الشيخ ابراهيم الدويش
المحاضره يا سامعاً
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العري وهدى من الضلالة وبصر من عمى وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه ليلة الأحد الموافق للثامن من الشهر السادس للعام السابع عشر بعد الأربعمائة والألف وفي هذا الجامع المبارك جامع الملك فهد بمدينة >بريدة< نلتقي بهذه الوجوه الطيبة المباركة وفي مجلس من مجالس الذكر يا سامعا لكل شكوى يا خالقا الأكوان أنت المرتجى وإليك وحدك ترتقي صلواتي يا خالقي ماذا أقول وأنت تعلمني وأنت تعلمني وتعلم حاجتي وشكايتي يا خالقي ماذا أقول يا خالقي ماذا أقول وأنت مطلع على شكواي والأنات اللهم يا موضع كل شكوى ويا سامع كل نجوى ويا شاهد كل بلوى ويا عالم كل خفية ويا كاشف كل بلية يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ضمائر الصامتين ندعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت حيلته دعاء الغرباء المضطرين الذين لا يجدون لكشف ما هم فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين اكشف ما بنا وبالمسلمين من ضعف وفتور وذل وهوان يا سامعا لكل شكوى أعن المساكين والمستضعفين وارحم النساء الثكالى والأطفال اليتامى وذا الشيبة الكبير إنك على كل شيء قدير معاشر الاخوة والأخوات إن في تقلب الدهر عجائب وفي تغير الأحوال مواعظ توالت العقبات وتكاثرت النكبات وطغت الماديات على كثير من الخلق فتنكروا لربهم ووهنت صلتهم به اعتمدوا على الأسباب المادية البحتة فسادت موجات القلق والاضطراب والضعف والهوان وعم الخوف والهلع من المستقبل بل وعلى المستقبل تخلوا عن ربهم فتخلى الله عنهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) جميع الخلق مفتقرون إلى الله مفتقرون إلى الله في كل شئونهم وأحوالهم وفي كل كبيرة وصغيرة وفي هذا العصر تعلق الناس بالناس وشكا الناس إلى الناس ولا بأس أن يستعان بالناس فيما يقدرون عليه لكن أن يكون المعتمد عليهم والسؤال إليهم والتعلق بهم فهذا هو الهلاك بعينه فإن من تعلق بشيء وكل إليه نعتمد على أنفسنا وذكائنا بكل غرور وعجب ....أما أن نسأل الله العون والتوفيق ونلح عليه بالدعاء ونحرص على دوام الصلة بالله في كل الأشياء وفي الشدة والرخاء فهذا آخِر ما يفكر فيه بعض الناس
فقيرا جئت بابك يا إلهي
ولست إلى عبادك بالفقير
غني عنهم بيقين قلبي
وأطمع منك بالفضل الكبير
إلهي ما سألت سواك عونا
فحسبي العون من رب قدير
إ لهي ما سألت سواك عفوا
فحسبي العفو من رب غفور
إلهي ما سألت سواك هديا
فحسبي الهدي من رب بصير
إذا لم أستعن بك يا إلهي
فمن عوني سواك ومن مجيرِ
أيها الاخوة إن الفرار إلى الله واللجوء إليه في كل حال وفي كل كرب وهم هو السبيل للتخلص من فتورنا وضعفنا وذلنا وهواننا إن في هذه الدنيا مصائب ورزايا ومحن وبلايا آلاما تضيق بها النفوس ومزعجات تورث الخوف والجزع كم في الدنيا من عين باكية وكم فيها من قلب حزين وكم فيها من الضعفاء والمعدومين قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل هذا يشكو علة وسقما وذاك حاجة وفقرا وآخر هما وقلقا عزيز قد ذل وغني افتقر وصحيح مرض رجل يتبرم من زوجه وولده وآخر يشكو ويئن من ظلم سيده وثالث كسدت وبارت تجارته شاب أو فتاة يبحث عن عروس وطالب يشكو كثرة الامتحانات والدروس هذا مسحور وذاك مدين وآخر ابتلي بالإدمان والتدخين ورابع أصابه الخوف ووسوسة الشياطين تلك هي الدنيا تضحك وتبكي وتجمع وتشتت شدة ورخاء وسراء وضراء وصدق الله العظيم (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) أيها الاخوة السؤال الذي يجب أن يكون؛ هؤلاء إلى من يشكون وأيديهم إلى من يمدون يجيبك واقع الحال على بشر مثلهم يترددون وللعبيد يتملقون يسألون ويلحون وفي الثناء والمديح يتقلبون وربما على السحرة والكهنة يتهافتون نعم والله تؤلمنا شكاوي المستضعفين وزفرات المساكين وصرخات المنكوبين وتدمع أعيننا يعلم الله لأهات المتوجعين وأنات المظلومين وانكسار الملذوعين لكن أليس إلى الله وحده المشتكي أليس إلى الله وحده المشتكي أين الإيمان بالله أين التوكل على الله أين الثقة واليقين بالله
وإذا عرفت بلية فاصبر لها
صبر الكريم فإنه بك أرحم
وإذا شكوت إلى ابن أدم فإنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
ألم نسمع عن أناس كانوا يشكون إلى الله حتى انقطاع شسع نعلهم نعم حتى سير النعل كانوا يشكون إلى الله بل كانوا يسألون الله حتى الملح يا أصحاب الحاجات أيها المرضى أيها المدينون أيها المكروب والمظلوم أيها المعسر والمهموم أيها الفقير والمحروم يا من يبحث عن السعادة الزوجية يا من يشكو العقم ويبحث عن الذرية يا من يريد التوفيق في الدراسة والوظيفة يا من يهتم لأمر المسلمين يا كل محتاج يا من ضاقت عليه الأرض بما رحبت لماذا لا نشكو إلى الله أمرنا لماذا لا نشكو إلى الله أمرنا وهو القائل (ادعون أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) لماذا لا نرفع أكف الضراعة إلى الله وهو القائل (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعي إِذَا دَعَانِ ) لماذا ضعف الصلة بالله وقله في الاعتماد على الله وهو القائل (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) لولا دعاؤكم أيها المؤمنون أيها المسلمون يا أصحاب الحاجات ألم نقرأ في القرآن قول الحق عز وجل (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء ) لماذا ( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) فأين نحن من الشكوى لله أين نحن من الإلحاح والتضرع لله سبحان الله ألسنا بحاجة لربنا أنعتمد على قوتنا وحولنا والله ثم والله لا حول لنا ولا قوة إلا بالله والله لا شفاء إلا بيد الله ولا كاشف للبلوى إلا الله لا توفيق ولا فلاح ولا سعادة ولا نجاح إلا من الله العجيب والغريب أيها الاخوة أن كل مسلم يعلم هذا ويعترف بهذا بل ويقسم على هذا فلماذا إذن تتعلق القلوب بالضعفاء والعاجزين ولماذا نشكو إلى الناس ونلجأ للمخلوقين
سل الله ربك ما عنده
ولا تسأل الناس ما عندهم
ولا تبتغي من سواه الغنى
وكن عبده لا تكن عبدهم
فيا من إذا بليت سلاك أحبابك وهجرك أصحابك يا من نزلت به نازلة أو حلت به كارثة يا من بليت بمصيبة أو بلاء ارفع يديك إلى السماء وأكثر الدمع والبكاء وألح على الله بالدعاء وقل يا سامعا لكل شكوى " إذا استعنت فاستعن بالله وإذا سألت فاسأل الله " وقل يا سامعا لكل شكوى توكل على الله وحده وأعلن بصدق أنك عبده واسجد لله بخشوع وردد بصوت مسموع يا سامعا لكل شكوى :
أنت الملاذ إذا ما أزمة شملت
وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت المنادى به في كل حادثة
أنت الإله وأنت الذخر والأمل
أنت الرجاء لمن سدت مذاهبه
أنت الدليل لمن ضلت به السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة
عليك والكل ملهوف ومبتهل
إن الأنبياء والرسل وهم خير الخلق وأحب الناس إلى الله نزل بهم البلاء واشتد بهم الكرب فماذا فعلوا وإلى من لجئوا ؟ أخي الحبيب أختصر لك الإجابة إنه التضرع والدعاء والافتقار لرب الأرض والسماء إنها الشكاية لله وحسن الصلة بالله هذا نوح عليه السلام يشكو أمره إلى الله ويلجأ إلى مولاه قال تعالى (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) كانت المناجاة كانت المناجاة فكانت الإجابة من الرحمن الرحيم وقال (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) وقال عز من قائل (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء منْهَمِرٍ ) هذا أيوب عليه السلام ابتلاه الله بالمرض ثمانية عشر عاما حتى أن الناس ملوا زيارته لطول المدة فلم يبق معه إلا رجلان من إخوانه يزورانه لكنه لم ييئس عليه السلام بل صبر واحتسب وأثنى الله عليه فقال (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) أواب أي رجاع منيب إلى ربه ظل على صلته بربه وثقته به ورضاه بما قسم له توجه إلى ربه بالشكوى ليرفع عنه الضر والبلوى قال تعالى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فماذا كانت النتيجة قال الحق عز وجل العليم البصير بعباده الرحمن الرحيم قال (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم معَهُمْ رَحْمَةً منْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) هذا يونس عليه السلام رفع الشكاية لله فلم يناج ولم يناد إلا الله قال تعالى (وَذَا النُّونِ إِذ ذهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لن نقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) فماذا كانت النتيجة ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) وذكريا عليه السلام قال الحق عز وجل عنه (وذكريا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) الذين يشكون العقم وقلة الولد (وذكريا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) فماذا كانت النتيجة ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى َوأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) إذن لماذا استجاب الله دعاءه لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات كانوا لا يملون الدعاء بل كان القلب متصلا متعلقا بالله لذلك قال الله عنهم وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ؛ خاشعين متذللين معترفين بالتقصير فالشكاية تخرج من القلب قبل اللسان يعقوب عليه السلام قال (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) انظروا إلى اليقين انظروا للمعرفة لرب العالمين (وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) فاستجاب الله دعاه وشكواه ورد عليه يوسف وأخاه وهذا يوسف عليه السلام ابتلاه الله بكيد النساء فلجأ إلى الله وشكا إليه ودعاه فقال (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن منَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وأخبر الله عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) استغاثة لجاءة إلى الله شكوى وصلة لله سبحانه وتعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ منَ الملائكة مُرْدِفِينَ ) وهكذا أيها الأحبة إننا حينما نستعرض حياة الرسل جميعا كما قصها علينا القرآن الكريم نرى أن الابتلاء والامتحان كانا مادتها وماؤها وأن الصبر وحسن الصلة بالله ودوام الالتجاء وكثرة الدعاء وحلاوة الشكوى كان قوامها وما أشرنا إليه إنما هي نماذج من الاستجابة للدعاء ومن نظر في كتب السير والتفاسير وقف على شدة البلاء الذي أصاب الأنبياء وعلم أن الاستجابة جاءت بعد إلحاح ودعاء واستغاثة ونداء إنها آيات بينات وبراهين واضحات وتقول بل وتعني أن من توكل واعتمد على الله وأحسن الصلة بمولاه استجاب الله دعاءه وحفظه ورعاه فإن لم يكن ذلك في الدنيا كان في الآخرة وما عند الله خير وأبقى إنها صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية لتسجل أن لا اعتماد إلا على الله وأن لا فارج للهم ولا كاشف للبلوى إلا الله هذا هو طريق الاستعلاء أن ننظر إلى السماء وأن نلح بالدعاء لأن الشكوى إلى الله تشعرك بالقوة والسعادة وأنك تأوي إلى ركن شديد أما الشكوى إلى الناس والنظر لما في أيدي الناس سيشعرك بالضعف والذل والإهانة والتبعية يا أخا التوحيد أليس هذا أصل من أصول التوحيد إن من أصول التوحيد أن تتعلق القلوب بخالقها في وقت الشدة والرخاء والخوف والأمن والمرض والصحة بل وفي كل حال وزمان وما نراه اليوم من تعلق القلوب بالمخلوقين وبالأسباب وحدها دون اللجوء إلى الله لهو والله نذير خطر لزعزعة عقيدة التوحيد في النفوس أيها الأحبة إن الشكوى لله والتضرع إلى الله وإظهار الحاجة إليه والاعتراف بالافتقار إليه من أعظم عرى الإيمان وثوابت التوحيد وبرهان ذلك الدعاء والإلحاح في السؤال والثقة واليقين بالله في كل حال ولقد زخرت كتب السنة بأنواع من الدعاء تجعل المسلم على صلة بربه وفي حرز من عدوه يقضي أمره ويقضي همه في كل مناسبة دعاء في اليقظة والمنام والحركة والسكون قياما وقعودا وعلى الجنوب ابتهال وتضرع في كل ما أهم العبد وهل إلى غير الله مفر أم هل إلى غيره ملاذ ففي المرض مثلا الأدعية كثيرة والأحاديث مستفيضة إليك على سبيل المثال ما أخرجه [البخاري] و[مسلم] من حديث [عائشة] رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أو" أن رسول الله كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها" وأخرج البخاري ومسلم أيضا من حديث عائشة قالت" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال : اذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما "أي لا يترك سقما وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود [والترمذي] عن [عثمان بن أبي العاص] رضي الله تعالى عنه أنه شكي رسول الله أو شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال له صلى الله عليه وآله وسلم انظروا لرسول الله لقدوتنا وحبيبنا يربي الناس يربي أصحابه على الاعتماد واللجوء إلى الله فقال له صلى الله عليه وسلم ضع يدك على الذي تألم من جسدك ضع يدك الإرشاد أولا لله التعلق أولا بالله لم يرشده أولا لطبيب حاذق ولا بأس بهذا لكن التعلق بالله هو أولا " ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله بسم الله بسم الله ثم قل سبعا أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " وفي رواية امسحه بيمينك سبع مرات وفي رواية قال عثمان فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم .سبحان الله اسمعوا لحسن الصلة بالله والتوكل على الله فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم أيها المريض اعلم أن من أعظم أسباب الشفاء التداوي بالرقى الشرعية من القرآن والأدعية النبوية ولها أثر عجيب في شفاء المريض وزوال علته لكنها تريد قلبا صادقا وذلا وخضوعا لله رددها أنت بلسانك فرقيتك لنفسك أفضل وأنجى فأنت المريض وأنت صاحب الحاجة وأنت المضطر وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة وما حك جلدك مثل ظفرك فتوكل على الله بصدق وألح عليه بدون ملل وأظهر ضعفك وعجزك وحالك وفقرك إليه وستجد النتيجة العجيبة إن شاء الله ثقة بالله فإلى كل مريض مهما كان مرضه أقول أخي الحبيب شفاك الله وعافاك اعلم أن الأمراض من جملة ما يبتلي الله به عباده والله عز وجل لا يقضي شيئا إلا وفيه الخير والرحمة بعباده وربما ربما كان مرضك لحكمة لحكمة خفيت عليك أو خفيت على عقلك البشري الضعيف وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم أيها المحب شفاك الله هل علمت أن للأمراض والأسقام فوائد وحكم أشار [ابن القيم] إلى أنه أحصاها فزادت على مائة فائدة وانظر كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل صفحة خمسة وعشرين وخمسمائة أيها المسلم أيها المسلم أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك هل سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" والحديث متفق عليه من حديث [ابن مسعود] وهل سمعت أنه صلى الله عليه وسلم زار أم العلاء وهي مريضة فقال "لها ابشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما يذهب خبث الذهب والفضة أو كما تذهب النار خبث الذهب والفضة" والحديث أخرجه [أبو داود] وحسنه [المنذري] وقال [الألباني] في صحيحه هذا سند جيد قال[ ابن عبد البر] رحمه الله الذنوب تكفرها المصائب والآلام والأمراض والأسقام وهذا أمر مجتمع عليه .انتهى كلامه رحمه الله والأحاديث والآثار في هذا مأثورة ليس هذا مقام بسطها لكن المراد هنا أننا نرى حال بعض الناس إذا مرض يفعل كل الأسباب المادية من ذهاب للأطباء وأخذ للدواء وبذل للأموال وسفر للقريب والبعيد ولا شك أن هذا مشروع محمود ولكن الأمر الغريب أن يطرق كل الأبواب وينسى باب مسبب الأسباب بل ربما لجأ للسحرة والمشعوذين نعوذ بالله من الشرك والمشركين ألم يقرأ في القرآن ( وإذا مرضت فهو يشفين ) أيها المريض اعلم أن الشافي الله ولا شفاء إلا شفاؤه أيها المريض بل يا كل مصاب أيا كانت مصيبته هل سألت نفسك لماذا ابتلاك الله بهذا المرض أو بهذه المصيبة ربما لخير كثير ولحكم لا تعلمها ولكن الله يعلمها ألم يخطر ببالك أنه أصابك بهذا البلاء ليسمع صوتك وأنت تدعوه ويرى فقرك وأنت ترجوه فمن فوائد المصائب استخراج مكنون عبودية الدعاء قال أحدهم سبحان من استخرج الدعاء بالبلاء وفي الأثر "أن الله ابتلى عبدا صالحا من عباده وقال لملائكته لأسمع صوته" يعني بالدعاء والإلحاح أيها المريض المرض يريك فقرك وحاجتك إلى الله وأنه لا غنى لك عنه طرفة عين فيتعلق قلبك بالله وتقبل عليه بعد أن كنت غافلا عنه وصدق من قال فربما صحت الأجسام بالعلل فارفع يديك ارفع يديك وأسل دمع عينيك وأظهر فقرك وعجزك واعترف بذلك وضعفك في رواية عن [سعيد بن عنبسة] قال بينما رجل جالس وهو يعبث بالحصى ويحذف به إذ رجعت حصاة منها عليه فصارت في أذنه فجهدوا بكل حيلة فلم يقدروا على إخراجها فبقيت الحصاة في أذنه مدة وهي تؤلمه فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع قارئا يقرأ ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ) فقال الرجل يا رب يا رب أنت المجيب وأنا المضطر فاكشف عني ضر ما أنا فيه فنزلت الحصاة من أذنه في الحال لا تعجب إن ربي لسميع الدعاء إذا أراد شيئا قال له كن فيكون أيها المريض إياك وسوء الظن بالله إن طال بك المرض فتعتقد أن الله أراد بك سوءا أو أنه لا يريد معافاتك أو أنه ظالم لك فإنك إن ظننت ذلك إنك على خطر عظيم أخرج [الإمام أحمد] بسند صحيح في السنة الصحيحة من حديث [أبي هريرة] أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يقول " أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فله وإن ظن شرا فله" يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به فأحسن الظن بالله تجد خيرا إن شاء الله لا تجزعن إذا نالتك موجعة
لا تجزعن إذا نالتك موجعة
واضرع إلى الله مسرع نحوك الفرج
ثم استعن بجميل الصبر محتسبا
فصب يسرك بعد العسر ينثلج
فسوف يدرج عنك الهم مرتحلا
وإن أقام قليلا سوف يندلج
هذا في المرض وأطلت فيه لكثرة المرضى وحاجة الناس إلى مثل هذه التوجيهات وهي تحتاج إلى دروس ومحاضرات لكن حسبي ما ذكرته الآن لأن الموضوع عام في المصائب والآلام ومن المصائب والآلام التي يحتاج الناس فيها الشكوى إلى الله تراكم الديون وكثرة المعسرين كم من مدين عجز عن الوفاء وكم من معسر يعيش في شقاء هم في الليل وذل في النهار أحزان وآلام لا يغمض في منام ولا يهنأ في طعام طريد للغرماء أو مع السجناء صبية صغار وبيت للإيجار وزوجة مسكينة لا تدري أتطرق أبواب المحسنين أو تسلك طريق الفاسقين هذه الرسالة رسالة مؤلمة من زوجة إلى زوجها في السجن بسبب الديون جاء فيها تقول الزوجة : لم أتمتع معك في حياتنا الزوجية إلا فترة من الزمن حتى غيبوك في غياهب السجون كم سنة غبت عني لا أدري ماذا فعل الله بك ولا أدري عنك أحي فترجى أم ميت فتنعى ليتك ترى حالي وحال أولادك ليتك ترى حال صغارك لست أدري هل أخون أمانة الله وأمانتك وأطلب الرزق لهؤلاء بطرق محرمة وأنا في ذمتك وعهدك أم أطلب الطلاق ويضيع أولادك إلى آخر الرسالة ذكرها صاحب كتاب نداء إلى الدائنين والمدينين وأقول أيها الأحبة تصوروا حال هذا الزوج كيف يكون وهو يقرأ هذه الكلمات ديون وسجون وهموم وأولاد ذل وخضوع للناس واسمعوا لهذا الرجل وهو يشكو حاله فيقول أنا رجل سجين علي مبلغ من المال وصار لي في السجن أكثر من سنة ونصف ولا يقبل خصمي الكفيل فأنا معسر وصاحب عائلة فهل يجوز سجني إلى هؤلاء وأمثالهم أقول لماذا طرقتم الأبواب كلها ونسيتم باب من" يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا خائب اليدين "كما في [أبي داود] و[الترمذي] وقال [ أبن حجر] سنده جيد قال [ السريقسطي ] كن مثل الصبي إذا اشتهى على أبويه شهوة فلم يمكناه قعد يبكي عليهما فكن أنت مثله فإذا سألت ربك ولم يعطك فاقعد فابك عليه فاقعد فابكي عليه كما في شعب الإيمان [ للبيهقي] :
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
زرعا وعند الله منها مخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج
ومن الأدعية في قضاء الدين ما أخرجه أبي داود في سننه من حديث [أبي سعيد الخدري] قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فرأى فيه رجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إني أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة قال هموم لزمتني وديون يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمك كلاما يعلق القلوب يعلق القلوب بالله صلوات الله وسلامه عليه "أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك قال قلت بلى يا رسول الله قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال قال ففعلت ذلك فأذهب الله تعالى همي وغمي وقضى عني ديني" وروى [البيهقي] في فضائل الأعمال عن [حماد بن سلمة] عن [ عاصم بن أبي إسحاق ] شيخ القراء في زمانه قال أصابتني خصاصة أي حاجة وفاقة فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة فخرجت من منزله إلى الجبانة أي إلى الصحراء فصليت ما شاء الله تعالى ثم وضعت وجهي على الأرض وقلت يا مسبب الأسباب ويا مفتح الأبواب ويا سامع الأصوات يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك يلح على الله بهذا الدعاء قال والله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فرفعت رأسي فإذا بحدأة طرحت كيسا أحمر فأخذت الكيس فإذا فيه ثمانين دينارا وجوهرا ملفوف في قطنه فبعت الجواهر بمبلغ عظيم وأفضلت أي أبقيت الدنانير فاشتريت بها عقارا وحمدت الله تعالى على ذلك لا نعجب أيها الاخوة إن ربي لسميع الدعاء ومن يتوكل على الله فهو حسبه ومن الأدعية عند الهم والقلق ما أخرجه أحمد في المسند من حديث [عبد الله بن مسعود ] رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجا وفي رواية فرحا قال فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها" صححه ابن حبان وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية أيها الاخوة إن الإنسان منا ضعيف ضعيف فكيف إذا اجتمعت عليه الهموم والأحزان وشواغل الدنيا ومشاكلها فزادته ضعفا وجعلته فريسة للهم والقلق والتمزق النفسي انظروا للعيادات النفسية وكثرة المراجعين لها شباب وفتيات في أعمار الزهور أين هؤلاء من الاعتصام بالله والاتصال والشكوى للذي يقدر أو للذي قدر الهموم والغموم وقضى بالمصائب والأحزان يتصل به متذللا معترفا بذنبه طارقا بابه مستعينا به مستيقنا بأنه هو القادر على كشفها دون سواه وما سواه ؛الأسباب هو الذي يهيئها ويقدرها للعبد إن الله تعالى يقول (خلق الإنسان ضعيفا) قال [ ابن القيم ] في طريق الهجرتين فإنه أي الإنسان ضعيف البنية ضعيف القوة ضعيف الإرادة ضعيف العلم ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا أسرع من السيل في طيب الحدوق فالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه إلى آخر كلامه إذن فلنتعلم هذا الحديث كما نصحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فيه خضوعا لله فيه اعتراف بالذل والعبودية لله فيه توسل واستغاثة بجميع أسماء الله ما يعرف منها وما لا يعرف ما كتب وما أخفى وأبشر أخي الحبيب فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله له بها من خطاياه" كم في البخاري ومسلم
يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الفارج الله
إذا بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوى هو الله
ومن الأدعية عند النوازل والفتن والخوف ما أخرجه [ أبو داود والنسائي ] عن [ أبي موسى ] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول أو كان إذا خاف قوما قال " اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم "وكان يقول صلى الله عليه وسلم عند لقاء العدو" اللهم أنت عضدي وأنت ناصري بك أصول وبك أجول وبك أقاتل" كما عند أبي داود والترمذي وأحمد وفي صحيح البخاري من حديث [ابن عباس] قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم فإذا كان المحيي والمميت والرزاق هو الله فلماذا التعلق بغير الله لماذا التعلق بغير الله ولماذا الخوف من الناس وصلى الله عليه وسلم يقول " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" أيها المسلم .
أيها الاخوة والأخوات إن من أعظم البلايا وأشد الرزايا ما يصيب المسلمين كل يوم من غزو واجتياح وتعديات ومظالم وفقر وتجويع حتى أصاب بعض النفوس الضعيفة أصابها اليأس والقنوط والإحباط وفقدان الثقة والأمل لماذا أيها الاخوة أليس الأمر لله من قبل ومن بعد أليس حسبنا الله وكفى بالله حسيبا أليس الله بقادر أليس الله أو أليس هو الناصر وكفى بالله نصيرا ألا يعلم الله مكرهم ألم يقل ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) (أليس الله بكاف عبده)( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) ألم يقل ( إنا كفيناك المستهزئين ) ألم يقل ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) معاشر الاخوة اسمعوا وعوا وأعلنوا واعلموا إن مصيبتنا ليست في قوة عدونا إنما هي بضعف صلتنا بربنا وضعف ثقتنا وقلة اعتمادنا عليه لنفتش في أنفسنا عند وقوعنا في الشدائد والمحن أين الضراعة والشكوى لله أين اللجاءة والمناجاة لله ليس شيء أفضل عند الله من الدعاء لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته وغناه أيها المسلمون نريد أن نتعلم فن الدعاء والتذلل والخضوع والبكاء لنعترف بالفقر إليه ولنظهر العجز والضعف بين يديه أليس لنا في رسول الله قدوة أليس لنا أسوة أوذي أشد الأذى وكذب أشد التكذيب اتهم بعرضه وخدشت كرامته وطرد من بلده عاش يتيما وافتقر ومن شدة الجوع ربط على بطنه الحجر قيل عنه كذاب وساحر ومجنون وشاعر توضع العراقيل في طريقه وسلى الجزور على ظهره يشج رأسه وتكسر ثنيته يقتل عمه جمعوا عليه الأحزاب وحاصروه المشركون والمنافقون واليهود يذهب إلى الطائف ليبلغ دعوته فيقابل بالتكذيب والسب والشتم ويطرد ويلاحق ويرمى بالحجارة فماذا فعل بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه أين ذهب من يسأل إلى من يشكو إلى ذي الجبروت والملكوت إلى القوي العزيز فأعلن صلى الله عليه وآله وسلم الشكوى ورفع يديه بالنجوى دعا وألح وبكى وتظلم وتألم وشكا لكن اسمع لفن الشكوى وإظهار الضعف والعجز والافتقار منه صلى الله عليه وسلم قال " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك " هكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم ضراعة ونجوى لربه والحديث أخرجه [الطبراني] كما في الكبير وقال [الهيثمي] في المجمع رواه الطبراني وفيه [ابن إسحاق] وهو مدلس ثقة ورجاله ثقات .
أيها الاخوة لماذا نشكو إلى الناس ونبث الضعف والهوان والهزيمة النفسية في مجالسنا وننسى أو نتكاسل عن الشكوى لمن بيده الأمر من قبل ومن بعد ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ) أليس فينا من بينه وبين الله أسرار أليس فينا أيها الأحبة أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره أليس فينا من يرفع يديه إلى الله في ظلمة الليل يسجد ويركع ينتحب إلى الله يرفع الشكوى إلى الله فلنشكو إلى الله ولنقوي الصلة بالله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ومن الأدعية في المصيبة والكرب والشدة والضيق ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم" وفي رواية كان إذا أحزبه أمر قال ذلك قال[ النووي] في شرح مسلم هو حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة قال الطبري كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب وأخرج[ أبو داود] و[أحمد ]عن [أبي بكرة ] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت " حسنه [ ابن حجر] كما في الفتوحات الربانية و[ الألباني ] كما في صحيح الجامع وأخرج [ الترمذي [ و[ أحمد ] عن [ سعد بن أبي وقاص] رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة [ذي النون ]إذ دعا وهو في بطن الحوت ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له حسنه [ابن حجر] كما في الفتوحات وصححه الألباني كما في صحيح الجامع لما قالها [يونس ]عليه السلام وهو في بطن الحوت قال الله عز وجل ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) قال [ابن كثير] في تفسيره ( وكذلك ننجي المؤمنين )أي إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء فقد جاء الترغيب في الدعاء فيها عن سيد الأنبياء انتهى كلامه .
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث [ أم سلمة ] رضي الله تعالى عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها قالت فلما مات أبو سلمة قلت أي قالت في نفسها أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذن فالاسترجاع ملجأ وملاذ لذوي المصائب ومعناه باختصار إن لله توحيد وإقرار بالعبودية والملك وإنا لله وإنا إليه راجعون إقرار بأن الله يمسكنا ثم يبعثنا إذاً فالأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه والله عز وجل يقول ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) .
وإليكم أيها الأحبة إليكم أمثلة ومواقف للذين لجئوا إلى حصن الإيمان وسلاح الدعاء وأدركوا أن المفزع بعد الإيمان هو الدعاء؛ السلاح الذي يستدفع به البلاء ويرد به شر القضاء عن [ أصبغ بن زيد ] قال مكثت أنا ومن عندي ثلاثا لم نطعم شيئا أي من الجوع فخرجت إلى ابنتي الصغيرة وقالت يا أبت الجوع؛ تشكو الجوع قال فأتيت الميضأة انظروا إلى من اللجاءة انظروا إلى من يلجئون فأتيت الميضأة وتوضأت وصليت ركعتين وألهمت دعاء دعوت به في آخره اللهم افتح على منك رزقا لا تجعل علي لأحد منة ولا لك علي في الآخرة فيه تبعة برحمتك يا أرحم الراحمين ثم انصرفت إلى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قد قامت إلي وقالت يا أبه جاء رجل يقول إنه عمي بهذه الصرة من الدراهم وبحمال عليه دقيق وحمال عليه من كل شيء في السوق وقال أقرئوا أخي السلام وقولوا له إذا احتجت إلى شيء فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك قال أصبغ بن زيد والله ما كان لي أخ قط ولا أعرف من كان هذا القائل ولكن الله على كل شيء قدير
فقلت للفكر لما صار مضطربا
وحارني الصبر والتفريط والجلد
دعها سماوية تجري على قدر
لا تعترضها بأمر منك تنفسد
تحفني بخفي اللطف خالقنا
نعم الوكيل ونعم العون والمدد
وعن [شقيق] ....قال كنت في بيتي قاعدا فقال لي أهلي قد ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع ولا يحل لك أن تحمل عليهم ما لا طاقة لهم به قال فتوضأت نرجع إلى السبب الذي كانوا يدورون حوله رضي الله تعالى عنهم وتوضأت وكان لي صديق لا يزال يقسم علي بالله إن يكن لي حاجة أعلمه بها ولا أكتمها عنه فخطر ذكره ببالي فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد فذكرت ما روي عن [أبي جعفر] قال من عرضت له حاجة إلى مخلوق فليبدأ فيها بالله فليبدأ فيها بالله بالله عز وجل قال فدخلت المسجد فصليت ركعتين فلما كنت في التشهد أفرغ علي النوم فرأيت في منامي أنه قيل يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه قال فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني به ربي فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة ثم تركت الذهاب لصاحبي وتوكلت على الله وانصرفت إلى المنزل فوجدت الذي أردت أن أقصد قد حركه الله وأجرى لأهلي على يديه ما أغناهم إن ربي لسميع الدعاء فلا نعجب أيها الأحبة ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) واسمع لدعاء[ ابن القيم ] بالفاتحة يقول ومكثت بمكة مدة يعتريني أدواء لا أجد لها طبيبا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرا عجيبا فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما فكان كثير منهم يبرأ سريعا ذكر ذلك في الجواب الكافي وذكره أيضا في زاد المعاد وفي حديث [أبي سعيد الخدري] المتفق عليه لما قرأ على سيد الحي الفاتحة قال فكأنما نشط من عقال فهذا يشهد أيضا بفضل الفاتحة .
ومن المواقف الجميلة في الدعاء المواقف الطريفة أنه كان [لسعيد بن جبير] ديك كان يقوم من الليل لصياحه فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح فلم يصلِّ سعيد تلك الليلة أي لم يصلِّ قيام الليل فشق عليه ذلك فقال ما له قطع الله صوته يعني الديك وكان سعيد مجاب الدعوة فما سمع للديك صوت بعد ذلك الدعاء فقالت أم سعيد يا بني لا تدع على شيء بعدها ذكر ذلك [الذهبي] في السير وذكر أحد الدعاة في بعض رسائله أن رجلا من العباد كان مع أهله في الصحراء في جهة البادية وكان عابدا قانتا ذاكرا منيبا لله قال فانقطعت المياه المجاورة لنا وذهبت ألتمس ماء لأهلي فوجدت أن الغدير قد جف فعدت إليهم ثم التمسنا الماء يمنة ويسرة فلم نجد ولو قطرة وأدركنا الظمأ واحتاج أطفالي إلى الماء فتذكرت رب العزة سبحانه القريب المجيب فقمت فتيممت واستقبلت القبلة وصليت ركعتين ثم رفعت يدي وبكيت وسالت دموعي وسألت الله بإلحاح وتذكرت قوله ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ) قال والله وما هو ألا أن قمت من مقامي وليس بالسماء من سحاب ولا غيم وإذا بسحابة قد توسطت مكاني ومنزلي في الصحراء واحتكمت على المكان ثم أنزلت ماءها فامتلأت الغدران من حولنا وعن يميننا وعن يسارنا فشربنا واغتسلنا وتوضأنا وحمدنا الله سبحانه وتعالى ثم ارتحلت قليلا خلف هذا المكان وإذا الجدب والقحط فعلمت أن الله ساقها لي بدعائي فحمدت الله عز وجل (وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) وذكر أيضا أن رجلا مسلما ذهب إلى إحدى الدول والتجأ بأهله إليها وطلب بأن تمنحه الجنسية قال فأغلقت في وجهه الأبواب وحاول هذا الرجل كل المحاولة قال واستفرغ جهده وعرض الأمر على كل معارفه فبارت الحيل وسدت السبل ثم لقي عالما ورعا فشكا إليه الحال قال له عليك بالثلث الأخير من الليل ادع مولاك فإنه الميسر سبحانه وتعالى قال هذا الرجل فوالله لقد تركت الذهاب إلى الناس وطلب الشفاعات وأخذت أداوم على الثلث الأخير كما أخبرني ذلك العالم وكنت أهتف لله في السحر وأدعوه فما هو إلا بعد أيام وتقدمت بمعروض عادي ولم أجعل بيني وبينهم واسطة فذهب هذا الخطاب وما هي إلا أيام وفوجئت بالبيت أني أدعى وأسلم الجنسية وكانت لي ظروف صعبة إن الله سميع مجيب ولطيف قريب لكن التقصير منا لا بد أن نلح على الله وندعوه وأبشروا إن ربي لسميع الدعاء .
وأذكر أيها الاخوة أذكر أن طالبا متميزا في دراسته حصل له ظرف في ليلة امتحان إحدى المواد ولم يستطع أن يذاكر جميع المنهج المقرر للمادة إلا بقدر الثلث فاهتم واغتم وضاقت عليه نفسه ولم يستطع الإفادة من باقي الوقت لاقتراب النفس وطول المنهج فما كان منه إلا أن توضأ وصلى ركعتين وألح على الله بأسمائه وصفاته وباسمه الأعظم يقول الطالب فدخلت قاعة الامتحان ووزعت أوراق الأسئلة وقبل أن أنظر فيها دعوت الله عز وجل ورددت بعض الأذكار ثم قلبت الورقة فإذا الأسئلة أكثرها من ذلك الثلث الذي درسته فبدأت بالإجابة ففتح الله علي فتحا عجيبا لم أكن أتصوره ولكن ربي سميع مجيب فإلى كل الطلاب والطالبات أقول لماذا غفلتم عن الدعاء والشكوى لله وأنتم تشكون لبعضكم وتذكرون وتتوجعون لماذا يعتمد الكثير منكم على نفسه وذكائه بل ربما اعتمد البعض على الغش والاحتيال إن النفس مهما بلغت من الكمال والذكاء فإنها ضعيفة وهي عرضة للغفلة والنسيان نعم لنفعل الأسباب ولنحفظ ولنذاكر ونجتهد ولكنها كلها لا شيء إن لم يعنك الله ويفتح عليك ولا حول ولا قوة إلا بالله في كل شيء فهل طلبت العون من الله توكل على الله وافعل الأسباب وارفع يديك إلى السماء وقل يا سامعا لكل شكوى وأظهر ضعفك وفقرك لله وسترى النتائج بإذن الله وأنت أيها المدرس والمدرسة بل يا كل داعية لماذا نعتمد على أنفسنا الضعيفة في التوجيه والتعليم هب أننا أعددنا الدرس جيدا وفعلنا كل الأسباب هل يكفي هذا لعلك تسأل ما بقي أقول هل سألت الله العون والتوفيق عند تحضير الدرس هل سألت الله أن يفتح لك القلوب وأن يبارك في كلماتك وأن ينفع بها هل سألت الله العون والتوفيق وأنت تلقي الدرس هل دعوت لطلابك أن يبارك الله لهم وأن ينفع بهم وأن يصلحهم وأن ييسر عليهم هذه بعض الأمثلة والمواقف وما يعرف ويحكى أكثر وأكثر ولكننا نريد العمل والتطبيق ، تنبيه مهم فكثير من الناس إذا وقع في شدة عمد إلى الحرام كمن يذهب للسحرة والكهان أو يتعامل بالربا والحرام فإذا نصح أو ذكر قال إنه مضطر أو كما يقول البعض ليس من رجله في النار كمن رجله في الماء ولعلي أيها الحبيب أذكرك بآية ربما أنك نسيتها في خضم المصيبة والشدة التي وقعت فيها إن الله عز وجل يقول ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر ؛إلى اللجوء والتضرع إلى الله كما يقول [الزمخشري] وأنت أيها الأخ أو أيتها الأخت تذكر أنك مضطر والمضطر وعده الله بالإجابة حتى وإن كان فاسقا فإذا كان الله أجاب دعوة المشركين عند الاضطرار فإن إجابته للمسلمين مع تقصيرهم من باب أولى .
جاء رجل إلى [مالك بن دينار] فقال أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر فقال له فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه إن الله عز وجل قد ذم من لا يستكين له ولا يتضرع إليه عند الشدائد وانتبهوا أيها الأحبة لا بد من الضراعة والاستكانة لله عند الشدة كما أخبر الله فقال عز من قائل ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) أي لو استكانوا لربهم وتضرعوا لكان أمرا آخر فكيف بحال من يقع في الشرك والحرام عند البلاء والشدة فيزيد الطين بلة كيف يريد الشفاء أو انكشاح البلاء وهو يطلبه من مخلوقين مثله ضعفاء .
قال بعض السلف قرأت في بعض الكتب المنزلة يقول الله عز وجل "يؤمل غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويرجى غيري ويطرق بابه بالبكورات
وبيدي مفاتيح الخزائن وبابي مفتوح لمن دعاني من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به أو من الذي رجاني لعظيم فقطعت رجاءه ومن ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له أنا غاية الآمال فكيف تنقطع الآمال دوني أبخيل أنا فيبخلني عبدي أليست الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي فما يمنع المؤملون أن يؤملوني ولو جمعت أهل السماوات وأهل الأرض ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع وبلغت كل واحد منهم أمله لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة وكيف ينقص ملك أنا قيومه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ويا بؤسا لمن عصاني ووثب على محارمي "ذكر ذلك [ابن رجب] في نور الاقتباس والإسرائيليات يعتبر بها ولا يعتمد عليها كما يقول شيخ الإسلام[ ابن تيميه] رحمه الله .
أيها الاخوة إن الله يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه ويحب الملحين في الدعاء بل وينادي في كل ليلة هل من سائل فأعطيه وهل من داع فأستجيب له فأين المضطرون أين أصحاب الحاجات أين من وقع في الشدائد والكربات .
معاشر الاخوة والأخوات اقرءوا وانظروا في حادث الإفك وفي حديث الثلاثة أصحاب الغار وحديث المقترض الذي وضع المال في الخشبة وألقاها في البحر وحديث الثلاثة الذين خلفوا وغيرها من القصص النبوي في الصحاح والسنن فرج عنهم لسؤالهم لله وإلحاحهم بالدعاء رفعوا أيديهم إلى الله وأعلنوا الذل والخضوع لله وهذا الذل لا يصلح إلا لله لحبيبه ومولاه
ذل الفتى في الحب مكرمة وخضوعه لحبيبه شرف
فالعبودية لله عز ورفعة ولغيره ذل ومهانة وفي سؤال الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا
فابذله للمتكرم المفضال
كان [يحيى بن معاذ] يقول يا من يغضب على من لا يسأله لا تمنع من قد سألك وكان [بكر المزني ]يقول من مثلك يا ابن آدم متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إلى بعض المخلوقين فقال له أنا لا أطرق بابا مفتوحا وأذهب إلى باب مغلق هكذا فلتكن الثقة بالله والتوكل على الله وقبل الختام وحتى نصل إلى ما نريد من فن الشكوى وحسن النجوى تنبه لهذه التوجيهات :
أولا : الدعاء له آداب وشروط لا بد من تعلمها والحرص عليها واسمع لهذا الكلام الجميل النفيس [لابن القيم] رحمه الله قال وإذا جمع العبد مع الدعاء حضور القلب وصادف وقتا من أوقات الإجابة وخشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلا له وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على رسول الله ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعاءه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا ولا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة وأنها متضمنة الاسم الأعظم انتهى بتصرف من الجواب الكافي لابن القيم صفحة تسعة عشر .
ثانيا :الصدقة وقد أكد عليها ابن القيم في كلامه السابق ولها أثر عجيب في قبول الدعاء بل وفعل المعروف أيا كان فصنائع المعروف تقي مصارع السوء كما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والله عز وجل يقول عن يونس عليه السلام ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) .
ثالثا : عليك بالصبر وإياك واليأس والقنوط وفي هذا توجيهات :
أولا : أعلم أن الدعاء عبادة ولو لم يتوفر لك من دعاءك إلا الأجر على هذا الدعاء بعد إخلاصك لله عز وجل فيه لكفى .
ثانيا: أن تعلم أن الله أعلم بمصلحتك منك فيعلم سبحانه أن مصلحتك بتأجيل الإجابة أو عدمها .
ثالثا : لا تجزع من عدم الإجابة فربما دفع عنك بهذا الدعاء شرا كان سينزل بك فعن [عبادة بن الصامت] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم إذن نكثر قال الله أكثر" رواه [الترمذي] وقال حديث حسن صحيح ورواه [الحاكم] من رواية [أبي سعيد] وزاد فيه أو يدخر له من الأجر مثلها .
رابعا : ربما كان عدم الإجابة أو تأخيرها امتحان لصبرك وتحملك وجلدك هل تستمر في الدعاء وفي هذه العبادة أم تستحسر وتمل وتترك الدعاء ففي الحديث عن ]أبي هريرة ] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل أو ما لم يعجل يقول قد دعوت ربي ولم يستجب لي "متفق عليه وفي جزء من رواية ابن مسلم قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء .
خامسا : أن تلقي باللوم على نفسك وهي من أهمها أن تلقي باللوم على نفسك فقد يكون سبب عدم الإجابة وقوعك أنت في بعض المعاصي أو التقصير أو إخلالك في الدعاء أو تعديك فيه فمن أعظم الأمور أن تتهم نفسك بالتقصير وتنسب عدم الإجابة لنفسك فهذا من أعظم الذل والافتقار لله، واسمع أيضا لهذا الكلام الجميل النفيس [لابن رجب] رحمه الله في نور الاقتباس يقول إن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة رجع إلى نفسه باللائمة يقول لها إنما أوتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إليه حينئذ بإجابة الدعاء وتفريج الكرب فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله وعلى قدر الكسر يكون الجبر انتهى كلامه رحمه الله .
رابعا : من التوجيهات الأساسية تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة قال [سلمان الفارسي] : إذا كان للرجل دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس له دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له ذكر ذلك ابن رجب .
أيها الاخوة وأنا أتأمل في حديث الثلاثة؛ أصحاب الغار وهم يدعون ويتوسلون إلي الله بصالح أعمالهم وأخلصها لله أقول في نفسي وأفتش فيها أين ذلك العمل الصالح الخالص لله الخالي من حظوظ النفس الذي سألجأ إلى الله فيه عند الشدة فلنرجع إلى أنفسنا ولنسألها مثل هذا السؤال لنبحث في أعمالنا وعن الإخلاص لله فيها ولنكن على صلة بالله في الرخاء وصدق من قال
إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخرا يكون كصالح الأعمال .
خامسا : إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله تعالى وفيه اطمئنان للنفس وراحة للقلب فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وتذكر دائما أن كل شيء بقضاء وقدر وأنه من عند الله .
سادسا : احرص على أكل الحلال احرص على أكل الحلال فهو شرط من شروط إجابة الدعاء وفي الحديث "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له "أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة فالله الله بالحلال فإن له أثرا عجيبا في إجابة الدعاء ربما قصرنا في وظائفنا أي نوع من التقصير وكان ذلك التقصير سببا في رد الدعاء وإجابته فلنتنبه إلى هذا أيها الأحبة .
سابعا : وأخيرا في التوجيهات حتى تكون مجاب الدعوة إن شاء الله أكثر من الاستغفار في الليل والنهار فلو لم يكن فيه إلا قول الحق عز وجل ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) فأين من يشكو الفقر والعقم والقحط عن هذه الآية هذه توجيهات سبع انتبه لها قبل أن ترفع يديك إلى السماء لتكن إن شاء الله مجابا للدعاء.
إلى كل مصاب ومنكوب وإلى كل من وقع بشدة وضيق أقول اطمئنوا فقد سبقكم أناس في هذا الطريق وما هي إلا أيام سرعان ما تنقضي. في الكتب المصنفة في الفرج بعد الشدة [للتنوخي] و[ابن أبي الدنيا] و[السيوطي] وغيرهم مئات القصص لمن مرضوا أو افتقروا أو عذبوا أو شردوا أو حبسوا أو عذبوا فجاءهم الفرج ساقه لهم السميع المجيب فلك في المصابين أسوة قال ابن القيم في زاد المعاد كلاما جميلا أيضاً فاسمع قال ومن علاج المصيبة أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأصحاب المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة وأنه لو فتش العالم لن يرى فيهم إلا مبتلى إما بفوت محبوب أو حصول مكروه وأن سرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا وإن سرت يوما ساءت دهرا وإن متعت قليلا منعت طويلا وما ملئت دارا حبرة أي سعادة إلا ملأتها عبرة ولا سرته في يوم بسرور إلا خبأت له يوم شرور انتهى كلامه رحمه الله.
فيا أيها الاخوة والأخوات أحصوا القرآن والأحاديث في كتب السنة والقصص والمواقف في كتب الفرج بعد الشدة والأحداث والعبر في واقعنا المعاصر جميعها تخبرنا أن الشدائد مهما طالت لا تدوم على أصحابها .
إذا اشتملت على اليأس القلوب
وضاقت بها الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمئنت
وأرست في أماكنها الخطوب
ولن ترى لانكشاف الضر وجها
ولا أغني بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث
يجيئ به القريب المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت
فموصول بها الفرج القريب
ولو لم يكن في المصائب والبلايا إلا أنها سبب لتكفير الذنوب وكسر لجماح النفس وغرورها ونيل للثواب بالصبر عليها وتذكير بالنعمة التي غفل عن شكرها وهي تذكر العبد بذنوبه فربما تاب وأقلع عنها وهي تجلب عطف الناس ووقوفهم مع المصاب بل من أعظم ثمار المصيبة أن يتوجه العبد بقلبه إلى الله ويقف ببابه ويتضرع إليه فسبحان مستخلف الدعاء بالبلاء فالبلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين ويوجب له الإقبال على الخالق وحده وهذا هو الإخلاص والتوحيد فإذا علم العبد أن هذه من ثمار المصيبة أنس بها وارتاح ولم ينزعج ولم يقنط فإلى ذوي المصائب والحاجات والشدائد والكربات إن منهج القرآن يقول وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم بل اسمعوا لهذه الآية العجيبة ففيها عزاء وتطمين لكل المسلمين قال تعالى : ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) فلماذا التسخط والجزع والشكوى والأنين فلعل فيما حصل خير لك فتفاءل وأبشر واعتمد على الله وارفع يديك إلى السماء وقل يا سامعا لكل شكوى وأحسن الظن بالله وقل :
صبرا جميلا ما أسرع الفرج
من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى
ومن رجا الله كان حيث رجا
هذه الكلمات كلمات لتسلية المحزونين وتفريج كرب الملذوعين وهي عزاء للمصابين وتطييب للمنكسرين أسأل الله أن ينفع بها المسلمين وأن يغفر لي ولكم أجمعين .
فيا سامعا لكل شكوى ويا عالما بكل نجوى يا سابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغمم ويا كاشف الظلم ويا أعدل من حكم ويا حسيب من ظلم ويا ولي من ظلم يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث ولا الدهور يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما يظلم عليه الليل ويشرق عليه النهار كم من نعمة أنعمت بها علينا قل لك عندها شكرنا وكم من بلية ابتليتنا بها قل عندها صبرنا فيا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا ويا من قل عند بلائه صبرنا فلم يخذلنا اقذف في قلوبنا رجاءك اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحدا غيرك
اللهم إنا نسألك إيمانا ثابتا ويقينا صادقا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا اللهم لا نهلك وأنت رجاؤنا احرسنا بعينك التي لا تنام وبركنك الذي لا يرام يا سامعا لكل شكوى ويا عالما بكل نجوى يا كاشف كربتنا ويا مستمع دعوتنا ويا راحم عبرتنا ويا مقيل عثرتنا يا رب البيت العتيق اكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق واكفنا والمسلمين ما نطيق وما لا نطيق اللهم فرج عنا وعن المسلمين كل هم وغم وأخرجنا والمسلمين من كل حزن وكرب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا منزل القطر يا مجيب دعوة المضطر يا سامعا لكل شكوى احفظ إيماننا وأمن هذه البلاد ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد يا كاشف كل ضر وبلية ويا عالم كل سر وخفية نسألك فرجا قريبا للمسلمين وصبرا جميلا للمستضعفين يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا ويا ذا النعم التي لا تحصى عددا أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد أبدا اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .