب عذابه، وهي المعاصي‏.‏
    {‏وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ‏}أي‏:‏ يا هؤلاء المكذبون، المتجرؤن على المعاصي، لا تحسبوا أنه مغفول عنكم، أو معجزون للّه في الأرض ولا في السماء، فلا تغرنكم قدرتكم وما زينت لكم أنفسكم وخدعتكم، من النجاة من عذاب الله، فلستم بمعجزين الله في جميع أقطار العالم‏.‏
    {‏وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ‏}يتولاكم، فيحصل لكم مصالح دينكم ودنياكم، ‏{‏وَلَا نَصِيرٍ‏}‏ ينصركم، فيدفع عنكم المكاره‏.‏
    ‏[‏23‏]‏ ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}
    يخبر تعالى من هم الذين زال عنهم الخير، وحصل لهم الشر، وأنهم الذين كفروا به وبرسله، وبما جاءوهم به، وكذبوا بلقاء اللّه، فليس عندهم إلا الدنيا، فلذلك قدموا على ما أقدموا عليه من الشرك والمعاصي، لأنه ليس في قلوبهم ما يخوفهم من عاقبة ذلك، ولهذا قال تعالى‏:‏{‏أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي‏}أي‏:‏ فلذلك لم يعلموا سببا واحدا يحصلون به الرحمة، وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك أعمالا، والإياس من رحمة اللّه من أعظم المحاذير، وهو نوعان‏:‏ إياس الكفار منها، وتركهم جميع سبب يقربهم منها، وإياس العصاة، بسبب كثرة جناياتهم أوحشتهم، فملكت قلوبهم، فأحدث لها الإياس،{‏وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‏}أي‏:‏ مؤلم موجع‏.‏ وكأن هذه الآيات معترضات بين كلام إبراهيم عليه السلام لقومه، وردهم عليه، واللّه أعلم بذلك‏.‏
    ‏[‏24ـ25‏]‏ ‏{‏فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ‏}
    أي‏:‏ فما كان مجاوبة قوم إبراهيم إبراهيم حين دعاهم إلى ربه قبول دعوته، والاهتداء بنصحه، ورؤية نعمة اللّه عليهم بإرساله إليهم، وإنما كان مجاوبتهم له شر مجاوبة‏.‏
    {‏قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ‏}أ‏شنع القتلات، وهم أناس مقتدرون، لهم السلطان، فألقوه في النار ‏{‏فَأَنْجَاهُ اللَّهُ‏}‏ منها.‏
    {‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}فيعلمون صحة ما جاءت به الرسل، وبِرَّهُمْ ونصحهم، وبطلان قول من خالفهم وناقضهم، وأن المعارضين للرسل كأنهم تواصوا وحث بعضهم بعضا على التكذيب‏.‏
    ‏{‏وَقَالَ‏}‏ لهم إبراهيم في جملة ما قاله من نصحه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ غاية ذلك، مودة في الدنيا ستنقطع وتضمحل، {‏ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا‏} أي‏:‏ يتبرأ كل من العابدين والمعبودين من الآخر{‏وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ‏}فكيف تتعلقون بمن يعلم أنه سيتبرأ من عابديه ويلعنهم‏؟‏ ‏"‏ و ‏"‏ أن مأوى الجميع، العابدين والمعبودين ‏"‏ النَّار ‏"‏ وليس أحد ينصرهم من عذاب اللّه، ولا يدفع عنهم عقابه‏.‏
    ‏[‏26ـ27‏]‏ ‏{‏فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏}
    أي‏:‏ لم يزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو قومه، وهم مستمرون على عنادهم، إلا أنه آمن له بدعوته لوط، الذي نبأه اللّه، وأرسله إلى قومه كما سيأتي ذكره‏.‏
    ‏{‏وَقَالَ‏}‏ إبراهيم حين رأى أن دعوة قومه لا تفيدهم شيئا‏:‏ ‏{‏إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي‏}أي‏:‏ هاجر أرض السوء، ومهاجر إلى الأرض المباركة، وهي الشام،{‏إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ‏}‏ أي‏:‏ الذي له القوة، وهو يقدر على هدايتكم، ولكنه حَكِيمٌ ما اقتضت حكمته ذلك، ولما اعتزلهم وفارقهم، وهم بحالهم، لم يذكر اللّه عنهم أنه أهلكهم بعذاب، بل ذكر اعتزاله إياهم، وهجرته من بين أظهرهم‏.‏
    فأما ما يذكر في الإسرائيليات، أن اللّه تعالى فتح على قومه باب البعوض، فشرب دماءهم، وأكل لحومهم، وأتلفهم عن آخرهم، فهذا يتوقف الجزم به على الدليل الشرعي، ولم يوجد، فلو كان اللّه استأصلهم بالعذاب لذكره كما ذكر إهلاك الأمم المكذبة، ولكن لعل من أسرار ذلك، أن الخليل عليه السلام من أرحم الخلق وأفضلهم ‏[‏وأحلمهم‏}‏ وأجلهم، فلم يدع على قومه كما دعا غيره، ولم يكن اللّه ليجري بسببه عذابا عاما‏.‏
    ومما يدل على ذلك، أنه راجع الملائكة في إهلاك قوم لوط، وجادلهم، ودافع عنهم، وهم ليسوا قومه، واللّه أعلم بالحال‏.‏
    {‏وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ‏}أي‏:‏ بعد ما هاجر إلى الشام{‏وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ‏}فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليهم أجمعين‏.‏
    وهذا ‏[‏من‏}‏ أعظم المناقب والمفاخر، أن تكون مواد الهداية والرحمة والسعادة والفلاح في ذريَّته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون‏.‏ ‏{‏وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا‏}من الزوجة الجميلة فائقة الجمال، والرزق الواسع، والأولاد، الذين بهم قرت عينه، ومعرفة اللّه ومحبته، والإنابة إليه‏.‏
    {‏وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏} بل هو ومحمد صلى اللّه عليهما وسلم أفضل الصالحين على الإطلاق، وأعلاهم منزلة، فجمع اللّه له بين سعادة الدنيا والآخرة‏.‏
    ‏[‏28ـ35‏]‏ ‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ‏}إلى آخر القصة
    تقدم أن لوطا عليه السلام آمن لإبراهيم، وصار من المهتدين به، وقد ذكروا أنه ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو ابن أخي إبراهيم‏.‏
    فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ‏}وإن كان عاما، فلا يناقض كون لوط نبيا رسولا وهو ليس من ذريته، لأن الآية جيء بها لسياق المدح والثناء على الخليل، وقد أخبر أن لوطا اهتدى على يديه، ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي، واللّه أعلم‏.‏
    فأرسل اللّه لوطا إلى قومه، وكانوا مع شركهم، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور، وتقطيع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم لوط عن هذه الأمور، وبيَّن لهم قبائحها في نفسها، وما تئول إليه من العقوبة البليغة، فلم يرعووا ولم يذكروا‏.‏ ‏{‏فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ‏}
    فأيس منهم نبيهم، وعلم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة تكذيبهم له، فدعا عليهم و‏{‏قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ‏} فاستجاب اللّه دعاءه، فأرسل الملائكة لإهلاكهم، فمروا بإبراهيم قبل، وبشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم سألهم إبراهيم أين يريدون‏؟‏ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط، فجعل يراجعهم ويقول‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِيهَا لُوطًا‏}فقالوا له‏:‏ ‏{‏لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ‏}ثم مضوا حتى أتوا لوطا، فساءه مجيئهم، وضاق بهم ذرعا، بحيث إنه لم يعرفهم، وظن أنهم من جملة أبناء السبيل الضيوف، فخاف عليهم من قومه، فقالوا له‏:‏ ‏{‏لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ‏} وأخبروه أنهم رسل اللّه‏.
    {‏إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا‏}‏ أي‏:‏ عذابا{‏مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}فأمروه أن يسري بأهله ليلا، فلما أصبحوا، قلب اللّه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل متتابعة حتى أبادتهم وأهلكتهم، فصاروا سَمَرًا من الأسمار، وعبرة من العِبر‏.‏
    {‏وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ تركنا من ديار قوم لوط، آثارا بينة لقوم يعقلون العِبر بقلوبهم، ‏[‏فينتفعون بها‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}
    [‏36ـ37‏]‏ ‏{‏وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ‏}
    أي ‏{‏و‏}‏ أرسلنا ‏{‏إِلَى مَدْيَنَ‏}‏ القبيلة المعروفة المشهورة ‏{‏شُعَيْبًا‏}‏ فأمرهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له، والإيمان بالبعث ورجائه، والعمل له، ونهاهم عن الإفساد في الأرض، ببخس المكاييل والموازين، والسعي بقطع الطرق، فكذبوه فأخذهم عذاب اللّه{‏فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ‏}
    ‏[‏38ـ40‏]‏ ‏{‏وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}
    أي‏:‏ وكذلك ما فعلنا بعاد وثمود، وقد علمتم قصصهم، وتبين لكم بشيء تشاهدونه بأبصاركم من مساكنهم وآثارهم التي بانوا عنها، وقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات، المفيدة للبصيرة، فكذبوهم وجادلوهم‏.‏ ‏{‏وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ‏} حتى ظنوا أنها أفضل مما جاءتهم به الرسل‏.‏
    وكذلك قارون، وفرعون، وهامان، حين بعث اللّه إليهم موسى بن عمران، بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، فلم ينقادوا، واستكبروا في الأرض، ‏[‏على عباد اللّه فأذلوهم، وعلى الحق فردوه فلم يقدروا على النجاء حين نزلت بهم العقوبة‏}‏ ‏{‏وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ‏}اللّه، ولا فائتين، بل سلموا واستسلموا‏.‏
    ‏{‏فَكُلا‏}‏ من هؤلاء الأمم المكذبة ‏{‏أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ‏}‏ على قدره، وبعقوبة مناسبة له، {‏فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا‏}أي‏:‏ عذابا يحصبهم، كقوم عاد، حين أرسل اللّه عليهم الريح العقيم، و{‏سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ‏}
    {‏وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ‏}كقوم صالح،{‏وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ‏}‏ كقارون،{‏وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا‏}كفرعون وهامان وجنودهما‏.‏
    {‏وَمَا كَانَ اللَّهُ‏}أي‏:‏ ما ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع الخلق‏.‏ ‏{‏وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏ منعوها حقها التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة اللّه وحده، فهؤلاء وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي، فضروها غاية الضرر، من حيث ظنوا أنهم ينفعونها‏.‏
    ‏[‏41 ـ 43‏]‏ ‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ‏}
    هذا مثل ضربه اللّه لمن عبد معه غيره، يقصد به التعزز والتَّقَوِّي والنفع، وأن الأمر بخلاف مقصوده، فإن مثله كمثل العنكبوت، اتخذت بيتا يقيها من الحر والبرد والآفات،{‏وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ‏}أضعفها وأوهاها ‏{‏لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ‏}‏ فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفا إلى ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم‏.‏
    فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل‏.‏
    فلو كانوا يعلمون حقيقة العلم، حالهم وحال من اتخذوهم، لم يتخذوهم، ولتبرأوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه، كفاه مئونة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله‏.‏
    ولما بين نهاية ضعف آلهة المشركين، ارتقى من هذا إلى ما هو أبلغ منه، وأنها ليست بشيء، بل هي مجرد أسماء سموها، وظنون اعتقدوها، وعند التحقيق، يتبين للعاقل بطلانها وعدمها، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ‏}أي‏:‏ إنه تعالى يعلم ـوهو عالم الغيب والشهادةـ أنهم ما يدعون من دون اللّه شيئا موجودا، ولا إلها له حقيقة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ‏}وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون‏}
    {‏وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم‏}‏ الذي له القوة جميعا، التي قهر بها جميع المخلوقات، ‏{‏الْحَكِيمُ‏}‏ الذي يضع الأشياء مواضعها، الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن ما أمره‏.‏
    {‏وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ‏}أي‏:‏ لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس‏.‏
    ‏{‏و‏}‏ لكن ‏{‏مَا يَعْقِلُهَا‏}‏ بفهمها وتدبرها، وتطبيقها على ما ضربت له، وعقلها في القلب ‏{‏إِلَّا الْعَالِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ أهل العلم الحقيقي، الذين وصل العلم إلى قلوبهم‏.‏
    وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحثٌّ على تدبرها وتعقلها، ومدح لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العالمين‏.‏
    والسبب في ذلك، أن الأمثال التي يضربها اللّه في القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء اللّه بها، وحثه عباده على تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها‏.‏
    وأما من لم يعقلها، مع أهميتها، فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم، لأنه إذا لم يعرف المسائل المهمة، فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى‏.‏ ولهذا، أكثر ما يضرب اللّه الأمثال في أصول الدين ونحوها‏.‏
    ‏[‏44‏]‏{‏خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ‏}
    أي‏:‏ هو تعالى المنفرد بخلق السماوات، على علوها وارتفاعها وسعتها وحسنها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب والملائكة، والأرض وما فيها من الجبال والبحار والبراري والقفار والأشجار ونحوها، وكل ذلك خلقه بالحق، أي‏:‏ لم يخلقها عبثا ولا سدى، ولا لغير فائدة، وإنما خلقها، ليقوم أمره وشرعه، ولتتم نعمته على عباده، وليروا من حكمته وقهره وتدبيره، ما يدلهم على أنه وحده معبودهم ومحبوبهم وإلههم‏.‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ‏}على كثير من المطالب الإيمانية، إذا تدبرها المؤمن رأى ذلك فيها عيانا‏.‏
    ‏[‏45‏]‏ ‏{‏اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ‏}
    يأمر تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله، وهو هذا الكتاب العظيم، ومعنى تلاوته اتباعه، بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصار تلاوة لفظه جزء المعنى وبعضه، وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، علم أن إقامة الدين كله، داخلة في تلاوة الكتاب‏.‏ فيكون قوله‏:‏ ‏{‏وَأَقِمِ الصَّلَاةَ‏}‏ من باب عطف الخاص على العام، لفضل الصلاة وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي{‏إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ‏}
    والفحشاء‏:‏ كل ما استعظم واستفحش من المعاصي التي تشتهيها النفوس‏.‏
    والمنكر‏:‏ كل معصية تنكرها العقول والفطر‏.‏
    ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة، مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه، تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها‏.‏ وثَمَّ في الصلاة مقصود أعظم من هذا وأكبر، وهو ما اشتملت عليه من ذكر اللّه، بالقلب واللسان والبدن‏.‏ فإن اللّه تعالى، إنما خلق الخلق لعبادته، وأفضل عبادة تقع منهم الصلاة، وفيها من عبوديات الجوارح كلها، ما ليس في غيرها، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ‏}
    ويحتمل أنه لما أمر بالصلاة ومدحها، أخبر أن ذكره تعالى خارج الصلاة أكبر من الصلاة، كما هو قول جمهور المفسرين، لكن الأول أولى، لأن الصلاة أفضل من الذكر خارجها، ولأنها ـكما تقدمـ بنفسها من أكبر الذكر‏.‏
    {‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ‏}من خير وشر، فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه‏.‏



    يتبع





صفحة 1 من 13 12311 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تفسير ابن كثير ( تفسير القرآن العظيم )
    بواسطة mmj161 في المنتدى مكتـبة العـريفي
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 20-01-2013, 05:47 PM
  2. فائدة من كتاب تيسير اللطيف المنان
    بواسطة دق البخت بابي في المنتدى منتـدى علـوم القـرآن الكــريم
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 14-06-2010, 11:58 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •