الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن, لذلك افرحوا واستبشروا وتفاءلوا وأحسنوا الظن بالله، وثقوا بما عند الله وتوكلوا عليه وستجدون السعادة والرضا في كل حال ابن قيم الجوزية


العودة   المنتدى الرسمي لفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالرحمن العريفي > || قــسـ( العـريـفي الدعوي )ــمـ || > الخطب والدروس الإسلامية والفيديوهات والفلاشات الدينية > قسم تفريغ الخطب والمحاضرات

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم منذ /17-07-2009, 12:52 AM   #1

مروى محمد

عطاء لا ينسى

 
الصورة الرمزية مروى محمد

 

 آلحــآلة : مروى محمد غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 1751
 تاريخ التسجيل : Apr 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : اسكن سوريا وسوريا تسكن اعماقي
 المشارگات : 2,618
 التقييم: 27020

ان الله ليملي للظالم حتى اذا اخذه لم يفلته .. افعل ما يحلو لك ايها النظام المجرم اقتل ودمر واذبح وقط



افتراضي صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هنا توضع جميع محاضرات وخطب الشيخ ابراهيم الدويش








































توقيع مروى محمد
أختكم .. أم طارق
  رد مع اقتباس
قديم منذ /12-08-2009, 01:22 AM   #2

ورد المدينة

 
الصورة الرمزية ورد المدينة

 

 آلحــآلة : ورد المدينة غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 872
 تاريخ التسجيل : Mar 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : ¨°•√♥ طيبة الحب ♥√•°¨
 المشارگات : 6,674
 التقييم: 33916



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش




اخواني واخواتي
اعضاء منتدى الشيخ:محمد العريفي

اقدم لكم
( 40 وسيلة لاستغلال الاجازة الصيفية )

للشيخ الرائع
ابراهيم الدويش
حفظه الله
والموضوع كلنا يعرف اهميته لذلك لا اطيل عليكم
ولكن اطلب منكم الدعاء
والصلاة علي النبي

والان مع المادة
وللعلم كان اصل الموضوع شريط ثم
هذبه الشيخ وطبعه في كتيب
وهو هذا الآتي إن شاء الله
..................................................


40


وسيلة


لاستغلال الاجازة


الصيفية







إبراهيم بن عبدالله الدويش



مقـدمة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً . أما بعد:
فقد يتساءل البعض عن سر العدد أربعين ضمن هذه السلسلة (1) ( سلسلة رسائل وتوجيهات) فأقول: إنه تيمناً بنوع من أنواع المصنفات الحديثية، وهي: الأربعينات، وهذه عبارة عن أجزاء صغيرة يحوي كل منها أربعين حديثاً في موضوع معين، أو عام، يخرجها المؤلف بأسانيده، أو يؤلفها مجردة عن السند، إلى الصحابي الذي روى الحديث: وقد استأنسوا رحمة الله تعالى عليهم في هذا النوع من التأليف بحديث النبي_صلى الله عليه وسلم_حيث يقول النووي في مقدمة الأربعين النووية: أما بعد فقد روينا عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم من طرق كثيرة ومن روايات متنوعات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء)) وفي رواية: (( بعثه الله فقيهاً عالماً)) وفي رواية أبي الدرداء: (( وكنت له يوم القيامة شافعاً وشهيداً)) وفي رواية ابن مسعود (( قيل له ادخل من أي أبواب الجنة شئت))وفي رواية ابن عمر: ((العلماء كتب في زمرة وحشر في زمرة الشهداء)) وقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف؛ وإن كثرت طرقه؛ وقد صنف العلماء_رضي الله عنهم_ في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات فأول من (علمته) صنف فيه عبدالله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسائي، وأبو بكر الآجرى، وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصفهاني، والدار قطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبدالرحمن السلمي، وأبو سعيد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، وعبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين. وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثاً اقتداءً بهؤلاء الأئمة الأعلام، حفاظ الإسلام، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث؛ بل على قوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: ((ليبلغ الشاهد منكم الغائب)) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( نضر الله امراءً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها)) ثم من العلماء من جمع أربعين في أصول الدين وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب وكلها مقاصد صالحة_رضي الله عن قاصديها_ وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله مشتملة على كل ذلك، وكل حديث منها مشتمل على قاعدة عظيمة من قواعد الدين..الخ)
وأنا لي بهم أسوة في ذلك، وإن لم أذكر الأحاديث في هذه الأربعينات من
الوسائل والتوجيهات فقد تعمدت ذلك لأسباب:
أولاً: لو ذكرت الأحاديث والآيات لطال الكتاب.
ثانياً: إن الهدف هنا التوجيه والتذكير وليس العزو والتأصيل.
ثالثاً: إن الأحاديث والآيات في شأن الدعوة مشهورة مستفيضة.
واعلم أيها المحب أن هذه الوسائل والتوجيهات إنما هي: إجتهاد بشر عرضة للخطأ والنقص، أسأل الله العفو والصفح، ومنه التوفيق والسداد، والعون والرشاد، وبه أستعين، وهو نعم المعين وتذكر أيها القارئ قبل أن تبدأ:
عين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساويا






لماذا هذه الرسالة


كيف أقضي الإجازة؛ كيف أستفيد من الفراغ الطويل؟ أين أقضي الإجازة؟ ما هي البرامج المناسبة في هذه الإجازة؟ أسئلة كثيرة تدور في أذهان الكثير من الناس، لعل هذا الموضوع يكون مفتاحاً لكثير من المشاريع والأفكار التي تقضى فيها الإجازة. وهي موجهة للراغبين في طلب العلم ولمكاتب الدعوة، وللمراكز الصيفية وللأطباء، وللتجار، وللبلديات، ولأئمة المساجد، وللمرأة، وللصغار، ولعامة الناس.


وسائل وتوجيهات للراغبين في طلب العلم


1- إن كثرة التخليط في القراءة والتصفح السريع لا يثمر طالب علم وإنما صاحب ثقافة عامة. فلو تنبه الطلاب في الإجازة الصيفية للتركيز على فن من الفنون كحفظ متن فيه ثم الاستماع إلى شرحه والتعليق عليه ثم القراءة لبعض الشروح عليه ويكون ذلك على شيخ أو طالب علم متخصص وهكذا في كل إجازة تمر عليك لأثمرت جهودك ثمرة عظيمة بدلاً من هذا التخليط والتذوق لسائر العلوم المختلفة وعدم الاستقرار على فن معين مما يدفع الطالب إلى الملل والسآمة ثم الإنقطاع والترك.
2- إحذر أيها الجاد من البطالين ولصوص الأوقات فإنهم من أعظم الأسباب لضياع العمر وقتل الأوقات؛ وهم ينشطون ويكثرون في الإجازات الصيفية، وهم معك في كل شيء إلا الحرص على الوقت ولاستفادة منه وهؤلاء قد شكا منهم ابن الجوزي رحمه الله تعالى كثيراً فقال في صيد الخاطر: فصلٌ في أهل الفراغ بلاء ثم قال: أعوذ بالله من صحبة البطالين. لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس ومالا يعني وما يتخلله غيبة، وهذا شيءٌ يفعله في زماننا كثير من الناس.
إلى أن قال: ((إن أنكرت عليهم وقعت وحشة تقطع المألوف، وإن تقبله منهم ضاع الزمان. فصرت أدفع اللقاء جهدي، فإذا غلب قصرت في الكلام لأتعجل الفراق ثم أعددت أعمالاً تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم، لئلا يمضي الزمان فارغاً فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد، وبري الأقلام وحزم الدفاتر. فإن هذه الأشياء لابد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي)) أرأيت كيف يستغلون الأوقات_رحمة الله عليهم_؟ نسأل الله عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر وأن يوفقنا لإغتنامه.
3- بعض الشباب في بعض المناطق قد لا يجدون فرصة للقراءة على المشايخ وطلاب العلم لعدم وجودهم في منطقتهم أو لعدم وجود دورات علمية قريبة منهم ولمثل هؤلاء نقول: الرحلة لطلب العلم منهج لسلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم فلماذا لا نحييه مرة أخرى؟ ونحن نرى أنفسنا نرتحل ونتنقل مرات ومرات من أجل مصالحنا الدنيوية؟ فلماذا لا يرحل بعض طلاب العلم من منطقتهم إلى مناطق عامرة بالعلماء وطلاب العلم؟ للمشاركة في الدورات العلمية في الإجازة الصيفية؟ ، وفي مثل هذا مكاسب عدة وليس هذا مكان بسطها ومنها:
أولاً: حلاوة الإخلاص وحقيقته في الطلب.
ثانياً: ثمرة العلم وأثره على النفس.
ثالثاً: التعرف واللقيا ببعض المشائخ والاستفادة منهم.
وغيرها من المكاسب، فإن ثقل ذلك عليك فأمامك إذن الأشرطة العلمية النافعة؛ استماعاً وتفريغاً وإعادة وتقييداً للفوائد والشوارد، وهذا أمر مغفول عنه كلية وللأسف. فالأشرطة العلمية كنز هذا الزمان قد أضعناه وغفلنا عنه، فالشيخ معك في بيتك في كل لحظة، ومتى أردت يحدثك ويعد عليك ويعقد لك مجالس الإملاء متى شئت فأين الراغبون في طلب العلم حقيقة؟
4- إذا قدم عشرة من كل منطقة فمن المناسب أن يتوزعوا؟ إلى خمس مجموعات مثلاً؛ وكل اثنين يأخذان فناً من الفنون؛ فمجموعة تأخذ المصطلح، وأخرى تأخذ الأصول، وأخرى النحو، ورابعة التوحيد، والخامسة القواعد الفقهية مثلاً. فإذا رجعوا إلى بلدهم استفادت كل مجموعة من الأخرى، وحصل لهم النفع جميعاً. أما إذا حضروا عند واحد من العلماء ورجعوا جميعاً فإنهم يضطرون إلى الرجوع في العام القادم ولو أشكل عليهم شيء في غير ما تعلموا ما استطاعوا معرفته. فهذه الطريقة تسهل لهم حفظ العلم ونشره في منطقتهم.
5- القرى والهجر بأمس الحاجة إلى الشباب وطلاب العلم بل وأقول لصغار طلبة العلم. فالجهل فيهم منتشر وواضح، ونحن المسؤولون؛ فلقد وجد في بعض القرى القريبة من لا يحسنون الفاتحة ولا يعرفون صلاة
ولا زكاة ولا غيرها؛ بل إن بعض القرى تفشى فيها الشرك والسحر والتعلق بالمشعوذين والكهنة والعرافين، والمكلف بهؤلاء والمسؤول عنهم طلاب العلم. ولا يصح أن ننتظر العلماء ومراكز الدعوة كي تنظم لهم الرحلات الدعوية: بل على كل من تعلم العلم أو استفاد أن يدعو فيها، وبعض المدن تكتظ بالشباب المتعلمين. فلو تفرقوا في الإجازات في القرى والهجر لكان حسناً. والأولى توزيع المناطق على الشباب المتعلمين؛ فكل مجموعة منهم تهتم بمنطقة بحيث تقيم لهم الدروس والمحاضرات والندوات وتوزيع الأطعمة والأشرطة وما يحتاجون. ولو أقام هؤلاء الشباب في مثل هذه القرى والهجر أسبوعاً أو أكثر لنفع الله بهم نفعاً عظيماً. ولا بد أن يستفاد من طلاب المراكز الصيفية في الدعوة في القرى والهجر لأنه لا يوجد من بينهم من عندهم حصيلة من العلم؛ ولا دعوة إلا بعلم وعمل وصبر. وإني أخشى، إن أحجم هؤلاء عن الدعوة في القرى وغيرها من هذه الأماكن على ما فيها من جهل أن تكون عرضة لأهل البدع والخرافات من الرافضة والصوفية. بل لا تعجب فإنا نخشى عليهم التأثر ببعض الأفكار النصرانية من خلال عمال وموظفي بعض الشركات والمستوصفات.
6- إختيار بعض الشباب المتميزين من القرى والهجر ودعوتهم لحضور الدورات الصيفية، وتهيئة السكن والمعيشة لهم، والعناية بهم، ومتابعتهم ليرجعوا بعد ذلك مشاعل هداية ودلائل خير بين أهليهم وعشيرتهم. وعلى مراكز الدعوة مواصلتهم وتفقد أحوالهم؛ فإن إعداد شباب من القرى نفسها وسيلة ناجحة في الدعوة إلى الله فيها.
فهل يجد هذا الاقتراح طريقة لقلوب العاملين في مراكز الدعوة وفقهم الله وأعانهم وحفظهم من كل سوء.



وسائل وتوجيهات للمراكز الصيفية


7- الحرص البالغ على استغلال طاقات الشباب ومواهبهم؛ ومن ذلك الحرص على طلاب العلم الراغبين الجادين وتوجيههم إلى حلقات العلماء؛ بل ورسم البرامج لهم: كالقيام بحصر الدروس الصباحية للمشايخ، وجمع الراغبين من طلاب المركز في طلب العلم وإيصالهم إلى الدرس بسيارة خاصة. ففي هذا تشجيع وتنمية للطلب عند الشباب، ولو تم التنسيق بين المركز ومراكز الدعوة بالمدينة لتنفيذ هذا الرأي وتطويره لكان أفضل وأنجح.
8- تحية إجلال وإكبار للمسؤولين عن الطلاب والشباب في المراكز الصيفية ونقول للهم: الله الله في هذه الأمانة ومزيداً من الجدية في تربية الشباب والإفادة من تجارب الآخرين ومن ذلك عقد الزيارات واللقاءات للأساتذة المشرفين في كل مدينة. والعاقل من أضاف إلى عقله عقول الآخرين.
9- تخصيص يوم معين لدعوة عدد من تجار المدينة يعد فيه حفلٌ لتعريفهم بالمركز وما يقدمه لأبنائهم مع تقديم الهدايا لهم، وكذا وضع برنامج خاص بالتجار فقط يكون فيه لقاء مع مدير الغرفة التجارية، وبعض التجار ، وفتاوى مهمة لهم والتنبيه على بعض الأمور: كجلب العمالة الكافرة، وصفات التاجر المسلم. وغير ذلك من المواضيع.
10- اليوم الدعوي. ما هذا اليوم وما برنامجه؟!
يقوم مجموعة من طلاب المركز البارزين بزيارة ميدانية لشباب الأرصفة، والجلوس معهم، وتقديم الهدايا لهم، وتعريفهم بالمركز وأنشطته، ولا بأس من دعوتهم للمركز ومشاركتهم في بعض الألعاب الرياضية، وتقديم وجبة عشاء خفيفة يتخللها بعض التوجيهات والمسابقات؛ يكون ذلك كله تحت إشراف أساتذة المراكز وفي هذا لا شك خدمة عظيمة للمجتمع وقيام للمركز برسالته التربوية تجاه أبناء البلد، ومدٌ للجسور الأخوية مع هؤلاء الشباب، بدلاً من اعتزالهم وضياع أوقاتهم وأعمارهم، وسيكون لذلك بإذن الله أثر طيب وجميل في نفوس أولئك الشباب ومثل هذا إقامة مهرجانات ثقافية واجتماعية بأماكن وجود الشباب، وإقامة المسابقات الخفيفة والطريفة، وبعض الألعاب ولو لمدة يوم واحد فإن في ذلك أيضاً منافع كثيرة.
11- تكوين مجلس للآباء داخل المركز الصيفي يُلتقى بهم كل منتصف شهر وفي ذلك فوائد كثيرة: تعريف الآباء بأنشطة المركز، وخدمته للأبنائهم، والربط بين المجتمع الممثل بالآباء وبين والمراكز الصيفية، ودورها الحقيقي، ومشاركة الآباء في الآراء والمقترحات بل ودعم المركز معنوياً ومادياً، وكسب ثقة الآباء، وتوجيه بعض الإرشادات التربوية الخاصة بأبنائهم. وغيرها من المكاسب في عقد مثل هذه اللقاءات بل لا مانع من مشاركة الآباء في برنامج ترفيهي لتقوى الصلة بين الآباء والأبناء.

وسائل وتوجيهات متفرقة


12- للأطباء: أيها الطبيب الفاضل: إنك على ثغر من ثغور الإسلام، فكم من مريضٍ كنت سبباً في شفائه، وكم من بسمة كنت السبب في إشراقها إنك صاحب قلب كبير ولمسة حانية مباركة، قدمت الكثير والكثير؛ فأنت على خير إن شاء الله. بيني وبينك حديث طويل ولعك تسمعه قريباً إن شاء الله تعالى، ولكني أسوق إليك الآن هذا الاقتراح: هل فكرت في الخروج بعيادتك لبضعة أيام؟ أعني هل فكرت أن هناك مرضى لا يستطيعون الوصول إليك مع شدة حاجتهم لك؟ يتمنون لقياك ولمسة حانية منك. يتكرر أمام عيني ذلك الطبيب من إحدى المنظمات التنصيرية وهو يحمل بين يديه ذلك الطفل الصومالي، ينفض الأوساخ عن جلده بيده كم كنت أتمنى أن تكون أنت ذلك الطبيب!! خاصة وأنا أرى أمه ساقطة على الأرض من شدة الجوع تنظر إلى ذلك الطبيب بعينيها نظرة شكر وإمتنان. كم كنت أتمنى أن تكون أنت الذي تنال تلك الدعوات من قلب تلك الأم المجروح!!!
كم كنت أتمنى أن يفرح بك المسلمون وأنت بينهم تتكلم العربية!!! ويسمع اسم الله تعالى على لسانك، تحمل هذا، وتمسح على رأس ذاك، كم كنت أتمنى أن يبصر ذاك الأعمى على يديك!! وأول ما يقع بصره على وجهك ذي الملامح الإسلامية. إنك تعلم أن هناك مئات بل آلاف المسلمين فقدوا البصر لأسباب يسيرة جداً كان شفاؤهم على يد المخلصين أمثالك بعد الله عز وجل. فلماذا تحرم نفسك هذا الأجر العظيم بأن نهب لله من نفسك أياماً للسفر إلى أمثال هؤلاء؟ وأنا على يقين بأن المكاسب كثيرة جداً كما أني على يقين بأن هذا الطرح سيجد طريقه لقلبك إن شاء الله.
13-للتجار:
إن من العدل أن نقول للمحسن أحسنت، كما نقول للمسيء أسأت. ومن هذا المنطلق لو أن الهيئات والبلديات ومكاتب الدعوة تم التنسيق والتعاون بينها لجمع أسماء المحلات التجارية المجتنبة للمحاذير الشرعية: كبيع المجلات الماجنة، والدخان وغيره، وتم تكريم أصحابها وتقديم شهادات التقدير لهم عبر حفل أو مناسبة تقام لهم، فإن هذا من أقل حقوقهم علينا. ثم إني أقدم لأصحاب المحلات والمعارض-حفظهم الله-هذه التوجيهات وهي في كل وقت وخاصة في الإجازة الصيفية لكثرة المتسوقين:
1- تخصيص هدايا وأشرطة مناسبة لكل مشترٍ.
2- وضع بعض العبارات والتوجيهات الإرشادية على الأكياس التي توضع بها الحاجات.
3- تخصيص لقاء دوري مفتوح بين أصحاب المحلات ورجال الحسبة؛ فإن في ذلك منافع كثيرة.
14- أيضاً للتجار:
أخي صاحب المؤسسة أو صاحب المحل التجاري.
هل تعلم أن العاملين لديك هم أمانة في عنقك؟ وهل تعلم أنهم ربما جهلوا أصول دينهم وفرائضه؟ إنك ترغب في نماء تجارتك، وبركة مالك، وتعلم أن الرزاق هو الله( وفي السماء رزقكم وما توعدون) ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) فكيف لو حرصت على صلاح عمالتك واستقامتهم ودعوتهم إلى الخير؟ هل فكرت أن تحضر لهم شريطاً أو كتيباً مناسباً لهم؟ هل حرصت على إلتحاقهم بالدروس المنعقدة في مكاتب الجاليات لمثالهم؟
إني على يقين أنك محب للخير راغب فيه. وتعلم أن تجارة الدنيا وما فيها لا يعدل شيئاً أمام هداية رجل على يديك فكيف وأنت قادر بإذن الله على أن تجمع بينهما؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍! إن صلاح العامل لديك يجعله أميناً حسن الأخلاق، مما يزيده حرصاً على مالك، وحرصاً على كسب العملاء بحسن أخلاقه.
فأقترح عليك أخي التاجر: العناية به، وتعليمه فرائض دينه؛ بل ربما وُجدَ في المؤسسة الواحدة أكثر من عشرين عاملاً فَلِمَ لا تحرص على أن يكون لهم درس واحد في الأسبوع؟ اتصل بمكاتب الجاليات ستجد خيراً كثيراً، وأنت المستفيد دنيا وأخرى. فلا تحرم نفسك الخير. فهذه فرصة للانطلاقه بهذا المشروع وتوكل على الله ولا تتردد لحظة واحدة.
15- للبلديات:
تحرص البلديات مشكورة على إعداد المنتزهات والحدائق العامة، لراحة المواطنين في الإجازات الصيفية، وهذا أمر مشاهد وملموس، جزى الله القائمين عليها خير الجزاء، ووفقهم لما يحبه ويرضاه. ولو أضيف لهذا الإنجاز المقترحات التالية لكان أتم وأكمل:
أولاً: عمل مصليات مع دورات المياة في كل حديقة.
ثانياً: تنظيم مسابقات وألعاب خاصة بالصغار.
ثالثاً: تنظيم برامج ومسابقات وألعاب خاصة بالعزاب والشباب في الحدائق الخاصة بهم، وذلك بالتعاون مع مراكز الدعوة وبيوت الشباب وغيرهم ممن يعنيهم الأمر ففي ذلك استثماراٌ لأوقات وأعمار شبابنا خاصة في مثل هذه الإجازات.
16-لأئمة المساجد:
أيها الأئمة: ماذا أعددتم لمساجدكم في هذه الإجازات الصيفية؟ ماذا أعددت أنت أيها الإمام للرجال الذين يلتقون خمس مرات في اليوم والليلة؟ وماذا أعددت لنساء الحي اللاتي يقضين وقت فراغ طويل في مثل هذه الأيام؟ ماذا أعددت-أيها الإمام-لصغار الحي وأنت تراهم كل وقت في الشوراع وعلى الأرصفة؟ ماذا أعددت للعمالة المسلمة وهم يصلون معك كل وقت؟ ماذا قدمت لهؤلاء وغيرهم من أهل الحي الذين هم أمانة في عنقك وستسأل عنهم أمام الله يوم القيامة؟! إنك تعلم أن المسجد ملتقى للجميع الصغير والكبير، الغني والفقير، الرجل والمرأة. ألا تعلم-أيها الإمام-أنك أول من يتحمل المسؤولية ومن ورائك المؤذن؛ فأنت مؤتمن!! ماذا قدمتما تجاه هذه المسؤولية العظيمة؟!
إنك مطالب بالاتصال بمراكز الدعوة، والهيئات، وبطلاب العلم، والمشائخ، للتنسيق والترتيب والتعاون لما فيه صلاح للجميع. إنك مطالب بالتوجيه والإرشاد ومواساة الفقراء والأرامل في حيِّك. إنك مطالب بأن تجعل مسجدك خلية نحل للبرامج والأنشطة يشارك فيها الجميع. تصور لو أن كل إمام قام بدوره كيف سيكون الحال؟
إننا نطالب أئمة ومؤذني المساجد في الأحياء بعقد الدورات والندوات للتشاور والتنسيق. إن عليك مسؤوليات عظيمة ومهمات كبيرة. فإما أن تقوم بذلك أو أن تعطي الفرصة لغيرك. واحذر من الحيل النفسية، ومداخل الشيطان؛ فأنت أعرف بنفسك وستقف أمام الله عز وجل(اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد).
17-للهيئات:
هل فكرت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إقامة دورات صيفية لإفادة الناس في هذه الإجازة؟ كإقامة دورة في الحسبة وصفات المحتسب، وكيف يتعامل مع المنكرات بالرفق واللين؟
وكإقامة دورة لمديري المدارس لدراسة مشاكل الطلاب الأخلاقية وتفشي بعض المنكرات الخطيرة بينهم، والبحث عن الأسباب، وطرق العلاج، والخروج بتوصيات ونتائج للدورة يُسعى لتنفيذها والاستفادة منها. وكإقامة لقاء للآباء والتحدث معهم عن الأخطاء التي تواجه أبناءهم، وطرح الأفكار والآراء والخروج بنتائج ومكاسب، وغيرها الكثير من الدورات المثمرة.
وفي هذا إبراز للدور الكبير للهيئات وواجبها تجاه المجتمع.


وسـائل وتوجيهات للمـرأة


المرأة صنو الرجل وشريكته في صنع الحياة، وهي المحضن الذي يترعرع فيه رجال الغد، ومنه تنبت فسيلة الأسرة الصالحة؛ فإليها وهي البنت والأخت، والأم..إليها أقدم هذه التوجيهات:
18-لا تخلو مدينة من دور أو مراكز صيفية لتحفيظ القرآن فلتحرصي أيتها الأخت على المشاركة، ولتحرصي أيتها الأم، ويا أيها الأب على مشاركة بناتكم في هذه المراكز.
وإننا-أيضاً-نطالبك أيتها الأخت بتوجيه وتشجيع أخواتك للالتحاق بهذه المراكز لاستثمار الإجازة، ولو لم يكن إلا أن تتعرف تلك الأخت على أخوات صالحات يتعاون على الخير وفعله، لكفى.
19-تكثر مناسبات الزواج والأفراح والاجتماعات في الإجازة الصيفية، وتجتمع أعداد كثيرة من النساء، ولو حبست هذه الساعات التي تقضيها المرأة في هذه المناسبات والاجتماعات لربما وصلت إلى نصف الإجازة بدون مبالغة.فلماذا لا تستغل هذه المناسبات والاجتماعات من قبل بعض الصالحات في إلقاء بعض النصائح والتوجيهات، وإن لم تكوني أنت المتحدثة؟! فلماذا لا تكوني مفتاح خير للناس، فتكونين أنت الداعية لإحدى الأخوات القادرات؟ وإن لم تجدي فاتصلي بمركز الدعوة في مدينتك لعله أن يوفر لك مثل هذه المتحدثة.
لماذا تتصور بعض النساء أن مثل هذه الأمور وهذه الأنشطة الدعوية خاصة بالرجال؟ أو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص أيضاً بالرجال؟ ربما رأت المرأة في مثل هذه المناسبات عشرات المنكرات من غناء ماجن أو لباس فاضح أو تصوير أو غير ذلك من المنكرات، ومع ذلك لا تحرك ساكناً ولا تتفوه بكلمة، إن كلمة خفاء بينك وبين إحدى الأخوات المخالفات لترفعك عند الله مقاماً عظيماً. فلماذا تحرم المرأة نفسها من هذا الخير العظيم؟! ثم إن السكوت عن الخطأ والمجاملة في الحق هو المرض وهو الداء(العضال) الذي بليت به كثير من النساء خاصة الصالحات منهن. اسمعي وعي حتى تعلمي أن الأمر واجب عليك كما هو واجب على الرجال قال الحق عز وجل:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(71)وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ َالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
إذن فأنت مكلفة بهذه الأمور كما أن الرجل مكلف بها سواء بسواء. فما هو عذرك إذن أمام الله عز وجل يوم تسألين وأنت ترين بعينيك المنكرات في الناسبات فلا تحركين ساكنا؟ إنه ما من مسلمة إلا تحب الخير وتحب انتشاره ولكني أسألك-أنت بالذات-أيتها المسلمة كيف تريدين للخير أن ينتشر بين النساء وأنت لم تعملي الأسباب؟
بل كيف نريد للخير أن يعم النساء ونحن نسمع عن الفتيات اللاتي يحرصن على إيصال الروايات والأفلام الهابطة إلى صويحباتهن بكل مناسبة. وفي المقابل تجد الصالحة تستحيي بل قد لا يخطر على بالها أن تُحضر معها أشرطة وكتيبات تقوم بتوزيعها.
هذه المناسبات فرصة عظيمة لتعليم الأخوات كيف تستثمر الأوقات.
أيتها الأخت الغالية:
إننا نطالب بحمل الهم لنشر الخير بين النساء وفي المناسبات خاصة. ولا أقول بمقدار الهم للتزين والتجمل ولكني أقول بعشر معشار ذلك.
20- نتمنى أن تحرص دور تحفيظ القرآن ومساجد الأحياء أيضاً على تخصيص دورات خاصة للنساء في الموضوعات التي تخص المرأة وذلك مثل: أحكام الحيض والنفاس، الطلاق، معاملة الزوج، تربية الأبناء، واجب المرأة نحو قضايا المسلمين. وتتخلل هذه الدورات إقامة مسابقات خاصة بهن، وتلخيص بعض الكتب والبحوث الهامة، ومشروع الطبق الخيري، وغيرها مما يخص المرأة. فإن في ذلك استثماراً لوقت المرأة في هذه الإجازة.


21- أيضاً للمرأة:
الحرص على المشاركة في الدورات العلمية المقامة بمدينتك ومتابعة هذه الدروس وتقييدها والإستفادة منها وإن لم تستطيعي المشاركة كلية فإنك-على الأقل-تختارين من الدروس ما يناسبك فتحرصين على متابعتها والإفادة منها.
22- يجب على الأخت ألا تأتي وحدها لهذه الدورات بل تحرص على مشاركة أخواتهن فتشجعهن وتحثهن من خلال الاتصال المتكرر بهن.
وما أكثر الأوقات التي تقضيها المرأة بالمهاتفات! فلماذا لا تستغل هذه المكالمات في التوجيه والإرشاد والدلالة على الخير في كل مكان؟
فكوني مشجعة وحاثة لأخواتك على المشاركة وإن لم تتمكني أنت من المشاركة لظروف خاصة فإنك تنالين الأجر وإن لم تحضري؛ والدال على الخير كفاعلة.

وسائل وتوجيهات للصغار


على الآباء والأمهات حث الصغار على حفظ بعض أجزاء القرآن في الإجازة، وتشجيعهم بكل وسيلة مشروعة؛ مثل تحديد جائزة مالية لكل من يحفظ من الأبناء جزءاً من القرآن في هذه الإجازة ولكل من حفظ ولدك أو بنتك جزءاً كاملاً من القرآن أو حديثاً فإن ذلك كنز عظيم في الدنيا والآخرة، وإن مقدار الجائزة الصيفية وستجد في ختامها نتائج عظيمة ،إن حرصت على ذلك واعتنيت به.
24- كم نفرط في صغارنا وأولادنا . . وكم نفرط في أوقاتهم . . ، وكم ينشغل عنهم أمهاتهم وآباؤهم في مثل هذه الإجازة خاصة ، ويظن بعض الآباء أنه بمجرد قيامهم برحلة أنه قد أدى ما عليه دون وضع برنامج خاص لهذه الرحلة. فإذا كان الصغار مع أبيهم أو أسرهم لماذا لا ترسم لهم البرامج المتنوعة : من مسابقات وألعاب وتدريب وقل مثل ذلك داخل المنزل ، فلو أن كل أسرة جمعت صغارها في مكان ما، وتقاسم الكبار الإشراف والتوجيه لبرامجهم لكان أجدى ولن يكلف ذلك الآباء والكبار شيئاً إذا تعاونوا وتقاسموا الأوقات بينهم فإن من الخطأ أن يترك الصغار مجتمعين دون حسيب أو رقيب ولو توسع الأمر إلى قيام الآباء بالحي الواحد بمثل هذه الفكرة لكان حسناً ، فلو أن الآباء في حي واحد اتفقوا على أن يجعلوا برنامجاً منظماً في مكان أو استراحة في وسط الحي لأبنائهم وجاءوا بمن يرعى هذا الأمر لما كان ذلك كثيراً على أولادهم لحفظهم من الشوارع ومن لصوص الأغراض، ولحفظ أوقاتهم ، في مثل هذه الأيام.
25- من المؤسف أن كثيراً من الشباب يمتد نفعه إلى كل أحد إلا أهل بيته وعشيرته ، فلماذا لا يفكر الشاب في جمع أفراد أسرته وكذلك تفكر الفتاة في جمع أفراد أسرتها وأقربائهم في مخيم صيفي في أي مكان ، أو في استراحة، حتى ولو في بعض الليالي ، أو حتى في ليلة واحدة ، حتى وإن كان ذلك في المنزل وينظم برامج ومسابقات وألعاب يتخللها بعض التوجيهات والكلمات وتوزيع الأشرطة والرسائل وفي ذلك منافع شتى . وقد جرب هذا فأعطى ثماراً يانعة، وهو صلة وبر ودعوة وإصلاح .

وسائل وتوجيهات للشباب

على كل شاب أن يحرص على الخير الذي يحسنه ويتقنه ويتخصص في المجال الذي يُبدع فيه مستغلاً أيام إجازته.
26_ فإن كان يحسن توزيع الكتاب والشريط اهتم لهما وعمل ما استطاع لأجل إيصالهما للناس، من جمع مبالغ لهما، وحسن اختيار، وحسن توزيع، وحسن إبداع، وتنظيم، فيقسم عمله إلى فترات، وكل فترة في وجهة ما، ولا يغفل عن الجميع فللرجل، وللمرأة، وللعامة، وللتجار، وللسباب، وغيرهم. فيعطي كل ذي حق حقه.
27_ وإن كان يحسن فن الكلمة الطيبة اهتم لها وعمل ما استطاع لإيصالها للناس من حسن إعداد وإبداع في الأسلوب وكسب لقلوب الناس؛ خمس كلمات أو عشر يلقيها مرة في الشرق ومرة في الغرب يحرص فيها على ما يحتاجة الناس لا يملّ ولا يكل فإنها صدقة منه على نفسه كما قال صلى الله عليه وسلم: ((والكلمة الطيبة صدقة)).
28- وإن كان يحسن فن الدراسات والتنظيم والتخطيط وجمع المعلومات اهتم لذلك وأعد العدة لها، وما أكثر المواضيع التي تحتاج إلى دراسات ميدانية، وجمع الاقتراحات والملاحظات من المعنيين والمتخصصين فيها ومنها على سبيل المثال: المرأة ودورها في الدعوة إلى الله عز وجل الواقع والمطلوب، ويا ليت بعض شبابنا يتخصص في مثل هذا الأمر.
مثال آخر: المراكز الصيفية واستثمار الطاقات ورفع المهارات، ومثال ثالث: محاضن لتربية الشباب بين الأمل المنشود والواقع المفقود.
هذه أمثلة لبعض المواضيع التي تحتاج لدراسات، وجمع معلومات واستفسارات، مع المعنيين والمتخصصين وطرح ذلك لعل الله عز وجل أن ينفع بها كما نفع بغيرها.
29-وإن كان يحسن القيام على اليتامى والأرامل والمساكين، والاهتمام بشؤونهم ومساعدتهم. فليحرص على ذلك.
30-وإن كان يحسن فن البيع والشراء ويحسن فن التعامل مع الناس فميدان التعامل مفتوح وبابه واسع. وكم نحن بحاجة للتاجر المسلم الداعي إلى الله من خلال تجارته وبيعه وشرائه.
31-وإن كان يحسن فن التعامل مع شباب الأرصفة ويحسن التحدث معهم وإهداءهم بعض الهدايا والتودد لهم وكسر الحاجز بينهم وبين الاستقامة وحب الصالحين فليحرص على هذا، فإني أؤكد على هذه الوسيلة في الإجازة الصيفية فإننا نرى شبابنا يتحلَّقون بالعشرات على الأرصفة خاصة في مثل هذه الأيام. فنتمنى أن يتخصص بعض الشباب ويتفرعون للعمل مع إخوانهم. كما نتمنى أن تتابع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ممثلة بمراكز الدعوة، والرئاسة العامة لرعاية الشباب ممثلة ببيوت الشباب. أن تتابع مثل هذه الظاهرة وتملأ فراغ الشباب وإلا فإن النتائج عكسية.
والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
32-وإن كان يحسن جمع الأشرطة القديمة، والكتيبات، والمجلات القديمة، وتوزيعها على المستوصفات وصوالين الحلاقة وأماكن الانتظار في بعض المرافق العامة هذا في الداخل. وأما في الخارج فيحرص على عناوين بعض المراكز والمؤسسات الإسلامية، وإرسال بعض الكتيبات، والمجلات الإسلامية وغيرها، فهم في أمسِّ الحاجة لها، ولعل هذا يذكرنا_أيضاً_بموضوع آخر هو الدعوة بالمراسلة؛ وقد طُرح هذا الموضوع مراراً على صفحات بعض المجلات وقام به بعض الإخوة والأخوات فنجح نجاحاً باهراً، كما يحدثنا بعض القائمين على مثل هذه الفكرة عن الرسائل التي تصلهم معلنة التوبة والهداية والالتزام بالحجاب. وقد قرأت بنفسي ونظرت بعيني كثيراً من هذه الرسائل حيث يعلن أصحابها أنهم رجعوا وتابوا إلى الله، وتعلن بعض الأخوات من خارج هذه البلاد أنهن التزمن الحجاب بمجرد رسالة أو كتاب أو شريط أرسلته لها بعض الأخوات، ولكن مازالت هذه الفكرة بحاجة إلى مزيد من الشباب والفتيات. وأؤكد على المرأة؛ بل وأؤكد عليك أنت أيها الأخ الحبيب أن تحاول إن لم تعمل أنت أن تعمل أختك أو زوجتك أو بنتك في هذا المشروع. وفر لها الأشرطة والكتيبات والرسائل الصغيرة، والعناوين من خلال صفحات هواية المراسلة في المجلات وتابعها من خلال هذا المشروع لعلها ترسل على الأقل مائة رسالة في مثل هذه الإجازة. لا تدري لعل هذه المائة تنفع ويفتح الله عز وجل على قلوب أصحابها فتصبح داعية في الخارج وأنت في الداخل، بل وأنت جالس في بيتك على الفراش الوثير، لماذا نحرم أنفسنا هذا الأجر؟ هل من مستجيب لهذا النداء؟خاصة ونحن نعلم أن في بيوتنا عشرات ومئات من المجلات والأشرطة النافعة فلماذا لا يقوم البعض بجمعها من إخوانه ومعارفه والاستفادة منها في مشاريع الخير؟!
33-ذكر لي أحد الأخوة موقفاً جميلاً قال فيه: إن أحد إخوانه يحدثه: أنه كان راكباً مع صاحب له في سيارته، وكانا واقفين عند إحدى الإشارات بمدينة(ما) وكان أمامهاسيارة صغيرة قديمة كُتب على زجاجها الخلفي جملة بعدد من اللغات فضحك صاحبي فسألته عن سبب ضحكه فقال: أتدري ما ترجمة الجملة المكتوبة على السيارة؟ قلت: لا. قال إنها تقول: إن أردت أن تعرف شيئاً عن الإسلام فما عليك إلا أن توقفني. يقول: فاندهشت متعجباً فقلت: لابد من إيقافه فأوقفناه وسألناه فتبسم ضاحكاً وقال: ربما ظننتم أني أتحدث عدداً من اللغات والحق أني لا أتقن حتى العربية فأنا رجل عامي غير أني فكرت كيف أنفع هذه الدعوة مع معرفتي بنفسي وقدراتها فاهتديت لهذه الفكرة. يقول: ففتح لنا مؤخرة السيارة فإذا هو قد قسمها إلى مربعات وفي كل مربع مجموعة من الأشرطة والكتيبات وقد كتب على كل مربع لغة تلك الأشرطة والرسائل. فيقول: أذهب إلى مكتب الدعوة والجاليات وأحمل هذه الأشرطة والرسائل ثم أذهب في طريقي فمن أوقفني سألته عن لغته وأعطيته شريطاً وكتاباً. ويذكر أنه يُحرج كثيراً من كثرة إيقافه. هذا إنجاز؛ فأين نحن من هذا الرجل؟! ولك أن تتصور أجر هذا الرجل ومنزلته عند الله عز وجل إن أخلص نيته لله. فلم يحتقر نفسه، ولم يقل من أنا فأقدم شيئاً للإسلام؟! ولكنه عزم ففكر فوجد! أين أنتم يا شباب الإسلام؟! وأين أنتن يا فتيات هذا الدين؟! إن الحاجة أم الاختراع، ولكن هل نشعر في قرارة نفوسنا أننا بحاجة إلى هذا العمل حتى نستطيع أن نفكر أو نوجد هذه المشاريع؟
وصدق القائل:
ما قلة الأعداد نشكو إنما *** تشكو الكتائبُ قِلة الإعداد
34-تتحرك جميع وسائل النقل من طريق إلى آخر ومن بلد إلى بلد، بل ومن دولة إلى دولة، ولك أن تتصور ماذا يُعرض؟ وماذا يسمع الراكبون في وسائل المواصلات، فلو قُدِّم لسيارات النقل والأجرة عدد من الأشرطة سواء المسموعة أو المرئية، والمجلات والكتيبات النافعة، لكانت من أفضل وسائل الدعوة. فإن أفضل ما تستثمر به الأسفار القراءة أو الاستماع ولو أنا أعطينا كل سيارة نقل شريطاً لاستمع له نفرٌ كثير لا تدري عددهم فإن البذرة الطيبة تُخرج ثمرا ًطيباً.
35-من الوسائل والتوجيهات العامة_أيضاً_لاستغلال الإجازة الصيفية:
دورة في تخريج الأحاديث، دورة في وتغسيل الموتى، وكيفية التكفين، والدفن، ودورة في حلقات الخطابة، ودورة في اللغة الإنجليزية عند الحاجة، ودورة في السباحة والرماية وركوب الخيل، ودورة في الكاراتيه والدفاع عن النفس، كل هذه الفنون وغيرها من الوسائل مثمرة نافعة لقضاء الإجازة الصيفية، فاحرص عليها أيها المسلم وابحث عنها في مظانها، وعلى مراكز الدعوة وبيوت الشباب والمراكز الصيفية توفير مثل هذه الدورات للجميع، لأن فيها خيراً كثيراً، وهي لاشك خير من الخمول والكسل والاشتغال بالمعاصي والمنكرات.
36-إذا كنت من هواة السفر إلى الخارج وكنت ممن يملك رصيداً من الإيمان والتقوى ويملك شيئاً من العلم الشرعي، فاتصل بإحدى المؤسسات الخيرية للتنسيق معها لعل الله عز وجل ينفع بك هناك، فإن المسلمين يتعطشون للجلوس معك، والإستفادة منك، وإيقافك على أحوالهم، ومشكلاتهم، ولتعلم أن المسلمين في كل مكان يحتاجون إليك، وإلى أمثالك ولترى بعينيك الصراع بين الكفر والإسلام وبين الشرك والتوحيد ولتشعر بحقيقة التحدي بين الحق والباطل.
37- القراءة من أفضل الوسائل لقضاء الإجازة الصيفية وأعني بها القراءة المركزة والتي يتبعها تقييد للفوائد والشوارد فاجعل لنفسك من الآن وقتاً مخصصاً للقراءة واجعلي لنفسك أيتها الأخت وقتاً مخصصاً للقراءة، وليختر كل منكم من الآن الكتب التي ترغب أو ترغبين بقراءتها، واعلم أن هناك فرقاً كبيراً بين القراءة المركزة وبين الإطلاع العابر، كما أنه لابد لحفظ المتون والقصائد والكتابة والتأليف وقرض الشعر وكتابة المقالات وغيرها من الهوايات والمهارات الفردية من تخصيص وقت مناسب لها في هذه الإجازة .
38-أن يتفق الشاب مع بعض أصحابه على الذهاب إلى بعض المكتبات العامة في ساعة معينة صباحاً ليقرأواويلخصوا ويقيدوا بعض الفوائد، كلٌ حسب ميوله، وفي هذا الاتفاق تشجيع لبعضهم للمواصلة وعدم الانقطاع، وفيه إحياء للمكتبات، والجلوس والإطلاع، لاشك أنه خير من ضياع الوقت في النوم، فربما وصل الأمر ببعضهم أن ينام إلى صلاة الظهر. نعوذ بالله من الخمول والكسل.
ولو تنبه القائمون علي مراكز الدعوة والمراكز الصيفية لمثل هذا الرأي وتم التنسيق له والإعلان عنه وتوفير سبل الراحة بالتنسيق مع المكتبات العامة، وتشجيع الشباب؛ بل ووضع أوقات خاصة للنساء، فإنهن بحاجة لمثل هذه المكتبات ولمثل هذه الأوقات الخاصة بهن، لرأينا أثر ذلك علي شبابنا وفتياتنا .
39-رحلة لأداء العمرة، رحلة لزيارة المدينة النبوية، رحلة للجنوب، رحلة لزيارة الأهل والأقارب، رحلة إلي إحدى المدن، إلي آخره من الرحالات . كل هذه الرحلات مما تُقضى به الإجازة الصيفية وفيها خير كثير. إن شاء الله، ولكنها تُصبح مملة جداً إن لم يُخطط لها وينظم. ففي الطريق مثلاً ألعاب خفيفة ومسابقات ثقافية واستماع لشريط ورواية لقصة، وعند الوصول تنظيم برنامج لزيارة الأماكن المناسبة، والأشخاص، والتسوق. كل ذلك بالضوابط الشرعية والمحافظة على الأخلاق الإسلامية. وجميل جداً حمل هم الدعوة إلى الله بهذا السفر وذلك بإعداد مجموعة من الأشرطة والرسائل وتوزيعها في الطريق والمحطات فإن الله يبارك في رحلتكم ويتكفل بحفظكم ورعايتكم كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إحفظ الله يحفظك)).
فيا أيها الأب ويا أيها الأخ الكبير وزِّع المهام على أفراد العائلة: فلأم تعد الطعام واللباس، والأخت تعد الأواني والأغراض، والآخرى تعد المسابقات الثقافية، والأخ للألعاب الخفيفة والألغاز، وأنت مسؤول عن التخطيط والتنظيم، وعن الأشرطة والرسائل للتوزيع.
بعد هذا كله لكم أن تتصوروا أيها الأحبة كيف ستكون هذه الرحلة العائلية.


40- وأخيراً:
أقول أيها الأخ الحبيب ويا أيتها الأخت إن الإجازة الصيفية فرصة لا تعوض وهي أيام من العمر فاحرص على إغتنام الفرص، واللحظات فيها، وحاول جاهداً أن تخرج من إجازة هذه السنة بمكاسب ونتائج طيبة.
فيا شباب ‍‍أنتم في مقتبل العمر وبحاجة إلى بناء الشخصية وقدراتها ومواهبها. وشتلن بين شاب أو فتاة ذي مواهب متعددة يعرف الكثير ويتقن الكثير فهو ذو علم وثقافة واسعة يحفظ القرآن، وبعض الأحاديث، ويجيد التعامل مع الحاسب الآلي، يتكلم الإنجليزية لحاجته إليها، فهو مفتاح خير في كل شيء، وبين شاب_أو فتاة_لايُتقن صنع شيء ولا يعلم شيئاً إلا التسكع في الشوارع ومشاهدة الأفلام وغيرها.
لماذا؟وما الفرق بينهما؟
لا لشيء إلا أن الأول استغل أوقات فراغة بما ينفع، والآخر ذهبت عليه الأيام والليالي في نوم وسهر وتسكع وجلسات وضحكات.
وتذكر آخر الإجازة وكلٌ قد رجع بمكاسب ونتائج وأنت أيها المسكين تجر أذيال الخيبة والخمول والكسل.
فإن لم تكن مفتاحاً لأبواب الخير التي ذكرنا بعضاً منها فما أن تحب الخير وأهله وتبذل دعوات صادقة تخرج من قلبك لإخوانك بالتوفيق والتيسير، فإن الدعاء سلاح المؤمن فانصر إخوانك وكن معيناً لهم ولو بدعوات صادقة، أو بكلمات طيبة، فإن تشجيعٌ منك لإخوانك الناشطين العاملين، لك أنت أجر وثواب هذه الكلمات والدعوات، فإن لم تستطع الدعاء أو الكلمة الطيبة فكف عنهم لسانك فإنها صدقة منك أيضاً على نفسك.
نسأل الله عز وجل أن يبارك في أعمارنا وأوقاتنا، وأن يوفقنا للعمل الصالح فيها فقد قال_صلى الله عليه وسلم_ ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل، عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أبن أكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه)).
فهل أعددت للسؤال جواباً،وللجواب صوابا؟



خاتمة


هذه توجيهات وإقتراحات للإفادة من الإجازة الصيفية أرجو الله تعالى أن ينفع بها المسلمين. فما كان فيها من صواب فمن توفيق الله وحده لا شريك له، وما كان فيها من خطأ فمن نفسي الضعيفة. أسأل الله أن يغفره لي ويتجاوز عني(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
.................................................. .................................................. ...........

اختي الكريمة قد اجهدت في الكتابة لهذا الموضوع وتهذيبه

فلا اعدم منكم دعوة بظهر الغيب
وجزاكم الله خيرا ونفع الله بكم


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 09:50 PM   #3

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



الشيخ ابراهيم الدويش
المحاضره يا سامعاً

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم من علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب وكسى من العري وهدى من الضلالة وبصر من عمى وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه ليلة الأحد الموافق للثامن من الشهر السادس للعام السابع عشر بعد الأربعمائة والألف وفي هذا الجامع المبارك جامع الملك فهد بمدينة >بريدة< نلتقي بهذه الوجوه الطيبة المباركة وفي مجلس من مجالس الذكر يا سامعا لكل شكوى يا خالقا الأكوان أنت المرتجى وإليك وحدك ترتقي صلواتي يا خالقي ماذا أقول وأنت تعلمني وأنت تعلمني وتعلم حاجتي وشكايتي يا خالقي ماذا أقول يا خالقي ماذا أقول وأنت مطلع على شكواي والأنات اللهم يا موضع كل شكوى ويا سامع كل نجوى ويا شاهد كل بلوى ويا عالم كل خفية ويا كاشف كل بلية يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ضمائر الصامتين ندعوك دعاء من اشتدت فاقته وضعفت قوته وقلت حيلته دعاء الغرباء المضطرين الذين لا يجدون لكشف ما هم فيه إلا أنت يا أرحم الراحمين اكشف ما بنا وبالمسلمين من ضعف وفتور وذل وهوان يا سامعا لكل شكوى أعن المساكين والمستضعفين وارحم النساء الثكالى والأطفال اليتامى وذا الشيبة الكبير إنك على كل شيء قدير معاشر الاخوة والأخوات إن في تقلب الدهر عجائب وفي تغير الأحوال مواعظ توالت العقبات وتكاثرت النكبات وطغت الماديات على كثير من الخلق فتنكروا لربهم ووهنت صلتهم به اعتمدوا على الأسباب المادية البحتة فسادت موجات القلق والاضطراب والضعف والهوان وعم الخوف والهلع من المستقبل بل وعلى المستقبل تخلوا عن ربهم فتخلى الله عنهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) جميع الخلق مفتقرون إلى الله مفتقرون إلى الله في كل شئونهم وأحوالهم وفي كل كبيرة وصغيرة وفي هذا العصر تعلق الناس بالناس وشكا الناس إلى الناس ولا بأس أن يستعان بالناس فيما يقدرون عليه لكن أن يكون المعتمد عليهم والسؤال إليهم والتعلق بهم فهذا هو الهلاك بعينه فإن من تعلق بشيء وكل إليه نعتمد على أنفسنا وذكائنا بكل غرور وعجب ....أما أن نسأل الله العون والتوفيق ونلح عليه بالدعاء ونحرص على دوام الصلة بالله في كل الأشياء وفي الشدة والرخاء فهذا آخِر ما يفكر فيه بعض الناس
فقيرا جئت بابك يا إلهي
ولست إلى عبادك بالفقير
غني عنهم بيقين قلبي
وأطمع منك بالفضل الكبير
إلهي ما سألت سواك عونا
فحسبي العون من رب قدير
إ لهي ما سألت سواك عفوا
فحسبي العفو من رب غفور
إلهي ما سألت سواك هديا
فحسبي الهدي من رب بصير
إذا لم أستعن بك يا إلهي
فمن عوني سواك ومن مجيرِ
أيها الاخوة إن الفرار إلى الله واللجوء إليه في كل حال وفي كل كرب وهم هو السبيل للتخلص من فتورنا وضعفنا وذلنا وهواننا إن في هذه الدنيا مصائب ورزايا ومحن وبلايا آلاما تضيق بها النفوس ومزعجات تورث الخوف والجزع كم في الدنيا من عين باكية وكم فيها من قلب حزين وكم فيها من الضعفاء والمعدومين قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل هذا يشكو علة وسقما وذاك حاجة وفقرا وآخر هما وقلقا عزيز قد ذل وغني افتقر وصحيح مرض رجل يتبرم من زوجه وولده وآخر يشكو ويئن من ظلم سيده وثالث كسدت وبارت تجارته شاب أو فتاة يبحث عن عروس وطالب يشكو كثرة الامتحانات والدروس هذا مسحور وذاك مدين وآخر ابتلي بالإدمان والتدخين ورابع أصابه الخوف ووسوسة الشياطين تلك هي الدنيا تضحك وتبكي وتجمع وتشتت شدة ورخاء وسراء وضراء وصدق الله العظيم (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) أيها الاخوة السؤال الذي يجب أن يكون؛ هؤلاء إلى من يشكون وأيديهم إلى من يمدون يجيبك واقع الحال على بشر مثلهم يترددون وللعبيد يتملقون يسألون ويلحون وفي الثناء والمديح يتقلبون وربما على السحرة والكهنة يتهافتون نعم والله تؤلمنا شكاوي المستضعفين وزفرات المساكين وصرخات المنكوبين وتدمع أعيننا يعلم الله لأهات المتوجعين وأنات المظلومين وانكسار الملذوعين لكن أليس إلى الله وحده المشتكي أليس إلى الله وحده المشتكي أين الإيمان بالله أين التوكل على الله أين الثقة واليقين بالله
وإذا عرفت بلية فاصبر لها
صبر الكريم فإنه بك أرحم
وإذا شكوت إلى ابن أدم فإنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
ألم نسمع عن أناس كانوا يشكون إلى الله حتى انقطاع شسع نعلهم نعم حتى سير النعل كانوا يشكون إلى الله بل كانوا يسألون الله حتى الملح يا أصحاب الحاجات أيها المرضى أيها المدينون أيها المكروب والمظلوم أيها المعسر والمهموم أيها الفقير والمحروم يا من يبحث عن السعادة الزوجية يا من يشكو العقم ويبحث عن الذرية يا من يريد التوفيق في الدراسة والوظيفة يا من يهتم لأمر المسلمين يا كل محتاج يا من ضاقت عليه الأرض بما رحبت لماذا لا نشكو إلى الله أمرنا لماذا لا نشكو إلى الله أمرنا وهو القائل (ادعون أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) لماذا لا نرفع أكف الضراعة إلى الله وهو القائل (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعي إِذَا دَعَانِ ) لماذا ضعف الصلة بالله وقله في الاعتماد على الله وهو القائل (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) لولا دعاؤكم أيها المؤمنون أيها المسلمون يا أصحاب الحاجات ألم نقرأ في القرآن قول الحق عز وجل (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء ) لماذا ( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) فأين نحن من الشكوى لله أين نحن من الإلحاح والتضرع لله سبحان الله ألسنا بحاجة لربنا أنعتمد على قوتنا وحولنا والله ثم والله لا حول لنا ولا قوة إلا بالله والله لا شفاء إلا بيد الله ولا كاشف للبلوى إلا الله لا توفيق ولا فلاح ولا سعادة ولا نجاح إلا من الله العجيب والغريب أيها الاخوة أن كل مسلم يعلم هذا ويعترف بهذا بل ويقسم على هذا فلماذا إذن تتعلق القلوب بالضعفاء والعاجزين ولماذا نشكو إلى الناس ونلجأ للمخلوقين
سل الله ربك ما عنده
ولا تسأل الناس ما عندهم
ولا تبتغي من سواه الغنى
وكن عبده لا تكن عبدهم
فيا من إذا بليت سلاك أحبابك وهجرك أصحابك يا من نزلت به نازلة أو حلت به كارثة يا من بليت بمصيبة أو بلاء ارفع يديك إلى السماء وأكثر الدمع والبكاء وألح على الله بالدعاء وقل يا سامعا لكل شكوى " إذا استعنت فاستعن بالله وإذا سألت فاسأل الله " وقل يا سامعا لكل شكوى توكل على الله وحده وأعلن بصدق أنك عبده واسجد لله بخشوع وردد بصوت مسموع يا سامعا لكل شكوى :
أنت الملاذ إذا ما أزمة شملت
وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت المنادى به في كل حادثة
أنت الإله وأنت الذخر والأمل
أنت الرجاء لمن سدت مذاهبه
أنت الدليل لمن ضلت به السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة
عليك والكل ملهوف ومبتهل
إن الأنبياء والرسل وهم خير الخلق وأحب الناس إلى الله نزل بهم البلاء واشتد بهم الكرب فماذا فعلوا وإلى من لجئوا ؟ أخي الحبيب أختصر لك الإجابة إنه التضرع والدعاء والافتقار لرب الأرض والسماء إنها الشكاية لله وحسن الصلة بالله هذا نوح عليه السلام يشكو أمره إلى الله ويلجأ إلى مولاه قال تعالى (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) كانت المناجاة كانت المناجاة فكانت الإجابة من الرحمن الرحيم وقال (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) وقال عز من قائل (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء منْهَمِرٍ ) هذا أيوب عليه السلام ابتلاه الله بالمرض ثمانية عشر عاما حتى أن الناس ملوا زيارته لطول المدة فلم يبق معه إلا رجلان من إخوانه يزورانه لكنه لم ييئس عليه السلام بل صبر واحتسب وأثنى الله عليه فقال (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) أواب أي رجاع منيب إلى ربه ظل على صلته بربه وثقته به ورضاه بما قسم له توجه إلى ربه بالشكوى ليرفع عنه الضر والبلوى قال تعالى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فماذا كانت النتيجة قال الحق عز وجل العليم البصير بعباده الرحمن الرحيم قال (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم معَهُمْ رَحْمَةً منْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) هذا يونس عليه السلام رفع الشكاية لله فلم يناج ولم يناد إلا الله قال تعالى (وَذَا النُّونِ إِذ ذهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لن نقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) فماذا كانت النتيجة ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) وذكريا عليه السلام قال الحق عز وجل عنه (وذكريا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) الذين يشكون العقم وقلة الولد (وذكريا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) فماذا كانت النتيجة ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى َوأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) إذن لماذا استجاب الله دعاءه لأنهم كانوا يسارعون في الخيرات كانوا لا يملون الدعاء بل كان القلب متصلا متعلقا بالله لذلك قال الله عنهم وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ؛ خاشعين متذللين معترفين بالتقصير فالشكاية تخرج من القلب قبل اللسان يعقوب عليه السلام قال (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) انظروا إلى اليقين انظروا للمعرفة لرب العالمين (وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) فاستجاب الله دعاه وشكواه ورد عليه يوسف وأخاه وهذا يوسف عليه السلام ابتلاه الله بكيد النساء فلجأ إلى الله وشكا إليه ودعاه فقال (وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن منَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وأخبر الله عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) استغاثة لجاءة إلى الله شكوى وصلة لله سبحانه وتعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ منَ الملائكة مُرْدِفِينَ ) وهكذا أيها الأحبة إننا حينما نستعرض حياة الرسل جميعا كما قصها علينا القرآن الكريم نرى أن الابتلاء والامتحان كانا مادتها وماؤها وأن الصبر وحسن الصلة بالله ودوام الالتجاء وكثرة الدعاء وحلاوة الشكوى كان قوامها وما أشرنا إليه إنما هي نماذج من الاستجابة للدعاء ومن نظر في كتب السير والتفاسير وقف على شدة البلاء الذي أصاب الأنبياء وعلم أن الاستجابة جاءت بعد إلحاح ودعاء واستغاثة ونداء إنها آيات بينات وبراهين واضحات وتقول بل وتعني أن من توكل واعتمد على الله وأحسن الصلة بمولاه استجاب الله دعاءه وحفظه ورعاه فإن لم يكن ذلك في الدنيا كان في الآخرة وما عند الله خير وأبقى إنها صفحات من الابتلاء والصبر معروضة للبشرية لتسجل أن لا اعتماد إلا على الله وأن لا فارج للهم ولا كاشف للبلوى إلا الله هذا هو طريق الاستعلاء أن ننظر إلى السماء وأن نلح بالدعاء لأن الشكوى إلى الله تشعرك بالقوة والسعادة وأنك تأوي إلى ركن شديد أما الشكوى إلى الناس والنظر لما في أيدي الناس سيشعرك بالضعف والذل والإهانة والتبعية يا أخا التوحيد أليس هذا أصل من أصول التوحيد إن من أصول التوحيد أن تتعلق القلوب بخالقها في وقت الشدة والرخاء والخوف والأمن والمرض والصحة بل وفي كل حال وزمان وما نراه اليوم من تعلق القلوب بالمخلوقين وبالأسباب وحدها دون اللجوء إلى الله لهو والله نذير خطر لزعزعة عقيدة التوحيد في النفوس أيها الأحبة إن الشكوى لله والتضرع إلى الله وإظهار الحاجة إليه والاعتراف بالافتقار إليه من أعظم عرى الإيمان وثوابت التوحيد وبرهان ذلك الدعاء والإلحاح في السؤال والثقة واليقين بالله في كل حال ولقد زخرت كتب السنة بأنواع من الدعاء تجعل المسلم على صلة بربه وفي حرز من عدوه يقضي أمره ويقضي همه في كل مناسبة دعاء في اليقظة والمنام والحركة والسكون قياما وقعودا وعلى الجنوب ابتهال وتضرع في كل ما أهم العبد وهل إلى غير الله مفر أم هل إلى غيره ملاذ ففي المرض مثلا الأدعية كثيرة والأحاديث مستفيضة إليك على سبيل المثال ما أخرجه [البخاري] و[مسلم] من حديث [عائشة] رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أو" أن رسول الله كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها" وأخرج البخاري ومسلم أيضا من حديث عائشة قالت" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال : اذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما "أي لا يترك سقما وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود [والترمذي] عن [عثمان بن أبي العاص] رضي الله تعالى عنه أنه شكي رسول الله أو شكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده منذ أسلم فقال له صلى الله عليه وآله وسلم انظروا لرسول الله لقدوتنا وحبيبنا يربي الناس يربي أصحابه على الاعتماد واللجوء إلى الله فقال له صلى الله عليه وسلم ضع يدك على الذي تألم من جسدك ضع يدك الإرشاد أولا لله التعلق أولا بالله لم يرشده أولا لطبيب حاذق ولا بأس بهذا لكن التعلق بالله هو أولا " ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله بسم الله بسم الله ثم قل سبعا أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " وفي رواية امسحه بيمينك سبع مرات وفي رواية قال عثمان فقلت ذلك فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم .سبحان الله اسمعوا لحسن الصلة بالله والتوكل على الله فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم أيها المريض اعلم أن من أعظم أسباب الشفاء التداوي بالرقى الشرعية من القرآن والأدعية النبوية ولها أثر عجيب في شفاء المريض وزوال علته لكنها تريد قلبا صادقا وذلا وخضوعا لله رددها أنت بلسانك فرقيتك لنفسك أفضل وأنجى فأنت المريض وأنت صاحب الحاجة وأنت المضطر وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة وما حك جلدك مثل ظفرك فتوكل على الله بصدق وألح عليه بدون ملل وأظهر ضعفك وعجزك وحالك وفقرك إليه وستجد النتيجة العجيبة إن شاء الله ثقة بالله فإلى كل مريض مهما كان مرضه أقول أخي الحبيب شفاك الله وعافاك اعلم أن الأمراض من جملة ما يبتلي الله به عباده والله عز وجل لا يقضي شيئا إلا وفيه الخير والرحمة بعباده وربما ربما كان مرضك لحكمة لحكمة خفيت عليك أو خفيت على عقلك البشري الضعيف وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم أيها المحب شفاك الله هل علمت أن للأمراض والأسقام فوائد وحكم أشار [ابن القيم] إلى أنه أحصاها فزادت على مائة فائدة وانظر كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل صفحة خمسة وعشرين وخمسمائة أيها المسلم أيها المسلم أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويعافيك هل سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" والحديث متفق عليه من حديث [ابن مسعود] وهل سمعت أنه صلى الله عليه وسلم زار أم العلاء وهي مريضة فقال "لها ابشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما يذهب خبث الذهب والفضة أو كما تذهب النار خبث الذهب والفضة" والحديث أخرجه [أبو داود] وحسنه [المنذري] وقال [الألباني] في صحيحه هذا سند جيد قال[ ابن عبد البر] رحمه الله الذنوب تكفرها المصائب والآلام والأمراض والأسقام وهذا أمر مجتمع عليه .انتهى كلامه رحمه الله والأحاديث والآثار في هذا مأثورة ليس هذا مقام بسطها لكن المراد هنا أننا نرى حال بعض الناس إذا مرض يفعل كل الأسباب المادية من ذهاب للأطباء وأخذ للدواء وبذل للأموال وسفر للقريب والبعيد ولا شك أن هذا مشروع محمود ولكن الأمر الغريب أن يطرق كل الأبواب وينسى باب مسبب الأسباب بل ربما لجأ للسحرة والمشعوذين نعوذ بالله من الشرك والمشركين ألم يقرأ في القرآن ( وإذا مرضت فهو يشفين ) أيها المريض اعلم أن الشافي الله ولا شفاء إلا شفاؤه أيها المريض بل يا كل مصاب أيا كانت مصيبته هل سألت نفسك لماذا ابتلاك الله بهذا المرض أو بهذه المصيبة ربما لخير كثير ولحكم لا تعلمها ولكن الله يعلمها ألم يخطر ببالك أنه أصابك بهذا البلاء ليسمع صوتك وأنت تدعوه ويرى فقرك وأنت ترجوه فمن فوائد المصائب استخراج مكنون عبودية الدعاء قال أحدهم سبحان من استخرج الدعاء بالبلاء وفي الأثر "أن الله ابتلى عبدا صالحا من عباده وقال لملائكته لأسمع صوته" يعني بالدعاء والإلحاح أيها المريض المرض يريك فقرك وحاجتك إلى الله وأنه لا غنى لك عنه طرفة عين فيتعلق قلبك بالله وتقبل عليه بعد أن كنت غافلا عنه وصدق من قال فربما صحت الأجسام بالعلل فارفع يديك ارفع يديك وأسل دمع عينيك وأظهر فقرك وعجزك واعترف بذلك وضعفك في رواية عن [سعيد بن عنبسة] قال بينما رجل جالس وهو يعبث بالحصى ويحذف به إذ رجعت حصاة منها عليه فصارت في أذنه فجهدوا بكل حيلة فلم يقدروا على إخراجها فبقيت الحصاة في أذنه مدة وهي تؤلمه فبينما هو ذات يوم جالس إذ سمع قارئا يقرأ ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ) فقال الرجل يا رب يا رب أنت المجيب وأنا المضطر فاكشف عني ضر ما أنا فيه فنزلت الحصاة من أذنه في الحال لا تعجب إن ربي لسميع الدعاء إذا أراد شيئا قال له كن فيكون أيها المريض إياك وسوء الظن بالله إن طال بك المرض فتعتقد أن الله أراد بك سوءا أو أنه لا يريد معافاتك أو أنه ظالم لك فإنك إن ظننت ذلك إنك على خطر عظيم أخرج [الإمام أحمد] بسند صحيح في السنة الصحيحة من حديث [أبي هريرة] أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى يقول " أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا فله وإن ظن شرا فله" يعني ما كان في ظنه فإني فاعله به فأحسن الظن بالله تجد خيرا إن شاء الله لا تجزعن إذا نالتك موجعة
لا تجزعن إذا نالتك موجعة
واضرع إلى الله مسرع نحوك الفرج
ثم استعن بجميل الصبر محتسبا
فصب يسرك بعد العسر ينثلج
فسوف يدرج عنك الهم مرتحلا
وإن أقام قليلا سوف يندلج
هذا في المرض وأطلت فيه لكثرة المرضى وحاجة الناس إلى مثل هذه التوجيهات وهي تحتاج إلى دروس ومحاضرات لكن حسبي ما ذكرته الآن لأن الموضوع عام في المصائب والآلام ومن المصائب والآلام التي يحتاج الناس فيها الشكوى إلى الله تراكم الديون وكثرة المعسرين كم من مدين عجز عن الوفاء وكم من معسر يعيش في شقاء هم في الليل وذل في النهار أحزان وآلام لا يغمض في منام ولا يهنأ في طعام طريد للغرماء أو مع السجناء صبية صغار وبيت للإيجار وزوجة مسكينة لا تدري أتطرق أبواب المحسنين أو تسلك طريق الفاسقين هذه الرسالة رسالة مؤلمة من زوجة إلى زوجها في السجن بسبب الديون جاء فيها تقول الزوجة : لم أتمتع معك في حياتنا الزوجية إلا فترة من الزمن حتى غيبوك في غياهب السجون كم سنة غبت عني لا أدري ماذا فعل الله بك ولا أدري عنك أحي فترجى أم ميت فتنعى ليتك ترى حالي وحال أولادك ليتك ترى حال صغارك لست أدري هل أخون أمانة الله وأمانتك وأطلب الرزق لهؤلاء بطرق محرمة وأنا في ذمتك وعهدك أم أطلب الطلاق ويضيع أولادك إلى آخر الرسالة ذكرها صاحب كتاب نداء إلى الدائنين والمدينين وأقول أيها الأحبة تصوروا حال هذا الزوج كيف يكون وهو يقرأ هذه الكلمات ديون وسجون وهموم وأولاد ذل وخضوع للناس واسمعوا لهذا الرجل وهو يشكو حاله فيقول أنا رجل سجين علي مبلغ من المال وصار لي في السجن أكثر من سنة ونصف ولا يقبل خصمي الكفيل فأنا معسر وصاحب عائلة فهل يجوز سجني إلى هؤلاء وأمثالهم أقول لماذا طرقتم الأبواب كلها ونسيتم باب من" يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا خائب اليدين "كما في [أبي داود] و[الترمذي] وقال [ أبن حجر] سنده جيد قال [ السريقسطي ] كن مثل الصبي إذا اشتهى على أبويه شهوة فلم يمكناه قعد يبكي عليهما فكن أنت مثله فإذا سألت ربك ولم يعطك فاقعد فابك عليه فاقعد فابكي عليه كما في شعب الإيمان [ للبيهقي] :
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
زرعا وعند الله منها مخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج
ومن الأدعية في قضاء الدين ما أخرجه أبي داود في سننه من حديث [أبي سعيد الخدري] قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ذات يوم فرأى فيه رجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إني أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة قال هموم لزمتني وديون يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمك كلاما يعلق القلوب يعلق القلوب بالله صلوات الله وسلامه عليه "أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك قال قلت بلى يا رسول الله قال قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال قال ففعلت ذلك فأذهب الله تعالى همي وغمي وقضى عني ديني" وروى [البيهقي] في فضائل الأعمال عن [حماد بن سلمة] عن [ عاصم بن أبي إسحاق ] شيخ القراء في زمانه قال أصابتني خصاصة أي حاجة وفاقة فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة فخرجت من منزله إلى الجبانة أي إلى الصحراء فصليت ما شاء الله تعالى ثم وضعت وجهي على الأرض وقلت يا مسبب الأسباب ويا مفتح الأبواب ويا سامع الأصوات يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك يلح على الله بهذا الدعاء قال والله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فرفعت رأسي فإذا بحدأة طرحت كيسا أحمر فأخذت الكيس فإذا فيه ثمانين دينارا وجوهرا ملفوف في قطنه فبعت الجواهر بمبلغ عظيم وأفضلت أي أبقيت الدنانير فاشتريت بها عقارا وحمدت الله تعالى على ذلك لا نعجب أيها الاخوة إن ربي لسميع الدعاء ومن يتوكل على الله فهو حسبه ومن الأدعية عند الهم والقلق ما أخرجه أحمد في المسند من حديث [عبد الله بن مسعود ] رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجا وفي رواية فرحا قال فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها" صححه ابن حبان وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية أيها الاخوة إن الإنسان منا ضعيف ضعيف فكيف إذا اجتمعت عليه الهموم والأحزان وشواغل الدنيا ومشاكلها فزادته ضعفا وجعلته فريسة للهم والقلق والتمزق النفسي انظروا للعيادات النفسية وكثرة المراجعين لها شباب وفتيات في أعمار الزهور أين هؤلاء من الاعتصام بالله والاتصال والشكوى للذي يقدر أو للذي قدر الهموم والغموم وقضى بالمصائب والأحزان يتصل به متذللا معترفا بذنبه طارقا بابه مستعينا به مستيقنا بأنه هو القادر على كشفها دون سواه وما سواه ؛الأسباب هو الذي يهيئها ويقدرها للعبد إن الله تعالى يقول (خلق الإنسان ضعيفا) قال [ ابن القيم ] في طريق الهجرتين فإنه أي الإنسان ضعيف البنية ضعيف القوة ضعيف الإرادة ضعيف العلم ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا أسرع من السيل في طيب الحدوق فالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه إلى آخر كلامه إذن فلنتعلم هذا الحديث كما نصحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فيه خضوعا لله فيه اعتراف بالذل والعبودية لله فيه توسل واستغاثة بجميع أسماء الله ما يعرف منها وما لا يعرف ما كتب وما أخفى وأبشر أخي الحبيب فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله له بها من خطاياه" كم في البخاري ومسلم
يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الفارج الله
إذا بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوى هو الله
ومن الأدعية عند النوازل والفتن والخوف ما أخرجه [ أبو داود والنسائي ] عن [ أبي موسى ] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول أو كان إذا خاف قوما قال " اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم "وكان يقول صلى الله عليه وسلم عند لقاء العدو" اللهم أنت عضدي وأنت ناصري بك أصول وبك أجول وبك أقاتل" كما عند أبي داود والترمذي وأحمد وفي صحيح البخاري من حديث [ابن عباس] قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم فإذا كان المحيي والمميت والرزاق هو الله فلماذا التعلق بغير الله لماذا التعلق بغير الله ولماذا الخوف من الناس وصلى الله عليه وسلم يقول " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" أيها المسلم .
أيها الاخوة والأخوات إن من أعظم البلايا وأشد الرزايا ما يصيب المسلمين كل يوم من غزو واجتياح وتعديات ومظالم وفقر وتجويع حتى أصاب بعض النفوس الضعيفة أصابها اليأس والقنوط والإحباط وفقدان الثقة والأمل لماذا أيها الاخوة أليس الأمر لله من قبل ومن بعد أليس حسبنا الله وكفى بالله حسيبا أليس الله بقادر أليس الله أو أليس هو الناصر وكفى بالله نصيرا ألا يعلم الله مكرهم ألم يقل ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) (أليس الله بكاف عبده)( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) ألم يقل ( إنا كفيناك المستهزئين ) ألم يقل ( فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) معاشر الاخوة اسمعوا وعوا وأعلنوا واعلموا إن مصيبتنا ليست في قوة عدونا إنما هي بضعف صلتنا بربنا وضعف ثقتنا وقلة اعتمادنا عليه لنفتش في أنفسنا عند وقوعنا في الشدائد والمحن أين الضراعة والشكوى لله أين اللجاءة والمناجاة لله ليس شيء أفضل عند الله من الدعاء لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته وغناه أيها المسلمون نريد أن نتعلم فن الدعاء والتذلل والخضوع والبكاء لنعترف بالفقر إليه ولنظهر العجز والضعف بين يديه أليس لنا في رسول الله قدوة أليس لنا أسوة أوذي أشد الأذى وكذب أشد التكذيب اتهم بعرضه وخدشت كرامته وطرد من بلده عاش يتيما وافتقر ومن شدة الجوع ربط على بطنه الحجر قيل عنه كذاب وساحر ومجنون وشاعر توضع العراقيل في طريقه وسلى الجزور على ظهره يشج رأسه وتكسر ثنيته يقتل عمه جمعوا عليه الأحزاب وحاصروه المشركون والمنافقون واليهود يذهب إلى الطائف ليبلغ دعوته فيقابل بالتكذيب والسب والشتم ويطرد ويلاحق ويرمى بالحجارة فماذا فعل بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه أين ذهب من يسأل إلى من يشكو إلى ذي الجبروت والملكوت إلى القوي العزيز فأعلن صلى الله عليه وآله وسلم الشكوى ورفع يديه بالنجوى دعا وألح وبكى وتظلم وتألم وشكا لكن اسمع لفن الشكوى وإظهار الضعف والعجز والافتقار منه صلى الله عليه وسلم قال " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تحل علي غضبك أو تنزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك " هكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم ضراعة ونجوى لربه والحديث أخرجه [الطبراني] كما في الكبير وقال [الهيثمي] في المجمع رواه الطبراني وفيه [ابن إسحاق] وهو مدلس ثقة ورجاله ثقات .
أيها الاخوة لماذا نشكو إلى الناس ونبث الضعف والهوان والهزيمة النفسية في مجالسنا وننسى أو نتكاسل عن الشكوى لمن بيده الأمر من قبل ومن بعد ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ) أليس فينا من بينه وبين الله أسرار أليس فينا أيها الأحبة أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره أليس فينا من يرفع يديه إلى الله في ظلمة الليل يسجد ويركع ينتحب إلى الله يرفع الشكوى إلى الله فلنشكو إلى الله ولنقوي الصلة بالله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ومن الأدعية في المصيبة والكرب والشدة والضيق ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم" وفي رواية كان إذا أحزبه أمر قال ذلك قال[ النووي] في شرح مسلم هو حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة قال الطبري كان السلف يدعون به ويسمونه دعاء الكرب وأخرج[ أبو داود] و[أحمد ]عن [أبي بكرة ] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت " حسنه [ ابن حجر] كما في الفتوحات الربانية و[ الألباني ] كما في صحيح الجامع وأخرج [ الترمذي [ و[ أحمد ] عن [ سعد بن أبي وقاص] رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة [ذي النون ]إذ دعا وهو في بطن الحوت ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له حسنه [ابن حجر] كما في الفتوحات وصححه الألباني كما في صحيح الجامع لما قالها [يونس ]عليه السلام وهو في بطن الحوت قال الله عز وجل ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) قال [ابن كثير] في تفسيره ( وكذلك ننجي المؤمنين )أي إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء فقد جاء الترغيب في الدعاء فيها عن سيد الأنبياء انتهى كلامه .
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث [ أم سلمة ] رضي الله تعالى عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها قالت فلما مات أبو سلمة قلت أي قالت في نفسها أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذن فالاسترجاع ملجأ وملاذ لذوي المصائب ومعناه باختصار إن لله توحيد وإقرار بالعبودية والملك وإنا لله وإنا إليه راجعون إقرار بأن الله يمسكنا ثم يبعثنا إذاً فالأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه والله عز وجل يقول ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) .
وإليكم أيها الأحبة إليكم أمثلة ومواقف للذين لجئوا إلى حصن الإيمان وسلاح الدعاء وأدركوا أن المفزع بعد الإيمان هو الدعاء؛ السلاح الذي يستدفع به البلاء ويرد به شر القضاء عن [ أصبغ بن زيد ] قال مكثت أنا ومن عندي ثلاثا لم نطعم شيئا أي من الجوع فخرجت إلى ابنتي الصغيرة وقالت يا أبت الجوع؛ تشكو الجوع قال فأتيت الميضأة انظروا إلى من اللجاءة انظروا إلى من يلجئون فأتيت الميضأة وتوضأت وصليت ركعتين وألهمت دعاء دعوت به في آخره اللهم افتح على منك رزقا لا تجعل علي لأحد منة ولا لك علي في الآخرة فيه تبعة برحمتك يا أرحم الراحمين ثم انصرفت إلى البيت فإذا بابنتي الكبيرة قد قامت إلي وقالت يا أبه جاء رجل يقول إنه عمي بهذه الصرة من الدراهم وبحمال عليه دقيق وحمال عليه من كل شيء في السوق وقال أقرئوا أخي السلام وقولوا له إذا احتجت إلى شيء فادع بهذا الدعاء تأتك حاجتك قال أصبغ بن زيد والله ما كان لي أخ قط ولا أعرف من كان هذا القائل ولكن الله على كل شيء قدير
فقلت للفكر لما صار مضطربا
وحارني الصبر والتفريط والجلد
دعها سماوية تجري على قدر
لا تعترضها بأمر منك تنفسد
تحفني بخفي اللطف خالقنا
نعم الوكيل ونعم العون والمدد
وعن [شقيق] ....قال كنت في بيتي قاعدا فقال لي أهلي قد ترى ما بهؤلاء الأطفال من الجوع ولا يحل لك أن تحمل عليهم ما لا طاقة لهم به قال فتوضأت نرجع إلى السبب الذي كانوا يدورون حوله رضي الله تعالى عنهم وتوضأت وكان لي صديق لا يزال يقسم علي بالله إن يكن لي حاجة أعلمه بها ولا أكتمها عنه فخطر ذكره ببالي فلما خرجت من المنزل مررت بالمسجد فذكرت ما روي عن [أبي جعفر] قال من عرضت له حاجة إلى مخلوق فليبدأ فيها بالله فليبدأ فيها بالله بالله عز وجل قال فدخلت المسجد فصليت ركعتين فلما كنت في التشهد أفرغ علي النوم فرأيت في منامي أنه قيل يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه يا شقيق أتدل العباد على الله ثم تنساه قال فاستيقظت وعلمت أن ذلك تنبيه نبهني به ربي فلم أخرج من المسجد حتى صليت العشاء الآخرة ثم تركت الذهاب لصاحبي وتوكلت على الله وانصرفت إلى المنزل فوجدت الذي أردت أن أقصد قد حركه الله وأجرى لأهلي على يديه ما أغناهم إن ربي لسميع الدعاء فلا نعجب أيها الأحبة ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) واسمع لدعاء[ ابن القيم ] بالفاتحة يقول ومكثت بمكة مدة يعتريني أدواء لا أجد لها طبيبا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيرا عجيبا فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما فكان كثير منهم يبرأ سريعا ذكر ذلك في الجواب الكافي وذكره أيضا في زاد المعاد وفي حديث [أبي سعيد الخدري] المتفق عليه لما قرأ على سيد الحي الفاتحة قال فكأنما نشط من عقال فهذا يشهد أيضا بفضل الفاتحة .
ومن المواقف الجميلة في الدعاء المواقف الطريفة أنه كان [لسعيد بن جبير] ديك كان يقوم من الليل لصياحه فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح فلم يصلِّ سعيد تلك الليلة أي لم يصلِّ قيام الليل فشق عليه ذلك فقال ما له قطع الله صوته يعني الديك وكان سعيد مجاب الدعوة فما سمع للديك صوت بعد ذلك الدعاء فقالت أم سعيد يا بني لا تدع على شيء بعدها ذكر ذلك [الذهبي] في السير وذكر أحد الدعاة في بعض رسائله أن رجلا من العباد كان مع أهله في الصحراء في جهة البادية وكان عابدا قانتا ذاكرا منيبا لله قال فانقطعت المياه المجاورة لنا وذهبت ألتمس ماء لأهلي فوجدت أن الغدير قد جف فعدت إليهم ثم التمسنا الماء يمنة ويسرة فلم نجد ولو قطرة وأدركنا الظمأ واحتاج أطفالي إلى الماء فتذكرت رب العزة سبحانه القريب المجيب فقمت فتيممت واستقبلت القبلة وصليت ركعتين ثم رفعت يدي وبكيت وسالت دموعي وسألت الله بإلحاح وتذكرت قوله ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ) قال والله وما هو ألا أن قمت من مقامي وليس بالسماء من سحاب ولا غيم وإذا بسحابة قد توسطت مكاني ومنزلي في الصحراء واحتكمت على المكان ثم أنزلت ماءها فامتلأت الغدران من حولنا وعن يميننا وعن يسارنا فشربنا واغتسلنا وتوضأنا وحمدنا الله سبحانه وتعالى ثم ارتحلت قليلا خلف هذا المكان وإذا الجدب والقحط فعلمت أن الله ساقها لي بدعائي فحمدت الله عز وجل (وَهُوَ الذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) وذكر أيضا أن رجلا مسلما ذهب إلى إحدى الدول والتجأ بأهله إليها وطلب بأن تمنحه الجنسية قال فأغلقت في وجهه الأبواب وحاول هذا الرجل كل المحاولة قال واستفرغ جهده وعرض الأمر على كل معارفه فبارت الحيل وسدت السبل ثم لقي عالما ورعا فشكا إليه الحال قال له عليك بالثلث الأخير من الليل ادع مولاك فإنه الميسر سبحانه وتعالى قال هذا الرجل فوالله لقد تركت الذهاب إلى الناس وطلب الشفاعات وأخذت أداوم على الثلث الأخير كما أخبرني ذلك العالم وكنت أهتف لله في السحر وأدعوه فما هو إلا بعد أيام وتقدمت بمعروض عادي ولم أجعل بيني وبينهم واسطة فذهب هذا الخطاب وما هي إلا أيام وفوجئت بالبيت أني أدعى وأسلم الجنسية وكانت لي ظروف صعبة إن الله سميع مجيب ولطيف قريب لكن التقصير منا لا بد أن نلح على الله وندعوه وأبشروا إن ربي لسميع الدعاء .
وأذكر أيها الاخوة أذكر أن طالبا متميزا في دراسته حصل له ظرف في ليلة امتحان إحدى المواد ولم يستطع أن يذاكر جميع المنهج المقرر للمادة إلا بقدر الثلث فاهتم واغتم وضاقت عليه نفسه ولم يستطع الإفادة من باقي الوقت لاقتراب النفس وطول المنهج فما كان منه إلا أن توضأ وصلى ركعتين وألح على الله بأسمائه وصفاته وباسمه الأعظم يقول الطالب فدخلت قاعة الامتحان ووزعت أوراق الأسئلة وقبل أن أنظر فيها دعوت الله عز وجل ورددت بعض الأذكار ثم قلبت الورقة فإذا الأسئلة أكثرها من ذلك الثلث الذي درسته فبدأت بالإجابة ففتح الله علي فتحا عجيبا لم أكن أتصوره ولكن ربي سميع مجيب فإلى كل الطلاب والطالبات أقول لماذا غفلتم عن الدعاء والشكوى لله وأنتم تشكون لبعضكم وتذكرون وتتوجعون لماذا يعتمد الكثير منكم على نفسه وذكائه بل ربما اعتمد البعض على الغش والاحتيال إن النفس مهما بلغت من الكمال والذكاء فإنها ضعيفة وهي عرضة للغفلة والنسيان نعم لنفعل الأسباب ولنحفظ ولنذاكر ونجتهد ولكنها كلها لا شيء إن لم يعنك الله ويفتح عليك ولا حول ولا قوة إلا بالله في كل شيء فهل طلبت العون من الله توكل على الله وافعل الأسباب وارفع يديك إلى السماء وقل يا سامعا لكل شكوى وأظهر ضعفك وفقرك لله وسترى النتائج بإذن الله وأنت أيها المدرس والمدرسة بل يا كل داعية لماذا نعتمد على أنفسنا الضعيفة في التوجيه والتعليم هب أننا أعددنا الدرس جيدا وفعلنا كل الأسباب هل يكفي هذا لعلك تسأل ما بقي أقول هل سألت الله العون والتوفيق عند تحضير الدرس هل سألت الله أن يفتح لك القلوب وأن يبارك في كلماتك وأن ينفع بها هل سألت الله العون والتوفيق وأنت تلقي الدرس هل دعوت لطلابك أن يبارك الله لهم وأن ينفع بهم وأن يصلحهم وأن ييسر عليهم هذه بعض الأمثلة والمواقف وما يعرف ويحكى أكثر وأكثر ولكننا نريد العمل والتطبيق ، تنبيه مهم فكثير من الناس إذا وقع في شدة عمد إلى الحرام كمن يذهب للسحرة والكهان أو يتعامل بالربا والحرام فإذا نصح أو ذكر قال إنه مضطر أو كما يقول البعض ليس من رجله في النار كمن رجله في الماء ولعلي أيها الحبيب أذكرك بآية ربما أنك نسيتها في خضم المصيبة والشدة التي وقعت فيها إن الله عز وجل يقول ( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر ؛إلى اللجوء والتضرع إلى الله كما يقول [الزمخشري] وأنت أيها الأخ أو أيتها الأخت تذكر أنك مضطر والمضطر وعده الله بالإجابة حتى وإن كان فاسقا فإذا كان الله أجاب دعوة المشركين عند الاضطرار فإن إجابته للمسلمين مع تقصيرهم من باب أولى .
جاء رجل إلى [مالك بن دينار] فقال أنا أسألك بالله أن تدعو لي فأنا مضطر فقال له فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه إن الله عز وجل قد ذم من لا يستكين له ولا يتضرع إليه عند الشدائد وانتبهوا أيها الأحبة لا بد من الضراعة والاستكانة لله عند الشدة كما أخبر الله فقال عز من قائل ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) أي لو استكانوا لربهم وتضرعوا لكان أمرا آخر فكيف بحال من يقع في الشرك والحرام عند البلاء والشدة فيزيد الطين بلة كيف يريد الشفاء أو انكشاح البلاء وهو يطلبه من مخلوقين مثله ضعفاء .
قال بعض السلف قرأت في بعض الكتب المنزلة يقول الله عز وجل "يؤمل غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويرجى غيري ويطرق بابه بالبكورات
وبيدي مفاتيح الخزائن وبابي مفتوح لمن دعاني من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به أو من الذي رجاني لعظيم فقطعت رجاءه ومن ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له أنا غاية الآمال فكيف تنقطع الآمال دوني أبخيل أنا فيبخلني عبدي أليست الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي فما يمنع المؤملون أن يؤملوني ولو جمعت أهل السماوات وأهل الأرض ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع وبلغت كل واحد منهم أمله لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة وكيف ينقص ملك أنا قيومه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ويا بؤسا لمن عصاني ووثب على محارمي "ذكر ذلك [ابن رجب] في نور الاقتباس والإسرائيليات يعتبر بها ولا يعتمد عليها كما يقول شيخ الإسلام[ ابن تيميه] رحمه الله .
أيها الاخوة إن الله يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه ويحب الملحين في الدعاء بل وينادي في كل ليلة هل من سائل فأعطيه وهل من داع فأستجيب له فأين المضطرون أين أصحاب الحاجات أين من وقع في الشدائد والكربات .
معاشر الاخوة والأخوات اقرءوا وانظروا في حادث الإفك وفي حديث الثلاثة أصحاب الغار وحديث المقترض الذي وضع المال في الخشبة وألقاها في البحر وحديث الثلاثة الذين خلفوا وغيرها من القصص النبوي في الصحاح والسنن فرج عنهم لسؤالهم لله وإلحاحهم بالدعاء رفعوا أيديهم إلى الله وأعلنوا الذل والخضوع لله وهذا الذل لا يصلح إلا لله لحبيبه ومولاه
ذل الفتى في الحب مكرمة وخضوعه لحبيبه شرف
فالعبودية لله عز ورفعة ولغيره ذل ومهانة وفي سؤال الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا
فابذله للمتكرم المفضال
كان [يحيى بن معاذ] يقول يا من يغضب على من لا يسأله لا تمنع من قد سألك وكان [بكر المزني ]يقول من مثلك يا ابن آدم متى شئت تطهرت ثم ناجيت ربك ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان وسأل رجل بعض الصالحين أن يشفع له في حاجة إلى بعض المخلوقين فقال له أنا لا أطرق بابا مفتوحا وأذهب إلى باب مغلق هكذا فلتكن الثقة بالله والتوكل على الله وقبل الختام وحتى نصل إلى ما نريد من فن الشكوى وحسن النجوى تنبه لهذه التوجيهات :
أولا : الدعاء له آداب وشروط لا بد من تعلمها والحرص عليها واسمع لهذا الكلام الجميل النفيس [لابن القيم] رحمه الله قال وإذا جمع العبد مع الدعاء حضور القلب وصادف وقتا من أوقات الإجابة وخشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلا له وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على رسول الله ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعاءه صدقة فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا ولا سيما إذا صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة وأنها متضمنة الاسم الأعظم انتهى بتصرف من الجواب الكافي لابن القيم صفحة تسعة عشر .
ثانيا :الصدقة وقد أكد عليها ابن القيم في كلامه السابق ولها أثر عجيب في قبول الدعاء بل وفعل المعروف أيا كان فصنائع المعروف تقي مصارع السوء كما قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والله عز وجل يقول عن يونس عليه السلام ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) .
ثالثا : عليك بالصبر وإياك واليأس والقنوط وفي هذا توجيهات :
أولا : أعلم أن الدعاء عبادة ولو لم يتوفر لك من دعاءك إلا الأجر على هذا الدعاء بعد إخلاصك لله عز وجل فيه لكفى .
ثانيا: أن تعلم أن الله أعلم بمصلحتك منك فيعلم سبحانه أن مصلحتك بتأجيل الإجابة أو عدمها .
ثالثا : لا تجزع من عدم الإجابة فربما دفع عنك بهذا الدعاء شرا كان سينزل بك فعن [عبادة بن الصامت] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم إذن نكثر قال الله أكثر" رواه [الترمذي] وقال حديث حسن صحيح ورواه [الحاكم] من رواية [أبي سعيد] وزاد فيه أو يدخر له من الأجر مثلها .
رابعا : ربما كان عدم الإجابة أو تأخيرها امتحان لصبرك وتحملك وجلدك هل تستمر في الدعاء وفي هذه العبادة أم تستحسر وتمل وتترك الدعاء ففي الحديث عن ]أبي هريرة ] رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل أو ما لم يعجل يقول قد دعوت ربي ولم يستجب لي "متفق عليه وفي جزء من رواية ابن مسلم قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء .
خامسا : أن تلقي باللوم على نفسك وهي من أهمها أن تلقي باللوم على نفسك فقد يكون سبب عدم الإجابة وقوعك أنت في بعض المعاصي أو التقصير أو إخلالك في الدعاء أو تعديك فيه فمن أعظم الأمور أن تتهم نفسك بالتقصير وتنسب عدم الإجابة لنفسك فهذا من أعظم الذل والافتقار لله، واسمع أيضا لهذا الكلام الجميل النفيس [لابن رجب] رحمه الله في نور الاقتباس يقول إن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة رجع إلى نفسه باللائمة يقول لها إنما أوتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إليه حينئذ بإجابة الدعاء وتفريج الكرب فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله وعلى قدر الكسر يكون الجبر انتهى كلامه رحمه الله .
رابعا : من التوجيهات الأساسية تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة قال [سلمان الفارسي] : إذا كان للرجل دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس له دعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله عز وجل قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له ذكر ذلك ابن رجب .
أيها الاخوة وأنا أتأمل في حديث الثلاثة؛ أصحاب الغار وهم يدعون ويتوسلون إلي الله بصالح أعمالهم وأخلصها لله أقول في نفسي وأفتش فيها أين ذلك العمل الصالح الخالص لله الخالي من حظوظ النفس الذي سألجأ إلى الله فيه عند الشدة فلنرجع إلى أنفسنا ولنسألها مثل هذا السؤال لنبحث في أعمالنا وعن الإخلاص لله فيها ولنكن على صلة بالله في الرخاء وصدق من قال
إذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخرا يكون كصالح الأعمال .
خامسا : إن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان بالله تعالى وفيه اطمئنان للنفس وراحة للقلب فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وتذكر دائما أن كل شيء بقضاء وقدر وأنه من عند الله .
سادسا : احرص على أكل الحلال احرص على أكل الحلال فهو شرط من شروط إجابة الدعاء وفي الحديث "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له "أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة فالله الله بالحلال فإن له أثرا عجيبا في إجابة الدعاء ربما قصرنا في وظائفنا أي نوع من التقصير وكان ذلك التقصير سببا في رد الدعاء وإجابته فلنتنبه إلى هذا أيها الأحبة .
سابعا : وأخيرا في التوجيهات حتى تكون مجاب الدعوة إن شاء الله أكثر من الاستغفار في الليل والنهار فلو لم يكن فيه إلا قول الحق عز وجل ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) فأين من يشكو الفقر والعقم والقحط عن هذه الآية هذه توجيهات سبع انتبه لها قبل أن ترفع يديك إلى السماء لتكن إن شاء الله مجابا للدعاء.
إلى كل مصاب ومنكوب وإلى كل من وقع بشدة وضيق أقول اطمئنوا فقد سبقكم أناس في هذا الطريق وما هي إلا أيام سرعان ما تنقضي. في الكتب المصنفة في الفرج بعد الشدة [للتنوخي] و[ابن أبي الدنيا] و[السيوطي] وغيرهم مئات القصص لمن مرضوا أو افتقروا أو عذبوا أو شردوا أو حبسوا أو عذبوا فجاءهم الفرج ساقه لهم السميع المجيب فلك في المصابين أسوة قال ابن القيم في زاد المعاد كلاما جميلا أيضاً فاسمع قال ومن علاج المصيبة أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأصحاب المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة وأنه لو فتش العالم لن يرى فيهم إلا مبتلى إما بفوت محبوب أو حصول مكروه وأن سرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا وإن سرت يوما ساءت دهرا وإن متعت قليلا منعت طويلا وما ملئت دارا حبرة أي سعادة إلا ملأتها عبرة ولا سرته في يوم بسرور إلا خبأت له يوم شرور انتهى كلامه رحمه الله.
فيا أيها الاخوة والأخوات أحصوا القرآن والأحاديث في كتب السنة والقصص والمواقف في كتب الفرج بعد الشدة والأحداث والعبر في واقعنا المعاصر جميعها تخبرنا أن الشدائد مهما طالت لا تدوم على أصحابها .
إذا اشتملت على اليأس القلوب
وضاقت بها الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمئنت
وأرست في أماكنها الخطوب
ولن ترى لانكشاف الضر وجها
ولا أغني بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث
يجيئ به القريب المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت

فموصول بها الفرج القريب
ولو لم يكن في المصائب والبلايا إلا أنها سبب لتكفير الذنوب وكسر لجماح النفس وغرورها ونيل للثواب بالصبر عليها وتذكير بالنعمة التي غفل عن شكرها وهي تذكر العبد بذنوبه فربما تاب وأقلع عنها وهي تجلب عطف الناس ووقوفهم مع المصاب بل من أعظم ثمار المصيبة أن يتوجه العبد بقلبه إلى الله ويقف ببابه ويتضرع إليه فسبحان مستخلف الدعاء بالبلاء فالبلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين ويوجب له الإقبال على الخالق وحده وهذا هو الإخلاص والتوحيد فإذا علم العبد أن هذه من ثمار المصيبة أنس بها وارتاح ولم ينزعج ولم يقنط فإلى ذوي المصائب والحاجات والشدائد والكربات إن منهج القرآن يقول وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم بل اسمعوا لهذه الآية العجيبة ففيها عزاء وتطمين لكل المسلمين قال تعالى : ( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) فلماذا التسخط والجزع والشكوى والأنين فلعل فيما حصل خير لك فتفاءل وأبشر واعتمد على الله وارفع يديك إلى السماء وقل يا سامعا لكل شكوى وأحسن الظن بالله وقل :
صبرا جميلا ما أسرع الفرج
من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى
ومن رجا الله كان حيث رجا
هذه الكلمات كلمات لتسلية المحزونين وتفريج كرب الملذوعين وهي عزاء للمصابين وتطييب للمنكسرين أسأل الله أن ينفع بها المسلمين وأن يغفر لي ولكم أجمعين .
فيا سامعا لكل شكوى ويا عالما بكل نجوى يا سابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغمم ويا كاشف الظلم ويا أعدل من حكم ويا حسيب من ظلم ويا ولي من ظلم يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث ولا الدهور يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد قطر الأمطار وعدد ورق الأشجار وعدد ما يظلم عليه الليل ويشرق عليه النهار كم من نعمة أنعمت بها علينا قل لك عندها شكرنا وكم من بلية ابتليتنا بها قل عندها صبرنا فيا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا ويا من قل عند بلائه صبرنا فلم يخذلنا اقذف في قلوبنا رجاءك اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحدا غيرك
اللهم إنا نسألك إيمانا ثابتا ويقينا صادقا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا اللهم لا نهلك وأنت رجاؤنا احرسنا بعينك التي لا تنام وبركنك الذي لا يرام يا سامعا لكل شكوى ويا عالما بكل نجوى يا كاشف كربتنا ويا مستمع دعوتنا ويا راحم عبرتنا ويا مقيل عثرتنا يا رب البيت العتيق اكشف عنا وعن المسلمين كل شدة وضيق واكفنا والمسلمين ما نطيق وما لا نطيق اللهم فرج عنا وعن المسلمين كل هم وغم وأخرجنا والمسلمين من كل حزن وكرب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا منزل القطر يا مجيب دعوة المضطر يا سامعا لكل شكوى احفظ إيماننا وأمن هذه البلاد ووفق ولاة الأمر لما فيه صلاح الإسلام والعباد يا كاشف كل ضر وبلية ويا عالم كل سر وخفية نسألك فرجا قريبا للمسلمين وصبرا جميلا للمستضعفين يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا ويا ذا النعم التي لا تحصى عددا أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد أبدا اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .



































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 09:52 PM   #4

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



فن التعامل مع الزوجه
الشيخ ابراهيم الدويش
من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا أما بعد أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ويعلم الله كما أسلف أخي وقدم فإني أنا الذي أشعر بالسعادة والغبطة والسرور وأنا بين أخوة لي في هذه البلدة وشكر الله لأهل >الأحساء< حسن استقبالهم وترحيبهم ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا وإياهم في جنات النعيم وأن يجعلنا أخوة متحابين هذه ليلة الأحد الموافق للحادي عشر من الشهر الثاني في العام السادس عشر بعد الأربعمائة والألف وفي هذا الجامع المبارك جامع الخالدية بـ >الأحساء< نلتقي وإياكم في موضوع كما ذكر المقدم شطره الأول بعنوان فن التعامل مع الزوجة و أسال الله عز وجل أن يعيننا وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن شطر هذا الموضوع الثاني الذي هو بعنوان السحر الحلال وفن التعامل مع الزوجة لا شك أيها الأحبة أن الزواج كلمة يرقص القلب لها طربا وينشرح الصدر لها طلبا وهي نعمة من أعظم نعم الله عز وجل على عباده قال تعالى (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) وركنا هذا الزواج هما الزوج والزوجة جمع الله بين هذين القلبين الغريبين وجعل بينهما مودة ورحمة وطمأنينة وسكينة وراحة واستقرارا وأنسا وسعادة وجعل القوامة بيد الرجل فقال عز وجل (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) وحديثي الليلة إلى صاحب هذه المملكة الصغيرة نعم فالزوج ملك لهذه الأسرة الصغيرة فيا أيها الملك إن أردت السعادة لهذه المملكة الصغيرة وأردت الاستقرار والراحة النفسية فلا بد من تحقيق هذه القوامة بأركانها وشروطها وآدابها الشرعية.
معنى القوامة في أسمى مراتبها
أن يحفظ المرء أنثاه ويكفيها
وإن تَخَلَّى فهل تغني قوامته
هذا الذي يرخص الأنثى ويرديها
إذاً فلا بد أن تختار من عقلت
كفئا لتحفظ مرساها ومجريها
شكا بعض الإخوة حالهم مع أزواجهم فقائل يقول: أين السعادة والراحة النفسية فإنني لم أشعر بشيء من ذلك وقائل يقول: لم أعد أطيق تصرفاتها وحنقها، وقائل آخر: أزعجتني بكثرة خروجها وزياراتها وقائل آخر يقول أرهقتني بكثرة طلباتها ومصاريفها وقائل: تعبت من كثرة هجرها للفراش وتمنعها ، وقائل: لم أعد أري ذلك الجمال ولا التجمل إلا في المناسبات والأفراح وقائل يقول: لا تهتم بأولادها وتربيتهم ومتابعتهم ، وقائل: تعبت من إلحاحها بجلب خادمة أعتورها وأفتن بها ، وقائل : لا تهتم بي ولا ترعى خاطري ، وقائل: لم اسمع منها كلمة طيبة أو عبارة رقيقة وقائل : لم أعد أطيق فسأطلق ، وغير ذلك مما تسمعون و تقرءون وتشاهدون ، وكأن حال لسان كل واحد من أولئك يلقي باللوم كله على الزوجة المسكينة ويبرئ نفسه وأنا هنا أعرف أنني أوقعت نفسي في موقف حرج فهل أنتصر لبني جنسي من الرجال فتغضب عليّ النساء ، أو أنني أميل للجنس الآخر فيغضب عليّ الرجال وبعد جهد جهيد وتفكير عميق عرفت أنه لا نجاة لي إلا بالرجوع إلى المصدر الأصلي إلى الاعتصام بالكتاب والسنة إلى الله عز وجل الذي خلق الرجال والنساء وفضل كلا منهما بفضائل ومميزات فيكمل كل منهما الآخر فخرجت أن سبب تلك المشاكل كلها يتحملها الرجل والمرأة بحد سواء فكلٌ عليه تبعات وله مهمات فإن كنت تشكو أيها الرجل فإن المرأة تشكو أيضا فقائلة تقول: الصباح في وظيفته وفي الليل مع شلته ولا نراه إلا قليلا وقائلة: لا يسمح لي بزيارة أهلي والجلوس معهم ، وقائلة: لا ينظر إلى أولاده ولا يهتم بهم ولا بمطالبهم وقائلة : لا ينظر إلى أولاده ولا يهتم بهم ولا بمطالبهم وقائلة: يشتمني ويضربني ويسيء إليّ أمام أولادي ، وقائلة: آذاني برائحة الدخان وتركه للصلاة وقائلة: كثير النقد والملاحظات والسباب واللعان، قائلة : دائما يهددني بالطلاق والزواج من أخرى ، و قائلة تقول: أتجمل وأتزين ولم أسمع منه كلمة إعجاب أو غزل وقائلة تقول : يمنعني من الدروس والمحاضرات ولم يحضر لي شريطا أو كتابا فيه خير ، وقائلة : كثير السهر والجلوس أمام الأفلام و المباريات وقائلة: لا يشاورني ولا يجلس معي ويثور لأتفه الأسباب ، وقائلة: آذاني بكثرة جلساء السوء تدخين وغناء وشقاء ، وقائلة: لا يهتم بي وبطلباتي الخاصة ، حتى ولا بالمنزل وطلباته ، وقائلة: يسافر كثيرا وليس لنا نصيب ولو عمرة في السنة ، وأقول : الحياة الزوجية تعاون وتآلف وحب ووئام وإنَّ أمثل قاعدة للسعادة والراحة أن نفهم جيدا قول الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : "كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" وقول أبي ذر لزوجه إذا رأيتني غَضِبْتُ فَرَضِّنِي ، وإذا رأيتك غَضْبَى فإني رَضَّيْتُكِ وإلا لم نصطحب، وقول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساويا
لنفهم المعنى من هذه الكلمات وعندها نعلم أن كل مشكلة سببها الزوجان وليس واحدا منهما ولذلك سيكون حديثي لكل منهما إن شاء الله تعالى أما الليلة فهو خاص بالأزواج وقد يقول الرجال: لماذا بدأت بنا ؟ فأقول لأمور ، لأن الرجال أكثر تحملا وتعقلا وصبرا ، وثانيا لقوامة الرجل على المرأة ولأنه السيد ولأنه الآمِر الناهي فلا أحد غيره يملك حق التصرف في مملكته هذه فهل يعقل الرجال هذا ؟ وسبب ثالث لأن الرجل لو عرف كيف يتعامل أي مع زوجه لعلم أن مفتاح السعادة بيده ، لو عرف الرجل كيف يتعامل مع زوجه لعلم أن مفتاح السعادة بيده ، كيف كان التعامل مع الزوجة فناً ؟ أقول نعم إن التعامل مع الزوجة فن ويجب علينا نحن معاشر الرجال أن نتعلم هذا الفن فليس الزواج مجرد متعة وشهوة وليس الزواج القيام بالبيت وتأسيسه وليس الزواج هو إنجاب الأولاد والبنات وليس الزواج هو مجرد إطعامهم الطعام أو إلباسهم الثياب فإن الكثير من الرجال قادر على ذلك والرزاق هو الله لا الزوج لكن الزواج حقوق شرعية وحسن تعاون ومسئولية فللمرأة حقوق وواجبات جاء بها الإسلام بالأدلة القرآنية والنصوص النبوية (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) لابد أن يعرفها الرجل جيدا ولا يفضُّ الخاتم إلا بحقه ، ومن أين نأخذ هذا الفن ؟ لا نأخذه عبر وسائل الإعلام ولا نأخذه من المجلات الهابطة وإنما نأخذه بالرجوع إلى سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشتان بين الأمرين ، لما لجأ كثير من الناس إلى مثل هذه المصادر رأينا الفرقة والخصام ورأينا كثرة الأخطار التي تهدد كيان هذه الأسرة وغفلنا في خِضَمِّ هذه الحياة وشهواتها أن نرجع حقيقة إلى سيرته صلى الله عليه وسلم نستقي منها الدروس والعبر في كل شأن من شئون حياتنا (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) ولذلك كيف كان يتعامل مع أزواجه صلى الله عليه وسلم ؟ لذلك أمر الله عز وجل نساء النبي أن يخبرن بكل ما يدور في بيته صلى الله عليه وسلم حتى ولو كانت هذه الأخبار أسرارا زوجية فقال عز وجل خطاب لنساء النبي (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) أمر من الله عز وجل فلنتخذ هذه الحياة دستورا ومنهجا للتعامل مع الأزواج ، أسباب اختيار الموضوع كثيرة منها ، بيان منهج الإسلام وشرعه في حسن معاشرة الزوجة وصحبتها وبيان كثير من حقوقها مما يجهله كثير من الناس وخاصة بعض الرجال أو أن بعضهم يتجاهلون هذه الحقوق ، ثانيا: تلك الصورة السيئة والمفهوم الخاطئ عند بعض الرجال عن أن المرأة يجب الحذر منها وأن تشد عليها الوطأة من أول ليلة يدخل بها الرجل ، وقد يتواصى بعض الشباب وبعض الرجال بمثل هذه الوصية وكما يقال في المثل العامي والعود على أول ركزة. فيتناقل الناس والرجال والشباب مثل هذه الأمثال ومثل هذه الوصايا ويحدث مالا تحمد عقباه ومن الخطأ أن نقول كما قال ذاك الشاعر:
رأيت الهم في الدنيا كثيرا
وأكثره يكون من النساء
فلا تأمن لأنثي قط يوما
ولو قالت نزلت من السماء
ولا نقول كما قال الآخر أيضا:
إن النساء شياطين خلقن لنا
نعوذ بالله من شر الشياطين
فهن أصل البليات التي ظهرت
بين البرية في الدنيا وفي الدين
لا نقول كما قال هذا ولا ذاك وإنما نقول كما قال ذلك الشاعر المنصف:
إن النساء رياحين خلقن لنا
وكلنا يشتهي شم الرياحين
ثالثا : شكوى كثير من النساء لسوء معاملة زوجها وقبح أخلاقه معها وقد يصل الأمر في بعض الأحايين إلى ضربها وحبسها وقد يتمنى البعض موتها كما قال أحدهم:
لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي
ولكن قرين السوء باق معمر
فيا ليتها صارت إلى القبر عاجلا
وعذبها فيه نكير ومنكر
وكقول الآخر يخاطب زوجه :
تنحى فاجلسي منى بعيدا
أراح الله منك العالمين
أغربالا إذا استودعت سرا
وكانونا على المتحدثين
حياتك ما علمت حياة سوء
وموتك قد يسر الصالحين
أقول: ليس هذا هو النهج النبوي في معاملة الزوجة وإنما كما سنعرض له بعد قليل ، ومن الأسباب أيضا الحياة الزوجية في بيته صلى الله عليه وسلم وآله وسلم نموذج رائع يذكر به الرجال للاتباع والتأسي هذه الأسباب الأربعة هي التي جعلتني أتحدث عن مثل هذا الموضوع وأبدأ الآن بعناصر فن التعامل مع الزوجة وأقول بدءا أول فن من الفنون التلطف والدلال ، التلطف مع الزوجة والدلال لها ومن صور الملاطفة والدلال نداء الزوجة بأحب الأسماء إليها أو بتصغير اسمها للتلميح أو ترخيمه يعني تسهيله و تليينه ، وهذا أيضا من حياته صلى الله عليه وسلم وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لـ[عائشة] :" يا عائش ، يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام "والحديث متفق عليه وكان يقول لعائشة أيضا: يا حميراء والحميراء تصغير حمراء يراد بها البيضاء كما قال ذلك [ابن كثير] في النهاية وقال [الذهبي]: الحمراء في لسان أهل الحجاز البيضاء بحمرة وهذا نادر فيهم ، إذاً فقد كان صلى الله عليه وسلم يلاطف عائشة ويناديها بتلك الأسماء مصغرة مرخمة وأخرج [مسلم] من حديث عائشة في الصيام قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل إحدى نسائه وهو صائم ثم تضحك رضي الله تعالى عنها" أى تعني أنه كان يقبلها وأخرج [النسائي] في عشرة النساء أنها قالت أى عائشة: "أهوى النبي صلى الله عليه وسلم ليقبلني فقالت: إني صائمة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وأنا صائم" وأيضا أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل صائما فيقبل ما شاء من وجهي" وفي حديث عائشة أيضا أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ذكر كلمة معناها أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله" والحديث أخرجه النسائي و[الترمذي] و[أحمد] وفيه انقطاع، من خلال هذه الأحاديث يتبين لنا ملاحظة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه وحسن التعامل معها أي مع عائشة رضي الله تعالى عنها ومن صور المداعبة والملاطفة أيضا إطعام الطعام فقد أخرج [البخاري] و[مسلم] من حديث [سعد بن أبي وقاص] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم ذكر الحديث إلى قوله: "وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها إلى فِي امرأتك" حتى اللقمة التي ترفعها بيدك إلى فم امرأتك هي صدقة ليست فقط كسباً للقلب وليست فقط حسن تعاون مع الزوجة بل هي صدقة تؤجر بها من الله عز وجل وذكر [النووي] في هذه الحديث قال: "إن وضع اللقمة في فِي الزوجة "ـ في فم الزوجة يعني ـ يقع غالبا في حال المداعبة ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر ومع ذلك إذا وجه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله ، قلت والقائل [الحافظ ابن حجر]: وجاء ما هو أصرح من ذلك وهو ما أخرجه مسلم عن [أبي ذر] فذكر حديثا فيه: "وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: نعم ، أرأيتم لو وضعها في حرام.." إلى آخر الحديث إذاً فمن صور المداعبة والملاطفة للزوجة إطعامها للطعام وكم لذلك من أثر نفسي على الزوجة وإني أسألك أيها الأخ أيها الرجل ماذا يكلفك مثل هذا التعامل ؟ لا شيء إلا حسن التأسي والاقتداء وطلب المثوبة وحسن التعاون وبناء النفس فالملاطفة والدلال والملاعبة مأمور أنت بها شرعا بما تفضي إليه من جمع القلوب والتآلف ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم [لجابر بن عبد الله]: "هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك" إذن فالمضاحكة والملاعبة والملاطفة والدلال للمرأة مطلوب منك شرعا.
أيضا من الفن التجاوز عن الأخطاء في الحياة الزوجية وغض البصر ، خاصة إذا كانت هذه الأخطاء في الأمور الدنيوية فأقول لا تنس أيها الأخ الحبيب أنك تتعامل مع بشر وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ولا تنس أنك تتعامل مع امرأة وكما قال صلى الله عليه وسلم: "قد خلقت من ضلع أعوج" لا تكن شديد الملاحظة لا تكن مرهف الحس فتجزع عند كل ملاحظة أو كل خطأ انظر لنفسك دائما فأنت أيضا تخطئ لا تنس أن المرأة كثيرة أعمالها في البيت ومع الأولاد والطعام والنظافة والملابس وغيرها ولا شك أن كثرة هذه الأعمال يحدث من خلالها كثير من الأخطاء لا تنس أن المرأة شديدة الغيرة سريعة التأثر احسب لهذه الأمور كلها حسابها واسمع لهذه الأمثلة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها كما تحدث [أم سلمة] "أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ، من الذي جاء بالطعام ؟ أم سلمة، فجاءت عائشة متزرة الكساء ومعها فهر أي: حجر ناعم صلب ففلقت به الصحفة فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة وقال: كلوا ، يعنى أصحابه ، كلوا غارت أمكم غارت أمكم ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة وأعطى صحفة أم سلمة لعائشة"، والحديث أخرجه البخاري والنسائي، واللفظ للنسائي فأقول انظر لحسن خلقه صلى الله عليه وسلم وإنصافه وحلمه وانظر لحسن تصرفه عليه الصلاة والسلام وحله لهذا الموقف بطريقة مقنعة معللا هذا الخطأ من عائشة رضي الله عنها بقوله: "غارت أمكم، غارت أمكم" فهو يقدر نفسية عائشة زوجه اعتذارا منه صلى الله عليه وسلم لعائشة هو لم يحمل عائشة نتيجة هذا الخطأ ونتيجة هذا العمل ولم يذمها صلى الله عليه وآله وسلم ولماذا ؟ لأن أم سلمة هي التي جاءت إلى بيت عائشة تقدم للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا الطعام ولذلك قَدَّرَ صلى الله عليه وآله وسلم هذا الموقف وتعامل معه بلطف وحكمة صلوات الله وسلامه عليه وقدر ما يجرى عادة بين الضرائر من الغيرة لمعرفته صلى الله عليه وسلم أنها مركبة في نفس المرأة لم يؤدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة وبين أنها غارت مع أنها كسرت الإناء ومع أنها تصرفت أيضا أمام أصحابه هذا التصرف ولكن (وإنك لعلى خلق عظيم) انظر للحكمة وانظر لحسن التعامل وتصور لو أن هذا الموقف حصل معك كيف سيكون حالك أيها الزوج ؟ بل ربما لو حصل هذا الموقف بينك وبين زوجك مثلا في المطبخ والرجال موجودون في المجلس ، كيف ستكون نفسيتك وكيف سيكون التصرف ؟ إذن فالعفو والصفح إذا قصرت الزوجة وشكرها والثناء عليها إن أحسنت كل ذلك من شيم الرجال ومن محاسن الأخلاق وبعض الأزواج قد يختلق المشاكل ويَنْفَخُ فيها وقد تنتهي هذه المشاكل بحقيقة مرة وهي الطلاق ، واسمع لهذا الموقف روي أن رجلا جاء إلى [عمر بن الخطاب] رضى الله تعالى عنه وأرضاه ليشكو سوء خلق زوجته فوقف على بابه ينتظر خروجه فسمع هذا الرجل امرأة عمر تستطيل عليه بلسانها وتخاصمه وعمر ساكت لا يرد عليها فانصرف الرجل راجعا وقال: إن كان هذا حال عمر مع شدته وصلابته وهو أمير المؤمنين فكيف حالي؟ وخرج عمر فرآه موليا عن بابه فناداه وقال: ما حاجتك أيها الرجل؟ فقال: يا أمير المؤمنين جئت أشكو إليك سوء خلق امرأتي واستطالتها عَلَيّ فسمعت زوجتك كذلك فرجعت وقلت: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي ؟ قال عمر ـ يا أخي اسمع لمواقفهم رضوان الله تعالى عليهم ـ يا أخي إني أحتملها لحقوق لها عليّ إنها لطباخة لطعامي، خبازة لخبزي، غسالة لثيابي، مرضعة لولدي وليس ذلك كله بواجب عليها ويسكن قلبي بها عن الحرام فأنا أحتملها لذلك ، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي قال عمر: فاحتملها يا أخي فإنما هي مدة يسيرة (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) هذه الآية تسلية لوعد قدري لكل زوج بُلِىَ بما يكره في زوجته بأن يجعل الله لمن صبر على بليته خيرا موعودا وجزاء موفورا وحظا قادما لا يعلمه إلا هو سبحانه ، هكذا كانت حياتهم الزوجية ذكر للحسنات وغض البصر عن الأخطاء والسيئات ويقال أن بدوية جلست تحادث زوجها وتطرق الحديث إلى المستقبل كعادة الأزواج فقالت : أنها ستجمع صوفا وتغزله وتبيعه وتشترى به بكرا، فقال زوجها إذا اشتر يتيه فسأكون أنا الذي سأركبه، قالت: لا، فألح زوجها فرفضت وأصرت ولم ترجع هي حتى غضب زوجها فطلقها الأصل لا يوجد هناك مشكلة القضية قضية أماني في المستقبل لو كان تقول: أنني سأعمل صوفا وأغزله ثم أبيعه ثم أشترى به بكرا فتخاصما على هذا البَكْر من يركبه الأول فحصل الطلاق هذا المثل يوضح حقيقة حال كثير من الطلاق الذي يحصل بين الرجل والمرأة لأسباب تافهة عندما يقف أهل الخير أو القضاة أو غيرهم على بعض أسباب الطلاق يجد أن أسباب الطلاق أسبابا تافهة لا تذكر وهكذا كثير من المشكلات وهمية تافهة تنتهي بنهاية للحياة الزوجية وللأسف ، ويروى أن عائشة قالت مرة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد غضبت عليه قالت له: "أنت الذي تزعم أنك نبي" فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمل ذلك حلما وكرما وما أروع هذا التوجيه النبوي الذي يجعل البيت جنة فإذا غضب أحد الزوجين وجب على الآخر الحلم فحال الغضبان كحال السكران لا يدرى ما يقول وما يفعل.
يا ليت الرجل ويا ليت المرأة يسحب كل منها كلام الإساءة وجرح المشاعر والاستفزاز يا ليت أنهما يذكران الجانب الجميل المشرق في كل منهما ويغضان الطرف عن جانب الضعف البشري في كليهما.
أيضا من الفن التزين والتجمل والتطيب للزوجة أما الجمال والزينة للرجل فبحدودها الشرعية فلا إسبال ولا حلق للحية ولا وضع للمساحيق والأصباغ كما يفعل بعض شبابنا سُئِلَتْ عائشة: "بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك" والحديث أخرجه مسلم، ذكر بعض أهل العلم فائدة ونكتة علمية دقيقة قالوا: فَلَعَلَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ليستقبل زوجاته بالتقبيل وعند البخاري أن عائشة قالت: "كنت أُطَيِّبُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأطيب ما أجد حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته" وفي البخاري أيضا أن عائشة قالت: كنت أُرَجِّلُ رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أسرح شعره "كنت أُرَجِّلُ رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض" وفي الصحيحين من حديث [أبي هريرة] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس من الفطرة: الختان ، والاستحداد ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظافر، وقص الشارب" والحديث أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب اللباس وفي البخاري أيضا من حديث [ابن عمر] أنه صلى الله عليه وسلم قال: "خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأَحِفُّوا الشوارب" في هذه الأحاديث كلها وغيرها بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التجمل والتزين الشرعي الذي يحبه الله بخلاف ما عليه بعض الرجال اليوم من إفراط في قضية الزينة أو حتى من تفريط في قضية الزينة والتجمل للمرأة ومن مبالغة في التجمل وعجيب للمتناقضات التي يعيشها بعض الرجال فتجده يحلق لحيته للتجمل والزينة كما يقول ، ثم تشم منه رائحة كريهة عفنة وهي رائحة التدخين فأين أنت والتجمل أيها الأخ الحبيب ؟ أين أنت والتجمل الذي تريده يوم أن حلقت لحيتك وشربت الدخان ؟ وآخر وقع في تفريط عظيم وتقصير عجيب في قضية التجمل والزينة تبذل في اللباس وإهمال للشعر وترك للأظافر والشوارب والآباط وروائح كريهة والخير كل الخير في امتثال المنهج النبوي في التجمل والتزين والاهتمام بالمظهر وهو حق للمرأة هو حق شرعي للمرأة وسبب أكيد في كسب قلبها وحبها فالنفس جُبِلَتْ على حب الأفضل والأنظف والأجمل وتعال واسمع لحال السلف رضوان الله تعالى عليهم جميعا وكيف كانوا في هذا الباب، قال [ابن عباس]: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لى وما أحب أن أستطف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عليَّ لأن الله تعالى يقول: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وقد دخل على الخليفة عمر زوج أشعت أغبر ومعه امرأته وهي تقول: لا أنا ولا هذا لا تريده ، لا أنا ولا هذا ، ما هو السبب ؟ اسمع فعرف كراهية المرأة لزوجها فأرسل الزوج ليستحم ويأخذ من شعر رأسه ويقلم أظافره فلما حضر أمره أن يتقدم من زوجته فاستغربته ونفرت منه ثم عرفته فقبلت به ورجعت عن دعواها رجعت تراجعت إذن عن طلب الطلاق فقال عمر: وهكذا فاصنعوا لهن فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم ، وقال [يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي]: أتيت [محمد بن الحنفية] فخرج إلى في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية ، والغالية هي خليط الأطياب بل خليط أفضل الأطياب ، ولحيته تقطر من الغالية ، يقول يحيى فقلت له: ما هذا ؟ قال محمد : إن هذه الملحفة ألقتها على امرأتى ودهنتنى بالطيب وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن ، ذكر ذلك القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن إذن فالمرأة تريد منك كما تريد أنت منها في التجمل والتزين .
فن آخر القناعة والرضا بالزوجة وعدم الاستجابة لدعاة التبرج ودعاة الفتنة والسفور وذلك بالنظر إلى النساء ، وهذا حال كثير أو حال بعض الرجال النظر إلى النساء في الأفلام وفي التلفاز والمجلات وقد زيفتها الألوان والمكاييج وغير ذلك ونفخ الشيطان في بعض الرجال فقارن وصَوَّرَ زوجته العفيفة الطاهرة بتلك السافرات العاهرات وأطق ذلك الرجل لبصره العنان في تتبع هذه النساء (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) ولا شك أن ذلك شر مستطير وأنه سبب أكيد في تدمير كيان الأسرة وهذا أمر ملموس ومشاهد وعلاج ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث جابر "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى امرأة فأتي امرأته زينب وهي تمعس منيئة لها" أي: تدلك جلدا "فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: إن المرأة تُقْبِلُ في صورة شيطان وتُدْبِرُ في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه" صلى الله عليه وآله وسلم علاج لا نبحث عنه في المجلات الطبية والمجلات الأسرية إنما نبحث عنه في سنته النبوية صلى الله عليه وآله وسلم والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، والنفس دائما ترغب كل جديد خاصة عند الرجل النفس ترغب كل جديد وكما يقال كل ممنوع مرغوب ولو ملك أي الرجل لو ملك أجمل النساء ثم سمع بامرأة أخرى لتهافتت نفسه ولكزه شيطانه ولم أجد مثل القناعة والرضا حلا لذلك ولذلك نهى صلى الله وعليه وسلم الرجل أن يطلب عثرات زوجته فأخرج مسلم من حديث [جابر] قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم" إنما على الزوج أن يغض الطرف وأن يقنع بما وهبه الله إياه ولينظر إلى من هو أسفل منه ليزداد قناعة ورضا وليشكر نعمة الله عز وجل عليه ثم إني أقول لك أيضا إن بليت بمثل هذه الأمور وبمثل حديث النفس هذا الجأ إلى الله عز وجل بالدعاء ولسان حالك يقول كما قال الحق عز وجل على لسان يوسف عليه السلام: (وإلا تصرف عنى كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين) إذن ادعُ الله عز وجل وألح عليه بالدعاء وأنت موقن بالإجابة لأن الله تكفل بها ليوسف فقال: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم).
فن آخر من فن التعامل مع الزوجة الجلوس مع الزوجة والتحدث إليها والشكاية لها ومشاورتها فإنه كثيرا من الأزواج كثير الترحال ،كثير الخروج ، كثير الارتباطات ، بل سمعنا عن الكثير منهم أنه يخرج للبراري والاستراحات كل يوم وليلة ، بل سمعنا أن بعض الأزواج يسهر كل ليلة إلى ساعة متأخرة من الليل فأي حياة هذه وأين حق الزوجة وحق الأولاد والجلوس معهم ؟
وانظر مثال لهذا الفن للجلوس مع الزوجة والحديث معها حديث [أم زرع] الطويل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع لعائشة تحكيه عائشة تروي هذا الحديث الطويل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع لحكاية عائشة قال ابن حجر : وفيه ـ أي وفي هذا الحديث من الفوائد ـ حسن عشرة المرء أهله بالتأنيس والمحادثة في الأمور المباحة ما لم يفض ذلك إلى ما يمنع ، انتهي كلامه رحمه الله ، والشكاية للزوجة واستشارتها فهذا مما يشعرها أيضا بقيمتها وحبها استشر المرأة ولو لم تكن أيها الأخ الحبيب بحاجة إلى هذه المشورة فإنك تشعر هذه الزوجة بقيمتها وحبك لها ولن تعدم الرأي والمشورة أبداً إن شاء الله لن تعدم الرأي والمشورة وربما فتحت عليك برأي صائب كان السبب في سعادتك ومثال ذلك انظر للنبي ولحبيبنا صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي يا رسول الله كان يستشير حتى أزواجه ومن ذلك استشارته صلى الله عليه وسلم لأم سلمة في صلح الحديبية عندما أمر أصحابه بنحر الهدي وحلق الرأس فلم يفعلوا لأنه شق عليهم أن يرجعوا ولم يدخلوا مكة ، فدخل مهموما حزينا على أم سلمة في خيمتها فما كان منها إلا أن جاءت بالرأي الصائب : أخرج يا رسول الله فاحلق وانحر فحلق ونحر وإذا بأصحابه كلهم يقومون قومة رجل فيحلقوا وينحروا ، أيضا أنظر لاستشارته لـ[خديجة] رضي الله تعالى عنها في أمر الوحي ووقوفها معه وشدها من أزره رضوان الله تعالى عليها هكذا المرأة فإنها معينة لزوجها متى ؟ إذا أشعرها زوجها بقيمتها ولذلك أقول : العلاقة بين الزوجين تنمو وتتأصل كلها تجددت ودارت الأحاديث بينهما فالأحاديث وسيلة التعارف الذي يؤدي إلى التآلف وكما قال صلى الله عليه وسلم "فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف" فالحذر من تعود الصمت الدائم بينهما فتتحول الحياة إلى روتين بغيض كأنها ثكنة عسكرية فيها أوامر من الزوج وطاعة من الزوجة خذي هاتى كلى اشربي قومي اقعدي تعالي اذهبي نامي استيقظي ماذا تريدين؟ متى تخرجين؟ أسطوانة مكرورة مكروهة تجعل الحياة الزوجية بغيضة باهتة باردة فأين الحب وأين اللطافة ؟ وأين المودة والرحمة وما بينهما ؟ أين الأحاديث الحسان منك أيها الرجل عن جمال عيونها وعذوبة ألفاظها ورقة ذوقها وحسن اختيارها للباسها وأين كلمات الشكر والثناء عند الطبخ والغسل والكنس ، وأين الحديث عن تربية الأولاد وصلاحهم ؟ وأين الحديث عن هموم المسلمين ومشاكلهم ، فيا أيها الرجل العاقل إن من فن التعامل مع الزوجة أن تخصص وقتا للجلوس معها تحدثها و تحدثك وتفضي إليك بما في نفسها بدل أن تكبت ذلك الحديث الذي في النفس اجعلها تفضفض تعطي بما يدور في نفسها بدل ذلك الكبت وسيتضح ذلك جليا على سلوكها وتصرفاتها ثم ينعكس ذلك على أولادها وأعمالها وأشغالها ثم ينعكس ذلك على تصرفاتها وسلوكها معك أنت كزوج ، أرأيت أيها الأخ الحبيب أنك تملك مفتاح السعادة وهذه المملكة الصغيرة بحسن تصرفاتك وأفعالك ، ومن فن التعامل أيضا مداراة المرأة وعدم التضييق عليها والاعتذار إليها ، فعن [أبي هريرة] قال صلى الله عليه وسلم: "واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته" لا تطلب المحال افهم جيدا نفسية المرأة وافهم جيدا خلقة المرأة "فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوجا فاستوصوا بالنساء خيرا" والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما ومعنى استوصوا؛ أي أوصيكم بهن خيرا فاقبلوا وصيتي فيهن واعملوا بها قاله [البيضاوي]، انتبه في الحديث إشارة إلى ترك المرأة على اعوجاجها في الأمور المباحة ، وألا يتركها على الاعوجاج إذا تعدت ما طبعت عليه من النقص كفعل المعاصي وترك الواجبات ، وأيضا في الحديث سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر عليهن وعلى عوجهن فقال صلى الله عليه وسلم أيضا في الحديث الآخر: "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر" والحديث في صحيح مسلم ومعنى يفرك أي يبغض منها شيئا يفض به إلى تركها، وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم" انظر للتصوير أنظر للصورة الجميلة فإنما هن عوان عندكم والعوان أي هن كأسيرات عندك أيها الرجل أي المرأة كأسيرة عندك فهي أشبه بالأسير كسيرة القلب مهيضة الجناح فوجب على الرجل أن يجبر قلبها وأن يرفع من معنوياتها ويحسن إليها ويكرمها أما الاعتذار إليها عند الخطأ والاعتراف به فهو أدب جَم وخلق رفيع خاصة عند غضبها واسمع لهذه الأحاديث أرجعكم دائما إلى حياته صلى الله عليه وسلم حتى نتبين أيها الأحبة أن حياته صلى الله عليه وآله وسلم في كل شئون الحياة هي قدوة ونبراس ومرجع يجب أن نرجع إليه وأن ندرسه أي حياته صلى الله عليه وآله وسلم (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) روى النسائي في كتابه عِشْرَة النساء عن أنس قال: "كانت صفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان ذلك يومها فأبطأت في المسير" تأخرت في المسير عنهم "فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكى وتقول "ـ اسمع الذنب الذي وقع به النبي صلى الله عليه وسلم ـ "حملتني على بعير بطئ "فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر التصرف ماذا فعل؟ قال والله أيش أسوى السيارة هذه وضعها وهذه خربانة ؟ لا، ما ناقش صلى الله عليه وسلم "وإنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بيديه عينيها ويسكتها فأبت إلا بكاء" يعني كأنها طورت فأبت إلا بكاء فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها فقدمت فأتت عائشة" أي صفية ذهبت إلى عائشة فقالت: "يومي هذا لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أنت أرضيتيه عنى" فماذا فعلت عائشة ؟ انظر أيضا واسمعي أيتها المرأة أنت وإن كان هذا الحديث سيأتيك بمشيئة الله لكن انظري إلى عقل عائشة رضي الله تعالى عنها وانظري إلى تصرفها كيف تملكين أيتها المرأة مفتاح قلب الزوج ، أو اعلمي أيتها الأخت أنك ساحرة لقلب الرجل ولذلك قلت: إن موضوع الدرس القادم سيكون بعنوان السحر الحلال ، لأن المرأة تملك فعلا هذا السحر بما وهبها الله عز وجل من عذوبة ورقة ونعومة فماذا فعلت عائشة ، تقول: "فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء حتى تخرج رائحته ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: مالك هذا اليوم ليس لك ، فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث فرضي عن صفية" وانظر أيضا واسمع لمثال آخر في حياته صلى الله عليه وسلم، فعن [النعمان بن بشير] رضي الله تعالى عنهما قال جاء [أبو بكر] رضي الله عنه يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع عائشة وهي رافعة صوتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له أي الرسول أذن لأبى بكر بالدخول فدخل فقال أي أبو بكر: يا ابنة أم رومان ؟ يعني كأنه يهددها أو يغضب عليها يا ابنة أم رومان ؟ وتناولها ، أترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أنظر لتصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال:" فحال النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهما" يعنى كأنه جعلها خلفه يريد أن يخلصها من أبيها ، رضي الله تعالى عنه ، فلما خرج أبو بكر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها يترضاها يقول لها: "ألا ترين أني قد حلت بين الرجل وبينك ؟ قال: ثم جاء أبو بكر فاستأذن عليه فوجده يضاحكها" رجعت العلاقة مرة أخرى بملاطفة النبي، بحسن مداراته لزوجه بالاعتذار منه صلى الله عليه وسلم انظر لقمة الأخلاق (وإنك لعلى خلق عظيم) صلوات الله وسلامه عليه" فرجع أبو بكر فوجد العلاقة قد رجعت ووجد النبي صلى الله عليه وسلم يضاحكها فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالدخول فقال أبو بكر: يا رسول الله أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما "، وفي الحديث بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم والتواضع وحسن معاشرة زوجه فلم تدفعه مكانته أو قوامته للتكبر أو المكابرة عن الاعتذار ، وأن يكون هو البادئ بالإصلاح صلى الله عليه وسلم إذاً فأقول لك أيها الرجل عليك بكسر حاجز المعاندة والمكابرة وإنك إن فعلت هذا فإنك أنت بنفسك تعود زوجك على هذا العمل تعودها على هذا التصرف ، عودتها على هذا الأدب إذا أخطأت وكان الخطأ منك ذهبت إليها واعتذرت منها فإنها ستأخذ هذا التصرف فإن قصرت وإن أخطأت فستذهب هي وترجع إليك بالاعتذار ونذكر هنا مرة أخرى بقاعدة [أبي الدرداء] رضي الله تعالى عنه وأرضاه مع [أم الدرداء] بقوله: إذا رأيتني غضبت فرضني وإذا رأيتك غضبي رضيتك وإلا لم نصطحب ، تعامل بهذه القاعدة في بيتك.
ومن الفن أيضا إظهار المحبة والمودة للزوجة وذلك بالقول والفعل أما القول فقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث أم زرع الطويل قال لعائشة : "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" والحديث عند البخاري أي في الوفاء والمحبة فقالت عائشة واسمع أيضا لحكمة عائشة واسمع لعقل هذه المرأة رضى الله عنها وأرضاها لما قال لها النبي: كنت لك كأبي زرع لأم زرع يعني في الوفاء والمحبة قالت عائشة بأبي وأمي لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع، وأما الفعل أي إظهار المحبة بالفعل فكثير في حياته صلى الله عليه وسلم ومن ذلك ففي صحيح مسلم في كتاب الحيض عن عائشة قالت: "كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِيَّ" اسمع انظر للتصرف "فيضع فاه على موضع فِيَّ فيشرب، وأتعرق العَرْقَة وأنا حائض ثم أناوله النبي فيضع فاه على موضع فِيَّ" والعَرْق: العظم عليه بقية من اللحم وأتعرق أي آخذ عنه اللحم بأسناني ونحن ما نسميه بالعرمشة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يضع فمه مكان فم عائشة رضى الله تعالى عنها في المأكل أو المشرب يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم وعائشة حائض وهنا نكتة أيضا أشار إليها بعض أهل العلم قالوا : لم يكن يفعل ذلك لشهوة صلى الله عليه وسلم وإنما إظهار المودة والمحبة لأن المرأة حائض وإنما إظهار المودة والمحبة ثم لا بأس أيضا من تقديم الزوجة عليك بالشرب والأكل قبلك كل ذلك إظهارا للمودة والمحبة ومن ذلك أيضا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن" انظر للتصرف يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن وذكر ابن كثير في البداية والنهاية هذا الموقف الجميل [للمهدي] قال: حدث [الخيزران] زوجة المهدي في حياة المهدي فكتب إليها وهي بمكة كتب إليها يستوحش لها ويتشوق إليها بهذا الشعر ، قال المهدي:
نحن في غاية السرور ولكن
ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي
أنكم غُيَّبُ ونحن حضور
فأجدوا في السير بل إن قدرتم
أن تطيروا مع الرياح فطيروا
تصور هذه الكلمات لما يقولها الرجل لزوجه كيف ستكون الزوجة ولذلك لما وصلت هذه الأبيات للخيزران أجابته أو أمرت كما يقول ابن كثير أجابته بهذه الأبيات:
قد أتانا الذي وصفت من
الشوق فكدنا وما قدرنا نطير
ليت أن الرياح كن يؤدين
إليكم ما قد يكن الضمير
لم أزل صبةً فإن كنت بعدي
في سرور فدام ذاك السرور
هذا من المواقف التي تبين كيف كان التعامل أيضا مع الأزواج وإظهار المحبة والشوق لها.
ومن الفن أيضا بل من أعظم وسائل السعادة للبيت المسلم تعاون الزوجين على العبادات والنوافل والأذكار ففي ذلك مرضاة لله وفي ذلك إحياء للبيت وطرد لروتين الحياة الممل فما أحلى أن ترى زوجين صالحين يتعاونا على طاعة الله فالدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة ومثال ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن أم المؤمنين [جويرية بنت الحارث] رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: مازلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته " والحديث عند مسلم في صحيحه وأخرجه أيضا [الإمام أحمد] في مسنده. الشاهد انظر لحرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إرشاد وتعليم زوجه وأسألكم بالله أيها الأحبة من منا وقف مع زوجه ساعات أو لحظات يعلمها ويذكرها في بعض الأذكار أو النوافل أو العبادات ؟ وأيضا أخرج البخاري في كتاب الوتر في صحيحه باب إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم أهله في الوتر اسمع للباب اسمع للترجمة، عن عائشة قالت "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى وأنا راقدة معترضة على فراشه فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت" وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبي نضحت في وجهه الماء" والحديث أخرجه [أبو داود] وقال [الألباني] عنه: حسن صحيح وانظر قضية مبادلة إن قصرت الزوجة فإذا بالزوج يذكر ويعين وإن قصر الزوج فإذا بالزوجة تذكر وتعين فكل منهما مطالب بتذكير الآخر فنحن مطالبون بالتعاون التعاون بين الزوجين في العبادات والنوافل ، وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضى الله تعالى عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته وصليا ركعتين جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات" وأيضا الحديث أخرجه أبو داود في سننه وقال الألباني: صحيح، صلاة النافلة في البيت نغفل عنها كثيرا صلاة النافلة في البيت بعض الرجال يحرص كثيرا أن يصلى النافلة في المسجد مع أن السنة أن تصلى النوافل في البيت والسنن الرواتب في البيت ولذلك قال صلى الله عليه وسلم "فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" لماذا ؟ ليذكر الأهل ويشجعهم بل ويربى أولاده وصغاره على هذه الأفعال وما أجمل البيت يوم أن تغيب الشمس ذلك اليوم وقد استعد الزوجان للجلوس لجلسة الإفطار معا ما أحلى هذه الجلسة وما أسعد هذين الزوجين في التعاون على مثل هذه العبادات ، وقل مثل ذلك في قراءة القرآن وفي حضور على الأقل ولو درس أسبوعي أو محاضرة ، القيام على الفقراء والمساكين في الحي وغيرها من الأعمال الصالحة والخيرة التي لو تعاون الزوجان على مثل هذه الأمور لكان ذلك عماد السعادة الزوجية وحلاوتها وروحها ومن جرب هذا وجد طعم هذه الحياة (من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
من الفن الممازحة والمرح مع الأهل ومن هذا ما أخرج النسائي أيضا في كتابة عشرة النساء من حديث عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: "زارتنا سودة يوما" اسمع لهذا الموقف وهذه القصة الجميلة زارتنا سودة يوما تعنى أم المؤمنين "فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينهما" ضرتين "جلس النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها إحدى رجليه في حجري والأخرى في حجرها ، فعملت لها حريرة أو قال خزيرة" والخزيرة أو الحريرة: لحم مع دقيق مع ماء يخلط في بعضه وهو نوع من أنواع الطعام، تقول عائشة: فعملت لها حريرة أو قال: خزيرة، فقلت: كلى أى لسودة ، فأبت فقلت: لتأكلي أو لألطخن وجهك فأبت" تقول عائشة: "فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها تستقيد منى" أي تأخذ حقها مني "فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فإذا عمر يقول: يعني عند الباب يا عبد الله بن عمر يا عبد الله بن عمر فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما فاغسلا وجوهكما فلا أحسب عمر إلا داخلا" هذا موقف وانظر لحياته صلى الله عليه وسلم والممازحة بين الأزواج وأيضا أخرج النسائي في عشرة النساء من حديث عائشة رضى الله تعالى عنها و[ابن ماجة] أيضا في كتاب النكاح "أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي جارية فقال لأصحابه: تقدموا ، ثم قال: تعالى أسابقك فسابقته فسبقته ، تقول : فَسَبَقْتُهُ على رجلي فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لأصحابه: تقدموا" ما أشغله ما كان فيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال" تعالى أسابقك، ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه الحال فقال: لتفعلن، فسابقته فسبقني فقال: هذه بتلك السبقة" (وإنك لعلى خلق عظيم) وأيضا أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء بيني وبينه تختلف أيدينا عليه فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي، قالت: وهما جُنُبَان" فالمزاح والمرح حتى أثناء الغسل من الجنابة فينبغي للزوج أن ينمي في نفسه صفات الفكاهة والمرح في بعض الأحايين مع زوجة لتقوية أواصر المحبة ، و[علي بن أبي طالب] يروى عنه رضي الله تعالى عنه أنه كان يمازح زوجه فدخل عليها في يوم من الأيام فوجد في فيها عود أراك فأراد أن يمازحها فنظر إلى عود الأراك يخاطبه بهذين البيتين الجميلين قال
قضيت يا عود الأراك بثغرها
أما خفت يا عود الأراك أراكا
لو كنت من أهل القتال قتلتك
ما فاز منى يا سواك سواكا
وهذا يبين حالهم التي كانوا عليها مع أزواجهم رضوان الله تعالى عليهم ، فلا بأس أن ينظم الزوج أوقاتا خاصة للعب والمرح مع الزوجة فهذه سنة فهي تضفي على الحياة الزوجية البهجة والسعادة وتقطع الروتين البغيض في الحياة الزوجية وصدق صلى الله عليه وسلم يوم أن قال لجابر كما أسلفنا "هلا أخذتها بكرا تلاعبها وتلاعبك".
أيضا من الفن في التعامل مع الزوجة إعانتها ومساعدتها إذا تعبت ، فالزوجة بشر تمرض وتتعب فعلى زوجها أن يراعي ذلك فيقوم بمساعدتها وقضاء حوائجها والقيام ببعض أعمال المنزل عنها فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم على خدمة أهله بنفسه يخصف نعله ويرقع ثوبه ويكنس الدار حتى إذا أذن المؤذن كأنه لا يعرفنا كما تقول عائشة إذاً فالتواضع والبساطة مع شريكة العمر من أسباب السعادة ، والمرأة في البيت ليست هَمَلاً أو متاعا بل هي إنسان كالرجل تشاركه وتشاطره الأفراح والأتراح فعلى الزوج أن يقف مع زوجه ويعينها واسمع لهذه المرأة وهي تمدح زوجها الوفي المخلص فقالت : زوجي لما عناني كاف ولما أسقمني شاف ، عرقه كالمسك ، ولا يمل طول العهد ، إذا غضبت لطف ، وإذا مرضت عطف ، أنيسي حين أفرد ، صفوح حين أحفد ، إذا دخل الدار دخل بساما ، وإن خرج خرج ضحاكا ما غضب عليَّ مرة ولا حقد ، يأكل ما وجد ويدرك ما قصد ، ويفي بما وعد ولا يأسي على ما فقد ، أديب أريب حسيب نسيب ، كسوب خجول لا كسول ولا ملول ، إذا طلبت منه أعطاني وإن سكتُّ عنه ابتداني ، وإذا رأى مني خيرا ذكر ذلك ونشر ، أو رأى تقصيرا ستر ذلك وغفر" فهنيئا لهذه المرأة بزوجها .
أيضا من الفن مراعاة شعورها ونفسيتها ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم إذا كنت عنى راضية " اسمع لكلامه صلى الله عليه وسلم "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت على غضبي ، قالت : فقلت : من أين تعرف ذلك ؟ قال : أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد وإذا كنت غضبى قلت : لا ورب إبراهيم ، قالت : قلت : أجل والله يا رسول الله ، ما أهجر إلا اسمك " والحديث عند البخاري ومسلم في صحيحيهما وهذا الحديث يتبين لنا كيف كان صلى الله عليه وسلم بدقة ملاحظته ومراعاة شعور نفسية زوجه حتى عرف عنها هذا الأمر فإذا استقر الزوجان واستقر حال كل منهما عرف كل منهما ما يغضب الآخر وما يرضيه وأسباب كل ذلك فقد تمكنا بإذن الله من توطيد أسس العلاقة الزوجية والسير بها في الدروب الآمنة المفروشة بالورود والرياحين وأمكنهما أيضا تجنيب أسرتها مسالك العسر ومواضع الزلل والنكد ونلحظ في هذا الحديث دقة عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاعر عائشة رضي الله تعالى عنها حتى صار يعلم رضاها وغضبها عند مجرد حلفها ، إذاً فمراعاة النفسيات أمر مهم لدوام المحبة ، والزوج الذكي يحرص على احترام نفسية زوجته فيغض الطرف ولا يكثر العتاب إلا في التجاوزات الشرعية فلابد أن يأخذ على يدها أما ما عداها فالكمال عزيز ، وبعض الخصال جبلة في المرأة يصعب تغييرها فاصبر ، واحتسب (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). ومن الفن أيضا الحذر من شتمها أو ضربها والإساءة إليها قال الله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك الآيات لقوم يتفكرون) وقال سبحانه وتعالى آمراً الزوج بحسن عشرة زوجته فقال: (وعاشروهن بالمعروف) وكلمة العشرة هنا مشتقة من المعايشة والمخالطة والمعروف كلمة جامعة شاملة لكل خير وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجالا يضربون زوجاتهم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : "وما أولئك من خياركم خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " وقال صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم" والحديث أخرجه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده وهو صحيح كما في صحيح الجامع فإن احتجت لشيء من الضرب أو من تأديب المرأة فأقول: بحقه الشرعي فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح كما قال صلى الله عليه وآله وسلم والحديث عند الترمذي وعند النسائي وروى لـ[شريح] أنه قال:
رأيت رجالا يضربون نساءهم
فشلت يميني حين أضرب زينبا.
وزينب شمس والنساء كواكب
إذا طلعت لم تبق منهن كوكبا
ومن الفن أيضا التوسيع على الزوجة في المطعم والملبس والنفقة قال تعالى (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) وقال صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذ تموهن بكلمة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" إلى أن قال صلى الله عليه وسلم: " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه ، وقال صلى الله عليه وسلم: "كفي بالمرء إثما أن يضيع من يعول" وهو متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنك إن شاء الله لا تنفق نفقة إلا أجرت حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" والحديث أيضا متفق عليه، فأقول: التوسيع عليها في بعض المباحات أمر مطلوب وانظر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان إذا هويت زوجه شيئا لا محذور فيه تابعها عليه أي وافقها، فعن عائشة زوج النبي أنها قالت: "دخل الحبشة المسجد يوما يلعبون فقال لي: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقالت: نعم، فقام بالباب وجئته فوضعت ذقني على عاتقه فأسندت وجهي إلى خده قالت: ومن قولهم يومئذ أبا القاسم طيبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك، فقلت: يا رسول الله لا تعجل فقال لي قال: حسبك فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: وما بي حب النظر إليهم ولكنى أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه" والحديث أخرجه أيضا النسائي في عشرة النساء وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح وتابعه أيضا على تصحيحه الشيخ الألباني في آداب الزفاف، وأصل الحديث في الصحيحين، وأخرج النسائي أيضا في السنن الكبرى أنه قال صلى الله عليه وسلم: "أفضل دينار دينار ينفقه الرجل على عياله" إلى آخر الحديث وروى [ابن أبي الدنيا] في كتاب العيال أن [ابن عائشة] قال: حدثت أن أيوب كان يقول لأصحابه كثيرا: تعاهدوا أولادكم وأهليكم بالبر والمعروف ولا تدعوهم تطمع أبصارهم إلى أيدي الناس، قال وكان له زنبيل يغدو به إلى السوق في كل يوم فيشترى فيه الفواكه والحوائج لأهله وعياله هكذا كانوا في التوسيع على الزوجة والأولاد في المطعم والملبس والنفقة ، ومن الفن أيضا وهو آخرها عدم التساهل مع الزوجة فيما يغضب الله (لُعِنَ الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) والله عز وجل يقول: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) وبعض الرجال وللأسف تنازل عن هذه القوامة وضعف أمام إغراءات المرأة وأمثلة ذلك تبرج زوجته أو بناته في المناسبات والأفراح ولبس الملابس الضيقة والمفتوحة والبنطلونات وغير ذلك مما نسمعه ويتناقله الناس وأيضا من ذلك خروج نسائه إلى الأسواق بدون محرم فتخاطب البائع وتجادله وربما تكثرت بكلماتها وقد يحدث هذا والزوج الضعيف موجود وأيضا من ذلك إدخال الأجهزة والأفلام والمجلات وغير ذلك من وسائل الإعلام الهابطة لبيته بدون أن يحرك ساكنا أو أن يفعل تجاه ذلك شيئا وغير ذلك من المحرمات التي استهان بها كثير من الأزواج فغلبته نساؤه عليها وكل ذلك مما جعل حياته جحيما والدليل فمن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس لا زوجته ولا أولاده ولا هو راضى حتى عن نفسه فهو في هم وغم وانتبهوا واسمع أيها الزوج واسمعي أيتها الزوجة لهذه الكلمة أقول: كل خلاف يجرى بين الزوجين كبر الخلاف أم صغر إنما هو بمعصية الله تعالى، وقال سبحانه وتعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) واسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان يتعامل مع أزواجه ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت "دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متسترة بقرام فيه صورة فتلون وجهه" لم يرض "فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه ثم قال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله" فيا سبحان الله كم من صورة وكم من تمثال في بيوت المسلمين اليوم كم من صورة في بيوتنا أيها الأحبة؟ وقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة" كما في حديث [أبي طلحة] عند مسلم والبيت إن لم تدخله الملائكة دخلته الشياطين ثم نعرف بعد ذلك سبب كثرة المشاكل في كثير من البيوت لماذا؟ عشعش الشيطان في هذا البيت بسبب كثرة الصور وكثرة المشاكل وكثرة وسائل الإعلام والفساد في البيت ؛عشعش الشيطان فلم يكن هناك وجود للملائكة ولم يكن هناك تطهير لهذا البيت فلا شك حلت المصائب والهم والغم بين الزوجين، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول أيضا: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" إلى قوله "والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته" وقال أيضا صلى الله عليه وآله وسلم: "ما من عبد يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" والحديث متفق عليه اسمع لهذا الحديث مخيف مرعب "ما من عبد يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" أليس من الغش إدخال وسائل الإعلام والأفلام والمجلات الهابطة أو حتى السماح بدخولها والله إن لم يكن من الغش فما ندري ما هو الغش، أليس من الغش عدم مراقبة الزواج للباس زوجه وبناته وأولاده عند الخروج للمناسبات والأسواق إن لم يكن هذا من الغش فلا ندري والله ما هو الغش، وأيضا في الحديث السابق الذي ذكرناه عن صفية "أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى زينب فقال لها: إن صفية قد أعيا بها بعيرها فما عليك أن تعطيها بعيرك، قالت زينب: أتعمد إلى بعيري فتعطيه ليهودية "، كلمة منها فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم انظر عدم الرضا فيما يغضب الله عز وجل " فهاجرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر فلم يقرب بيتها، وعطرت زينب نفسها وعطرت بيتها وعمدت إلى السرير فأسندته إلى مؤخرة البيت وأيست أن يأتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين هي ذات يوم إذ بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بخياله فدخل البيت فوضع السرير موضعه فقالت زينب: يا رسول الله جاريتي فلانة قد طهرت من حيضتها اليوم هي لك فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها" وفي حديث أيضا أخرجه مسلم في صحيحه رواه [عبد الله بن مسعود] في حديث أيضا أخرجه مسلم في صحيحه رواه عبد الله بن مسعود في حديث الواشمة والمستوشمة واللعن لهما والمتنمصة والمتفلجة إلى آخر الحديث قال في آخر الحديث: فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك تقصد عبد الله بن مسعود الآن قال اذهبي فانظري قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا فجاءت إليه فقالت: لم أر شيئا، قال: أما لو كان ذلك لم أجامعها أي لم أصاحبها ولم نجتمع نحن وهي بل كنا نطلقها ونفارقها هكذا كانوا رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا يرضون عن فعل المرأة إن كان فعلها يغضب الله عز وجل (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى).
وأخيرا أقول خلاصة هذا الموضوع : اعلم أيها الأخ الحبيب يا أيها الرجل إني أخاطب فيك الرجولة والعقل والحكمة والتروي وحسن الخلق فإن السعادة مفتاحها بيدك فلا تضيعه فأنت القادر أن تجعل حياتك نعيما أو أن تجعلها جحيما متى؟ إذا علمت أن التعامل مع الزوجة فن، وأخيرا تنبيه للمرأة فأقول أيتها المرأة إني أعلم أنك ستحرصين على سماع هذا الموضوع وهو خاص بالرجل وكما أسلفنا كل ممنوع مرغوب وستعلمين كيف نخاطب الرجل بمثل هذه الكلمات فإذا حرصت وسمعت هذه الكلمات فإني أذكرك أيضا بأن لهذا الدرس بقية وجزء لا يتجزأ عنه فكما حرصت وسمعت هذا فاحرصي واسمعي بقيته حتى تتكامل سعادتك فإن السعادة لا تتحقق للبيت إلا بالتعاون وقيام كل من الزوجين بحقوقه تجاه الآخر وكما أن التعامل معك فن فإن التعامل مع زوجك فن آخر ستسمعينه بمشيئة الله في الدرس القادم بعنوان السحر الحلال، أسأل الله عز وجل أن ينفع بما قلنا الجميع وأن يجمع بين قلبي كل زوجين وأن يوفق بيوت المسلمين وأن يحفظ بيوتهم وأن يحفظ أحوال المسلمين مع أزواجهم اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام اللهم من على بيوت المسلمين بعيشة هنية راضية ترضيك يا حي يا قيوم وفق المسلمين لكل ما تحبه وترضاه اللهم من أراد بهم سوءا فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبير تدميرا عليه يا حي يا قيوم أنت ولي ذلك والقادر عليه سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 09:52 PM   #5

الجمل

 
الصورة الرمزية الجمل

 

 آلحــآلة : الجمل غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 4089
 تاريخ التسجيل : Jun 2009
 الجنس : ذكر
 المشارگات : 351
 التقييم: 2376



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



اثابكم الله على المجهود الطيب ورزقكم الجنه آمين


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 09:54 PM   #6

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



الشيخ ابراهيم الدويش
الاتقياء

من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه ليلة الأحد الموافق الرابع من شهر ذي الحجة لعام ألف وأربعمائة وأربعة عشر للهجرة وفى هذا المسجد المبارك في مدينة < الرس> وقبل أن أبدأ في موضوعي الذي بين يدي أوجه الشكر الجزيل لجماعة هذا المسجد والحقيقة أننا نعترف لهم بالعرفان الجميل ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوي الفضل فإننا نسمع عن نشاطاتهم وأعمالهم الخيرة ومنتدياتهم وملتقياتهم فنسأل الله جل وعلا أن يبارك فيها وأن يجمع قلوبهم وأن يوفقهم ويسدد خطاهم ونتمنى من مساجد أحياء هذه المدينة وغيرها من المساجد أن تحتذي بحذوهم شكر الله لهم سعيهم أيها الأحبة عنوان هذا اللقاء وهذا الموضوع هو الأنقياء أو إن شئت قل سلامة الصدر مثلاً وهذا الموضوع هو ثالث ثلاثة فقد سبقه درس بعنوان الأخفياء وسبقهما درس آخر بعنوان الأتقياء وإن كان درسا الأتقياء والأنقياء منبعهما هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه [مسلم] من حديث [سعد بن أبي وقاص] رضي الله تعالى عنه أن النبي قال " إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي" كما تقدم بيانه في الموضوعين السابقين فإن منبع هذا الموضوع أيضًا هو حديث أخرجه الإمام [ابن ماجة] في سننه في كتاب الزهد باب الورع والتقى من حديث [عبد الله بن عمرو] رضي الله عنهما قال "قيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال صلى الله عليه وآله وسلم كل مخموم القلب صدوق اللسان قالوا صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال صلى الله عليه وسلم هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" وقال [البصري] في الزوائد بإسناد صحيح ورجاله ثقات والحديث الذي أخرجه [الطبراني] في معجمه [وأبو نعيم ] في الحلية و[البيهقي] في اللعب وفيه زيادة وذكره [الألباني] في الصحيح الجامع ومعنى موم أممت البيت أي كنسته ولذلك بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث أن النقي هو الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد فقلت في نفسي وأنا أتدبر هذا البيت ما أحوجنا لمثل هذا النقي في مثل هذا الزمن في مثل هذا الزمن الذي اتصف بكثرة النزاع والخلاف والفرقة فامتلأت النفوس وأوغرت الصدور فلا تسمع إلا لكلمات التنقص والأجراء وسؤ كم والدخول في النيات والمقاصد فما هي النتيجة إن خوطبوا كذبوا أو طبوا غضبوا أو ضربوا هربوا أو أهبوا غدروا على أرائكهم سبحان خالقهم عاشوا وشعروا ماتوا وما غروا إذا فالنتيجة أصبح المسلمون أحزاب وكل حزب بما لديهم فرحون لا بل كل حزب من الآخر ينتقصون فلا تسمع سوى تقسيم الناس وتصنيفهم ففرح الماكرون وهم لها ناذرون وساقون وراعون وصدق عز وجل عندما قال ( أطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتهذب ريحكم) (واصبروا إن الله مع الصابرين) وأستغفر الله أن أعم ولكنها إثمة وبلاء طمت وعمت أقول ما أحوجنا لمثل هذا البيت فأخذت أطوي صفحات السير والتراجم للوقوف على حياة أولئك الأنقياء وتتبع أحوالهم وصفاتهم فوجدت العجب ومن العجب الذي وقفت فيه أن من صفاتهم أنهم حرصوا رضا الله عليهم على تصفيه قلوبهم من الحقد والحسد فالأنقياء لا يعرفون الانتقام ولا التشفي يتجاوزون عن الهفوات والأخطاء الأنقياء يتثبتون لا يتسرعون أنقياء سليمة قلوبهم نقية صدورهم الأنقياء يحبون العفو والصفح وإن كان الحق معهم الأنقياء ألسنتهم نظيفة فلبون ولا يشتمون والأنقياء بسطاء في السريرة ولهم في السيرة دعاهم اللهم قنا شح أنفسنا (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) وسنرى كثيرا من المواقف التي تبرهن لك على ما أقول ولكن خاطب النفس وقل لها
ويحك يا نفس احرصي على زياد واخلصي طاوعي وأخلصي واسمعي النصح واعي واعتبري بمن مضى من القرون وانقضى واخشي مفاجأة القضا وحذاري أن تفزعي ويحك يا نفس احرصي على استماع القصص وطاوعي واخلصي للواحد الصمد لماذا الحديث عن الأنقياء ولماذا الحديث عن سلامة الصدر أخي الحبيب أيها الأخ المسلم يا من نلتقي وإياك على لا إله إلا الله أدعوك وأنت تسمع هذه الكلمات أدعوك إلى التجرد من الهوى وترك حظوظ النفس تجرد من حب التصدر والزعامة تجرد من التعالي وتجرد من الكبرياء والغرور ومن الحقد والحسد تجرد من كل الأمراض القلبية فإنني أريدك أن تسمع كلامي هذا بقلب سليم بقلب ذلك المسلم الطيب التقي النقي أنسيت أنك خلقت لعبادة الله ومرضاته وطلبا لجنات الفردوس أيجوز يا أخي الحبيب لمن كان هذا هو هدفه ومقصده من هذه الدنيا أن يغفل عن قلبه فيطلق لهذه المضغة العنان في البغضاء والشحناء والحمل على الآخرين والانتقام والتشفي أخي الحبيب أيها المسلم لماذا أصبحنا نسمع كلمات الذم أكثر من سماعنا كلمات الثناء أخي الحبيب لماذا أصبحنا نسمع كلمات التنقص أكثر من سماعنا لكلمات التثبت إلا ما شاء الله منا كيف غفلت عن هذه المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله سلامة الصدر طهارة القلب صفاء النفس كلمات نادرة الاستعمال وعزيزة الذكر لا نكاد نسمعها في مجالسنا ومنتدياتنا موضوعات كثيرة تلك التي نتحدث عنها لكنها لا تخلوا من غيبة ملبسة بلباس النصيحة أو من حديث يشفي الغليل و يرضى الخليل أو من هم فيه همز ولمز وانتصار للنفس في من في قلبك خوف من الله جل وعلا أننا نريد أن نسمع كلمات الحب والإخاء والصدق والوفاء والنصح والصفاء نريد أن نسمع كلمات الشكر والعرفان وذكر الفضل والإحسان نريد أن نسمع عن جمع القلوب وعن توحيد الكلمة وعن الإصلاح بين الناس وكل ذلك وللأسف في مجالسنا عزيز إنني أصغي سمعي لعلي أسمع إلى التماس الأعذار وذكر محاسن الأبرار فيرتد سمعي خاسئا وهو حسير إلا ما شاء الله ولكني كلي أمل فيكم يا من تجلسون أمامي بل ولأن هذا الكلام يسمعه غيركم أقول وكلي أمل في كل من يسمع هذا الكلام بل ومشايخي وأساتذتي وإخواني الدعاة وشباب الصحوة كلهم وكل من سمع هذا الحديث كلي أمل أن نهضم أنفسنا ونعرف قدرها وأن نحمل على عاتقنا نشر هذا الموضوع وإكثار الحديث عنه وتكراره في كل مكان وعلى كل لسان ولا نمل الحديث عنه أبدا بل ولنجعله شعارا لنا في كل ميدان في ميدان العلم والعلماء وفى ميدان البيع والشراء وبين الرجال والنساء وبين العامة والخاصة في مدارسنا في جامعاتنا في أسواقنا في مجالسنا وبيوتنا فلنملأ قلوبنا بخوف الله عز وجل ولتمتلئ نفوسنا بذكر الله عز وجل فإننا نشعر بقسوة القلب وامتلاء النفس وجفاف العين من الدمع وليكن هجير كل واحد منا أيها الأحبة اللهم إني أسألك قلبا سليما ونردد كثيرا وفى كل لحظة بل وفى كل ساعة وفى كل سجدة وركعة ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا . عناصر هذا الموضوع ثلاثة قبل البداية القرآن يدعوك صور مشرقة في عالم الصفاء والنقاء تكامل الشخصية في حياة السلف نتائج سلامة الصدر ونقاوة القلب وآثاره أسباب امتلاء الصدر وغل القلب كيف السبيل لسلامة الصدر وتنقية القلب ثلاثة قبل النهاية أما ثلاثة قبل البداية فانتبه لها جيدا وأعرني سمعك بارك الله فيك فالأولى راجع نفسك بعد سماع هذه الكلمات واعلم أن الكلام موجه إليك لا لغيرك وأرجوك أن لا تبرئ ساحة من التقصير واحسب أن الآخرين من المسلمين خير منك دائما احسب أن الآخرين من المسلمين خير منك عند الله تعالى فرب أشعث أغبر ذي تمرين لو أقسم على الله لأبره لا تنظر إلى نفسك بنظرة الزهو والفخر والارتفاع لا وكم من مسكين منك عند الله وكم عامي أنت يا طالب العلم هو خير منك عند الله جل وعلا كم من إنسان استجاب الله دعاءه وفتح الله على قلبه بينما أنت ما زلت تنظر لنفسك في خيلاء وفى كبر والعياذ بالله فأقول يا أخي الحبيب أما سمعت بقول [بكر بن عبد الله المزني] وهو واقف بعرفة رضى الله عنه وأرضاه واقف بعرفه ينظر إلى الناس ثم يقول لا إله إلا الله لولا أنى فيهم لقلت قد غفر الله لهم من القائل بكر ابن عبد الله المزني رحمه الله تعالى يقول الذهبي وهو ينقل هذه العبارة في السير يقول معلقا ومعقبا كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها الإزراء على النفس إذن مطلب .
الأمر الثاني : اعلم أنك كالصدر وتنقية القلب مطلب عزيز والحرص عليه واجب وبذل الأسباب إليه وسلوك طريقه متعين ولكن لا تنس أن الناس بشر لا تنس أنك تعامل بشرا وأن النفس ضعيفة فلابد من الخطأ ولابد للنفس أن تتأثر فانتبه لهذا وعامل الآخرين بحسب وبهذا يقول [سعيد بن المسيب] رحمه الله تعالى وانتبه لكلماته به يقول إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله سامح أخاك إذا خلط منه الإصابة بالغلط وتجاف عن تعنيفه أن زاغ يوما أو قسط واعلم بأنك إن طلبت مهذبا رمت الشطط من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط .
ثالثا : لست بالخب ولا الخب يخدعني هذا لا ينافي سلامة قط والأخذ بالظاهر ولكنه يعنى الحيطة والحذر فإن هناك من الناس من يستدرج الناس ويستغفلهم ويلبس عليهم فعليك أن تكون فطنا منتبها فالله سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين ( خذوا حذركم ) ويقول سبحانه وتعالى ( ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ) بعد هذه الثلاثة والتي أرجو أن تنتبه لها جيدا لترجعها بنفسك فكلنا في حاجة لها أقول يا أخي الحبيب إن القرآن يدعونا جميعا في أكثر من سورة وفى أكثر من آية يدعونا لمثل هذا الموضوع متى أن تدبرنا القرآن ونظرنا فيه إن قرآننا هو كلام ربنا وهو دستور حياتنا وهو منبع صفائنا وهو الميزان الذي نحتكم إليه عند خلافنا بل وفى كل حياتنا وأمورنا فالقرآن يا أخي الكريم يدعوك لبراءة القلب من الغل للذين أمنوا ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) والقرآن يدعوك فيقول (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) والقرآن يدعوك فيقول: (فاعفوا واصفحوا حتى يقضي الله بأمره) والقرآن يدعوك فيقول (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) والقرآن يدعوك فيقول (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) والقرآن يدعوك فيقول:( وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل) والقرآن يدعوك فيقول:(قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) والقرآن يدعوك فيقول: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) والقرآن يدعوك فيقول( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) وأخيرا القرآن يا أخي الحبيب يدعوك فيقول (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا قالها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه مع سخاء نفسه وسلامة صدره ونصحه للأمة ماذا نقول نحن وهذه حالنا مع قلوبنا أخي الحبيب هل وقفت مع هذه الآيات وتدبرتها جيدا إن القرآن يدعوك (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) أسمعت جيدا لهذه الآيات تدبرها بارك الله فيك اسمعها جيدا وارجع لها كثيرا فكم من الخلاف يقع بيننا وبين أصحابنا وكم من المشاجرات والخصومات تقع بيننا وبين الناس وإن رجعنا للقرآن فوجدنا هذه الآيات تحدونا بالعفو والصفح عن المؤمنين وعن الناس ومن عفا وصفح فأجره على الله ونعم بل عظم هذا الأجر عند الله سبحانه وتعالى صور مشرقة في عالم الصفاء والنقاء قلبت صفحات التاريخ ونظرت في كتب السير والتراجم فوجدت عجبا يا أخي الحبيب وجدت عجبا لرجال يعلم الله أن العين تدمع كثيرا والإنسان يقرأ مثل هذه المواقف ويتدبر ويقول يا للعجب أفهؤلاء بشر؟ كيف كانت هذه قلوبهم وأين قلوبنا من هذه القلوب؟ وقبل أن أبدأ وإياك بذكر هذه الصور لا ننس أن من أراد فهم هذه الدرجة من تنقية القلب وسلامة الصدر كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس يجدها مليئة بل يجد هذه الدرجة بعينها ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد الرواة صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم تعال للصورة الأولى وهى التي لا نطيق روى عن الإمام أحمد في مسنده في حديث [أنس] قال "كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته من وضوئه وقد عل نعليه بيده الشمال فلما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه [عبد الله بن عمرو بن العاص] فقال للرجل إني لا حيت أبي أي وقع بيني وبين أبى خصومة فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تأويني إليك حتى تمضي فعلت قال الرجل نعم فحكى عبد الله أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله غير أنى لم أسمعه يقول إلا خيرا فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن أحتقر عمله وقلت يا عبد الله لم يكن بين أبي وبيني غضبة ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم قال أي الرجل ما هو إلا ما رأيت قال عبد الله فلما وليت دعاني فقال الرجل ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه فقال عبد الله هذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق وهي التي لا تطاق" رواه النسائي في اليوم والليلة عن[ سويد بن نسر] عن ابن المبارك عن [معمر] به وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه [عقيل] وغيره عن [الزهري] عن رجل عن أنس والله أعلم.
أقول إن قلب المؤمن المطمئن بذكر الله النابض بحلاوة الإيمان لا يحتمل أبدا أن يحمل في جنباته حقدا على أحد من المسلمين إن من كان في قلبه إيمانا صادقا لا يحتمل أبدا في هذا القلب الذي مليء بالإيمان أن يحمل حقدا على أحد من إخوانه أرأيت يا أخي الحبيب كيف أن تنقية القلب وتنقية الصدر من الغل والأحقاد ومن الغش للسلمين كيف كان سببا لدخول الجنة هذا الرجل لم يكن يقوم الليل ولم يكن له كثير عمل ولكن العمل الذي كان سببا في دخوله الجنة هو أنه لا يجد في نفسه حسدا لأحد وليس في قلبه غشا على أحد من المسلين الله أكبر متى تتحقق هذه الصفة فالمسلم الذي يركع ليله نهاره طالبا مرضاة الله وطالبا جنات الفردوس أين العباد أيها الأحبة أين الزهاد من هذا الفعل كم نتعب أنفسنا في الصلوات وفي الصدقات وفى الصيام وغيرها من الأعمال والعبادات ولكن الأمر ليس بكثرة صيام ولا صلاة ولا صدقة إنما بشيء وقر القلب فنالوه رحمهم الله تعالى ،سلامة الصدر وتنقية هذا القلب من الغل والحقد والغش للمسلمين .
الصورة الثانية : أيعجز أحدكم أن يكون [أبي ضمضم ] أخرج [أبو داود] في الأدب باب الرجل يحل الرجل قد اغتابه واسمع الترجمة باب الرجل يحل الرجل قد اغتابه و[ابن أبي الدنيا] في مكارم الأخلاق باب فضل كظم الغيظ وأخرجه أيضا [ابن السني] في عمل اليوم والليلة باب ماذا يقول إذا اصبح ثلاثتهم من حديث قتادة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لأصحابه " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم قالوا ومن أبو ضمضم يا رسول الله قال رجل كان إذا أصبح يقول اللهم إني قد وهبت نفسي وعرضي فلا يشتم من شتمه ولا يظلم من ظلمه ولا يضرب من ضربه" هذا لفظ أبى الدنيا وابن السني وهو ضعيف وأخرجه أبو داود من وجه آخر موقوف عن [قتادة] أخرجه أيضا البخاري في التاريخ في ترجمة [محمد بن عبد الله العجمي] ثم قال أي البخاري قد أخرجه [أبو بكر البزار] في مسنده و[العقيلي] وقال في الضعفاء وكذلك [التاجي] و[البيهقي] في الشعب
وقال [الألباني] في الإرواء عن هذا الحديث والمحفوظ عن قتادة وإسناده صحيح إلى قتادة ثم ذكره في صحيح أبي داود قال صحيح مقطوع .
أرأيت صفة أبي ضمضم هذا اسمع ماذا قال عنه ابن القيم في كتابه مدارك السالكين في صفحة 295 قال والجود عشر مراتب ثم ذكرها فقال سابعة الجود بالعرض كجود أبي ضمضم من الصحابة رضى الله تعالى عنهم كان إذا أصبح قال اللهم ما لي مال أتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل فقال النبي صلى الله عليه وسلم من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم وفى هذا والكلام ما زال لابن القيم يقول ابن القيم وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق وما فيه انتهى كلامه رحمه الله تعالى .
صورة ثالثة : من عندي إلا عرضي وقد أخرج هذا الحديث كشف الأستار في كتاب الزكاة باب فيمن تصدق بعرضه انتبه أيضا للترجمة باب فيمن تصدق بعرضه أخرجه [محي الدين بن كثير بن عوف] عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث يوما على الصدقة فقال [علبة بن زيد] فقال ما عندي إلا عرضي فإني أشهدك يا رسول الله أنى تصدقت بعرضي على من ظلمني ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين علبة بن زيد قالها مرتين أو ثلاثا قال فقام علبة فقال أنت المتصدق بعرضك قد قبل الله منك " وقال [الهيثمي] رواه البزار وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف أيضا ذكره البزار من حديث ابن صالح على التؤامة* عن علبة ابن زيد قال "حث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على الصدقة فقام علبة فقال يا رسول الله حدثت عن الصدقة وما عندي إلا عرضي فقد تصدقت به على من ظلمني قال فأعرض عنه فلما كان اليوم الثاني قال أين علبة ابن زيد أو أين المتصدق بعرضه فإن الله تبارك وتعالى قبل ذلك منه" على نحو ذلك وهذا أيضا قال ابن الهيثمي ورواه البزار وفيه محمد وقال ابن أحمد بن سليمان بن مشوم وهو ضعيف عند مجمع الزوائد إذن فانظر إلى حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أبى ضمضم وهذا علبة بن زيد وغيرهم كثير كانوا يتصدقون بأعراضهم رضوان الله تعالى عليهم يعفوا ويصفحوا عمن سبهم وشتمهم وضربهم واغتابهم أو ذكرهم في شيء لا يرضونه فماذا نقول نحن لأنفسنا أيها الأحبة .
الصورة الرابعة واسمحوا لي أن أتكلم وأسرد المواقف سردا في عجالة المواقف كثيرة ولعلي أكتفي بالسرد وفى ذلك لا شك دروس كثيرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد من تدبر ونظر وسمع موقفه مثل هذه المواقف علم كثيرا ضعف نفسه ونحن إذا نظرنا لمثل هذه المواقف نقارن ذلك بأنفسنا الضعيفة أيها الأحبة لعل الله يطلع علينا وعلى ضعفنا ويرحمنا الله سبحانه وتعالى ويعيننا على هذه الأنفس الرابعة بئس ما قلت والله ما نعلم إلا خيرا هذا الموقف قاله [كعب بن مالك] في قصته أو في قصة تخلفه عن غزوة تبوك ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تبوك ذكرني وقال ما فعل كعب النبي يسأل عن كعب وقال رجل من قومه خلفه يا نبي الله برداه والنظر في عطفيه فقال [ معاذ بن جبل] كان حاضرا فسمع واسمع ماذا يقول معاذ فقام معاذ فقال بئس ما قلت والله ما نعلم إلا خيرا أسمعت هذا الموقف لقد كان بإمكان ابن معاذ رضى الله تعالى عنه السكوت تأدبا أمام الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يعيب عليه النبي صلى الله عليه وسلم إلا سكوته ولكنه أعلن الحق الذي امتلئ به قلبه لم يطق معاذ أن يسمع هذه الكلمات في أخيه كعب فأعلن الحق الذي في قلبه انتصارا لكعب بن مالك رضى الله تعالى عنهما جميعا إنه الدفاع والذب وصد عن عرض أخيك أيها الحبيب متى ما سمعت في مجالس أحدا يتكلم بعرض من أعراض إخوانك فمن منا وقف مثل هذا الموقف كم نسمع في مجالسنا وفى منتدياتنا من يذكر فلانا وعلانا من إخواننا من المسلمين ممن يصلي ويصوم ويشهد أن لا إله إلا الله كم نسمع من الكلمات التي تذكر في عرضه فمن منا وقف مثل هذا الموقف أقول بل ربما بعضنا والعياذ بالله يتلذذ ويسمع ويأنس بمثل هذه الكلمات عياذا بالله ولكن صحابة رسول الله تربوا على هذا المنهج إنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" كل المسلم على المسلم حرام عرضه ودمه وماله" فعلموا حرمة ذلك فعن أبى الدرداء أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " كما أخرجه الترمذي في سننه في كتابه البر والصلة باب ما جاء في الذب عن المسلم وإسناده صحيح واسمع هذا الموقف قال [أحمد بن إسحاق] سمعت[ ابن معين] يقول رأيت عند [مروان بن معاوية] لوحا فيه أسماء شيوخ فلان رافضي فلان كذا وفلان كذا ووكيع رافضي وكيع ابن الجراح أحد الأئمة الأعلام ووكيع رافضي يقول يحي ابن معين فقلت لمروان وكيع خير منك انظر لانتصار الأخ انظر للذب عن عرض المسلم وكيع خير منك قال مروان مني يعني تعجب قلت قال نعم قال فسكت ولو قال لي شيئا لوثب أصحاب الحديث عليه قال أي يحي فبلغ ذلك وكيعا فقال وكيع يحي صاحبنا وكان بعد ذلك يعرف لي ويرحب. أرأيت انظر أثر الدفاع عن العرض في قلب وكيع رحمه الله تعالى أصبح يحي بن معين حبيبا إلى قلبه أصبح يرحب به كثيرا هكذا يكون جمع القلوب هكذا إذا أردنا أن نحبب النفوس بعضها لبعض هكذا إذا أردنا أن نرص الصفوف أيها الأحبة في وجوه أعدائنا لينصب كل فرد منا أنه محام عن أعراض المسلمين في كل مكان في أي مجلس كان وأمام من كان مهما بلغ من المرتبة والشرف مادام أنه تجرأ على عرض أخ من إخواننا المسلمين يجب أن أقف وأن أذب عن عرض هذا المسلم هكذا يكون الإنسان محبوبا عند الناس لا بل هكذا يكون محبوبا عند الله وعند رسوله قبل كل شيء ومن أحبه الله أحبه الناس.
الصورة الخامسة :سررتني سرك الله ذكر الذهبي في السير قال بسنده إلى [عوف بن الحارث] أنه قال سمعت عائشة تقول دعتني أم حبيبة وهذه في صف النساء هذا موقف نسوقه للنساء تقول عائشة رضى الله عنها دعتني أم حبيبة أي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم دعتني أم حبية عند موتها قالت قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك هذه أم حبيبة تقول لعائشة فقلت أي عائشة فقلت غفر الله لك كله وحللك من ذلك فقالت أم حبيبة سررتني سرك الله تقول عائشة وأرسلت أم حبيبة إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك انظر انتصاف القلوب ـ قلوب النساء ـ ما أحلى هذه القلوب إذا اجتمعت على المحبة وإذا حرصت على تنقيتها أو تنقية هذا القلب من الغل والحقد والحسد أقول كم نسمع نساءنا يتحدثن في المجالس عن فلانة وعلانة ولربما كالت لها كثيرا من الشتم والسب والعياذ بالله وكأنها تتكلم عن كافرة من الكفار لا تشعر أنها تتكلم عن مسلمة وأن عائشة رضي الله عنها لما أشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها فقط عن صفية أنها قصيرة قال" ألا وأنك قلت كلمة وفعلت فعلة لو مزجت بماء البحر لمزجته" بالماء فقط إنها تعني أنها قصيرة فهل عقل مثل هذا الأمر نساؤنا وعلمن أنهن يخضن كثيرا في أعراض كثير من المسلمات وكم من الحسنات تذهب في مثل هذه الكلمات .
الصورة السادسة إذن تقع في الشغل صورة قصيرة لكنها كبيرة في المعنى قال رجل لـ[عمرو بن العاص] رضي الله تعالى عنه والله لأتفرغن لك انظر الرجل يهدد عمرو بن العاص والله لأتفرغن لك يعني بالكيد والتشفي والانتقام وغير ذلك فماذا كان رد عمرو بن العاص اسمع للعلم كيف ينير القلوب اسمع للخوف من الله جل وعلا كيف يرتبط بالله جل وعلا فقال عمرو بن العاص إذن تقع في الشغل نعم فإن الذي يتفرغ لينال من الناس ويشتم الناس لا يكون فارغا أبدا إنما يشغله نفسه وحقده يشغله بالناس فيضيع عمره فيما لا ينفع ولا شك أن قول عمرو هنا هو الصواب ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا كم نحب أن نسمع مثل هذه الكلمات فيمن وقع بينه وبين أحد خصومة أو من هدده وتوعده إذن تقع في الشغل لأن صاحب القلب الذي تعلق بالناس والانتقام من الناس والتشفي منهم هذا القلب مشغول دائما أما القلب الذي أخلى روحه من هذه الأمور وامتلأ بسلامة الصدر وحب الناس وجمع القلوب أصبح قلبا سليما صافيا لا يفكر إلا فيما ينفعه فهو إما في علم أو في طلب علم أو في عمل خير أما السيئات المضرات والشغل بالناس وبأعراض الناس فهو بريء منه لأنه عاهد الله على عدم فعل ذلك .
والصورة السابعة ما عرفني إلا أنت أيضا موقف قصير ولكنه كبير بمعانيه في سيرة [ سالم بن عبد الله بن عمر] رضى الله تعالى عنهم جميعا أن رجلا زاحمه في منى وأنتم تعلمون موقف الناس وموقف الحجاج كيف تكون وكيف تبلغ النفوس مبلغها في مثل هذه المواقف والزحام الشديد أن رجلا زاحمه في منى فالتفت رجل مغضبا إلى سالم وسالم هذا علامة من التابعين رضى الله تعالى عنه فقال الرجل لسالم إني لأظنك رجل سوء بسبب الزحام بلغت نفس هذا الرجل مبلغها فقال هذه الكلمة فماذا أجاب سالم رضى الله تعالى عنه قال كلمتين قال ما عرفني إلا أنت سبحان الله هكذا كان ازدراؤهم لأنفسهم رضوان الله تعالى عليهم مع سعة علمهم وكثرة عبادتهم وكثرة جهادهم وكثرة خوفهم وبكائهم من الله جل وعلا إلا أنهم يحتقرون ذواتهم رضوان الله تعالى عليهم أين العجب والعنف والغرور الذي يصيب أنفسنا إذا فعل الإنسان منا فعلا أو عبادة أو قام بعمل خير؛ أعجبته نفسه وأصبح عند نفسه زاهدا من الزهاد لا إله إلا الله ما عرفني إلا أنت رحمك الله يا سالم.
الصورة الثامنة ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ذكر الذهبي في السير ترجمة الإمام البخاري ومحمد بن إسماعيل صاحب الصحيح رضوان الله عليه قال الذهبي وكان كثير من أصحابه يقولون له أي البخاري إن بعض الناس يقع فيك لو قيلت هذه الكلمة لأحدنا يا أحبة ماذا سيقول سيقول ربما لا تكون مباشرة ماذا يقولون ماذا قالوا اسمع للإمام للبخاري رضوان الله عليه لما قيل له هذه الكلمة إن بعض الناس يقع فيك فيقول أي البخاري إن كيد الشيطان كان ضعيفا ويتلو أيضا قوله تعالى ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) هذا والله هو الفقه وهذه هي والله هي البصيرة والحكمة ولكن من يؤتى هذه البصيرة من يؤتى هذه الحكمة ولذلك قلنا الناس تعلموا واقرءوا في سير الرجال واستفيدوا منها رأينا كثيرا منهم يعرض عن هذا وما علم أولئك المساكين أنه والله في النظر لحياتهم وترجمتهم وفى العلم نور لهذه القلوب فإذا سمعت الناس يغتابونك أو يذكرونك بسوء فأنت أعلم بنفسك وأعلم ما بينك وبين الله جل وعلا فاعف عنهم واصفح وسترى أثر ذلك ومن كاد لك فإن الله سبحانه وتعالى يكفيك ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله يقول فقال له أي للبخاري عبد المجيد بن إبراهيم كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك أقل شيء الدعاء يا بخاري كيف لا تدعو الله على هؤلاء فقال أي البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" رواه البخاري في سنده ومسلم في الإمارة وقال أيضا قال صلى الله عليه وسلم " من دعا على ظالمه فقد انتصر " رواه الترمذي في الدعوات وضعفه محقق السير إنه رحمه الله أي البخاري لا يدعو مجرد الدعاء على من ظلمه لا يدعو عليهم دعاء فضلا عن أن يشغل نفسه في التقصي والانتقام والتشفي منهم لا يفكر في مجرد الدعاء على من ظلمه أو بهته فضلا على أن يهتم بقول أو فعل والانتقام منهم والتشفي رضي الله عن هؤلاء الأنقياء رحمهم الله رحمة واسعة .
صورة تاسعة : إن كنت صادقا فغفر الله لي واسمع هذا الموقف جيدا فقد ذكر الذهبي أيضا في السير قال عن [أبى يعقوب المدني] أنه قال بين [حسن بن الحسن] وبين [علي بن الحسين] يعني زين العابدين بعد الأمر يعني كان بينهما بعض الشيء فجاء ابن حسن إلى علي بن الحسين وهو مع أصحابه في المسجد جاء الحسن إلى زين العابدين وهو جالس مع أصحابه في المسجد فما ترك حسن شيئا إلا قاله له ما ترك سبا ولا شتما إلا قاله لزين العابدين وهو جالس مع أصحابه قال أي أبي يعقوب المدني قال وعلى ساكت وزين العابدين سهم أي يسمع كلام الحسن فيه وهو ساكت فانصرف حسن فلما كان من الليل أتاه في منزله فقرع عليه بابه فخرج إليه فقال له علي زين العابدين ذهب إلى حسن ابن الحسن في الليل فقرع عليه بابه فقال له زين العابدين يا أخي إن كنت صادقا فيما قلت لي فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك السلام عليك هذا موقف هل انتهى الموقف انظر قيمة حبس النفس وقيمة الصبر وقيمة حسن الخلق كيف يكون الإنسان داعيا قدوة لغيره بدون أن يشعر الموقف ما انتهى حتى الآن فإذا بالحسن يتبعه ويلزمه من الخلف ويبكي بكاء شديدا حتى رثى زين العابدين لحاله وكان يستسمح منه فقال زين العابدين له لا جرم لا عدت في أمر تكرهه أي الحسن يقول لزين العابدين لا جرم لا عدت في أمر تكرهه لا أعود مثل هذا الأمر فقال زين العابدين وأنت في حل مما قلت لي الله أكبر
إذا تشاجر في فؤادك مرة
أمران فاعمد للأعف الأجمل
فإذا هممت بأمر سوء فاتئد
وإذا هممت بأمر خير فافعل
إنه صبر أيها الأحبة على أدنى الخلق إنه هوم النفس حتى ولو كان الحق معها هكذا يتصف الرجال وهكذا من أراد العلياء ومن أراد معالي الأمور وعزة النفس
طلقت تطليق الثلاث رغائب
وكتبت للعلياء عقد نكاح
الصورة العاشرة : أو قبل الصورة العاشرة وكما يحدث خلاف بين كثير من الناس حتى وإن بلغوا ما بلغوا من العلم فهذه النفوس نفوس بشر ولذلك هكذا وهذا ما كان بين الحسن وبين علي بن الحسين واسمع أيضا لإنصاف الذهبي رحمه الله لابن حزم عند ما ترجم له في السير قال الذهبي عن ابن حزم قد أخذ المنطق أبعده الله من علمه عن [محمد بن الحسن البلحجي] وأمعن فيه فزلزله في أشياء ولي أنا كلام الذهبي عن ابن حزم ولى أنا ميل إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح ومعرفته به وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقول في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع وأقطع بخطئه في غير ما مسألة ولكن لا أكفره ولا أضلله وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه إذن فيقول الذهبي رحمه الله تعالى وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقول في الرجال والعلل والمسائل البشعة والأصول والفروع وأقطع بخطئه في غير ما مسألة ولكن لا أكفره ولا أضلله وأرجو له العفو والمسامحة انظر إلى النفوس الطيبة وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين وأخضع لفرط ذكائه وسعة علومه رحم الله الذهبي وقد وجدت له كثيرا من الإنصاف في كتابه العظيم ( سير أعلام النبلاء للرجال ) وقد ينقل فلان كثيرا في من شدد على كثير من الرجال ومع ذلك إذا روى أو نقل تطولاته رجع رحمه الله تعالى وأنصف هؤلاء الرجال بما فيهم وهكذا يكون الرجل الحق هكذا الذي يأتمر بأمر الله وإذا قلتم فاعدلوا فهل سمع شبابنا مثل هذا الموقف وهل اقتدى شبابنا غفر الله لنا ولهم بسلفهم الصالح رضوان الله تعالى عليهم أيها الشباب أيها المسلمون لا تبخسوا جهود بعضكم بعضا لا تحتقروا أعمال بعضكم بعضا فكل منكم على ثغر وكل منكم على خير والميدان يتسع للجميع بل هو بأمس الحاجة لكل عمل لكل كلمة طيبة لكل جهد أيا كان صاحبه فهلا سمعنا وعقلنا واسمع لهذا الموقف أيضا وتدبره جيدا وكم نحن بحاجة إليه قال الذهبي قال الحافظ [ابن عبد البر] في التمهيد هذا أكتبه من حفظي وغاب عن أصله أن [عبد الله القمري العابد] كتب إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل فكتب إليه مالك واسمع : إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم ولم يفتح له في الصدقة وآخر فتح له في الصوم وآخر فتح له في الجهاد فنشر العلم من أفضل أعمال البر وقد رضيت بما فتح لي فيه وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر. فيا شباب الأمة نحن بحاجة للجميع فهذا يحفظ القرآن ويعلمه وهذا يطلب العلم وينشره وهذا يعظ الناس في المساجد والقرى وهذا ينكر المنكرات في الأسواق وفى الأماكن العامة وهذا على منبره وذاك بقلمه والآخر بماله وهذا بتوزيع الشريط والكتاب وذاك بتوزيع الطعام واللباس وهذا بالرحلات والمخيمات وهذا بالدعوات الصادقات ولا يخلوا الجميع أبدا من خطأ وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فهذا يصحح لهذا وهذا يوجه هذا وهذا يعين هذا بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة مع التماس الأعذار والعفو والصفح هكذا يجب أن نكون هكذا يجب أن نتعامل أيها الأحبة هكذا يجب أن ننشر في مجالسنا وفى منتدياتنا مع إخواننا جميعا يجب أن ننشر مثل هذه المفاهيم في قلوب الكبير والصغير الرجال والنساء حتى يشعر أعداء الإسلام في هذا التراص في تراص هذه الصفوف جمع هذه القلوب وبتوحيد هذه الكلمة هكذا يكون العمل وهكذا تكون الدعوة وهكذا يكون عباد الله إذا أحبهم الله جل وعلا فهلا عملنا لمثل هذا الأمر أيها الأحبة فإن قال قائل لا فنقول على أقل تقدير فإن لم تكن من هؤلاء فقل خيرا أو اصمت واعلم يا أخي الحبيب أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده فكف عنهم بارك الله فيك لسانك ويدك كفه عن المسلمين واترك المسلمين يعملون كل فيما استطاع وكل لما قدم فإن الله جل وعلا يطلع على عباده وهو وحده سبحانه وتعالى يعلم ما تكنه القلوب .
الصورة العاشرة والأخيرة من هذه الصور لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة قال [أبو الربيع محمد بن الفضل البلخي] سمعت [أبا بكر محمد بن مهرويه] الرازي قال سمعت [عليا بن الحسين بن الجنيد] قال سمعت يحي بن معين يقول ماذا يقول الآن يحي بن معين يقول إنا لنطعن على أقوام يقصد في الجرح والتعديل في الحديث والطعن في الجرح والتعديل أمر مندوب إليه ومأجور من يفعل ذلك فهو نصر لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول يحي بن معين يقول إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة قال بن مهرويه فدخلت على [عبد الرحمن بن أبي حاتم] صاحب كتاب الجرح والتعديل فدخلت على عبد الرحمن بن أبى حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب الجرح والتعديل فحدثته بهذا فبكى وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب وجعل يبكي ويستعيد في الحكاية سبحان الله والله إن القلب ليقشعر أيها الأحبة ونحن نسمع مثل هذه المواقف ومثل هذه القلوب بكى رضى الله تعالى عنه وأرضاه وهو ماذا يفعل يقول الذهبي معلقا على هذا الموقف أصابه على طريق الوجل وخوف العاقبة وإلا فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح على دين الله والذب عن السنة وهو أمر مطلوب منهم ومأجور عليه ومع ذلك ترتعد يداه ويبكي رضي الله تعالى عنه لأنه تكلم في رجال في أمر واجب فماذا نقول نحن إذن أيها الأحبة ماذا نقول ونحن في المجلس بل ربما أو في الساعة الواحدة نتكلم عن عشرات الناس عياذا بالله ماذا نقول ونحن نسمع من كثير من إخواننا عفاهم الله وصفح عنهم وغفر لهم ما يذكرونه في كثير من المشايخ والعلماء وطلبة العلم بل والصالحين سبحان الله ما وجدنا إلا الصالحين إلا العلماء نخوض في أعراضهم ونتكلم عنهم عياذا بالله ما وجدنا إلا هؤلاء أين أنت من المنافقين وأين أنت من اليهود من النصارى أين أنت من أعداء الدين من الذين يكيدون للدين ليل نهار لم تجد إلا أعراض إخوانك حتى تتكلم فيها سبحان الله ورحم الله ابن المبارك يوم أن جاءه ذلك الرجل فذكر له قولا في فلان وعلان فقال له ابن المبارك واسمع الكلمات اسمع العلم كيف ينور قلوب أصحابه فيقول ابن المبارك ذلك الرجل: عجبا سلم منك اليهود والنصارى ولم يسلم منك إخوانك كلمات تكتب بميزان الذهب
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
هكذا من يريد رضا الله جل وعلا هكذا من يريد أن يحافظ على عمله الصالح كم من الأعمال الصالحة يقوم بها كثير من الناس ثم يطلقون العنان لألسنتهم فتذهب بهذه الأعمال وتبريها بريا والعياذ بالله تكامل الشخصية في حياة السلف رضوان الله عليهم في العنصر السابق تكلمنا عن صور ومواقف متناثرة وإليك في هذا العنصر وقفة سريعة في حياة علمين فاضلين فإنك إذا نظرت لحياة أولئك الرجال وجدت مدرسة في جميع الجوانب وهذا هو العجب والله في حياتهم وأنا أقول نالوا ما نالوا رحمهم الله تعالى والله بسخاء أنفسهم ونصحهم لهذه الأمة ليس بكثرة الصلاة ولا الصيام ولا العلم وإنما بسخاء هذه النفوس وطهارة هذه القلوب نالوا ما نالوا رحمهم الله تعالى اسمع أقول مدرسة في جميع الجوانب في العلم في الجهاد في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في العبادة في الحرص على النوافل في الخوف من الله في الزهد في الورع في التواضع في حسن الخلق في كل شيء
حدث ما شئت من حلم ومن كرم
وانشر مآثرهم والباب متسع
أما اليوم فتعال وانظر لحالنا فإن ظاهرها الصلاح وقد نحسب في القدوات والسادات والله أعلم بسرائرنا مصارحة النفس وصلاحها يعلم الله ما يريد فإننا ننظر لأقوالنا وأفعالنا وأحوالنا وانتصارنا لأنفسنا وتسترنا وعجبنا لذاتنا وإذا وقفت على حالنا مع النوافل والطاعات أصابتك الحسرات والآهات وقل مثل ذلك في طلبنا للعلم وقل مثل ذلك في أمرنا ونهينا عن المنكر ثم قل مثل ذلك في إهمالنا لقلوبنا وحملنا على الآخرين وجرحهم ونبذهم واستغفر الله أن أعمم ولكن كل نفس أعلم بنفسه وكل نفس منا بما كسبت رهينة إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله أقول لك يا أخي الحبيب تعال أقف وإياك للنظر في جانب سلامة الصدر فقط وطهارة القلب في حياة هذين الرجلين في أكثر من في حياتهما إنهما [أحمد بن حنبل] والإمام ابن تيميه رحمهما الله تعالى جميعا وفي حياتهما مثل أعلى للعاملين والدعاة المصلحين والعباد المخلصين فمع كثرة الأذى لهما والنيل منهما وسجنهما وجلدهما والتعرض للفتن بل والتكفير والتفسيق وللتدبير وللتبديع عياذا بالله ومع ذلك كله فاسمع وتفكر لتعرف من أنت أيها المسكين اسمع فصارح نفسك وكن لها من الناصحين أنت إذا رماك أحد تهمة أوغرت عليه وقلت ما تركت صغيرة ولا كبيرة إلا وذكرتها في قائلك أما هؤلاء فاسمع رعاك الله ذكر [عبد الغنى المقدسي] في كتابه محنة الإمام أحمد في مسنده إلي أبى على حنبل قال حضرت أبا عبيد الله إي أحمد بن حنبل وأتاه رجل في مسجدنا وكان الرجل حسن الهيئة كأنه كان مع السلطان فجلسا حتى انصرفا من كان عند عبد الله ثم دنا منه فرفع أبو عبد الله بما رأى من هيئته فقال له يا أبا عبد الله اجعلني في حل الرجل يقول لأحمد اجعلني في حل قال أحمد من ماذا قال كنت حاضرا يوم ضربت وما أعنت ولا تكلمت إلا أنى حضرت ذلك تأمل الرجل يستسمح فقط لأنه حضر يوم ضرب أحمد فأطرق أبو عبد الله ثم رفع رأسه إليه فقال أحدث لله توبة ولا تعد إلى مثل ذلك الموقف فقال له يا أبا عبد الله أنا تائب إلى الله تعالى من للسلطان قال له أبو عبد الله فأنت في حل وكل من ذكرني إلا مبتدع هذا كلام الإمام أحمد رحمه الله قال أبو عبد الله وقد جعلت أبا إسحاق في حل من هو أبو إسحاق؟ المعتصم الذي ضرب وآذى الإمام أحمد قال وقد جعلت أبا إسحاق في حل ورأيت الله عز وجل يقول اسمع لمن تدبر القرآن (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ـ هذا الكلام للإمام أحمد ـ بالعفو في قضية مسطح ثم قال أبو عبد الله: العفو أفضل إذا دار في نفس الإنسان الانتقام والتشفي إذا حق عليك أحد أو سمعت أن أحدا قال فيك أو حتى آذاك مهما كان هذا الأذى لا شك أن النفس بطبعها كبشر تعمد إلى الانتقام تعمد إلى الغضب ولكن على الإنسان أن يرعى هذه النفس وأن يحرص على تربيتها أن حسن الخلق لا يكون صاحب الخلق حسن الأخلاق إلا في المواقف العصيبة الشديدة أما في المواقف الهينة اللينة لا لا يمكن أن يتضح حسن خلقه إلا في المواقف العصيبة فلما فكر الإمام أحمد رحمة الله تعالى وتذكر قول الله تعالى ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) من عفا الله عنه فإذا به يقول: العفو هو الأفضل وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك هذا كلام الإمام أحمد ولكن تعفو وتصفح عنه فيغفر الله لك كما وعدك انتهى الموقف وأيضا ساق المقدسي رحمه الله بسنده إلى[ أبى على عبد الله بن الحسين بن عبد الله الخرقي] وقد رأى أحمد بن حنبل قال بت مع أحمد بن حنبل ليلة لم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح قال ذكرت فقلت يا أبا عبد الله كثر بكاؤك الليلة فما السبب؟ قال أحمد واسمع قال أحمد ذكرت ضرب المعتصم إياي ومر بي بالدرس قوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) فسجدت وأحللته من ضربي في السجود رحم الله الإمام أحمد هكذا والله القلوب وهكذا والله هو التعلق بالله جل وعلا والتدبر لهذا الكتاب فمن منا يريد أن يعفو الله عنه ، ويصفح الله جل وعلا عنه أيها الأحبة وذكر [ابن رجب] في طبقات الحنابلة عن [أبى محمد خوزان] قال جاء رجل إلى أحمد بن حنبل فقال له نكتب عن [محمد بن منصور] ؛محمد بن منصور الطوسي فقال إذا لم تكتب عن محمد بن منصور فعن من يكون ذلك قالها مرارا يكررها الإمام أحمد إلى الآن المسألة لا شيء فيها لكن أتعرف من هو محمد بن الطوسي هذا؟ قال الرجل إنه يتكلم فيك فماذا قال الإمام أحمد مع أن الإمام أحمد يعلم عندما قال إذ لم تكتب عن محمد بن منصور الطوسي فعن من تكتب يعلم أن محمدا يتكلم فيه فقال الرجل إنه يتكلم فيك فقال أحمد رحمه الله تعالى رجل صالح ابتلي فينا فما نعمل وما أعجب مواقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى اقرأ هذا الكتاب محنة الإمام أحمد بن حنبل وانظر مواقفه مع من عاداه ومع من ضربه ومع من سبه وشتمه فرحم الله الإمام أحمد
أضحى ابن حنبل محنة مأمومة
وبحبه يعرف المتنسك
فإذا رأيت لأحمد منتقصا
فاعلم بأن ستوره ستهتك
ومن مواقف شيخ الإسلام أبى تيميه رحمه الله تعالى مع مخالفيه بالرغم من إيذائهم له وتعديهم عليه بالباطل إلا أنه لم يقابل ذلك رحمه الله إلا بالإحسان فها هو يقول في الفتاوى في الجزء الثالث صفحة 271 يقول وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفى غيرها يقصد في الفتنة التي حصلت في وقته وإقامة كل خير وابن مخلوف هذا ومن هو ابن مخلوف ابن مخلوف هذا قال عن ابن تيميه قال عن شيخ الإسلام هو عدوي ولما بلغه أن الناس يترددون إلى ابن تيميه في سجنه قال ابن مخلوف عن ابن تيميه يجب التضييق عليه وإن لم يقبل وإلا فقد ثبت كفره يعني وصل الحد والعياذ بالله الحد عند ابن مخلوف أن يكفر ابن تيميه رحمه الله تعالى ومع ذلك اسمع كلام ابن تيميه فيه أو ابن مخلوف فيه يقول ابن تيميه لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه ولا أعين عليه عدوه قط ولا حول ولا قوة إلا بالله هذه نيتي وعزمي مع علمي بجميع الأمور فأني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين انتهى كلامه رحمه الله ويقول أيضا في موضع آخر في الجزء الثالث في صفحة 245 هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء فالقضية ليست قضية كلام وشتم لا بتكفير بتفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فأنا لا أتعدى حدود الله فيه بل أضبط ما أقوله وأفعل وأزنه بميزان العدل وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله وأجعله هدى للناس حاكما فيما اختلفوا فيه وما كان لي ما اختلفوا فيه ويقول رحمه الله أيضا الجزء الثاني والعشرون ص 55 فلا أحب أن يُنتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي وأما ما يتعلق بحقوق الله فإن تابوا تاب الله عليهم وإلا فحكم الله نافذ فيهم ولو كان الرجل مشكورا على سوء عمل لكنت أشكر كل من كان سببا في هذه القضية لما يترتب عليه من خيري الدنيا والآخرة لكن الله هو المشكور على حسن نعمه وعلائه وأياديه الذي لا يقضي للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له انتهى كلامه رحمه الله تعالى ويقول ابن القيم في كتابه عن شيخه ابن تيميه رحمه الله تعالى وما رأيت قد أجمع بمثل هذه الخصال يعني سلامة الصدر وتنقية القلب والعفو عن الناس وما رأيت أحدا قد أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه وكان بعض أصحابه الأكابر يقول وددت أنى لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئته يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه اسمع يقول وجئت يوما مبشرا له موت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره إلى بيت أهله وعزاهم وقال إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه على نحو هذا الكلام فسروا به وعظموا هذه الحالة منه فرحمه الله ورضي الله عنه
فكرر علي حديثهم يا حادي
فحديثهم يجلي الفوائد الصادي
هكذا يكونون رضوان الله تعالى عليهم في مواقفهم وفى حياتهم وفى أحوالهم مع من عاداهم أو حتى كفرهم أو فسقهم أو بدعهم أو آذاهم هكذا تكون القلوب المؤمنة المتعلقة الخائفة الراجية من الله العفو والصفح والتي تمضى إلى هذه الدنيا على أنها حياة أو دنيا ممر ودار مر لا دار مقر هكذا التعلق بالله جل وعلا وطلب العفو ومرضاته سبحانه وتعالى أخيرا نتائج سلامة الصدر وآثاره ولو لم يكن من آثار سلامة الصدر وتنقية القلب إلا أنه سبب لدخوله الجنة كما ذكرنا في أول حديث ذكرناه من حديث أنس فإن سلامة الصدر من أعظم أسباب دخول الجنة ولذلك اسمع ابن القيم أيضا يقول في مدارك السالكين في الجزء الثالث 318 يقول وها هنا للعبد إحدى عشر مشهدا فيما يصيبه من الخلق وجنايتهم ويقول ثم قال في صفحة 319 المشهد الثالث مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعزته لم يعدل عنه إلا لعشي بصيرته فإنه "ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا "كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم بالتجربة والوجود وما انتقم أحد لنفسه إلا ذل هذا وفى الصفح والعفو والحلم من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام ويقول أيضا رحمه الله تعالى- ابن القيم - في صفحة 311 في المشهد السادس يقول نشر السلامة وبرد القلب وهذا مشهد شريف جدا لمن عرفه وذاق حلاوته وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما له من الأذى وطلب الوصول إلى ترك ثأره وشفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له وأطيب وأعون على مصالحه فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه فيكون بذلك مغبونا والرشيد لا يرضى بذلك ويرى أنه من تصرفات السفيه بين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوقاس* وإعمال الفكر في إدراك الانتقام ثم أثرا آخر ونتيجة أخرى من نتائج تنقية القلب من الغل والحسد وهي لو لم يكن في هذا القلب كما أشار ابن القيم رحمه الله إلا الطمأنينة منه وراحة البال لصاحب هذا القلب ولو لم يكن إلا هذا الأمر لكفي به شرفا ونتيجة فصاحب القلب الذي لا ينظر ولا يتشفى ولا يحقد ولا يحسد مطمئنا مرتاحا هادئا وذلك تجد أنه خال من الأحقاد والظنون ولا ينشغل إلا بطاعة أو بعمل خير فمتى نتحرر من هذا الأثر أيها الاخوة ولذلك اسمع لابن تيميه عن الذهبي وهو يقول أو ينقل قول [زيد بن أسلم] يقول نقل عن [أبي دجانة] رضي الله تعالى عنه وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له ما لوجهك يتهلل فقال ما من عمل شيء أوفي عندي من اثنتين كنت لا أتكلم إلا فيما يعنيني والأخرى كان قلبي للمسلمين سليما ما أحلى أن تقابل الله جل وعلا وقلبك سليم ويقول أيضا [سفيان بن الحارث] قلت لأبى بشر وكان من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخبرنا عن أعمال من كان قبلنا قال كانوا يعملون يسيرا ويأجرون كثيرا إذن ما ذكرت لك في البداية ليست بكثرة صيامهم وصلاتهم وصدقاتهم فكانوا يعملون يسيرا ويأجرون كثيرا قال وقلت ولما ذاك قال لسلامة صدورهم ويروى هذا الأثر الذهبي في كتابه الزهد. وأيضا ذكر ابن رجب في كتابه روضة الإسلام قال عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال لن يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة وإنما أدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للأمة.
أخيرا الأسباب التي يجيء منها حقد القلب أو موته والأسباب أسباب امتلاء الصدر وغل القلب تنقسم إلى قسمين:
أسباب مباشرة وأسباب غير مباشرة وانتبه لها لعل ألا يكون أحد الأسباب موجود في نفسك فمن الأسباب المباشرة على رأسها الشيطان إن الفرقة والخلاف وملء الصدور بالشحن وضيق الصدر غاية من غاياته كما في الترمذي رواه مسلم كتاب صلاة المنافقين تحريش الشيطان وبعثه سرياه إلى فتنة الناس وأن مع كل إنسان قرينا وحديث [جابر] رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم " أي بالخصومات والحروب والفتن وغيرها ،انظروا لأحوال المسلمين اليوم من جميع الجهات تجدون أن الشيطان يقوم بالتحريش بين المسلمين في كل مكان إذن هذا هو السبب الأول المباشر وسبب غير مباشر هي أمراض القلب بأنواعها سبب امتلاء القلب والصدر بالغل والحقد والحسد والانتقام والتشفي سبب مباشر وهو أمراض القلب بأنواعها بدءا بسوء الظن والحسد والنجوى والغرور والهوى وحب التستر وغيرها كثير مما تعلمون من أمراض القلب وجماع ذلك الغفلة عن القلب وإهماله ونشكو إلي الله جل وعلا حالنا مع قلوبنا وإطلاق عنانها إننا نهتم بأنفسنا كثيرا نهتم بمظهرنا نهتم ببيوتنا بمراكبنا بمأكولاتنا بمشروباتنا ولكننا نغفل كثيرا عن قلوبنا أن نراقب هذا القلب أن نرعاه أن نحفظ عليه نهمله كثيرا ونغفل عنه وبالتالي يمتلئ بغضا على فلان وحقدا لفلان وحسدا لفلان وسوء ظن بعلان فتجتمع واليعاذ بالله نقط سود نقطة نقطة حتى يصبح القلب أسودا **** لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا عياذا بالله ولذلك أقول إن المسلم لو اهتم بقلبه أكثر مما يهتم بمظهره وبيته وأكله وشربه لوجد أن الله سبحانه وتعالى وفقه في كل صغيرة وكبيرة سمعت حياة أولئك الأنقياء رحمهم الله تعالى كيف كان بمجرد سخاء نفوسهم وسلامة قلوبهم وسخاء نفوسهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه فخذ مثلا سوء الظن فسوء الظن هو ترجيح ما يخطر في النفس من تحميل سوء ويبدأ سوء الظن بخافق يخفق به ثم لا يزال الشيطان ينفخ فيها حتى ينزلها منزلة الحقيقة هذا هو سوء الظن فتكلمنا في المقاصد والنيات فنقول مثلا فلان يقول كذا ويقصد من كلامه كذا فأصبحنا نظن فيه النوايا واليعاذ بالله وإرادات الناس فنتكلم فيما في قلوب الناس وكأننا أصبحنا نعلم الغيب وما يدور في قلوب هؤلاء وفى نفوسهم وما أجمل قول [محمد بن سيرين] رحمه الله تعالى قال إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا فإن لم تجد فقل ألتمس له عذرا لا أعمله0
وأما الأسباب الغير مباشرة فأولا الاختلاف في وجهات النظر وطريقة سير العمل فقد يؤدى الخلاف في الآراء والتصورات إلي اختلاف قلوبهم وجفوتهم إليهم بالشحناء يعني ليس شرطا يا أخي الحبيب أن يوافقك الناس في كل ما تريد ليس معنى ذلك أن توافقني وإلا أن تعدوني خطأ أن نأخذ هذه القاعدة في حياتنا فاختلاف وجهات النظر كل من الناس له وجهات نظر المهم الحمد لله أن نتفق في الأصول أما الفروع والاختلاف فيها واختلاف وجهات النظر وطريقة العمل هذا يدعو إلى كذا وذاك يدعو إلى ذاك الأمر فهذا لا يدعي أبدا إلى أن تمتلئ قلوبنا بغضا وحقدا وشحناء على بعضنا واليعاذ بالله بل ننصح أخانا وننبهه على ما وقع فيه من خطأ هذا هو واجبنا أما نبغضه ونحقد عليه ونهجره لا ثم .
ذكر الذهبي في السير قال قال [يوسف السلفي] قال ما رأيت أحدا أفضل من الشافعي ناظرته يوما في مسألة وافترقنا ولقيني ثم أخذ بيدي ثم قال يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة شف النفوس ألا يسعنا ما وسعهم يا اخوة قال [أحمد بن حسن السعدي بن عدي] سمعت أحمد بن حنبل يقول لم يعبر الجسر إلى خرسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء وإن كان يخالفنا في أشياء فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا هكذا كان رحمهم الله تعالى إذن فالخلاف في المسائل الفرعية لا يفسد للود قضية أبدا أيها الأحبة فقد كان يعذر بعضهم بعضا فيقول لعل له تأويلا ويقول لعل ذلك الحديث لم يبلغه أو لم يصله أو غير ذلك من الأعذار التي كانوا يبحثونها لبعضهم رحمهم الله تعالى ولذلك قال الذهبي في السير ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضا ويرد هذا على هذا ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل .
الأمر الثاني من الأسباب الغير مباشرة لسبب امتلاء الصدر غلا وحقدا التنافس ولا شك أن التنافس أمر محمود ولكنه قد يتعدى ذلك إلى الحسد والغل على الآخرين خاصة بين الأقران ولذلك يقول الذهبي اسمع كلام الذهبي في الأقران يقول استبق وجهك وسل ربك العافية فكلام الأقران هو في بعض الأمر عجيب وقع فيهم سادة رحم الله الجميع ويقول أيضا كلام الأقران يطوى ولا يروى ويقول أيضا كلام الأقران هو في بعضهم يحتمل وطيه أولى من بثه إلا ما اتفق المعاصرون على جرح شيخ فيعتمد قوله إذن فالتنافس مطلوب ولكن طبيعة البشر قد يصل إلى قلبك قرين لك أو زميل فلان قد يصل إليه شيء من الحقد والبغض عليه فانتبه لمثل هذا الأمر ولكن ليس هذا الكلام على أن ينطبق على أحبابنا فهناك من الأقران أيضا من يهتم بقرينه بل هو يفضله على نفسه فاسمع فهذا [هشام بن يوسف] يقول كان [أبو بزار] أعلمنا وأحفظنا فهي صورة جميلة لحال الأقران المسلمين بل هناك صور أخرى كثيرة ولله الحمد والمنة .
ثالثا : التناصح وكيف يكون التناصح سببا للحسد والحقد فبعض الناس لا يحتمل النصيحة فيبدأ بالكيد للناصح والتفتيش عن عيوبه وبثها فإذا نصحت أحدا فلانا من الناس وحرصت على وسائل النصيحة الصحيحة فإذا به يملئ قلبه عليك حقدا ويبدأ يبحث عن عيوبك ليته يقبل النصيحة أو يأخذها ويسكت ولكنه يحاول الانتقام لأنك ذكرت شيا من أخطائه مع أنك حرصت على أنها تكون وسيلة صحيحة بانفراد بينه وبينك وبالألفاظ الجميلة الطيبة وبالموعظة الحسنة ومع ذلك وجد في نفسه حقدا عليك فما زال والعياذ بالله يحتمل أو يبحث خطأك حتى يرد الصاع صاعين والسبب الرابع التجارة والبيع والشراء والتعامل مع الآخرين ورحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري في باب السهولة والسماحة في البيع والشراء كيف السبيل إلى سلامة الصدر أعد عليك وسائلا إذا أردت أن تصل لسلامة الصدر باختصار .
أولا : تدعوا الله بصدق وإلحاح أن يرزقك قلبا سليما محبا للآخرين فقد كان في دعائه صلى الله عليه وسلم" اللهم أنى أسألك قلبا سليما" وردد يا أخي ( ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) واسأل الله حسن الخلق فإن العبد ليدرك بحسن الخلق الصائم والقائم ،وما وصل أولئك الرجال إلى ما وصلوا إليه إلا بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح كما ذكرنا فاحرص على الدعاء لإخوانك وما أجمل إذا دعوت لإخوانك بهذه الكلمات وقلت قبل منامك اللهم من سبني وشتمني وضربني عند نومك اللهم إني عفوت عنه وصفحت عنه ما أجمل أن تردد الكلمات بنفسك وفى كل ليلة فإذا أنت نمت بقلب سليم وإذا مت مت على قلب سليم ولله الحمد ثم أتبع هذه الكلمات قولا جميلا قل وادع الله اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني أسألك بالله يا أخي الحبيب هل ستكون أحلم من الله وهل ستكون أعظم من الله سبحانه وتعالى في عفوه عنك أيها العبد فما عفوت عنه عن خلقه لا والله ثقة بالله ولذلك أقول لك يا أخي الحبيب اعف عن عباد الله يعف الله عنك طهر قلبك من الحقد والغل على الآخرين تجد أن الله سبحانه وتعالى يحفظك ويعف عنك سبحانه وتعالى ثم أيضا احذر الغفلة عن القلب وراقبها مراقبة جيدة واعلم أن تنقية القلب من الغل والحقد يحتاج إلى ترويض نفس وطول مجاهدة ومراقبة فإذا وجدت في قلبك على أحد فابحث عن الأسباب وصارح نفسك ولا تستجب لبائع الهوى فيها وعليك هضم النفس واسأل الله العون والتوفيق .
ثم ثالثا أحسن الظن بالآخرين والتمس لهم الأعذار فان لم تجد فقل لعلي أجد لك عذرا لا أعلمه قيل أن أبا إسحاق نسى عمامته يوما وكانت بعشرين دينارا عمامة وكانت جديدة وكانت بعشرين دينارا وتولى في دجلة أي جعلها في نهر دجلة لكي يتوضأ فجاء لص فأخذها ترك عمامة رديئة بدلها فطلع الشيخ فلبسها وما شعر حتى سألوه وهو يدرس في درسه فقال لعل الذي أخذها محتاج لم يقل اللص الذي فيه وما لفيه لا وإنما قال لعل الذي أخذها محتاج وانتهت القضية
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
فالرابع الصبر والتحمل فإن الاحتمال مقبرة المتاعب فتمثل قول الشاعر:
إذا أمست قوارصة الفؤاد
صبرت على أذاهم وانطويت
وجئت إليكم ترك المحيا
كأني ما سمعت ولا رأيت
ثم الخامس العفو والصفح فمن عفا وأصلح فأجره على الله ومن علامته كما ذكرنا الدعاء لإخوانك خاصة من كان بينك وبينه بغضاء أو من كان بينك وبينه شحناء حاول أن تدعو له مع أنني أعلم أن هذا لا يطاق تدعو لإنسان وفى قلبك بغض عليه تدعو لإنسان وفي قلبك بغض وشحناء وحقد عليه هذا لا يطاق ولكن جرب وحاول أن تدعو لإخوانك وارض النفس من الشيطان فالدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والتوفيق والهداية كما يقول [عبد الله بن أحمد] ربما سمعت أبي في السر يدعو لأقوام بأسمائهم وإني لأعجب أن ينام المسلم ملء جفنيه وبينه وبين أخيه شحناء أو جفوة يقول لمن له قلب حي قرار وقد نام وقد تأتيه المنية تلك الليلة وما أجمل قول ذلك الشاعر وهو [مقنع الكندي] عندما قال:

وإن الذي بيني وبين بني أبي
وبيني وبين ذي عمي لمختلف جدا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم
وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
لا أحمل الحقد القديم عليهم
وليس ريم القوم من يحمل الحقدا
ثلاثة قبل النهاية وآخر المطاف أيها الأحبة أقول انتبه لهذه الثلاث
أولا: إن ما تقدم لا يعني أننا ننهى عن كثرة الأخطاء وعن التغاضي عن الزلات وعدم التنبيه عليها وتقويم الآراء فإننا نطالب بذلك ولكن الضوابط الشرعية المقررة عند سلفنا الصالح وعلمائنا الأفاضل رحمهم الله تعالى
الثانية هذا الموضوع رسالة . رسالة إليكم جميعا أيها الأحبة وإلى العلماء وإلى المشايخ وإلى طلاب العلم والمدرسين والأباء والمربين وجميع من يسمع هذا الأمر تربية الشباب وتربية الأجيال وتربية النفوس على صفاء النفس وطهارة القلب وصدق العمل وتقدير العلماء والدعاة وإن من أساليب التربية هي القدوة الحسنة.
وثالثا إن هذا الموضوع دعوة عامة لطهارة القلب وسلامة الصدر ووفاء النفس فهو أمانة عند كل من سمعه نشره وبثه بين الناس في كل طبقاتهم وفى مختلف أحوالهم إليكم مثل هذا الموضوع ولنتحدث به كثيرا ليحصل الحب والمودة وجمع القلوب وتوحيد الكلمة بين المسلمين فيسقط بذلك أعداء الإسلام من المنافقين وغيرهم فبادر بنشره وليكن حديث مجالسنا ومدارسنا ورب مبلغ أوعى من سامع اللهم إني بلغت اللهم فاشهد اللهم إني بلغت اللهم فاشهد اللهم إني بلغت عبادك يا أرحم الراحمين بحقيقة هذا الموضوع وعظمته في نشره في قلوبهم وفى أنفسهم وبين صفوف الناس أجمعين اللهم فاشهد ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) (ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين )


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 09:56 PM   #7

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



الشيخ ابراهيم الدويش
الاخفياء

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه ليلة الاثنين الموافق للثالث والعشرين من الشهر العاشر للعام الرابع عشر بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية وعنوان هذا اللقاء الأخفياء .
ولقد كنت تأملت ونظرت في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه [مسلم] في صحيحه في كتاب الزهد قوله "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي" ولقد تأملت قوله صلى الله عليه وآله وسلم الخفي فما زالت تلك الهواجس والأفكار والأسئلة تدور في الخاطر المكدود من هو هذا العبد الخفي؟ من هو هذا الخفي الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فقلت فلربما أنه أو أنهم الذين قد عرفوا ربهم وعرفهم سبحانه وتعالى فأحبوه وأحبهم وحرصوا أن يكون بينهم وبين الله أسرار وأسرار والله سبحانه وتعالى يعلم أسرارهم فكان خيرا لهم وقلت ولربما أنهم هم الأنقياء الأتقياء فما اجتهدوا في إخفاء أعمالهم إلا لخوفهم من ربهم وخوفهم من فساد أعمالهم بالعجب والغرور وهجمات الرياء وطلب الثناء والمحمدة من الناس فقلت فلربما أنهم هم الجنود المجهولون الناصحون العاملون الذين قامت على سواعدهم هذه الصحوة المباركة فكم ناصح وكم من مرب وكم من داع للحق وكم من كلمة وكم من رسالة وكم من شريط طار في كل مطار وصارت فيه الركبان كانت خلفه أخفياء وأخفياء فهنيئا لهم ثم هنيئا لهم وقلت فلربما أنهم أيضا هم الساجدون الراكعون في الخلوات فكم من دعوة في ظلمة الليل شقت عنان السماء وكم من دمعة بللت الأرض وبهذه الدمعات وبهذه السجدات حفظنا وحفظ أمننا رُزِقْنَا وسقانا ربنا وقلت فلربما أن الأخفياء هم الذين يسعون في ظلمة الليل ليتحسسوا أحوال الضعفاء والمساكين والأرامل والأيتام لإطعام الطعام وبذل المال ليفكوا بها كربة مكروب وليفرجوا بها هم أرملة ضعيفة شديدة الحال كثيرة العيال وقلت فلربما أن الأخفياء هم أولئك الذين لا يعرفهم الناس هم أولئك الذين لا يعرفهم الناس أو الذين لا يعرف أعمالهم الناس ولكن الله سبحانه وتعالى يعرفهم وكفي بالله شهيدا فهنيئا لهم ثم قلت وما الذي يمنع أن يكونوا أولئك جميعا ما الذي يمنع أن تكون هذه الصفات كلها صفات لأولئك الأخفياء ولذلك ترددت كثيرا في الحديث عن هذا الموضوع فما كان لمثلي أن يتحدث عن مثلهم وأستغفر الله جل وعلا ونحن أعرف بأنفسنا من جرأتنا مع قصورنا وتقصيرنا وقد قالها [عبد الله بن المبارك] ردد ذلك البيت عندما قال
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم
ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
رحمك الله يا ابن المبارك عندما قلت هذا البيت تعني به نفسك فماذا نقول نحن إذاً عن أنفسنا ورحم الله القائل أحب الصالحين ولست منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعة وأكره من سجيته المعاصي وإن كنا سواء في الإضاعة ولماذا الحديث عن الأخفياء؟ كان الحديث عن الأخفياء لأنني ولربما لأنك أيضا نظرت لحال أولئك الرجال الذين نسمع قصصهم بل ونري أثارهم ومصنفاتهم ونري أنهم أحياء بذكرهم وبعلمهم وبنفعهم وإن كانوا في بطن الأرض أموات بتلك الأجساد الطيبة الطاهرة فأسأل وتسأل معي ما هو السر في حياة أولئك الرجال والسر هو توجه القلب كل القلب لله جل وعلا توجهت قلوب أولئك الرجال فنالوا ما نالوا ووصل سمعهم إلى عصرنا الحاضر فكان القلب عمله وعلمه لله سبحانه وتعالى وكان حبه وبغضه لله وقوله وفعله لله حركاته وثكناته لله دقه وجله لله سره وعلانيته لله يوم أن كانت الآيات هي الشعارات التي ترفع وهي الكلمات التي تتردد في القلب قبل اللسان وفي كل مكان (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) هكذا كانت الآيات ترفع فامتلأت بها القلوب أما اليوم فتعال وانظر لحالنا يا أخي الكريم انظر لحالنا كأفراد فقلوبنا شذر مدر ونفوسنا عجب وكبر وأفعالنا تزين وإظهار وأقوالنا لربما كانت طلب الاشتهار، همومنا في الملذات وحديثنا في الشهوات وصدق صلى الله عليه وآله وسلم بقوله" كثرة سؤال وإضاعة للمال وقيلٍ وقال" إلا من رحم الله منا وانظر لحالنا كأمة ذل ومهانة وهوان واحتقار ولا داعي إلى أن أواصل الكلام عن حال هذه الأمة في هذا العصر ولكني أسوق لك دليلا قريبا في شهر رمضان ثلاث مذابح للمسلمين ثلاث مذابح للمسلمين مذبحة السوق في >سراييفو< ومذبحة الإبراهيمي في فلسطين ومذبحة في السودان أكان يكون ذلك يا أخي الحبيب لو كانت القلوب متوجهة إلى الله بصدق لا والله أقولها ثقة بالله سبحانه وتعالى لا والله لا يكون هذا الذل وهذا الاحتقار لهذه الأمة لو توجهت قلوب أصحابها وتوجهت قلوب المسلمين إلى الله جل وعلا ، ربما معتصماهم قلقت ،لامست ملء أفواه الصبايا اليتامى،
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
إذاً فالسر في حياة أولئك هو التوحيد لله ليس التوحيد قولا كلنا نقول لا إله إلا الله ولكنه التوحيد القلبي يوم أن تكون الأفعال والأقوال وحركات القلب وثكناته كلها لله سبحانه وتعالى ،عرف هذا السر أولئك الأخفياء فكانت الدنيا لهم والآخرة دارهم ثم أيضا سبب آخر ومهم جدا عن الحديث عن الأخفياء فيا أخي الحبيب ويا أختي المسلمة إن فقدت الأعمال والأقوال أيا كان نوعها إن فقدت خلوص النية لله جل وعلا انتقلت من أفضل الطاعات إلى أحق المخالفات والعياذ بالله ألم تسمع لذلك الحديث المفزع للقلوب الذي كلما أراد [أبو هريرة] رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن يرويه لنا أو يرويه لأصحابه وقع مغشيا عليه يفعل ذلك ثلاث مرات أو أربعة من هول ذلك الحديث المفزع حديث "أول ثلاث تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن ، المجاهد ، المتصدق بماله" أفضل الطاعات وأفضل القربات إلى الله جل وعلا يوم صرفت لغير الله أصبحت أحق المخالفات بل أصبحت هي التي تقود أصحابها إلى النار والعياذ بالله وهذا الحديث لما سمعه [معاوية] رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بعدهم فكيف بمن بعدهم أو فكيف بمن بغي من الناس ثم بكي معاوية رضي الله تعالي عنه وأرضاه بكاءً شديدا يقول الراوي حتى ظننا أنه هالك انظر صحابة رسول الله يغشون على أنفسهم عندما يسمعون هذا الحديث فماذا نقول نحن عن أنفسنا يقول الراوي حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق معاوية ومسح وجهه ودمعه بيده رضي الله تعالى عنه وقال صدق الله ورسوله صدق الله ورسوله (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم بها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) لأنهم فعلوا ذلك ليقال قارئ وليقال متصدق وليقال جريء ولا شيء يحطم الأعمال مثل الرياء ومثل التسميع بأن يقول فلان سمعت وعلمت وفعلت وجئت وذهبت مسمعا للناس بأفعاله عياذا بالله فالتزم رعاك الله التزم التخلص من كل الشوائب التي تشوب هذه النية كحب الظهور أو التفوق على الأقران أو الوصول لأغراض وأعراض من جاه أو مال أو سمعة أو طلب لمحمدة وثناء الناس فإن هذه وأمثالها قاصمة للظهر متي شابت النية .ولذلك النظر لحياة الأخفياء ولأحوالهم ومدارسة أمورهم من أعظم الأسباب للوصول إلى طريق المخلصين جعلني الله وإياك منهم ثم سبب ثالث لأهمية الإخلاص ولخطر الرياء ولرجوع الناس إلى الله جل وعلا ولكثرة أعمال البر والخير والدعوة إلى الله من الرجال والنساء في حد سواء ولإقبال الناس عموما على العبادات وحرصهم على الخيرات والحمد لله مما نراه من الناس في هذه الفترة المتأخرة كان لا بد من طرح هذا الموضوع لئلا تذهب هذه الأعمال وهذه العبادات عليهم سُدَىً من حيث لا يشعرون كان لزاما أن نتحدث في مثل هذا الموضوع وقد كان أهل العلم يحبون أن يتخصص أناس للحديث عن النية وبيانها للناس ولذلك تكلمنا عن هذا الموضوع تذكيرا وتنبيها وتحذيرا لشدة الحاجة إليه، والأخفياء منهج شرعي ولذلك اسمع أيها المحب لقول الحق عز وجل وإن تخفوها ـ الصدقة ـ (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) فهو خير لكم فهذه الآية كما يقول الحافظ [ ابن حجر] رحمه الله تعالى ظاهرة في تفويض صدقة السر وإخفائها ويقول سبحانه ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) ويقول المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه" انظر لدقة الخفاء في هذه الصدقة وقد أخرجه [البخاري] و[مسلم] في حديث أبي هريرة وقال أيضا الحافظ ابن حجر وهو من أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة وفي الحديث نفسه صورة أخري يذكرها صلى الله عليه وآله وسلم "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" ثم حديث الرجل الذي تصدق ليلا على سارق وعلى زانية وعلى غني وهو لا يعلم بحالهم والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ووجه الدلالة من هذا الحديث على أن الأخفياء منهج شرعي أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث فأصبحوا يتحدثون بل وقع رواية أو لفظا صريحا كما في مسلم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم على لسان الرجل لأتصدقن الليلة لأتصدقن الليلة فدل ذلك على أن صدقته كانت سرا في الليل إذ لو كانت هذه الصدقة بالجهر نهارا لما خفي عنه حال من؟ حال من؟ حال الغني بخلاف حال الزانية وحال أيضا السارق فالغني ظاهرة حاله فلذلك كانت الصدقة سراً في الليل وأيضا حديث النافلة صلاة النافلة في البيوت فمن حديث [زيد بن ثابت] رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال "صلوا أيها الناس في بيوتكم صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" رواه [النسائي] و[ابن خزيمة] في صحيحه وإسناده صحيح وروى [البيهقي] أيضا بإسناد جيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال "فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس" انظر الشاهد حيث يراه الناس إذا فالاختفاء عن أعين الناس في صلاة النافلة لا شك أنه أفضل يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم" فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع" كفضل الفريضة على التطوع ومن حديث [جندب بن عبد الله] رضي الله تعالى عنه كما أخرج البخاري ومسلم قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم "من سمع سمّع الله به" من سمع أي من سمع الناس بأعماله وأقواله التي لا يراها الناس رؤيا وإنما يسمعها لهم تسميعا في قوله يقول "من سَمَّعَ سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به" ومن حديث [عبد الله بن عمر] رضي الله تعالى عنها قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول "من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره " أخرجه أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي وإسناده صحيح وذكر الذهبي في السير في ترجمة [عبد الله بن داود الخريبي] أنه رضي الله تعالى عنه قال كانوا يستحبون أي السلف الصالح كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ،ولا غيرها زوجته ولا غيرها وذكر الإمام [وكيع بن الجراحي في كتابه الزهد والإمام [النجم السري] في كتاب الزهد أيضا أن [الزبير بن العوام] قال من استطاع منكم أن يكون له خبأُ من عمل صالح فليفعله من استطاع منكم أن يكون خبأ من عمل صالح فليفعله وسنذكر بمشيئة الله صور عديدة لحياة كثير من السلف تدل على أن هذا الأمر كان منهجا لهم وكانوا يحرصون عليه ويتمسكون به وهل الأعمال تخفي دائما قد يقول قائل بعد سماع ما تقدم وهل نخفي أعمالنا دائما فلا نظهر منها شيئا أبدا منها إذا الإجابة على هذا السؤال يتفضل بها شيخ الإسلام [ابن القيم] رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين الجزء الثاني صفحة أربع وثمانين عندما قال -فصل- قوله ولا مشاهدا لأحد فيكون متزينا بالمراءاة قال ابن القيم رحمه الله تعالى هذا فيه تفصيل أيضا وهو أن المشاهدة والمشاهدة يقصد بها مشاهدة الناس لك أثناء العمل وهو أن المشاهدة في العمل لغير الله نوعان انتبه جيدا أولا مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه تبعث على العمل أو تقويه على العمل فهذه المراءاة خالصة أو مشوبة كما أن المشاهدة القاطعة عنه من الآفات والحجب كما أن المشاهدة تجعلك تقطع العمل بتاتا أيضا هي من الآفات والحجب ثم يقول ومشاهدة أي أخري لا تبعث عليه ولا تعين الباعث بل لا فرق عنده أي عند صاحبها بل لا فرق عنده بين وجودها وعدمها لا يهمه يراه الناس أو لا يروه فهذه لا تدخله في التزين والمراءاة ،ولكنما عند المصلحة الراجحة في المشاهدة إذا كان هناك مصلحة راجحة ما هي المصلحة؟ يقول ابن القيم إما *** ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة أو مشاهدة ناظر إليك يريد أن يتعلم منك يريد أن يتعلم منك فتكون محسنا إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص فتكون محسنا إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص أو قرب منك للإقتداء وتعريف الجاهل يقول ابن القيم هذا رياء محمود فهذا رياء محمود والله عنده أو والله عند نية القلب وقصده ثم يقول رحمه الله تعالى فالرياء المذموم أي يكون الباعث قصد التعظيم والمدح أن يكون الباعث قصد التعظيم والمدح والرغبة فيما عند من ترائيه أو الرهبة منه وأما ما ذكرنا من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحوا ذلك فليس في هذه المشاهد رياء بل قد يتصدق العبد رياء بل قد يتصدق العبد رياء مثلا وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر اسمع الكلام العجيب بل قد يتصدق العبد رياء فتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر مثال ذلك يقول ابن القيم رجل مغرور سأل قوما ما هو محتاج إليه فعلم رجل منهم أنه إن أعطاه سرا حيث لا يراه أحد لم يقتدي به أحد ولم يحصل له سوي تلك العطية وأنه إن أعطاه جهرا اقتدي به واتبع وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية فجهر له بالعطاء وكان الباعث له على الجهر إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين فهذه مراءاة محمودة حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطيين انتهى كلامه الجميل رحمه الله تعالى وينقل لنا أيضا الحافظ ابن حجر في فتح الباري لما تكلم عن صدقة الفرد وصدقة النفل وهل الأفضل إعلانهما أو إخفائهما قال رحمه الله تعالى ينقل عن[ الزين] في المنير قال لو قيل إن ذلك يختلف ـ أي الإخفاء أو الإظهار ـ إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدا يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدا فإذا كان الإمام مثلا جائراً ومال من وجبت عليه ـ أي الزكاة صدقة الفرد ـ ، ومال من وجبت عليه مخفياً فالإسرار أولى وإن كان المتبرع ممن يقتدى به ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده فالإظهار أولى… انتهى كلامه رحمه الله تعالى ومن هنا نعلم أيها الأحبة أنه ليس دائما تخفى الأعمال بل قد يظهر الإنسان أعماله لمصلحة راجحة كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى أخفياء ولكن يكثر في هذا الزمن الأخفياء ولكنهم أخفياء من نوع آخر أخفياء يختفون عن أعين الناس ويحرصون كل الحرص ألا يتطلع أحد من الناس على أعمالهم هؤلاء الأخفياء هم الذين أخبر عنهم النبي صلي الله عليه وآله وسلم بقوله "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا "أعوذ بالله أعوذ بالله يقول راوي الحديث [ثوبان] رضي الله تعالى عنه يا رسول الله صفهم لنا جَلِّهِم لنا ألا نكون منهم ونحن لا نعلم اسمع ثوبان الصحابي الجليل والذي يقول ألا نكون منهم ونحن لا نعلم فرحمك الله يا ثوبان رضي الله تعالى عنك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم "أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارب الله انتهكوها" ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارب الله انتهكوها أخرجه ابن ماجة من حديث ثوبان بسند صحيح وأخفياء من نوع آخر وهم المقصرون الفاترون أهل الخمول والكسل فلو أنك نصحت أحدهم وصارحته بحاله وسألته عن أعماله فقلت له مثلا ماذا حفظت من القرآن؟ وهل تحرص على صيام النوافل أم لا؟ أنت تريد الخير بنصحه وتريد مكاشفته بحاله حتى يري حاله على حقيقتها فتسأله هذه الأسئلة ليجيب هو على نفسه وتقول له ماذا قدمت للإسلام؟ وهل تنكر المنكرات؟ وهل وهل؟ إلى غيرها من الأسئلة التي تبين حقيقته أمام نفسه لأجابك هذا الشخص بقوله هذا بيني وبين الله ، هذا بيني وبين الله وهل كل عمل أعمله لا بد أن أطلعك عليه انظر هو الآن ماذا يخفي هو يظهر لنا الإخلاص لكنه يخفي ما الذي يخفي؟ الحقيقة ما هي الحقيقة أنه قصر في أعماله وإنه قد لا يكون عنده شيء قد لا يكون حفظ من القرآن شيئا وإن حفظ فالقليل قد لا يكون قدم للإسلام شيئا وإن قدم فالقليل القليل وهو يستحي أن يصارح الآخرين بهذه الأعمال التي هي لا شيء حقيقة فبالتالي لا يملك حتى يبرئ ساحته في هذه اللحظة إلا أن يقول لك هذا بيني وبين الله ، وهل كل عمل أعمله لا بد أن تطلع عليه؟ فانظر كيف وقع هذا المسكين أظهر الإخلاص وأخفي حقيقة النفس وتقصيرها فوقع في الرياء من حيث لا يشعر وما أكثر أولئك وللأسف وهذا لا شك خداع للنفس وتشبع بما لم يُعطى وهكذا التصنع والتزين والتظاهر أما الحقيقة التي أخفاها اليوم فإنه لا يستطيع أبدا أن يخفيها (يومئذ تعرضون لا تخفي منكم خافية) يومئذ تعرضون لا تخفي منكم خافية فنعوذ بالله من حالهم ونستغفر الله لحالنا ويقول [ابن عمر] يقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اسمع لكلام المحدث الملهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه يقول فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما ليس فيه شانه الله ، شانه الله وذكر ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين عقبات في طريق الأخفياء عقبات في طريق الأخفياء وانتبه لهذه العقبات والعقبات في طريق الأخفياء يا أخي الحبيب ويا أختي المسلمة كثيرة جدا فالحديث عن الرياء والعُجْب وغيرهما مما ينال الإخلاص طويل جدا ولكني أسوق هنا عقبتان من هذه العقبات بالاختصار العقبة الأولي هو ما ذكره [أبو حامد الغزالي] في كتابه الإحياء رحمه الله تعالى حيث قال أثناء ذكره للرياء الخفي قال وأخفى من ذلك أن يختفي العامل بطاعته بحيث لا يريد الإطلاع ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدءوه بالسلام وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه وأن ينشطوا في قضاء حوائجه وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له في المكان فإن قصر مقصر ثقل ذلك على قلبه فإن قصر مقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا لذي لنفسه كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها كأنه يريد ثمن هذا السر الذي بينه وبين الله احترام الناس ولم يظهر العمل والعمل خفي بينه وبين ربه ولكنه يريد ما دام عمل نظر لنفسه فيريد أن يكسب هذه الأمور من الناس فإن قصر الناس في هذه الأمور إذاً استبعد نفسه ونظر لحاله ولو لم يكن –يقول أبو حامد الغزالي- ولو لم يكن قد سبقت منه تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه إلى آخر كلامه هذه صورة وصورة أخرى من العقبات في طريق الأخفياء وهي ما أشار إليها [ابن رجب] رحمه الله تعالى في كتابه في شرح حديث ما ذئبان جائعان في صفحة 46 قال رحمه الله تعالى: وهنا نقطة دقيقة وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به وهذا من دقائق أبواب الرياء وقد نبه عليه السلف الصالح قال [مترف بن عبد الله بن الشخير] كفي بالنفس إطراءً أن تذمها أن تذمها على الملأ كأنك تريد بذمها زينتها وذلك عند الله سفه وذلك عند الله سفه ، ما هو المعيار في الإخلاص والمعيار في الرياء ولا بد أن ننتبه لهذا الأمر ولعلكم تتساءلون إذاً فالقضية حساسة والقضية قد تصيب النفس بالخواطر والهواجيس وقد ينشغل الإنسان بملاحظة نفسه في هذا الباب إذاً ما هو المعيار والميزان الدقيق والضابط الصحيح في أن أعرف أنني مخلص أو غير مخلص ، ذكر ذلك أهل العلم فبينوا أن الضابط في الإخلاص هو استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن أن تستوي أعمالك في ظاهرك وباطنك هذا معيار الإخلاص وأما الضابط في الرياء أن يكون ظاهرك خيرٌ من باطنك وأما صفة الإخلاص أن يكون الباطن خيرا من الظاهر ليست قضية سواء فقط ليست قضية في السوي الظاهر والباطن هذا هو الإخلاص أما صدق الإخلاص أن يكون الباطن أفضل من الظاهر وهنا تنبيه هام جدا لا بد أن ننتبه له عند الحديث أو الكلام عن الإخلاص أو الرياء كما ذكرت لأنه مسلك شائك ولا ينبغي للإنسان أن يترك كثيرا من أعمال الخير بحجة الخوف من الرياء ، انتبه يا أخي الحبيب وانتبهي أيتها الأخت المسلمة لا ينبغي لكي ولا ينبغي لك أن تترك كثير من الأعمال بحجة الخوف من الرياء أو حتى أن تفتح على نفسك باب الهواجس والوساوس فيقع الإنسان فريسة لهذا الأمر فيدخل الشيطان على القلب فيصبح الإنسان دائما في وسواس وهواجس حول هذا الباب ولذلك اسمع للإمام النووي رحمه الله تعالى وهو يقول كلام جميل جدا حول هذا الأمر المهم في كتاب الأذكار يقول في صفحة أو في الصفحة الثامنة والتاسعة يقول فصلٌ الذكر يكون بالقلب ، فصل الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعا فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل ثم لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفا من أن يظن به الرياء خوفا من أن يظن به الرياء اسمع لكلام النووي رحمه الله تعالى ثم لا ينبغي أن يترك الذكر باللسان مع القلب خوفا من أن يظن به الرياء بل يذكر بهما جميعا ويقصد بها أو به وجه الله تعالى وقد قدمنا عن الفضيل رحمه الله تعالى أن ترك العمل لأجل الناس رياء ولو فتح الإنسان ـ اسمع لهذه الكلمات واحفظها جيدا ـ احفظ هذه الكلمات كما تحفظ اسمك حتى تنجو من قضية الوسواس والهواجس في الإخلاص والرياء ـ يقول ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تفرق ظنونهم الباطلة لانسد عليه أكثر أبواب الخير ، لانسد عليه أكثر أبواب الخير وضيع على نفسه وضيع على نفسه شيئا عظيما من مهمات الدين وليس هذه أو وليس هذا طريقة العارفين انتهى كلامه رحمه الله وهو كلام نفيس جدا واسمع لكلام ابن القيم كلام ابن تيميه رحمه الله تعالى في الفتاوى في الجزء الثالث والعشرين صفح أربع وسبعين ومائه عندما يقول ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى أو قيام ليل أو غير ذلك فإنه يصليه حيث كان ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجر كونه بين الناس إذا علم الله من قلبه أنه يفعله سرا أنه يفعله سرا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ، لله مع اجتهاده لسلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص إلى أن قال ومن نهي عن أمر مشروع ـ اسمع ـ إن بعض الناس يدخل على بعض الناس من هذا الباب فينهاه عن أمر لا يفعله أمام الناس لماذا؟ يقول خشية الرياء يقول ابن تيميه رحمه الله تعالى ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء فنهيه مردود عليه من وجوه ، الأول أن الأعمال المشروعة لا ينهي عنها خوفا من الرياء بل يؤمر بها بالإخلاص فيها بل يؤمر بها وبإخلاص فيها فالفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء وثانيهما أو الثاني لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إني لم أؤمر أن أنقي قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم" الثالث إن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرا مشروعا قالوا هذا مراء فيترك أهل الصدق إظهار الأمور المشروعة حذرا من لمزهم فيتعطل الخير فيتعطل الخير وهذه كلمات جميلة جدا من ابن تيميه رحمه الله تعالى والرابع يقول إن مثل هذا إن مثل هذا لإنكار الناس على أمل مشروع بحجة أنه رياء يقول إن مثل هذا من شعائر المنافقين وهو الطعن على من يظهر الأعمال المشروعة قال تعالى (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم) انتهي كلامه مختصرا من الفتاوى.
نأتي الآن وبعد هذا المشوار للب هذا الدرس وهو صور من حياة الأخفياء ، صور من حياة الأخفياء وأسوق إليكم أيها الأحبة هذه الكوكبة وهذه المواقف وهذه الأحداث في حياة أولئك الأخفياء وهي مليئة بالدروس والعبر لمن تفكر ونظر وتدبر فسير الصالحين المخلصين مدرسة تخرج الرجال والأجيال ولعلي أكتفي بسرد هذه الصور طلبا للاختصار وثانيا حتى لا أقطع عليك لذة هذه المواقف والعيش معها برفعة إيمان وسمو روح ورقة في القلب فاسمع لهذه القصص واسمع لهذه الأحداث:
أولاً: الأخفياء والصدقة والقيام على الفقراء والمساكين ، خرج عمر بن الخطاب يوما في سواد الليل وحيدا حتى لا يراه أحد دخل بيتا ثم دخل بيتا آخر ورآه رجل لم يعلم عمر أن هذا الرجل رآه طلحة رضي الله تعالى عنه وأرضاه فظن أن في الأمر شيئا أوجس طلحة في نفسه لماذا دخل عمر هذا البيت ولماذا وحده ولماذا في الليل ولماذا يتسلل ولماذا لا يريد أن يراه أحد ، ارتاب طلحة في الأمر والأمر عند طلحة يدعو للريبة ولما كان الصباح ذهب طلحة فدخل ذلك البيت فلم يجد إلا عجوزا عمياء مقعدة فسألها ما بال هذا الرجل يأتيك وكانت المرأة لا تعرف أن الرجل الذي يأتيها هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قالت العجوز العمياء المقعدة إنه يتعهدني منذ كذا وكذا بما يصلحني ويخرج الأذى عن بيتي أي يكنس بيتها ويقوم بحالها ويرعاها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ولا نعجب لا نعجب أن رئيس الدولة وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يفعل ذلك فكم من المرات فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فهذه المواقف ليست عجباً في حياة عمر ولكننا نعجب من شدة إخفاء عمر لهذا العمل ، شدة إخفاء عمر لهذا العمل حتى لا يراه أحد وفي الليل وفي سواد الليل ويمشي لواذاً خشية أن يراه أحد فيفسد عليه عمله الذي هو سر بينه وبين الله ومثل ذلك صار عليه أيضا زين العابدين رضي الله تعالى عنه وأرضاه [علي بن الحسين] فقد ذكر الذهبي في السير وابن الجوزي في صفة الصفوة أن عليا بن الحسين كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول" إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل" وهذا الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق كثيرة لا يخلو أو لا تخلو أساليبها من مقال ولكنها بمجموع الطرق صحيحة وقد صحح ذلك الألباني في الصحيحة وعن عمران بن ثابت قال لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سود في ظهره فقالوا ما هذا فقالوا كان يحمل جُرُب الدقيق يعني أكياس الدقيق ليلا على ظهره يعطيه الفقراء في المدينة ، يعطيه فقراء أهل المدينة ، وذكر ابن عائشة قال قال أبي سمعت أهل المدينة يقولون ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعن محمد بن عيسى قال كان [عبد الله بن المبارك] كثير الاختلاف إلى <برسوس> وكان ينزل <الرِّقة> في خان أي في فندق فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث قال فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب وكان مستعجلا أي عبد الله بن المبارك فخرج في النفير أي في الجهاد فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرقة سأل عن الشاب فقالوا إنه محبوس لدين ركبه فقال عبد الله وكم مبلغ دينه فقالوا عشرة آلاف درهم فلم يزل يستقصي حتى دُلَّ على صاحب المال فدعي به ليلا ووزن له عشرة آلاف درهم وحلفه ألا يخبر أحداً ما دام عبد الله حيا ما دام عبد الله حيا وقال إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس وأدلج عبد الله أي سار في آخر الليل وأُخْرِجَ الفتي من الحبس وقيل له عبد الله بن المبارك كان هاهنا وكان يذكرك وقد خرج فخرج الفتي في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة ، فقال يا فتي عبد الله بن المبارك يقول للفتي أين كنت ـ شف ـ عبد الله يتصانع ـ رضي الله عنه ـ أنه ما علم عن حال الفتى فقال عبد الله بن المبارك يا فتي أين كنت لم أرك في الخان قال نعم يا أبا عبد الرحمن كنت محبوس بدين وقال وكيف كان سبب خلاصك قال جاء رجل وقضى ديني ولم أعلم به حتى أُخْرِجْتُ من الحبس فقال له عبد الله يا فتى احمد الله على ما وفق إليك من قضاء دينك فلم يخبر ذلك الرجل أحدا إلا بعد موت عبد الله.
والأخفياء والعبادة ؛ففي الصلاة مثلا قالت امرأة [حسان بن سنان] كان يجئ أي حسان فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها فإذا علم أني نمت سل نفسه فخرج ثم يقوم يصلي ثم يقوم فيصلي قالت فقلت له يا أبا عبد الله كم تعذب نفسك كم تعذب نفسك ارفق بنفسك فقال اسكتي ويحك فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانا وعن[ بكر بن ماعز] قال ما رؤي الربيع متطوعا في مسجد قومه قط إلا مرة واحدة وفي الصيام فمن أعجب المواقف ما ذكره الذهبي في السير قال قال الفلاس سمعت ابن أبي علي يقول صام [داود بن أبي هند] صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله لا يعلم به أهله كان خزازا يحمل معه غداءه فيتصدق به في الطريق ، فيتصدق به في الطريق وكان بعضهم إذا أصبح صائما اِدَّهَن ومسح شفتيه من دهنه حتى ينظر إليه الناظر فلا يراه أنه صائم وفي قراءة القرآن ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة عن سفيان قال أخبرتني مرية [الربيع بن خذيم] قالت كان عمل الربيع كله سرا إن كان لا يجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه إذا قدم الرجل على الربيع قام الربيع فغطى المصحف بثوبه حتى لا يري الرجل أنه يقرأ القرآن.
أما الأخفياء والبكاء ؛فقال [محمد بن واسع] لقد أدركت رجالا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة قد بَلَّ ما تحت خده من دموعه ، قد بل ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته ويقول رحمه الله تعالى إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم ولقد أدركت رجالا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه ولا يشعر به الذي إلى جنبه وذكر الذهبي في السير عن [حماد بن زيد] رضي الله تعالى عنه ورحمه قال كان [أيوب السختياني] في مجلس فجاءته عَبْرَة فجعل يمتخط ويقول ما أشد الزكام ما أشد الزكام يظهر رحمه الله تعالى أنه مزكوم لإخفاء البكاء هكذا كان حرصهم على هذه الصفة ، صفة الخفاء في الأعمال تلك الصفة التي عشقوها رحمهم الله تعالى فإذا فشل أحدهم في إخفاء دمعته أو بكائه أو اصطناع المرض لإخفاء هذه الدمعة كان يقوم من مجلسه مباشرة خشية أن يكشف أمره وذكر ذلك الإمام أحمد في كتابه الزهد يوم قال إن كان الرجل ، إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام ، فإذا خشي أن تسبقه قام واسمع لهذه القصة العجيبة الغريبة ، ووالله لقد أدهشتني هذه القصة واسمع لها يا أخي الحبيب وهي قصة طويلة فسر مع أحداثها وفصولها واسمع عن [محمد بن المنكدر] وقد ذكر هذه القصة ابن الجوزي في صفة الصفوة وذكرها أيضا الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن المنكدر وفي ترجمته قال أي محمد بن المنكدر كانت لي سارية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجلس أصلي إليها الليل فقحط أهل المدينة سنة فخرجوا يستسقون فلم يسقوا فلما كان من الليل صليت عشاء الآخرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئت فتساندت إلى ساريتي فجاء رجل أسود تعلوه صُخْرَةٍ متزر بكساء وعلى رقبته كساء أصغر منه فتقدم إلى السارية التي بين يدي وكنت خلفه فقام فصلى ركعتين ثم جلس فقال أي رب أي رب خرج أهل حرم نبيك يستسقون فلم تسقهم فأنا أقسم عليك لما سقيتهم فأنا أقسم عليك لما سقيتهم يعني إلا أن تسقيهم يقول ابن المنكدر فقلت مجنون فقلت مجنون قال فما وضع يده حتى سمعت الرعد ثم جاءت السماء بشيء من المطر أهمني الرجوع إلى أهلي يعني كثرة المطر أهمني الرجوع إلى أهلي فلما سمع المطر حمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها قط قال ثم قال ومن أنا وما أنا حيث استجبت لي ولكن عدت بحمدك وعدت بقولك ثم قام فتوشح بكسائه الذي كان متزرا به وألقى الكساء الآخر الذي كان على ظهره في رجليه ثم قام فلم يزل قائما يصلي حتى إذا أحس الصبح سجد وأوتر وصلى ركعتين الصبح ثم أقيمت صلاة الصبح فدخل في الصلاة مع الناس ودخلت معه فلما سلم الإمام قام فخرج وخرجت خلفه حتى انتهى إلى باب فلما كانت الليلة الثانية صليت العشاء في مسجد رسول الله ثم جئت إلى ساريتي فتوسدت إليها وجاء فقام فتوشح بكسائه وألقى الكساء الأخر الذي كان على ظهره في رجليه وقام يصلي فلم يزل قائما حتى إذا خشي الصبح سجد ثم أوتر ثم صلى ركعتي الفجر وأقيمت الصلاة فدخل مع الناس في الصلاة ودخلت معه فلما سلم الإمام خرج من المسجد وخرجت خلفه فجعل يمشي وأتبعه حتى دخل دار عرفتها من دور المدينة ورجعت إلى المسجد فلما طلعت الشمس وصليت خرجت حتى أتيت حتى أتيت الدار فإذا أنا به قاعد يخبز وإذا هو إسكافي يعني يرقع الأحذية فإذا هو إسكافي فلما رآني عرفني وقال أبا عبد الله مرحبا أبا عبد الله مرحبا ألك حاجة تريد أن أعمل لك خُفَّاً تريد أن أعمل لك خفا فجلست فقلت ألست صاحبي بارحة الأولي ألست صاحبي بارحة الأولي فاسود وجهه فاسود وجهه وصاح بي وقال ابن المنكدر ما أنت وذاك ما أنت وذاك قال وغضب قال وغضب قال ففرقت والله منه أي خفت والله من غضبه وقلت أخرج من عنده الآن أخرج من عنده الآن فلما كان في الليلة الثالثة صليت العشاء الآخرة في مسجد رسول الله ثم أتيت ساريتي فتساندت إليها فلم يجئ فلم يجئ فقلت إنا لله ما صنعت إنا لله ما صنعت فلما أصبحت جلست في المسجد حتى طلعت الشمس ثم خرجت حتى أتيت الدار التي كان فيها فإذا باب البيت مفتوحٌ وإذا ليس في البيت شيء فقال لي أهل الدار يا أبا عبد الله ما كان بينك وبين ، ما كان بينك وبين هذا أمس قلت ماله قالوا لما خرجت من عنده أمس بسط كساءه في وسط البيت ثم لم يدع في بيته جلدا ثم لم يدع في بيته جلدا ولا قالبا إلا وضعه في كساءه ثم حمله ثم خرج فلم ندر أين ذهب فلم ندر أين ذهب يقول ابن المنكدر فما تركت في المدينة دارا أعلمها إلا طلبته فيها فلم أجده رحمه الله فلم أجده رحمه الله خشية أن يفتضح عمله ولأجل أنه عرف خرج من المدينة كلها فهو يريد أن يكون السر بينه وبين الله يا أخي الحبيب يا أختي المسلمة أترك لكم هذه القصة العجيبة أتركها لكم لتعيشوا معها ولتقفوا معها وانظروا إليها وانظروا إلى أنفسكم لنري من أنفسنا عجبا وذكر الذهبي في السير بإسناده إلى [جبير بن نفيل ]أنه سمع أبي الدرداء وهو في آخر صلاته وقد فرغ من التشهد يتعوذ بالله من النفاق أبو الدرداء يتعوذ بالله من النفاق فأكثر التعوذ فقال له جبير وما لك يا أبي الدرداء أنت والنفاق وما لك يا أبي الدرداء أنت والنفاق فقال أبو الدرداء دعنا عنك دعنا عنك فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه فيخلع منه فقال الذهبي إسناده صحيح.
أما الأخفياء والجهاد ؛فقد ذكر الذهبي أيضا عن [أبي حاتم الرازي] قال حدثنا [عبدة بن سليمان المروزي] قال كنا سرية كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقي الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فرج إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز فخرج إليه رجل من المسلمين فطارده ساعة فطعنه فقتله أي الرجل من المسلمين قتل وطعن الرجل من العدو فقتله فازدحم إليه الناس فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك وإذا هو يكتم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو هو فإذا هو هو فقال أي عبد الله بن المبارك لعبدة بن سليمان المروزي وأنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا وأنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا يعني يفضحنا ، وعن [عبيد الله بن عبد الخالق] قال سبى الروم نساء أو نساء مسلمات فبلغ الخبر الرقة وبها [هارون الرشيد ] أمير المؤمنين فقيل [لمنصور بن عمار] أحد العلماء لو اتخذت مجلسا بالقرب من أمير المؤمنين فحرضت الناس على الغزو ففعل منصور بن عمار وبينما هو يذكر الناس ويحرضهم يقول إذ نحن في خرقة مصرورة مختومة قد طرحت إلى منصور بن عمار وإذ بكتاب مضموم إلى الصرة ففك الكتاب فقراءه فإذا فيه إني امرأة من أهل البيوتات إني امرأة من أهل البيوتات من العرب بلغني ما فعل الروم بالمسلمات وسمعت تحريضك الناس على الغزو وترغيبك في ذلك فعمدت إلى أكرم شيء من بدني وهما ذؤابتَي يعني جديلتَي فعمدت إلى أكرم شيء من بدني وهما ذؤابتَي فقطعتهما وصررتهما في هذه الخرقة المختومة وأناشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد فرسٍ غازٍ في سبيل الله فلعل الله العظيم أن ينظر إليَّ على تلك الحال فينظر إلي نظرة فيرحمني بها فيرحمني بها قال فبكى منصور بن عمار وأبكي الناس وأمر هارون أن ينادي بالنفير فغزا بنفسه فأنكى بالروم وفتح الله عليهم وقد كان عبد الله بن المبارك يردد هذه الأبيات دائما يقول
كيف القرار وكيف يهدأ مسلمٌ
والمسلمات مع العدو المعتدي
الضاربات خدودهن برنةٍ
الدعيات نبيهن محمدِ
القائلات إذا خشين فضيحةً
جهد المقالة ليتنا لم نولدِ
ما تستطيع وما لها من حيلة
إلا التستر من أخيها باليد
أسوق هذا الموقف لنسائنا الصالحات لينظرن أن المرأة المسلمة إذا أخلصت لله وكان همها العمل لله فإنها دائماً تبحث عن العمل أياً كان هذا العمل لا يقف أمامها ذلك السؤال ماذا أعمل وماذا أفعل وماذا بيدي أن أصنع فإن من أهتم لأمر عمل وفكر بالعمل ووجد ماذا يعمل هذه المرأة علمت وسمعت واهتمت واحتار قلبها فما كان منها إلا أن قدمت جديلتيها أكرم شيء في بدنها حتى يصنع من هاتين الجديلتين قيد لفرسٍ غازٍ في سبيل الله وأقول ماذا قدمتي أيتها المسلمة للمسلمات وأنتي تسمعين الروم الآن كيف يفعلون بهن وماذا قدمت يا أخي الحبيب وماذا فعلنا وماذا فعلتي للمسلمين في كل مكان والروم وغيرهم ترون وتسمعون بل وعلى مسامع العالم كله ماذا يُفْعَلُ بالمسلمات .
والأخفياء والعلم ؛فقد جاء في ترجمة [الإمام الماوردي] رحمه الله تعالى كما ذكر ذلك [ابن خلكان] في كتاب وفيات الأعيان قال أن الماوردي لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته وإنما جمعها كلها في موضع فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي وإن عاينت الموت ووقعت في النزع فاجعل يدك في يَدَيّ أو في يَدِي فإن قبضت فإن قبضت عليها وعثرتها فاعلم أو فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها فاعمد إلى الكتب وألقها في نهر دجلة ليلا وألقها في نهر دجلة ليلا وإن بَسَطْتُ وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت وإني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة قال ذلك الشخص فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي فعلمت أنها علامة القبول فأظهرت كتبه بعده وقبله كان [الإمام الشافعي] رحمه الله تعالى يقول وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إليَّ شيءٌ منه أبدا فأوجر عليه ولا يحمدوني فأوجر عليه ولا يحمدوني فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى يظن أن حمد الناس له منقصة في الأجر ونقصا في صفة الخفاء تلك الصفة التي عشقت منهم رحمهم الله تعالى وينقل الذهبي أيضا في السير قول [هشام الدستوائي] واسمع لهذا القول يقول هشام والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله عز وجل سبحان الله القائل هشام الدستوائي والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله عز وجل يقول الذهبي معلقا على هذا الكلام والله ولا أنا والله ولا أنا فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا وصاروا أئمة يقتدى بهم وطلبه قوم منهم أولا لا لله وحصلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسهم فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق إلى آخر كلامه الجميل في السير في الجزء السابع صفحة 5اثنين وخمسين ومائة لمن أراد أن يرجع إليه فإذا كان هذا كلام هشام وكلام الذهبي رحمهم الله تعالى ورضي عنهما فماذا يقول إذاً طلاب العلم اليوم بل ماذا يقول المتعالمون أمثالنا في مثل هذه المواقف منهم رحمهم الله تعالى ويصل الخفاء منتهاه عند [أبي عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل البخاري] رحمه الله تعالى ورضي عنه قال [محمد بن منصور] كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري فرفع إنسان قذاة من لحيته وطرحها إلى الأرض يعني في المسجد وطرحها إلى الأرض فرأيت البخاري ـ انظر لحركة البخاري ـ فرأيت البخاري ينظر إليها إلى القذاة وينظر إلى الناس فلما غفل الناس عنه رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها إلى الأرض سبحان الله حتى القذاة وإخراجها من المسجد كانوا يريدون إخفاءها بدقة رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم هذه المواقف وهذه الصور من حياة أولئك الأعلام وحياة أولئك الأخفياء الذين حرصوا أن يكون لهم خبيئة من عمل، الذين حرصوا أن يكون بينهم وبين الله أسرار وأسرار وتلك الأعمال هي المنجية يوم أن تقدم على الله جل وعلا فتكشف الأعمال وتكشف الصحف فإذا الصحف مليئة بتلك الأعمال وتلك الأسرار بينك وبين الله عز وجل والقصص وهذه الصور ليست لمجرد القص أيها الأخ الصالح وليست لمجرد الحديث بل هي للعبرة والعظة يا أخي الحبيب أنت تجلس في المجالس وتتحدث مع الآخرين ما بال مجالسنا في هموم الدنيا وملذاتها أو في الغيبة والنميمة والكلام عن فلان وعلان يا أختي المسلمة لنعلم مثل هذه المواقف ولنحفظ شيئا منها وإن كان قليلا ولنملأ مجالسنا بذكرها حتى يعلم الناس حقيقة هذه الأمور ويرتبط الناس وترتبط قلوبهم بقلوب أولئك الرجال فيتخرج الأجيال من مدارسهم رحمهم الله تعالى بالنظر إلى سيرهم وأحوالهم .
الأخفياء في كلمات: قال ابن المبارك رحمه الله تعالى ما رأيت أحدا ارتفع مثل [مالك] ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة إلا أن تكون له سريرة إذاً فالقضية ليست قضية كثرة صيام ولا صلاة وإنما بالإخلاص والإخفاء لهذه الأعمال وقال [ابن وهب] ما رأيت أحداً أشد استخفاء بعمله من [حيوة بن شريح] وكان يعرف بالإجابة أي بإجابة الدعاء وقال [يوسف بن الحسين] أعز شيءٍ في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر فكأنه ينبت على لون آخر واسمع لقوله رحمه الله وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فالاجتهاد في البعد عن الرياء والتسميع وقال لمحمدة الناس وثنائهم أمر كانوا يعانون منه رحمهم الله تعالى وقال ابن القيم أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص وعن نفسك بشهود المنة فلا ترى فيه نفسك ولا ترى الخلق وقال الأخفياء رحمهم الله تعالى وصاحوا بملء أفواههم بملء أفواههم لمن لا يخلص نيته ولمن غفل عن هذا الأمر صاحوا بقولهم كما يقول [ مالك بن دينار] قولوا لمن لم يكن صادقا قولوا لمن لم يكن صادقا لا يتأنى لا يتعنى فقولوا أيها الأحبة لمن لم يكن صادقاً بعمله لله جل وعلا ومخلصاً لعمله لله سبحانه وتعالى لا يتعنى لا يتعب نفسه قد رأيتم وسمعتم أولئك الثلاثة وتلك الطاعات العظيمة التي أصبحت وبان على أصحابها فكانوا أول ثلاثة يسعر بهم النار يوم القيامة والعياذ بالله فقولوا ورددوا وصيحوا بأعلى أصواتكم لمن لم يكن صادقا في عمله وفي دعوته وفي أفعاله كلها لا يتعنى ، لا يتعب نفسه ثم أخيراً :
ما هو الطريق للوصول إلى حياة الأخفياء ما هو العلاج والوصول لطريق الأخفياء رحمهم الله تعالى ألخصه بالنقاط السريعة التالية:
أولاً: الدعاء والإلحاح فيه ومواصلة هذا الدعاة وتحري ساعات الإجابة وأهمه الاستمرار في الدعاء ،الإلحاح والاستمرار في الدعاء لا تمل ولا تكل ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم وعلمنا بذلك الحديث الذي يذهب عنا كبار الشرك وصغاره عندما قال "الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" وأستغفرك لما لا أعلم احفظ هذا الدعاء وكرره كثيرا واسأل الله بصدق أن يرزقنا الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال.
ثانيا: الإكثار من مصاحبة المخلصين الناصحين الصادقين إن وجدت عليهم في هذا الزمن فَعِض عليهم النواجذ وإن لم تجد فالجأ لحياة الأخفياء والجأ لمصاحبة المخلصين من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم بقراءة أحوالهم والنظر في الكتب والتراجم للإطلاع على تلك الأحوال ولا شك أن القلب فيه حياة بالنظر لحياة أولئك.
ثالثا: معرفة عظمة الله تعالى معرفة الله من خلال أسماءه وصفاته أعرف من تعبد واعرف لمن تعمل واعرف عظمة الله جل وعلا واملأ قلبك بتوحيد الأسماء والصفات تطبيقاً عملياً حتى تعظم الله وقديما قالوا من كان بالله أعرف كان لله أخوف ومن عظم الناس خاف من الناس وعمل للناس وسمع للناس وطلب ثناء الناس ومحمدة الناس ولكن الله هو الذي سيجازيك وهو الذي يحاسبك.
رابعا: أحرص أن يكون لك خبء من عمل أحرص دائما أن يكون لك سر بينك وبين الله جل وعلا لا يعلمه أحد من الناس إن استطعت حتى ولا زوجك حتى ولا زوجك إن استطعت أن تفعل عملا بينك وبين الله لا يعلم عنه أقرب الأقربين إليك فلا شك أن هذه الأعمال هي المنجية يوم تسود وجوه وتبيض وجوه.
خامسا: دائماً كن خائفا من الله دائما كن خائفاً على عملك ألا يُقْبَلَ ، دائماً كن خائفاً أن يخالط هذا العمل رياءً أو سمعةً مع الانتباه لذلك التنبيه المهم الذي أشرنا إليه في أثناء الموضوع وقد تقدم الكلام عن ذلك وأخشى أن تقدم على الله جل وعلا بتلك الأعمال الكثيرة والأقوال الكثيرة فتكون ممن قال الله عز وجل فيهم (وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثورا) عافانا الله وإياك من حال أولئك.
وسادسا وأخيراً: تذكر ثمرات الإخلاص تذكر هذه الثمرات تذكر حلاوة القلب تذكر حب أهل السماء للمخلص تذكر ***القبول له في الأرض وتذكر محبة الناس له وطمأنينة القلب وحسن الخاتمة واستجابة دعائه والنعيم له في القبر وفي الآخرة نسأل الله جل وعلا نعيم جنات الفردوس ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا إخلاصاً يخلصنا يوم أن نقف أمام الله سبحانه وتعالى ونستغفر الله ونتوب من أحوالنا ومن تقصيرنا واللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً ونحن لا نعلم ونستغفرك ونحن نعلم ونستغفرك مما لا نعلم وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك .


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 10:00 PM   #8

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



الشيخ ابراهيم الدويش
اثر التوحيد على النفوس

أما بعد أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه هي ليلة الأربعاء الموافق للرابع عشر من الشهر الثالث للعام التاسع عشر بعد الأربعمائة والألف وفي هذا المكان الطيب المبارك في الجامع الكبير في مدينة <الطائف> نلتقي وإياكم في موضوع بعنوان التوحيد وأثره في النفوس فاعلم رحمني الله وإياك أن التوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده بل هو أعظم سلاح يتسلح به المسلم سلاح العقيدة سلاح التوحيد العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد قال شيخ الإسلام [ابن تيميه] رحمه الله في الفتاوى: ولهذا كان رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا سواه انتهى كلامه رحمه الله ،فلا إله إلا الله كلمة التوحيد ؛الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، لا إله إلا الله فطر الله عليها جميع المخلوقات ؛عليها أسست الملة ونصبت القبلة وجردت سيوف الجهاد. لا إله إلا الله مَحْضُ حَطِّ الله على جميع العباد ،هي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، هي المنجية من عذاب القبر ومن عذاب النار هي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به لا إله إلا الله؛ الحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بصدده، لا إله إلا الله كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام ينقسم بها الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد انفصلت دار الكفر من دار الإيمان وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان بلا إله إلا الله ؛هي العمود الحامل للفرض والسنة ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ، نسأل الله الكريم من فضله ، قال[ ابن القيم] كلاما جميلا عن التوحيد في الفوائد قال رحمه الله: التوحيد أشق شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه وأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه فهو كأضيق ثوب يكون ، يؤثر فيه أدنى أثر وكالمرآة الصافية جدا أدنى شيء يؤثر فيها ولهذا وتنبهوا لهذا تشوشه اللحظة واللهفة والشهوة الخفية فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بوده وإلا استحكم وصار طبعا يتعثر عليه قلعه… إلى آخر كلامه رحمه الله وكثير من الناس يغفل عن حقيقة التوحيد فيتصور أن التوحيد هو قول لا إله إلا الله فقط أو أنه الاعتراف بربوبية الله فقط يردد: أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ويجهل شمولية هذه العقيدة جميع جوانب الحياة لذلك ربما تزعزعت عقيدة التوحيد في نفوس كثير من المسلمين ،فلا إله إلا الله في كل صغيرة وكبيرة، لا إله إلا الله في كل حركة وسكنة ،لا إله إلا الله في البيت وفي المسجد وفي الوظيفة وفي الشارع وفي كل مكان ،هنا باختصار يتبين لنا جميعا أثر لا إله إلا الله على نفوسنا يا أهل التوحيد يا أهل التوحيد إليكم أمثلة سريعة على أن العقيدة والتوحيد ربما تتزعزع في قلوب بعض الناس فانظروا مثلا إلى الحلف بغير الله والتوسل والاستعانة بالمخلوقين دون الله بل والاحتكام إلى الأعراف والعادات والتقاليد وتقديمها على حكم الله ورسوله عند البعض من الناس انظروا إلى تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها بل انظروا إلى التشبه بالكافرين في أخلاقهم وعاداتهم السيئة وموالاتهم انظروا إلى لجوء الناس عند الشدائد للأسباب المادية نعم تعلقهم بالأسباب المادية فقط من دون الله عز وجل انظروا لانتشار السحرة والمشعوذين والكهان والعرافين والتمائم والرقى غير الشرعية بل انظروا إلى إدعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان والتنجيم وعالم الأبراج التي تملأ صفحات بعض المجلات اليوم والإذاعات ،انظروا إلى الاحتفالات بالمناسبات الدينية كالإسراء والمعراج والهجرة النبوية وبدعة المولد وغيرها مما لا أصل له في الشرع انظروا إلى الاستهزاء بالدين ،إلى السخرية بأهله إلى الاستهانة بحرماته وأنه تأخر ورجعية ووصف أهله بالتطرف والتشدد انظروا إلى التمسك بأقوال الرجال ، حتى أصبحت تفوق الكتاب والسنة عند كثير من الناس وللأسف، بل انظروا إلى ضعف اليقين نعم إلى ضعف اليقين بالله وإلى دخول اليأس والقنوط لقلوب كثير من المسلمين انظروا إلى الخوف والرعب مِنْ مَنْ ؟ من المخلوقين عند حدوث الفتن والمصائب انظروا إلى تمجيد الغرب والخوف منه حتى وصف ببعض الصفات الإلهية كالقوة والقدرة وإدارة الكون كما نسمع ونقرأ انظروا إلى نظرة الناس المادية للحياة مما ابتلي به المسلمون اليوم نظرة الناس المادية للحياة تحصيل اللذات والشهوات تعليق أهداف الأمة واهتماماتها بأشياء لا قيمة لها كاللهو والطرب والغناء والمتعة الحرام والله عز وجل يقول (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) هذه من مظاهر زعزعة التوحيد في قلوب الناس وتناقصه والأمثلة كثيرة تلك التي توضح حال عقيدة التوحيد في نفوس المسلمين اليوم ولهذا غفل كثير من الناس عن آثار التوحيد وعن حقيقته بل جهل كثير من المسلمين هذه الآثار فأصبح يردد لا إله إلا الله في اليوم عشرات المرات لكن تعال وانظر تعال وانظر لحاله مع نفسه وأهله وانظر لحال بيته وما فيه وانظر لحاله في البيع والشراء وانظر لأقواله وأفعاله وتصرفاته فلربما ليس للا إله إلا الله أثر في حياته والله المستعان مع أنه مسلم ويردد أن لا إله إلا الله . فيا أمة التوحيد يا أمة التوحيد المراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها؛ الكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله نعم إفراد الله هذا معنى التوحيد إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه فإنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله ماذا قالوا كما أخبر الحق عز وجل عنهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام من أهل الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار بل يظن أن معنى ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اتخاذ القلب بشيء من المعاني. والحازق اليوم من هؤلاء من ظن أن معناها فقط ألا يخلق لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله هكذا يفهم بعض الناس معنى لا إله إلا الله فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله . لا نعجب أن نجد من الكفار من هم أصحاب مبادئ وعقيدة لكنهم يحترمون عقيدتهم ومبادئهم ويقفون عندها ويختمونها بينما ذلك المسلم ليردد أن لا إله إلا الله لكن ليس لمبدئه ولا لعقيدته شيء من الإخلاص الحقيقي في ذلك ، الناس يتفاوتون في التوحيد ويتفاوتون في فهم معنى هذه الكلمة يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في الفتاوى فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلا لا نقدر أن نضبطه انتهى كلامه رحمه الله ويقول تلميذه ابن القيم في طريق الهجرتين فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا الله وتفاوتهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقها باطلا وظاهرا أمر لا يحصيه إلا الله . انتهى كلامه رحمه الله ويقول أيضا في الداء والدواء فإن من الناس من تكون شهادته ميتة ، انتبهوا يا أحبة إن من الناس من تكون شهادته ميتة ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت ومنهم من تكون مضطجعة ومنهم من تكون إلى القيام أقرب وهي أي الشهادة في القلب بمنزلة الروح من البدن فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب وروح إلى الحياة أقرب وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن إلى آخر كلامه الجميل هناك رحمه الله تعالى. فيا أمة التوحيد أيها الاخوة أيتها الأخوات إن للتوحيد ثماراً عظيمة وآثاراً جميلة ذاق حلاوتها ذلك الصادق في توحيده وحرمها ذلك المسكين الذي لم يعلم حقيقة التوحيد وأثره في الحياة ومن أهم هذه الآثار ولعلي أختصر في بعضها لكثرتها من أهمها:
أولا: تحقيق معرفة الله عز وجل تحقيق معرفة الله سبحانه وتعالى وهي من أعظم الآثار لكن قد يقول قائل كيف نعرفه قال ابن القيم في الفوائد وأنقله بتصرف ولهذه المعرفة بابان واسعان وانتبهوا لأن الكثير من المسلمين اليوم لم يؤت بضعفه وفتوره وقلة الآثار التوحيد في نفسه إلا لقلة معرفته بالله حق المعرفة يقول ابن القيم رحمه الله ولهذه المعرفة بابان واسعان الأول التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها والثاني الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها وتفرده بذلك إلى آخر كلامه فمثلا أنت تعرف فلانا وتحبه وتبغضه من خلال اسمه وصفاته وأفعاله ولله المثل الأعلى فالفقه في معاني أسماء الله وصفاته ومقتضياتها وآثارها وما تدل عليه من الجلال والكمال أقرب طريق لمعرفة الله أقرب طريق لمعرفة الله والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا الواردة في كتابه العزيز الثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل بل يجب أن تمر كما جاءت بلا كيد مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة هذا الغائب عند الكثير من المسلمين اليوم مع الإيمان بما دلت عليه من المعاني العظيمة هذا عقيدة لأهل السنة والجماعة وكما قيل من كان بالله أعرف كان لله أخوف من كان بالله أعرف كان لله أخوف فيا أيها المسلم الموحد إنك لا تعبد مجهولا، تعبد الواحد الأحد الذي تقرأ أسماءه وصفاته في كل حين في القرآن، في السنة .إن توحيد الأسماء والصفات الذي يردده بعض من المدرسين على أبنائنا وعلى المسلمين بدون فهم بحقيقة هذا التوحيد لهو من أعظم الطرق لمعرفة الله سبحانه وتعالى ؛ فمعرفة الله من خلال أسمائه وصفاته هي نقطة البداية حياة الإنسان البداية الحقة في طريق التوحيد فإذا وفق العبد بهذه المعرفة فقد أوتي خيرا كثيرا واهتدى إلى ربه ووضع قدميه على الطريق الصحيح فمن كان بالله وأسمائه وصفاته أعرف وفيه أرغب وأحب وله أقرب وجد من حلاوة الإيمان في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه ومتى ذاق القلب ذلك متى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حب غيره وكلما ازداد له حبا ازداد له عبودية وذلا وخضوعا ورقا فمثلا نقرأ في القرآن :أن الله سميع وبصير وعليم فهل فكرت يا أخي الحبيب هل فكرت في معانيها وهل لها أثر في نفسك يوم قرأتها في كتاب الله ، السميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، سميع بما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمع سرها وعلنها وكأنها لديه صوت واحد لا تختلط عليه الأصوات ولا تختلف عليه جميع اللغات القريب والبعيد، السر والعلانية عنده سواء سبحانه وتعالى، وأنت تقرأ القرآن وتتدبره بهذه المعاني يمتلئ القلب ثقة وخوفا وإجلالا لله تعالى ، البصير الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر ويبصر ما تحت الأراضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وجميع أعضائها الباطنة وسريان القوت في أعضائها الدقيقة يرى سريان الماء في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها يري نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك فإذا علمت أنه يرى ذلك بهذه الصفة امتلأ قلبك إجلالا وهيبة من الله وتحقق في النفس مبدأ عظيم مبدأ المراقبة لله سبحانه وتعالى
يا من يرى مد البعوض جناحها
في ظلمة الليل البهيم الأَلْيَلِ
ويري مناط عروقها في صدرها
والمخ في تلك العِظَام النُّحَلِ
امنن عليّ بتوبة تمحو بها ما
كان مني في الزمان الأولِ
وكذلك في جميع أسماء الله وصفاته العزيز الجبار العليم الخبير القدير هكذا يكون لتوحيد الأسماء والصفات أثر عجيب في نفوسنا نعم يا أخي إن علمنا بالله ومعرفتنا به يصلنا بالله ويزكي نفوسنا ويصلحها وهذا هو الطريق الذي أضاعه الكثير من المسلمين اليوم أيها المسلم إن الله عز وجل يقول (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وأنا أسمعك تدعو الله وتتوسل إليه بأسمائه وصفاته لكن وأنت تردد هذه الأسماء وهذه الصفات هل تستشعر معانيها هل تفهم مقاصدها إنك إن فعلت هذا تزداد تعلقا بالله وحبا وهيبة وإجلالا له ولذلك أثر كبير على القلب بل والله له أثر كبير على استجابة الدعاء وقبوله فلنعلم حقيقة توحيد الأسماء والصفات كيف يكون نتعرف على الله عز وجل حق المعرفة من خلاله .
الأثر الثاني من آثار التوحيد في النفس راحة النفس الموحدة واطمئنانها وسعادتها فهي لا تقبل الأوامر إلا من واحد ولا تمتثل للنواهي إلا من واحد وبهذا راحة للنفس ولذلك ترتاح النفس وتطمئن ويسكن القلب ويهدأ ومن المعلوم لكل عاقل أن النفس لا تحتمل الأوامر من جهات متعددة فلا يعقل أن يكون للعبد أكثر من سيد ولا للعامل أكثر من كفيل وإلا عندها سيقع ضحية لأهوائهم فكل يأمر وكل ينهى وعندها لا يدري ماذا يعمل فيصبح القلب شذر مدر وفي هم وغم لا يدري من يرضي قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه انتهى كلامه رحمه الله ، إذاً فلا يأمل إلا لله الموحد لا يأمل إلا لله ولا يحب إلا لله ولا يغضب إلا لله ولا يكره إلا لله وهنا يشعر القلب بالراحة والسعادة فهو مطالب بإرضاء الله ولو غضب عليه أهل الأرض قاطبة هذه هي حقيقة التوحيد بل هذا هو الإخلاص لله في كل شيء (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) هل سألنا أنفسنا هل سألنا أنفسنا يوما من الأيام ما هو هدفنا في الحياة لماذا خلقنا ؟ كثير من المسلمين اليوم من يتلفظ بلا إله إلا الله لو سئل عن هدفه في الحياة ربما لم يجب وربما أجاب لكنها إجابة فيها تردد وحيرة ربما تذكر تلك الأسئلة التي درسها يوم أن كان صغيرا في المراحل التعليمية الأولي لماذا خلقنا الله فكانت الإجابة خلقنا الله لعبادته وما هو الدليل (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وما هو تعريف العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة أظننا لا نجهل هذا ، الكبير منا والصغير يعرفه الذكر والأنثى تعلمه بل حفظه عن ظهر قلب العجيب أن الكثير من الناس لا يفكر في هذه الكلمات التي حفظها وقرأها ورددها يوم أن كان صغيرا بل لم يفهم معناها وإن فهم معناها لم يعمل بمقتضاها لماذا يا أحبة لماذا الفصل بين العلم والعمل لماذا الفصل بين العلم والعمل فالعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. في حياتنا ندرس ونقرأ ونسمع فإذا خرجنا من مدارسنا أو من مساجدنا تغيرت الأحوال وتركنا العلم جانبا وحكمنا الأهواء والمصالح الشخصية والله المستعان أيها الأخ الله عز وجل يقول (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي أن هدفك في الحياة هو عبادة الله عز وجل تلك العبادة التي أخطأ كثير من المسلمين اليوم في فهمها ولذلك ربما يقول قائل الله عز وجل يريد منا دائما إذاً أن نركع ونسجد فقط وأن نصلي ونصوم فقط وأن نحج ونقرأ القرآن فقط هذه هي الحياة هكذا تريدون منا لماذا ؟ لأنهم فهموا الحياة على أنها فقط أو أن العبادة على أنها فقط مقيدة بتلك العبادات الأربعة المشهورة عند الناس كالصلاة والصيام والحج والزكاة هكذا يفهم بعض المسلمين الإسلام أيها المحب ليس هذا هو مفهوم العبادة التي يريدها الله عز وجل منا فنحن نردد أن العبادة كما أسلفنا اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة على الجوارح الباطنة في القلب إذاً فكل فعل وكل قول وكل حركة وكل سكون في حياتك هي عبادة لله جل وعلا بشرط أن يحبها الله ويرضاها أن تكون خالصة لله وكما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو هدف المسلم في الحياة هدف المسلم في الحياة رضا الله رضا الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة وفي كل حركة وسكون فإذا اتضح الهدف للمسلم ارتاح قلبه واطمأنت نفسه وشعر بالسعادة لأنه يعيش من أجل هدفٍ سامٍ وغاية واضحة ومبدأ عظيم هو رضا الله وبهذا المفهوم الصحيح للعبادة فكل شيء في الحياة مع النية الخالصة لله عبادة يؤجر عليها العبد ولو أردنا أن نأخذ الأمثلة لطال بنا المقام ولكن خذوا على سبيل المثال يقول النبي صلى الله عليه وسلم "وفي بضع أحدكم صدقة "إذاً وأنت تقضي وترك وشهوتك تؤجر عليها وإن لأهلك عليك حقا وأنت تجالس أهلك وأولادك وتقضي شأنهم وتعولهم تؤجر. حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك وأنت تسعى لكسب الرزق لأولادك إذاً تؤجر، ابتسامتك في وجه أخيك صدقة ، بل حتى النوم النوم تؤجر عليه بشرط أن يكون ذلك النوم على هيئة يرضاها الله عز وجل ألم يقل بعض السلف إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. إذا عشت بمثل هذا المفهوم تشعر بالاطمئنان والسعادة والراحة لأن كل حياتك ترضي الله عز وجل فتؤجر عليها يوم تقدم على الله وكل صغيرة وكبيرة قد كتبت وسجلت في حسناتك الله أكبر ما أحلى هذه الحياة ما أحلى الدنيا في همومها وغمومها إذا عاش المسلم بمثل هذا المفهوم الواضح البين في حياته حتى الهم سبحان الله في حياة المسلم الموحد الصادق حتى الهم حتى المرض حتى التعب يؤجر عليها إذا كانت في رضا الله عز وجل ألم يقل الحبيب صلى الله عليه وسلم "ما من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها المسلم إلا كفر الله بها من خطاياه" لا إله إلا الله لا إله إلا الله ما أحلاها في حياتنا قولا وعملا لا كما يريد أعداء الله عز وجل أن يصوروها للناس أنها في المسجد فقط وأنها في شهر رمضان وموسم الحج فقط أما ما عداه فلا ولذلك ربما سمعنا من بعض المسلمين وللأسف كلمة أو عبارة يقول أَدْخَلُوا الدين في كل شيء أَدْخَلُوا الدين في كل شيء ونقول له ولأمثاله نعم الدين في كل شيء ونحن مسلمون والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص له من الشرك حفظناها أيضا يوم أن كنا صغارا ، تسليم واستسلام لله تعالى في كل شئون حياتنا لا حرية لك إلا في حدود الشريعة لا حرية لك بلباسك ولا بقولك ولا ببيعك ولا بشرائك ولا بذهابك ولا بمجيئك إلا بهذه الحدود ، نعم أيتها المسلمة الإسلام حقيقة يضبط حتى لباسك وفعلك وصفتك ، إذا رضى الله عز وجل عن هذا الفعل وعن هذه الصفة فتوكلي على الله هنا تتضح حقيقة الإسلام أن تستسلم لله عز وجل إلا والعياذ بالله لو قال قائل أنه خرج عن الإسلام نقول له افعل ما أردت بالحرية المزعومة التي ينادي بها كثير من الناس اليوم كما قال تعالى للمشركين الذين تمردوا على دينه وشرعه مهددا لهم (قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه)، فاعبدوا ما شئتم من دونه؛ هناك يوم للحساب وللجزاء لا يمكن أن يغفل عنه الموحد أبدا أما أنت أيها المسلم فلك حرية لكن في حدود الشريعة فأنت أسلمت وجهك لله وخضعت لدين الله فعليك أن تلتزم الأوامر وتجتنب النواهي كما يريد الله سبحانه وتعالى قلت بلسانك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نبيا فلماذا أراك تخالف هذا الرضا في فعلك وحياتك والله المستعان يا ليتنا يا ليتنا نردد هذا المفهوم الصحيح للعبادة على نسائنا وصغارنا وعلى طلابنا وزملائنا بل على كل من نقابل مسلما كان أو كافرا لماذا نردد ذلك للجميع؛ لتتضح حقيقة هذا الدين لتتضح حقيقة هذا الدين ويسره وسهولته وسعته وفضل الله عز وجل علينا والله اسمعوها يا أحبة والله ثم والله لو عاش المسلمون بهذا المفهوم لما كان هناك انفصام في شخصية كثير من المسلمين يأتي للمسجد يركع ويسجد وربما بكى وسالت الدمعة على الخد خوفا من الله بل ربما كان في الصف الأول لكن تعال وانظر لبيعه وشرائه وانظر لتعامله في الربا تعال وانظر للسانه تعال وانظر لبيته وما فيه من وسائل الفساد تعال وانظر لتلك المرأة في لباسها وفعلها وتبرجها يا سبحان الله أين أثر التوحيد وحقيقة التوحيد في نفوسنا بل إن للتوحيد أثرا عجيبا في سعادة الزوجين في حياتهما نعم والله هذا سر من أسرار الحياة الزوجية للتوحيد أثر عجيب في سعادة الزوجين في حياتهما فالقاعدة الأساسية للبيت السعيد أهلا وسهلا بما يرضي الله وبعدا وسخطا لما يغضب الله فلو صار البيت على هذه القاعدة لوجد والله السعادة والراحة يتفق الزوجان على هذه القاعدة الجميلة فكل ما يرضي الله فأهلا وسهلا به في بيتنا وكل ما يغضب الله فبعدا له وسخطا لأنه يغضب الله يا أهل التوحيد لنحقق التوحيد كما يريده الله سبحانه وتعالى في نفوسنا لنراجع أنفسنا ونحاسب أنفسنا أين أثر التوحيد في نفوسنا لماذا بدأ يتناقص لماذا بدأ يتناقص ويتراجع ويظهر هذا النقص وهذا التراجع على بعض المسلمين الموحدين اليوم وللأسف نسأل الله عز وجل أن يحيينا حياة طيبة وأن يميتنا على التوحيد وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله؛ ذلك من أثر التوحيد تواضع النفس الموحدة وخوفها وانكسارها لخالقها بل وافتقارها إليه سبحانه وتعالى لماذا ؛لشعورها أنها في حاجة إليه في كل لحظة فهو مالكها وهو مدبرها مما يزيد العبد افتقارا والتجاءً إليه عز وجل ويزيده ترفعا عن المخلوقين ومما في أيديهم فالمخلوق ضعيف فقير عاجز أمام قدرة الحق عز وجل الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون هنا يشعر الموحد يشعر الموحد بأنه يأوي إلى ركن شديد وأنه في سعادة عظيمة كيف لا وهو يشعر بذله وانكساره وافتقاره وعبوديته لملك الملوك ، الكثير من أهل التوحيد غفل اليوم عن هذا الأثر الافتقار والانكسار أيها الإخوة أيها المسلمون بل أيها المسلمون المستقيمون إننا ضعفاء ومساكين لا حول لنا ولا قوة والله بأنفسنا إلا بربنا جل وعلا، إلا بالواحد الأحد فمن منا جعل له ساعة يخلو فيها مع ربه من منا جعل له ساعة يخلو فيها مع ربه يعترف له بضعفه وذله وفقره يرفع يديه يناجي ربه بتواضع فالنفس منكسرة منكسرة لله القلب يخفق العين تدمع اللسان يلهج فيقول
أنت الذي صورتني وخلقتني
وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي علمتني ورحمتني
وجعلت صدري واعي القرآن
أنت الذي أطعمتني وسقيتني
من غير كسب ولا دكان
وجبرتني وسترتني ونصرتني
وغمرتني بالفضل والإحسان
أنت الذي آويتني وحبوتني
وهديتني من حيرة الخذلان
وزرعت لي بين القلوب مودة
والعطف منك برحمة وحنان
ونشرت لي في العالمين محاسنا
وسترت عن أبصارهم عصياني
وجعلت مثلي في البرية شائعا
حتى جعلت جميعهم إخواني
والله لو علموا قبيح سريرتي
لأبى عليّ السلام من يلقاني
ولأعرضوا عني وملوا صحبتي
ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي
وحلمت عن سخطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها
بخواطري وجوارحي ولساني
ولقد مننت عليّ ربي بأنعم
مالي بشقه أقلهن يدامي
هذه الثمرة أيها الاخوة والأخوات هذه الثمرة من أعظم ثمرات التوحيد على النفوس حرمها الكثير منا فراحة النفس وسعادة القلب والله الذي لا إله غيره راحة النفس وسعادة القلب في الذل والانكسار للخالق سبحانه وتعالى والافتقار إليه والانكسار بين يديه فلنلجأ إلى الله عز وجل لنلجأ إلى الله لنعلن ضعف أنفسنا لله وحده هنا سيشعر الموحد بالقوة العجيبة وبالصبر والثبات لأنه يعلم أنه يأوي إلى الذي بيده ملكوت السماوات والأرض الذي يدفعه ويحوطه ويحفظه كما سيأتي من آثار التوحيد إن شاء الله.
رابعا: من آثار التوحيد اليقين والثقة بالله عز وجل فصاحب التوحيد على يقين من ربه مصدق بآياته مؤمن بوعده ووعيده كأنه يراه رأي العين فهو واثق بالله متوكل عليه راض بقضائه وقدره محتسب الأجر والثواب منه .النفس الموحدة تمتلئ بالطمأنينة والسكينة حتى في أشد المواقف وأصعبها ألم نقرأ في القرآن (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) يقول ابن تيميه رحمه الله :والناس وإن كانوا يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله فقول العبد لها مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى ما هذه الحقيقة ؟ يقول تلميذه ابن القيم يقول عن شيخ الإسلام ذلك الذي ذاق هذه الحقيقة كما نحسبه والله حسيبه يقول: وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدرا وأقواهم قلبا وأسرهم نفسا تلوح نظرة النعيم على وجهه وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم بطلبها والمسابقة إليها إلى آخر كلامه رحمه الله هكذا النفس الموحدة مهما أصابها في الدنيا ومهما كانت الابتلاءات والامتحانات مهما كانت الشدائد على مثال تلك النفس فإنها تعلم أنها قد تجزى بسيئاتها في الدنيا في المصائب التي تصيبها ولذلك لما سأل [أبو بكر] النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) قال أبو بكر يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم "يا أبا بكر ألست تنصب ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء فذلك ما تجزون به نعمة الله على عباده "إذاً فما يصبك أيها الموحد من بلاء أو مرض أو نصب أو تعب فإنك مأجور مخلوف فإنك مأجور مخلوف عند الله سبحانه وتعالى؟ التوحيد يسليك عند المصائب ويهون عليك الآلام وبحسب مقدار ما في القلب من لا إله إلا الله يكون الصبر والتسليم والرضا بأقدار الله سبحانه وتعالى المؤلمة يقول :ابن القيم رحمه الله كلاما جميلا في إغاثة اللهفان يقول: إن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" إذاً فهذا الابتلاء والامتحان منك ما لنصره وعزه وعافيته إلى آخر كلامه رحمه الله من آثار التوحيد أيضا اليقين بنصرة الله وتحقيق وعده فقد تكفل الله لأهل التوحيد بالفتح والنصر والعزة والشرف كما قال تعالى (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) هذا هو الشرط ؛التوحيد يعبدونني لا يشركون بي شيئا (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) ومن آثار التوحيد أيضا الأثر الخامس تفريج الكربات التوحيد الخالص هو السبب الأعجب في الدنيا والآخرة وقصة يونس عليه السلام من الأدلة على ذلك قال تعالى (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات) بماذا نادى بماذا استغاث بماذا لجأ، بكلمة التوحيد (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فماذا كانت النتيجة (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) بل حتى المشركين يعلمون أن في التوحيد تفريجا للكربات قال الله تعالى (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) يقول الإمام [محمد بن عبد الوهاب] رحمه الله تعالى في القواعد الأربع يقول وانتبهوا لهذا الكلام القاعدة الرابعة أن مشرك زماننا أغلظ شركا من الأولين لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ومشركو زماننا فشركهم دائم في الرخاء والشدة. انتهي كلامه رحمه الله ، إلى أن قال أي –ابن القيم- رحمه الله فما دفعت شدائد الدنيا انتبهوا يا أهل المصاعب والآلام والأحزان فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد ولذلك كان دعاء الكرب في التوحيد ودعوة المؤمن التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه في التوحيد فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد فهذا مفزع الخليقة وملجأها وحصنها وبياتها وبالله التوفيق….. إلى آخر كلامه رحمه الله0
سادسا: من الآثار أيضا الحزم والجد في الأمور نعم الحزم والجد في الأمور فإن الموحد جاد حازم لأنه عرف هدفه وعرف لماذا خُلِق وما المطلوب منه وهو توحيد الله عز وجل والدعوة إليه فلذلك حرص على عمره فاستغل كل يوم وشهر بل والله استغل كل ساعة في عمره فلا يفوت فرصة للعمل الصالح إلا واستغلها ولا يفوت شيئا فيه رجاء الله إلا وحرص عليه ولا يرى موقع الإثم إلا وابتعد عنه خوفا من العقاب لأنه يعلم أن من أسس التوحيد الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال والله عز وجل يقول( ولكل درجات مما عملوا) وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الغاية أي على الحزم والجد والقوة فقال صلى الله عليه وسلم "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل الخير احرص على ما ينفعك واستعن بالله وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح باب الشيطان" أخرجه مسلم في صحيحه لكن شتان بين المؤمن الجاد الحازم الذي يستغل اللحظات ويقضي العمر برضا الله عز وجل وبالعمل الصالح وبين المؤمن الضعيف الذي يصارع النفس والشهوات ومغريات الحياة نعم ابتلي الكثير الكثير من المسلمين اليوم بل حتى من الصالحين ابتلوا بمصارعة النفس والشهوات هكذا المؤمن بين أمرين بين رضا الله وثوابه وبين الدنيا وشهواتها وتنبهوا كلما ضعف أحدهما قوي الآخر واشتد ، أيها الموحد كن جادا حازما فأنت صاحب عقيدة تحمل همها في الليل والنهار وفي اليقظة والمنام هكذا المسلم إن حزن فللتوحيد وإن ابتسم فلتوحيده وإن أحب فلعقيدته وإن أبغض فلعقيدته وإن ذهب فلها وإن جاء فلها حياته كلها جد وعمل فهي وقف لله تعالى ،أثر آخر من آثار التوحيد ، التوحيد هو الذي يحرر النفوس من رق المخلوقين ومن التعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم وهذا والله هو العز الحقيقي والشرف العالي فيكون بذلك متألها متعبدا لله فما يرجو سواه ولا يخشى غيره ولا ينيب إلا إليه ولا يتوكل إلا عليه وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه فإن العبودية لله عز ورفعة والعبودية لغير الله ذل ومهانة فيا عجبا يا عجبا ممن يخاف من المخلوقين كالسحرة والمشعوذين وغيرهم ويحسب لهم حسابا فيطلب ربما عطاءهم ويلجأ إليهم ويخاف منعهم وقد شرع له أن يردد بعد كل صلاة اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت أين حقيقة التوحيد أين حقيقة هذه الكلمة يرددها كثير من المسلمين بعد كل صلاة لكن ربما بدون تدبر لمعناها ولا عمل بمقتضاها واسمع لهذا الكلام الجميل من شيخ الإسلام رحمه الله يقول :المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب كما قال تعالى (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) أما الخالص الخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك كما في الحديث0 انتهى كلامه فكان من آثار التوحيد إذاً القوة والشجاعة واسمع لهذا المثل العجيب قال الله تعالى (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز) وأذكر لكم مثلا واحدا لعزة المسلمين يوم أن تعلقوا بالله ولم يخافوا إلا الله ذكر [جبيل بن شدة] فقال ندبنا [عمر] واستعمل علينا [النعمان بن مقرن] حتى إذا كنا بأرض العدو خرج علينا عامل [كسرى] في أربعين ألفا فقام فقال ليكلمني رجل منكم ليكلمني رجل منكم وفي رواية [للطبري] أن كسرى قال له إنكم معشر العرب أطول الناس جوعا وأبعدهم وأبعد الناس من كل خير وما منعني أن آمر هؤلاء الأساور أن ينتظموكم بالنشاب أي يقتلوكم إلا تنجس لجيفكم إلا تنجس لجيفكم فقال [المغيرة] رضي الله تعالى عنه ما أخطأت شيئا من حقنا نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد نمص الجلد والنوى من الجوع ونلبس الوبر والشعر ونعبد الشجر والحجر فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأراضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبيا من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام عن رسالة ربنا أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم يُري مثله قط ومن بقي منا ملك رقابكم 0هكذا يكون التوحيد الخالص عزة ورفعة وثقة بالله وقوة في الدين والعقيدة يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله فإن المخلص لله ذاق ، المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبته لغيره ، إذ ليس عند القلب أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن لعبوديته لله ومحبته له وإخلاصه الدين له… انتهى كلامه رحمه الله .
ثامنا: من آثار التوحيد أيضا في النفوس أنه يسهل عليها فعل الخيرات وترك المنكرات ، المخلص في توحيده تخف عليه الطاعات لما يرجوه من الثواب ويهون عليه ترك المنكرات وما تهواه نفسه من المعاصي لما يخشى من سخط الله وأليم عقابه وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه وتصرف عنه المعاصي والذنوب نعم إذا صدق العبد في توحيده ؛ صرف عنه الكثير من الذنوب والمعاصي ألم يقل الحق عز وجل في القرآن (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) فلعل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عبادنا المخلصين ويقول الحق عز وجل (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) فالمسلم بقدر ما في نفسه من التوحيد يكون إقدامه وحرصه على فعل الخيرات والعكس بالعكس ، لما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم أي في قلوب المنافقين ثقلت عليهم الطاعات وكرهوها كما أخبر الله عز وجل عنهم في القرآن واسمع لـ ابن القيم رحمه الله يقول في مدارج السالكين كلاما جميلا يقول: اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى فمن الناس من الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس نسأل الله الكريم من فضله ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم وآخر كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار وبحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علما وعملا ومعرفة وحالا وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أَحْرَقَ مِن الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، انتهى كلامه رحمه الله فأهمس في أذن أولئك العاجزين هذه الكلمات إلى أسرى الذنوب والشهوات والمعاصي الذين إذا ذكروا تعللوا بالمشقة والعجز فإذا قيل لأحدهم اترك يا أخي تلك المعصية قالوا والله ما استطعت. أقول لألئك كما يقول ابن القيم رحمه الله إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله أما من تركها صادقا مخلصا من قلبه لله فإنه لا يجد من تركها مشقة إلا في أول وهلة ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب.. انتهى كلامه رحمه الله 0
تاسعا: من آثار التوحيد أنه ينير القلب ، القلب يستنير بنور التوحيد ويشرح الصدر ويجعل للحياة معنى وحلاوة بل أن لا إله إلا الله إذا خرجت من قلبٍ صادق تقلب الحياة رأسا على عقب تعال يا أخي الكريم تجعل النفس من لا شيء إلى كل شيء انظر لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم وخاصة الموالي هذا [بلال] عبد حبشي ليس له من الأمر شيء فأصبح بلال أصبح بلال بلا إله إلا الله المؤذن الأول ورجل من أهل الجنة وسيد من سادات الإسلام تهتز له القلوب ذكر عمر قبل أبي بكر فجعل يصف مناقبه ثم قال وهذا سيدنا بلال حسنة من حسناته سبحان الله بأي شيء أرتفع ووصل بلال إلى هذه المرتبة بلا إله إلا الله بكلمة التوحيد تلك الكلمة التي وقرت في قلبه التي كان يعبر عنها بقوله أَحَدٌ أَحَدْ وهو يسحب على رمضاء مكة فكان يقول عندما يسأل عن شدة العذاب وتحمله كان يقول واسمعوا لكلمته الجميلة كان يقول رضي الله تعالى عنه كان عندي حلاوة الإيمان ومرارة العذاب فامتزجت مرارة العذاب بحلاوة الإيمان فاستعذبت العذاب في ذات الله ، سبحان الله كان مولى من الموالي فلما آمن بالله وقف في وجه أسياد مكة يتحداهم بلا إله إلا الله فرضي الله تعالى عنه وأرضاه يوم أن نصر ذلك العبد ورفع اسمه وأعلى مكانته -سبحان الله -بلا إله إلا الله وانظروا أيضا لحال عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه من ينظر في سيرته ألم يتقلد سيفه كما في بعض السير ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم امتلأ قلبه حقدا وبغضا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه وإذا به لحظات فيشهد أن لا إله إلا الله ؛ فينقلب ذلك القلب ويتغير الحال فيا سبحانه مقلب القلوب يصبح الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من كل شيء بل حتى من نفسه كما قال ويتحول ذلك القلب القاسي المتجبر إلى قلب لين رقيق كثير الخشية والبكاء ومن لا شيء إلى ثاني رجل بعد أبي بكر رضي الله تعالى عنهما؛ إنها شمس التوحيد إنها شمس التوحيد لامست شغاف القلوب فتجلت بها ظلمات النفس والطبع وحركت الهمم والعزائم عاشرا من آثار التوحيد في النفوس حفظ هذه النفوس ، أيها الإخوة بِمَ حفظت دماؤنا وبِمَ حفظت أعراضنا وأموالنا إلا بكلمة التوحيد لا إله إلا الله قال النبي صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إذاً فمن قال هذه الكلمة حرم ماله ودمه فقد قال صلى الله عليه وسلم "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" كما في صحيح مسلم بل اسمع لهذا الموقف العجيب أخرجه [مسلم] في صحيحه من حديث [أسامة بن زيد] رضي الله تعالى عنهما قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا <الطرقات> وهي موضع في بلاد جهينة قال فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله ـ أي مشركا ـ فقال لا إله إلا الله قال أسامة فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله أقال لا إله إلا الله وقتلته قال أسامة يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ" بماذا حفظت بماذا حفظت هذه النفس ؛ بتوحيد الله بالتوحيد بلا إله إلا الله ولذلك ترجم [النووي] لهذا الحديث فقال باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله.
الحادي عشر من آثار ، الإنصاف وتربية النفس على العدل فمن أظلم الظلم يا أحبة أن يكون الله هو الذي أوجدك فيخلق ويحسن الخلق وينعم ويحسن الإنعام ويتفضل سبحانه عليك بكل شيء وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ثم بعد ذلك كله نقابل ذلك بالنكران والجحود فنجعل له ندا نمتثل لأمره ونحبه من دون الله بل نخافه من دون الله ونرجوه أو نرجوا عنده الشفاء بل ربما صرف له شيء من العبادة من دون الله فأين من يعبد الحجر وأين من يطوف بالقبر وأين من يتوسل بالضعفاء والمساكين بل أين من يذهب للسحرة والمشعوذين بل أين من ملكت الدنيا قلبه سبحان الله، الذل والانكسار لأمثال هؤلاء الطواف وصرف الأموال واللجاءة والاستغاثات لهؤلاء وتنصرف عن الخالق سبحانه وتعالى الذي أنعم وقدر وخلق وأحسن وتفضل عليك أليس هذا هو الظلم العظيم هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ولذلك كان أعظم ذنب عصي الله به هو الشرك بالله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) وكما قال الحق عز وجل (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وفي بعض الآثار الإلهية أن الله عز وجل قال" إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي خيري على العباد نازل وشرهم إليَّ صاعد أتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إليَّ بالمعاصي" هذا واقع كثير من المسلمين للأسف ولا حول ولا قوة إلا بالله فانظر لمن تعلق قلبه بالمال انظر لمن تعلق قلبه بالقبور وبالأشجار والأحجار انظر لمن تعلق قلبه بالنساء والشهوة وانظر لمن تعلق قلبه بالأمور والشهوات كالمتعة الحرام والغناء والرياضة وغير ذلك حتى أصبحت أو ملكت قلبه والله المستعان انظر لمن تعلق قلبه بالصور ربما أصبحت مثل تلك هذه الوسائل أصنام تعبد من دون الله ليس شرطاً أن يسجد لها وأن يركع فهو يخفق لها ويفرح لها ويبكي لها ويحب لها ويعادي لها ويبغض لها أليست هذه صور من صور الشرك والله المستعان ولله در ابن القيم رحمه الله ، يقول في المدارج: فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة .
الثاني عشر: من الآثار في آثار التوحيد في النفوس زوال الحيرة والتردد عند الإنسان وهذا مما ابتلي به الكثير من المسلمين اليوم القلق ، الحيرة ، التردد ، الهم الاكتئاب النفسي وانظروا في العيادة النفسية لتروا الدليل على ذلك كلما كان الإنسان موحدا مخلصا لله منيب إليه كلما كان أكثر اطمئنانا وراحة وسعادة وكلما كان الإنسان بعيدا عن الله كلما كان أكثر حيرة وضلالا وترددا اقرأ إن شئت قول الحق عز وجل (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين) نقل [ابن كثير] في التفسير قال عن [ابن عباس] قال هو الذي لا يستجيب إلى هدى الله وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وحاد عن الحق وضل عنه وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ويزعمون أن الذي يأمرونه به هو الهدى انتهى إلى آخر كلامه رحمه الله لكن الهدى هدى الله فأهل التوحيد أكثر الناس برا ويقينا وطمأنينة وإيمانا وأبعدهم عن الحيرة والانفراد والتخبط والتنافر أما الكفار أما أهل البدع والخرافات فلا تسلهم بؤسهم وشقاهم فالحيرة والقلق واليأس والفراغ الملل والضيق الاكتئاب كلمات تتردد كثيراً في كتاباتهم ومؤلفاتهم وعلى ألسنتهم بل وفي حياتهم وواقعهم وما ذلك الشباب والله ما ذلك الشباب الضائع الذي يعيش حياة البهائم وقد دمر نفسه بالمخدرات والجنس والعنف والشذوذ والجرائم والانتحار إلا من الدلائل والبراهين لتلك الحيرة وذلك التخبط والضلال الذي مزق الإنسان هناك في بلاد الكفر والخرافات والبدع بل إن من أبناء المسلمين وللأسف من وقع فريسة لهذه الأفكار والتصورات نعم انطفأت شعلة التوحيد في نفوسهم فامتلأت حيرة وشكا واضطرابا وترددا ؛ فهي تبحث عن السعادة تبحث عن النور تبحث عن الحق وليس ذلك والله ليس ذلك والله إلا بتوحيد الله؛ بالتوحيد الخالص لله بالتوحيد تعرف من أنت من أين أتيت لماذا أتيت ماذا يريد الله منك ولولا الله ما كنت موجودا في الوجود (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك) بالتوحيد تعلم أنه خالق الكون وموجد هذه النعم سخرها لسعادتك وراحتك فلا يمكن أبدا لا يمكن أبدا أن توجد الشمس أو القمر أو النجوم كل هذه الأمور مسخرات لنعمتك مسخرات لك أنت أيها العبد فلا يمكن أبداً أن توجد هذه المخلوقات نفسها ولا أن توجد صدفة فتعين إذاً أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين ولهذا لَمَّا سمع [جبير ابن مطعم] رضي الله تعالى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صورة الطور فبلغ هذه الآيات (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون) قال جبير وكان مشركا يومئذ قال كاد قلبي أن يطير كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي والحديث رواه [البخاري] فدعوة لأحبابنا وإخواننا أولئك الذين أصابتهم الحيرة والتردد ، دعوة إلى أن ينظروا في حولهم أو من حولهم ويتفكروا في خلق الله وفي قدرة الله وهذا الكون العجيب فيجد الراحة والسعادة بتوحيد الله عز وجل ولا يمكن أبداً أن يكون ذلك إلا إذا كان هدفك أيها المسلم هو رضا الله لا رضا غيره أما الحائرون المترددون الغافلون الضائعون فيعبر عن ضياعهم أحدهم في قصيدة له سماها طلاسم وهي طلاسم تسجل أفكار الضائعين وخواطرهم وقلقهم وحيرتهم واضطرابهم وتورد نماذج لسؤالهم واستفساراتهم يقول فيها:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
ولقد أبصرت طريقا قدامي فمضيت
وسأبقي سائرا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت كيف أبصرت طريقي
لست أدري …
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حر في الطريق أم أَسِيرٌ في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمني أنني أدري ولكن لست أدري
وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور
أنا سائر في الدرب أم الدرب يسير
أم كلانا واقف والدهر يجري
لست أدري
إلى أن قال:
ألهذا اللغز حلٌ أم سيبقي أبديا
لست أدري
ولماذا لست أدري؟ لست أدري
أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور
فحياة فخلود أم فناء فدسور
أكلام الناس صدق أم كلام الناس زور
أصحيح أن بعض الناس يدري
لست أدري
هذه الأسئلة التي أثارها في قصيدته هي أسئلة يرددها المحرومون من نعمة الإيمان الفاقدون حلاوة التوحيد وأنسه وطعمه ورائحته أما هذه الأسئلة عند الموحدين عند المؤمنين فلا تقلقهم بفضل الله تعالى ومنته؛ فبدينه الإجابات المفصلة عليها وفي قرآننا وفي أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام الكلام اليقيني الصحيح الصادق عنها فهذه الأسئلة ليست طلاسم في تصور المسلم الموحد وتفكيره وشعوره بل على العكس هذه الأسئلة وإجاباتها هي مصدر اطمئنان المسلم وثباته وسعادته وراحته بل هي والله التي تحرك مشاعره وتجري مدامعه وتزيده استقامة وتوحيدا فلا قلق في النفس ولا اضطراب في الفكر فالمنهج واحد والمبدأ واضح ثابت لا يتغير فأنا أعلم من خلقني ولماذا خلقني وإلى أين سأذهب كل هذه أسئلة مصدرها اطمئنان المسلم أو مصدر اطمئنان المسلم وراحته ولله در شيخ الإسلام ابن تيميه وهو يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية ويقول أيضا إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، نسأل الله الكريم من فضله.
أخيرا ومن آثار التوحيد في النفوس جمع كلمة المسلمين الموحدين وتوحيد صفوفهم جمع الله بالتوحيد القلوب المشتتة والأهواء المتفرقة فما اتحد المسلمون وما اجتمعت كلمتهم إلا بالتوحيد وما تفرقوا واختلفوا إلا لبعدهم والله عنه؛ فربهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة ودعوتهم واحدة هي لا إله إلا الله ولا معبود بحق إلا الله أهل التوحيد لا يختلفون في أصول الدين وقواعد الاعتقاد يرون السمع والطاعة لولاة أنفسهم ولولاة أمورهم بالمعروف ما لم يأمروا بمعصية ولا يجوز الخروج عليهم وإن جاروا إلا أن يرى منهم كفر بواح عليه من الله برهان ، أهل التوحيد تتفق في الغالب وجهات نظرهم وردود أفعالهم مهما تباعدت الأمصار والآثار فالمصدر واحد.
ومن آثار التوحيد أيضا جود نفوس الموحدين بالمال والنفس في سبيل الله ونصرة دينه؛ فأمة التوحيد أمة قوية تبذل كل غال ونفيس من أجل دينها وعقيدتها وتثبيت دعائمه غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك يقول الحق عز وجل (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) لم يدخلهم شك ولا ريب ولا خوف ولا يأس ولا قنوط في حقيقة توحيدهم وعقيدتهم بل في حقيقة نصرة الله لهم (ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) ، الصادقون في قول لا إله إلا الله أهل التوحيد أمة واحدة يأمرهم ربهم بقوله (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) أسألكم بالله أسألك بالله أيها الموحد أيتها الموحدة هل جعلت نفسك ومالك وولدك وكل ما تملك في خدمة هذه العقيدة في سبيل لا إله إلا الله ماذا قدمت لدينك وعقيدتك ماذا قدمت لهذا المبدأ العظيم نعجب ونتحسر يوم أن يضحي الكافر من أجل دينه وعقيدته وهو على باطل ويوم أن يفتر ويهمل ذلك المسلم من أجل عقيدته وتوحيده وهو على حق إنما المؤمنون إنما المؤمنون أولئك هم الصادقون في توحيدهم وفي قولهم لا إله إلا الله لا يستطيع ذلك إلا من ذاق طعم الإيمان وتحقق التوحيد صادقا من قلبه مثال واحد أسوقه لكم والأمثلة كثيرة ؛أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه انظر لحياة هذا الرجل أسرة كاملة أولاده عبد الله ومحمد بناته عائشة وأسماء أسرته ماله جهده وقته كلها في سبيل الله ونصرة دين الله فلما نصروا دين الله بأموالهم وأنفسهم وأولادهم نصرهم الله ومكنهم وأعلى شأنهم وصدق الله (إن تنصروا الله ينصركم) أما الخذلان أيها الأحبة الخذلان والبخل والكسل والفتور فهي من صفات المنافقين فلما عدم تحقيق التوحيد في قلوبهم تركوا الجهاد وفرحوا بالتخلف عنه ورضوا بشهوات الدنيا وبخلوا بأموالهم وتقلبت مواقفهم وتقلبت مواقفهم وردود أفعالهم تبعا لأهوائهم فذمهم القرآن بسبب ذلك .
ومن آثار التوحيد أيضا: شعور النفس الموحدة بمعية الله عز وجل ، قال ابن القيم في الفوائد فإن قلت بأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع قلت بالتوحيد والتوكل على الله والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو وأن الأمر كله لله ليس لأحد ليس مع الله أو ليس لأحد مع الله شيء انتهى كلامه رحمه الله ، قال الحق عز وجل (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وقال (أليس الله بكافٍ عبده) وقال (وذلك بأن الله مولي الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولي لهم) وقال (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة) وقال جل وعلا في الحديث القدسي "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما فرضته عليه وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" فأي فضل يناله صاحب التوحيد فالله معه يحفظه وينصره ويدافع عنه مما يزيده قوة وشجاعة وإقبالا على الله عز وجل قال ابن رجب في رسالته الجميلة ؛الإخلاص قال كلام جميل اسمعوه : من صدق في قول لا إله إلا الله لم يحب سواه ولم يرج سواه ولم يخش أحدا إلا الله ولم يتوكل إلا على الله ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه ومع هذا فلا تظن أن المحب مطالب بالعصمة وإنما هو مطالب كلما ذل أن يتلافى تلك الوصمة… انتهى كلامه رحمه الله .
وأخيرا من آثار التوحيد في النفوس العلم والبصيرة فمن عرف التوحيد وحقيقته عرف عكسه من الشرك وحقائقه وأباطيله بل عرف احتيالات أهل الشرك ومكرهم فيجزم الموحد بكفرهم وعداوتهم ولذلك ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب أن الناقض الثالث من نواقض الإسلام قال من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر ، إذاً فالعلم والبصيرة من آثار التوحيد على النفوس أو في النفوس وفي صحيح مسلم من طريق [أبي مالك سعد بن طارق] عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" فلا يكفي إذاً لا يكفي لعصمة دم المسلم أن يقول لا إله إلا الله بل لا بد أن يضيف إليها الكفر بما يعبد من دون الله فإن لم يكفر بما يعبد من دون الله لم يحرم دمه وماله ، ومن الآثار محبة أهل الإيمان وموالاتهم وبغض المشركين ومعاداتهم .
التوحيد يظهر الأعاجيب في النفوس الموحدة فمن حقد وبغض وعداء إلى حب ومودة وإخاء وما صنعه التوحيد في نفوس المهاجرين والأنصار مواقف يجب ألا تنسى بل لا بد أن تروى وتروى لنرى الأثر من السر العجيب بالتوحيد الصادق أخرج البخاري في صحيحه من كتاب المساقات باب كتاب القطائع عن أنس رضي الله تعالى عنه قال دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليخضع لهم البحرين فقالوا يا رسول الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها فلم يكن ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني قال [ابن حجر] وفي الحديث فضيلة ظاهرة للأنصار لتوقفهم عن الاستئثار بشيء من الدنيا دون المهاجرين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم كانوا (يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) فحصلوا في الفضل على ثلاث مراتب إيثارهم على أنفسهم ومواساتهم لغيرهم والاستئثار عليهم انتهي كلامه رحمه الله وأخرج البخاري أيضا في صحيحه كتاب المناقب مناقب الأنصار باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار عن [إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف] قال لما قدموا المدينة أي المهاجرين لما قدموا المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن [وسعد ابن الربيع] أي بين [عبد الرحمن ابن عوف] وسعد ابن الربيع قال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم ..…الحديث سبحان الله أي حب هذا الذي أحدثه التوحيد في نفوس المؤمنين أي مودة بين المسلمين الموحدين الصادقين هكذا التوحيد يفعل بأهله أما بغض المشركين فنحن وإياهم على طريق نقيض فقد يتسائل البعض لماذا نبغض المشركين ولماذا يأمرنا الإسلام ببغض المشركين فأقول لأننا نحن وإياهم على طرفي نقيض فنحن أهل توحيد وهم أهل شرك وبيننا وبينهم عداوة وبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده كما قال تعالى بل العجب أنهم إن آمنوا بالله وحده كانوا من إخواننا ومن أحب الناس إلى قلوبنا كما قال الحق عز وجل (قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) فكيف بمن ينصرونه من أهل التوحيد وكيف بمن يعينونهم على المسلمون في بعض الأحايين بل كيف بمن يحبهم ويقربهم والله عز وجل يقول (ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) كيف بمن يأتي بهم وربما يفضلهم عن المسلمين فأين هم عن حقيقة التوحيد وصدق [ابن الجوزي] رحمه الله إنما يتعثر من لم يخلص ، إنما يتعثر من لم يخلص ولا شك أن هذا كله بسبب الإعراض عن تعلم العلوم الشرعية وعدم الفقه في دين الله خاصة في التوحيد والعقيدة ولو أن المسلمين صاروا يداً واحدة وحققوا معاني التوحيد كما يريده الله عز وجل وتناصروا فيما بينهم لصار لهم شأن على غير ما نحن فيه الآن ولصار الكفار أذلاء وهنا نرى حال الناس وكيف تنقض عرى الإسلام عروة عروة ومما انتقض من عرى الحب في الله والبغض في الله والمعاداة لله وفي الله كما جاء في الحديث المشهور" إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" وأنت ترى حال الكثير حبه لهواه حبه لهواه وبغضه لهواه ولا يسكن إلا لمن يلائمه في طبعه وهواه وإن غره أغراه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، أيها الأحبة إن للتوحيد آثارا على النفس الموحدة لابد أن تظهر عليها فمن لم يجدها فليراجع توحيده وليحاسب نفسه ذكرنا من الآثار ما ذكرنا وتركنا ما تركنا ما تركناه لحال المقام فالمقام هنا مقام تفكير وإرشاد وليس تعليم وتحذير وتقصيد أسأل الله عز وجل أن ينفع بما قيل وأن يغفر لنا الذلل والخطأ والتقصير، اللهم لك الحمد على نعمة الإيمان ولك الحمد على نعمة التوحيد ولك الحمد على ما أنعمت به علينا من نعم تترى اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا من بيده ملكوت السماوات والأرض اللهم احفظ أمننا وإيماننا اللهم احفظ توحيدنا اللهم احفظ عقيدتنا في قلوبنا ونفوسنا اللهم من أردانا وأراد الإسلام وأراد هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم فاجعل كيده في نحره اللهم نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم اللهم اجعل تدبيرهم تدميرا عليهم اللهم اكفناهم بما شئت اللهم اكفناهم بما شئت فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز اللهم اهدي أهل البدع والضلالات اللهم اهدهم إليك وردهم إليك ردا جميلا اللهم افتح على قلوبهم اللهم أرهم الحق حقا وأرزقهم اتباعه والباطل باطلا وارزقهم اجتنابه اللهم يا قوي يا عزيز اللهم قوي إيماننا وأعنا على أنفسنا اللهم أصلح ولاة أمورنا اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة اللهم وفقهم وأعنهم لما فيه صلاح المسلمين اللهم يا حي يا قيوم من علينا بتوبة صالحة صادقة تمحوا بها فساد قلوبنا وتصلح بها نفوسنا اللهم أصلح أزواجنا وأصلح أولادنا وأصلح بناتنا اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا اللهم أنت ولي ذلك والقادر عليه اللهم لا تحرمنا أجر هذا المجلس اللهم لا نخرج من مجلسنا هذا إلا وقد قلت لنا بمنك وفضلك يا كريم قوموا مغفورا لكم اللهم اغفر لنا وتب علينا لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين .


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 10:03 PM   #9

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



الشيخ ابراهيم الدويش
السر العجيب؟؟

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذه الليلة الطيبة المباركة ليلة الاثنين الموافق الحادي والعشرين من شهر رجب لعام ألف وأربعمائة وأربعة عشر للهجرة في جامع ابن عيد في مدينة <الدوائم> المباركة ألتقي وإياكم على مائدة من موائد النبوة وعلى ذكر نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا به جميعا.
أشكر الله جل وعلا وأحمده على تيسير هذا اللقاء ثم أشكر أولئك الرجال المجهولين الذين يعملون ليل نهار لا يرجون نحسبهم كذلك من الناس جزاء ولا شكورا وإنما رجاؤهم بالله جل وعلا الإخوة القائمين على مكتب الدعوة في هذه المدينة فهم الذين تسببوا في هذا اللقاء فشكر الله سعيهم ووفقهم وسدد خطاهم ورعانا وإياكم أجمعين.
أيها الأحبة موضوع هذا اللقاء السر في حياة النبلاء أو إن شئت فقل السر العجيب فيا ترى ما هو هذا السر؟ إن حديثي هذه الليلة هو حديث للقلوب ولعله أن يكون إن شاء الله حديث من القلب للقلب ولذلك يشترط أن يخلو القلب من أمور الدنيا ومن زينتها جئتم وجلستم في بيت من بيوت الله ليكون الحديث طيبا والقلب مصغياً يبعد الهواجس وملذات الدنيا خلال هذه الساعة جرب مع نفسك أن تترك الدنيا خلف ظهرك هذه الساعة وتعال واسمع ونحن نصول ونجول ونبحث في السر في حياة أولئك الرجال الذين هم أموات في قبورهم ولكنهم أحياء في ذكرهم ونحن نسمع ليل نهار تلك الأسماء على المنابر وعلى كل لسان وفى بطون الكتب وفى كل مكان فلا إله إلا الله من أحيا هذه الأسماء وهذه هي والله الحياة الحقيقية أيها الأخيار .
أول عناصر هذا الموضوع السر العجيب يتحدث إلى القلب عذراً أيها القلب أعرفتني لا تقل إنك لا تعرفني فقد وقفت على مشارف أسوارك وقرعت أبوابك كثيراً كنت أحوم لأجد منفذاً أنفذ إليك منه إيه أيها القلب لقد أصبحت أقسى من الحجر لماذا تحاول الهروب مني ولماذا هذا الصدود عني فكلما هممت بأمر سوء حاولت الوقوف أمامك لتراني لتذكرني لترجع عن همك لكنك تتجاهلني كأنك لا تراني ويحك أيها القلب إنني السر العجيب في حياة القلوب ويحك إنني السر العجيب في ترك الفجور والهوان إنني أريدك أن تحيا حياة السعداء أريدك أن تكون علما من الأعلام وصالحا من الصالحين أريدك أن تكون مباركا أينما كنت في أعمالك وأقوالك.
تعال أيها القلب تعال واسمع لحياة النبلاء وسير الرجال يوم أن كنت أتربع على العرش في قلوبهم وأصول وأجول في صدورهم..
كانوا جبالاً في الجبال وربما
صاروا على موج البحار بحارا
لمعابد الإفرنج كان أذانهم
قبل الكتائب يفتح الأمصارا
كانوا يروا الأصنام من ذهب
فتهدم ويهزم فوقها الكفارا
لن تنسى أفريقيا ولا صحراؤها
سجداتهم والأرض تقذف نارا
اسمع أيها القلب يوم أن فتح لي أولئك الرجال قلوبهم فأصبحوا سادة في كل شيء نعم في كل شيء ذكر[ الذهبي ] في سير أعلام النبلاء قال: قال [الحسن بن عيسى] مولى [ابن المبارك] اجتمع جماعة فقالوا تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والفصاحة والشعر وقيام الليل والعبادة والحج والغزو والشجاعة والفروسية والقوة وترك الكلام في ما لا يعنيه والإنصاف وقلة الخلاف على أصحابه والتجارة وسخاء النفس والتصديق والورع والتقى وكل ذلك عنده وأكثر
إذا سار عبد الله من مرو ليلة
فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأحبار في كل بلدة
فهم أنجم فيها وأنت هلالها
أسمعت أيها القلب بفضل الله ثم بفضلي أنا السر العجيب كان كل ذلك
فهل عرفتني؟
بل تعال واسمع لعلم ثان من هؤلاء النبلاء إنه[ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري] مؤرخ مفسر محدث مقرئ فقيه أصولي من أكابر الأئمة المجتهدين قال [الخطيب البغدادي] فيه كان أحد أئمة العلماء ويحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره وكان حافظا لكتاب الله عارفا بالقراءات وفيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة وأقوال التابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام عارفا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك وكتاب في التفسير أو لم يصنف أحد مثله انتهى كلام الخطيب .
أسمعت أيها القلب ألا تسأل ما هو السر في حياة النبلاء إنه أنا السر العجيب فأين أنت من أولئك قل لي هلا ذكرت لي منقبة واحدة من تلك المناقب واحدة فقط من كل منقبة واحدة من جل المناقب فيك أيها الأخ مسكين أيها القلب أنت غرقت في الشهوات والملذات أصابك الكسل والخمول أصبحت عبداً للدنيا دون أن تشعر كل ذلك يوم هجرتني أيها القلب إن الأمثلة في حياة النبلاء كثيرة وطويلة ولكن خذ مثلاً ثالثاً وأخيراً لتقنع أسمعت[ بابن تيميه] لا شك نعم إذا فاسمع كلام [ابن سيد الناس] فيه قال عنه كاد يستوعب السنن والآثار حفظا إذا تكلم في التفسير فهو حامل رايته أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وروايته أو حاضر في النحل والملل لم تر أوسع من مشيته في ذلك ولا أرفع من درايته برز في كل فن على أبناء جنسه ولم تر عين من رآه مثله إلى آخر ما قال عنه.
وهو العالم المجاهد العابد الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر فعجيب أمر أولئك الرجال جمعوا الخير كله جمعوا الخير كله لكنه السر العجيب الذي حولهم إلى أعلام وأبطال فافتح لي أبوابك أيها القلب وتذكرني جيداً واجعلني ملازما لك في كل حال تنال الخير كله في الدنيا والآخرة فهل عرفتني أيها القلب أو ما زلت تجهلني لا شك أنك عرفتني فالآن أتركك وسأرجع إليك بين الحين والحين حتى تعد لي منزلا في سويداك أيها القلب.
العنصر الثاني أهمية السر في طريق الصحوة:
ولعلى نسيت أن أقول لكم أن هذه المحاضرة هي المحاضرة الثالثة في سلسلة تلقى بعنوان الإصلاح على طريق الصحوة كانت الأولى بعنوان سلامة الصدر مطلب وكانت في <الزلفى > والثانية تعال نتعاتب فكانت في <الرس> وهذه هي الثالثة فتعال وانظر يا أخي الحبيب لأهمية السر في طريق الصحوة وأقصد به هذا السر العجيب.
إن الجميع بحاجة لهذا السر كباراً وصغاراً نساء ورجالا علماء ومتعلمين مع شدة غفلتهم عنه ويعجبك أجسام أولئك الرجال رجال الصحوة وأشكالهم وأحوالهم لكنك تبحث عنهم في الميدان لأعمال لترى الأعمال فتجد الخمول والكسل والهوان إن هذا السر مهم جداً ومؤثر فعال في حياة شباب الصحوة والدعاة إلى الله جل وعلا وما أكثرهم والحمد لله فنسأل عن السبب في هذا الخمول والكسل والهوان فإذا هو هذا السر نقرأ الآيات فلا قلب يتأثر ونسمع الأحاديث والمواعظ فلا عين تدمع ننظر للقصص والعبر فلا جسد يقشعر ويخشع نحمل الموتى وندخل المقابر ونخرج والقلب هو القلب ونسمع أنين الثكالى وصرخات اليتامى والأحداث في الشرق والغرب تتوالى والقلب هو القلب لا إله إلا الله، لا إله إلا الله ماذا أصاب هذا القلب فنسأل عن السبب ونبحث عن العلاج فإذا هو أيضا في هذا السر.
أصبحنا نكذب وأصبحنا نغتاب وأصبحنا نأكل الشبهات وربما المحرمات فنسأل عن السبب فإذا هو غيبة هذا السر، هذا السر أيقظ مضاجع الصالحين وأزعج قلوبهم وأسال دموعهم فعرفوا حقيقة الحياة هذا السر يحفظ الأمن والأمان وتكثر الخيرات وتنزل البركات وبغيبته ينتشر الفساد ويعق الأولاد فهل عرفتني أيها الأخ الحبيب لابد أنك عرفتني إنني الحارث الأمين لقلبك المسكين إنني المراقب ولكني لست المراقب الإداري ولست المراقب الصحي لا فأنا المراقب الشرعي إنني مراقبة الله، إنني مراقبة الله أو الخوف من الله أو إن شئت فقل الخشية أو التقوى فلا بأس فكلنا من عائلة واحدة المهم أن تعرف أنك بحاجة في كل لحظة فاتق الله حيثما كنت وانتبه لقوله جل وعز (وما ربك بغافل عما تعملون) (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) وردد يا أخي الحبيب في كل لحظة (وكان الله على كل شيء رقيبا) وتذكر أنه (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ويا أخي الحبيب أين المفر (وهو معكم أينما كنتم) وويل لذلك العاصي (ألم يعلم بأن الله يرى)
وداو ضمير القلب بالبر والتقى
فلا يستوي قلبان قاس وخاشع
فاسمع لما يقال رعاك الله آثار هذا السر في حياة السلف:
وبعد أن تهيأت أيها القلب وسمعت لهذه التقدمة ولعلك لنت إن شاء الله فتعال واسمع وانظر ما هي آثار هذا السر العجيب في حياة أولئك الرجال كيف قلبها فأصبحت حياة حقيقية حياة ذات معنى وذات روح ؟
الأثر الأول: استشعار عظم الذنب مهما كان صغيرا أو كبيرا نعم ما زال هذا السر وهو مراقبة الله وخوف الله في قلوب الصالحين وقلوب أولئك الرجال حتى جعلهم يستشعرون عظم الذنب مهما كان هذا الذنب كان صغيرا أو كبيرا نعم فإن من يخاف الله ويراقب الله هو صاحب مبدأ وصاحب عقيدة وصاحب لا إله إلا الله ولا يهمه الذنب إن كان كبيرا أو صغيرا المهم أنه أخطأ ووقع في الذنب فإذا أخطأ فسرعان ما يرجع سرعان ما يتوب سرعان ما يندم والبشر كلهم خطاءون وخير الخطاءين التوابون. عن [ابن مسعود] قال " إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا –فأشار [أبو شهاب] راوي الحديث بيده- فطار" أي طار ذلك الذباب أخرجه البخاري في كتاب الدعوات باب التوبة وهذا شأن المسلم دائم الخوف والمراقبة يستغفر ويستصغر عمله الصالح ويخشى من صغيرها السيئ والقبيح.
تعال وخذ أمثلة تعال ننتقل لحياة أولئك النبلاء لترى هذا الأثر جليا واضحاً في حياتهم في سلوكهم وتصرفاتهم في أقوالهم وأفعالهم صغيرها وكبيرها.
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدوتنا وحبيبنا روى البخاري في صحيحه في كتاب اللقطة باب إذا وجد تمرة في الطريق من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة علي فراشي فأرفعها لآكلها ـ الرسول يقول ذلك ـ فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها " سبحان الله هذه هي المدرسة المحمدية التي تخرج منها أولئك النبلاء فرسول الله يرسم الخطوط العريضة بالتعامل مع الله بالتعامل في هذه الدنيا في أي أمر من أمورها حتى ولو كانت تمرة حتى ولو كانت تمرة لم يأكلها صلى الله عليه وآله وسلم لماذا ألأنها من تمر الصدقة ؟ لا لأنه خشي أن تكون من تمر الصدقة خشي أن تكون من تمر الصدقة..
القضية عند رسول الله شبهة صلوات الله وسلامه عليه فلم يأكلها بأبي هو وأمي رسول الله.
وفى حديث آخر وفي القصة نفسها وأخرجه أحمد من طريق [عمرو بن شعيب] عن أبيه عن جده قال "تضور النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ـ أي توجع وتقلب ـ فقيل له ما أسهرك؟ قال : إني وجدت تمرة ساقطة فأكلتها ثم ذكرت تمرا كان عندنا من تمر الصدقة فما أدري أمن ذلك كانت التمرة أو من تمر أهلي فذلك أسهرني" فذلك أسهرني، الله أكبر هو السر العجيب الذي تربى عليه أولئك الرجال تمرة تمنع صاحبها ،قد يقول قائلنا في هذه الدنيا هي تمرة ولكنه المبدأ الذي يحمله صاحب لا إله إلا الله في قلبه يتعامل به مع الكبير والصغير مع العالم والمتواضع في أي مكان كان.
ومثل آخر لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه أخرج البخاري في صحيحه في مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج أي يأتيه بما يكسبه من بيعه وشرائه وكان أبو بكر يأكل من خراجه أي من كسب هذا الغلام فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام أتدري ما هذا فقال أبو بكر وما هو قال الغلام كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه فماذا فعل أبو بكر الصديق أيضا القضية شبهة عند أبي بكر رضي الله عنه ثمن كهانة تكهنها غلامه في الجاهلية ومع ذلك وهو قد أكل الطعام فماذا فعل الصديق رضي الله تعالى عنه تقول عائشة فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه أدخل أبو بكر يده في فيه فقاء كل شيء في بطنه هكذا الورع هكذا التقى هكذا مراقبة الله جل وعلا يا أخي الحبيب لا يريد أن يختلط في بطنه أو أن يبني جسده على شيء من الشبهات فضلا على شيء من المحرمات فأين الناس اليوم من هؤلاء.
مثل ثالث أو أثر ثان وهذا الأثر هو بيوت تتربى على الورع ومراقبة الله نعم إن مما أحدثه هذا السر العجيب أن جعل بيوتا كاملة رجالها ونساءها صغارها وكبارها تتربى على الخشية والورع ومخافة الله ولذلك يذكر لنا [القصطلاني] في إرشاد الساري يقول أن امرأة جاءت إلى [الإمام أحمد] والإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة وناصر السنة وقامع البدعة رضي الله تعالى عنه ورحمه صاحب الورع والتقى فقد ألف كتاباً اسمه الورع جاءت المرأة لتسأل الإمام أحمد سؤالا جعل الإمام يبكي هذا السؤال جعل الإمام أحمد يبكي فتقول المرأة واسمع للسؤال جيداً إننا نغزل على سطوحنا فيمر بنا مشاعل الظاهرية ـ أي نور الحرس الذين يجوبون الطرقات بالليل ـ ويقع الشعاع علينا ـ يعني لحظات ـ أفيجوز لنا الغزل في شعاعها أرأيت دقة المسألة ويذكرها ابن المبارك في كتابه بلفظ آخر في كتابه الزهد والرقائق فيقول إن المرأة قالت للإمام أحمد يا إمام إنني أغزل في السطح على ضوء السراج وربما انطفأ السراج فأغزل على ضوء القمر أفيجب علي يا إمام عند بيعي لغزلي أن أبين للمشتري ما غزلته تحت السراج مما غزلته تحت ضوء القمر سبحان الله!! إلى هذا الحد يبلغ الخوف من الله ومراقبة الجبار في قلوب أولئك الرجال هذه امرأة فأين نساؤنا من هذه المرأة هكذا مراقبة الله فيبكي الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه من هذا السؤال ويقول لها من أنت يا أمة الله من أنت عافاك الله فتذكر أنها أخت لـ[بشر الحافي] فيبكي ويشتد بكاؤه ويقول: من بيتكم يخرج الورع الصادق.
نعم يوم أن كانت أمة المسلمين تتربى على الورع وعلى خشية الله وخوف الله تعال وانظر لبيوت المسلمين على أي شيء تتربى اليوم...
نعم أيها الولي ستسأل من الجبار لا من البشر ستسأل عن وسائل التربية التي ربيت عليها قلوب أهل بيتك فبماذا ستجيب أبالتلفاز أم بالمجلات أم بالأفلام أم بأشرطة الغناء أم بماذا ستكون الإجابة كيف تريد أن تكون المرأة صالحة والفتاة خاشية لله والابن مراقب لله سبحانه وتعالى كيف تريد الصلاح وهذه هي وسائل التربية اسمع يقول سليمان بن حرب سمعت [سلمان بن زيد] يقول كنت مع أبى فمررت من حائط فيه تبن وقد كنت صغيرا آنذاك فأخذت عود تبن ـ أي من الحائط ـ فوقف أبي وقال لي لم أخذت كأنه ينهرني فقلت إنما هي تبنه ببراءة الصغير أي لا تساوى شيئا فقال له أبوه يا سلمان لو أن كل إنسان أخذ تبنة هل كان يبقى في الجدار تبن؟ هكذا يربون أبناءهم وصغارهم على أحقر الأشياء وأصغرها حتى إذا شب وعقل لا تمتد يده علي أي شيء مهما كان كبيرا أو صغيرا هذه هي التربية بيوت تربت على الخوف والورع.
بائعة اللبن وما أدراك ما بائعة اللبن قصة مشهورة معلومة معروفة عند الجميع قرأناها عندما كنا صغارا تتكرر علينا كثيرا لكنها تبحث عن الموجه ليوجه هذه القصة للناس وتبحث عن الأب ليربي أبناءه علي هذه القصة فيذكرها ويستخرج الدروس والعبر منها لزوجه لابنته لطفله لنفسه..
عمر بن الخطاب كان ليلة من الليالي يعس في شوارع المدينة فاتكأ على أحد بيوتات المدينة فسمع الحوار التالي بين الأم وابنتها:
تقول الأم: يا بنية أمزجت اللبن بالماء ؟
فتقول البنية: يا أماه أما علمت أن أمير المؤمنين عمر قد نهى أن يمزج اللبن بالماء. فتقول الأم التي تعلق قلبها بالدنيا وبشهواتها وملذاتها والقلب يغفل والعين تغفل فتقول الأم التي غفلت: يا بنية وما يدري أمير المؤمنين عمر بنا !!
نعم من كان يراقب الناس فإن الناس يغفلون وينامون والناس بشر وعرضة للسهو والخطأ فتأتى الإجابة من قلب تلك الفتاة الصغيرة البريئة التي تربت على خشية الله وخوف الله تأتي لتصرخ وتقول لأمها: يا أماه إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا..
الله أكبر على هذه القلوب التي تتربى في سرها وعلنها هكذا هي التربية هكذا والله يا عزة الإسلام عندما يرتعد هذا القلب ويشعر بالحرية والعبودية لله جل وعلا.
قصة رابعة وما أكثر تلك البيوت التي تربت على خشية الله وخوف الله ومراقبة الله عمر أيضا كان يعس كعادته رضي الله تعالى عنه وستأتي لنا سيرة عمر إن شاء الله أو شيء منها كان يعس في شوارع المدينة وأيضا يتكئ على جدار من بيوتاتها وفى ظلمة الليل يسمع أنين تلك المرأة التي تخاطب نفسها وهي على فراشها وقد ذهب زوجها مع جيش المسلمين جنديا في سبيل الله فغاب عنها طويلا فإذا بالمرأة تتمثل هذه الأبيات فتقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه
وأرقني ألا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره
لحرك من هذا السرير جوانبه
يعني بالزنا والعياذ بالله
فو الله لولا الله لا شيء غيره
لحرك من هذا السرير جوانبه0
ولكن ما هو السر العجيب
ولكن تقوى الله عن ذا تصدني
وحفظي لبعلي أن تنال مراكبه
الله أكبر ما أحلى هذا البيت وما أكبر اطمئنان قلبك يا أخي الحبيب وأنت تغادر باب المنزل وقد خلفت امرأة صالحة تخشى الله وطفلا صغيرا يراقب الله وذرية تدمع من خشية الله هكذا تكون بيوت المسلمين وهكذا يكون الوجل والخوف من الله
الأثر الثالث من آثار هذا السر العجيب في حياة النبلاء كثرة الخلوة بالنفس والدمعة المباركة كثرة الخلوة بالنفس نقرأ في سير أولئك الرجال في أولئك سرا أو في حياة أولئك النبلاء نجد كثرة خلوتهم بأنفسهم في ظلمة ليل أو في قطع من خلاء ثم سرعان ما تسيل الدموع على الخدود ما الذي أحدث هذا الأثر إنه السر العجيب رقابة الله وخشية الله جل وعلا.
ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما في الحديث الصحيح "رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" تأمل هذه الصورة جيدا أيها القلب تفكر في هذه الصورة جيدا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه هل مرت عليك هذه اللحظة؟ هل شعرت يوما من الأيام بهذا الموقف؟ هل وقفت ليلة من الليالي وتمثلت هذه الصورة؟ إن الرجال الصالحين وشباب الصحوة والدعاة من الرجال والنساء بحاجة شديدة لهذه الخلوة لننظر إلى أنفسنا وفى عملنا وقولنا وننظر إلى حقيقة أمرنا وسلامة صدورنا إننا بحاجة لهذه الصورة بحاجة لهذا الموقف نذكر نعمة الله ومنته علينا إننا أيها الأخيار بحاجة ماسة وصادقة وملحة لتلك الدمعة الغالية وتلك الدمعة الحارة التي تسيل على الخد في لحظة خلوة بتذكر نعمة الله ثم تذكر عظم الذنب والتقصير في حق الله فلعل الدمع أن يأتي ولعل القلب أن يلين فيترجم ذلك إلى الدمعة الحارة الغالية ما أحوج قلوبنا لمثل هذه الدمعة التي فقدناها في مثل هذا العصر.
إن عمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر أمير المؤمنين ما قرأت يوما في سيرة هذا الرجل وأخطأ دمع العين مجراه نعم لا تقل إنه رجل مشهور لا تقل إن عمر رجل مشهور لا، اقرأ في سيرته فتجد العجب العجاب في حياة ابن الخطاب رضى الله تعالى عنه عمر الذي كان في الجاهلية أقسى قلبا وأغلظه كان يرعب المسلمين فيجلس لهم في الطرقات وفوق الأشجار فيرمي عليهم الأشواك والأحجار حتى وصل الحقد والجفاء في قلب عمر إلى أن يحمل السيف مصلتا ليقتل به أعز البشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهل بعد هذا الحقد حقد ؟ لا ومع ذلك تدخل لا إله إلا الله وتفعل الأعاجيب في قلب هذا الرجل تدخل رقابة الله لتجعل هذا القلب من قلب قاس غليظ كالحجر إلى قلب رقيق لين قريب الدمعة سريع الدقة رضى الله تعالى عنه وأرضاه حتى أن عمر قال عنه صلى الله عليه وآله وسلم يا عمر إذا رآك الشيطان من فج سلك فجا آخر تخاف منه الشياطين وبشره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة فهو من العشرة المبشرين ومع ذلك هل اتكل على هذا لا بل كان إمام الخاشعين والخائفين رضى الله تعالى عنه وأرضاه.
ويروى [ابن أبى شيبة] في مصنفه أن عمر يأتي لـ[حذيفة] ويقول له يا حذيفة قل لي بالله أعدني رسول الله من المنافقين ؟ سبحان الله يتهم نفسه بالنفاق رضى الله عنه وأرضاه.
عمر كان يمر بالآية في ورده فتخنقه فيبقى في البيت أياما يعاد يحسبونه مريضا كما ذكر ذلك الإمام أحمد في كتاب الزهد.
وعمر يذكر الذهبي في السير من صفاته أنه كان في خديه خطان أسودان من أثر البكاء من خشيته لله رضى الله عنه وأرضاه قرأ يوما (إذا الشمس كورت) حتى انتهى إلى قوله تعالى (وإذا الصحف نشرت) فخر مغشيا عليه رضى الله تعالى عنه وأرضاه هذا هو عمر يأخذ عود نبات فيقول يا ليتني كنت هذا العود يا ليت أم عمر لم تلد عمر يا ليتني كنت شجرة تعضد أي تقطع سبحان الله أهذا الخوف وهذه الخشية تخرج من عمر المبشر بالجنة فأين نحن من أنفسنا أيها الأخيار نراجع قلوبنا أيها الأحبة..
فمن يبارى أبا حفص وسيرته
أو من يحاول للفاروق تشبيها
يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها
من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
وهو أمير المؤمنين
يوم اشتهت زوجه الحلوى فقال لها
من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
لا تمطتي شهوات النفس جامحة
فكسرة الخبز عن حلواك تجزيها
وهل يفي بيت مال المسلمين بما
توحي إليك إذا طاوعت موحيها
أي طاوعت نفسك
قالت الزوجة:
قالت لك الله إني لست أرزؤه
مالي بحاجة نفس كنت أبغيها
يعني لم أكن أعتمد على بيت مال المسلمين إنما هو مال عندنا أي سأشتري الحلوى من مال كان موجودا عندي.
قالت أي الزوجة:
قالت لك الله إني لست أرزؤه
مالي بحاجة نفس كنت أبغيها
يقول لها عمر
ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى
فقومي لبيت المال رديها
سبحان الله وهو مالها
ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولى
فقومي لبيت المال رديها
قد فر شيطانها لما رأى عمر
إن الشياطين تخشى بأس مخزيها
هذى مناقبه في عهد دولته
للشاهدين وللأعقاد أحكيها
في كل واحدة من هن نابلة
من الطبائع تغدو نفس راعيها
لعل في أمة الإسلام نابتة
تجلو لحاضرها مرآة ناظرها
حتى ترى بعض ما شابت أوائلها
من الصروح وما عاناه بانيها
وحسبها أن ترى ما كان من عمر
حتى ينبه منها عين غافيها
رحمك الله يا عمر وفى الحديث عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم "لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع" فبشراك يا أخي الحبيب..
أحمد بن حنبل رضى الله تعالى عنه وأرضاه وهو صاحب الورع والخشية يوما من الأيام كان جالسا مع تلاميذه يحدثهم فاقشعر بدنه وشعر بحلاوة الإيمان فقام وتأخر على التلاميذ وذهب أحد التلاميذ ليرى أين ذهب الإمام فاقترب من باب الغرفة أو الحجرة فوجد وسمع الإمام أحمد يتمثل البيتين ويبكي بكاء شديدا رضى الله تعالى عنه سمع الإمام أحمد يقول:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل
خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة
ولا أن ما تخفي عليه يغيب
الإمام أحمد يختلي بنفسه ويردد هذين البيتين ما أحوجنا أيها الأحبة لترداد هذين البيتين والخلوة بالنفس والدمعة المباركة في مثل هذا الوقت.
ذكر الذهبي في السير أن [القاضي الحسين] حكى عن [القفال] أستاذه أنه كان في كثير من الأوقات يقع عليه البكاء حالة الدرس يعني وهو يلقى الدرس
أن القفال كان كثيرا من الأوقات يقع عليه البكاء في حالة الدرس ثم يرفع رأسه ويقول أي القفال ما أغفلنا عما يراد بنا فأين نحن من هذا وأين المدرسون عن هذا أين المربون الذين يربون أبناء المسلمين على هذه الخشية وعن هذا الورع إنك تجول ببصرك في مدارس المسلمين شرقها وغربها وترى سمات الصلاح والتقى والورع على كثير من المدرسين والمدرسات فتسمع ذلك الذي يتناقله القريب والبعيد بوجود الصالحين والصالحات ولكنك تتساءل دائما سبحان الله أين البركة أين الأثر أين أثر أولئك على أبناء المسلمين أين البصمات أين الأطفال الذين تربوا على خشية الله قليل أولئك.
فإذا كان كذلك فلماذا لا نسأل عن السبب ولماذا لا نحاسب النفس ولماذا لا نبحث عن العلاج ؟
في قصة تربوية يذكرها بعض علماء التربية أن شيخا قال لتلاميذه الصغار يا أبنائي ـ وهذه القصة رسالة للمدرسين والمدرسات ـ قال لهم يا أبنائي إذا كان من الغد فلا يأتي أحد منكم إلا وقد جاء معه بدجاجة قد ذبحها في مكان لا يراه فيه أحد فجاء التلاميذ من الغد وكل منهم قد علق دجاجة في يده اليمنى إلا غلاما واحدا فسأله الشيخ يا غلام أين الدجاجة ؟ فقال الغلام ـ اسمعوا التربية ـ فقال الغلام يا شيخ إنك قلت أن أذبح الدجاجة في مكان لا يراني فيه أحد وإنني دخلت الحجرة فوجدت أن أحدا يراني فصعدت السطح فوجدت أن أحدا يراني وما طرقت مكانا إلا وكان ذلك الأحد يراني فقال الشيخ من هذا الذي يراك فقال الصغير فقال القلب الخاشع لله إنه الله إن الله معي في كل مكان يراني.
أرأيت التربية فأين أنت يا أخي الحبيب أين أنت أيها المدرس الفاضل أين أنت أيها الداعية الصادق أين أنت يا أيتها المدرسة الصالحة أين أنتم من تربية أبناء وبنات المسلمين على مثل هذا السر العجيب إننا نحتاج إلى وقفة مراجعة ونظرة إلى النفس فإننا نسمع ونقرأ في حياة النبلاء أنه إذا كان الرجل الصالح لوحده في قريته ومدينته أصلح الله به أهل المدينة إذا فما دهانا وما بالنا وأين أثرنا وأين نتائجنا ؟ والله المستعان وإليه المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الأثر الرابع من آثار هذا السر العجيب في حياة النبلاء حمل هم الآخرة وتعلق القلوب بها نعم إن هذا السر مراقبة الله ما زال يفعل الأفاعيل في قلوب الصالحين حتى جعل تلك القلوب تتعلق بالآخرة فهمومها هي الآخرة وأحاديثها هي الآخرة ودندنتها هي حول الآخرة ولذلك أخرج [ابن ماجة] بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال "من كانت همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا راغمة ومن كانت همه الدنيا فرّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له" أخرجه ابن ماجة بسند صحيح.
نسمع هذا الحديث ثم نرى الأمور الدنيوية هي حديث مجالسنا فتارة عن المشاريع التجارية وتارة عن المعمارية وتارة عن الوظيفة ودرجاتها وأخرى عن المركب وأخرى عن الملبس وأخرى عن المشرب وهكذا حتى الصالح من الناس إن حمل الهم فإذا هو هذا همه.
ابن المبارك رضى الله تعالى عنه وأرضاه كان يوما من الأيام جالسا مع تلاميذه ويروى هذه القصة [القاسم بن محمد] قال كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرا ما كان يخطر ببالي ـ الذي كان يقول ذلك القاسم بن محمد ـ فأقول في نفسي بأي شيء فضل هذا الرجل علينا وقد سمعتم قبل قليل مناقب ابن مبارك في أي شئ فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس بهذه الشهرة إن كان يصلى إنا لنصلى وإن كان يصوم إنا لنصوم وإن كان يغزو فإنا لنغزو وإن كان يحج إنا لنحج قال وكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ انطفأ السراج فقام بعضنا لإصلاح السراج أي خرج للسراج لإصلاحه فمكث هنيهة ـ لحظة من الزمن ـ ثم جاء السراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته وقد ابتلت بكثرة الدموع فقلت في نفسي بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا ولعله فقد السراج فصار إلى الظلمة فذكر القيامة.
سبحان الله لحظة من لحظات هنيهة قد تعد دقائق أو لا تعد أو ثواني أو لا تعد فيرجع السراج فإذا الدموع قد ملأت وجه ولحية ابن المبارك رضى الله تعالى عنه.
قلوب حملت هم الآخرة تعلقت بالآخرة فإذا رأت ظلمة تذكرت ظلمة القبر وإذا رأت نارا تذكرت نار جهنم وإذا رأت نعيما وخضرة تذكرت جنان الفردوس هكذا القلب متعلق بهموم الآخرة يفكر في أحوال القيامة وكل أمر يلحظه في دنياه ويمر على مخيلته ينتقل مباشرة تنتقل تلك الصورة إلى مواقف القيامة وأحوال الآخرة.
ذكر الذهبي في السير أن [أشعب بن شعبة المصيصي] قال قدم [الرشيد] <الرقة> فانجفل الناس خلف ابن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فقالت ما هذا يعني ما هذه الغبرة وما هذا الجمع وهذا العدد من الناس قالوا عالم من أهل <خراسان> قدم قالت هذا والله هو الملك لا ملك هارون الرشيد هذا والله هو الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.
وهكذا الخشية هكذا نتائج الخشية ومراقبة الله تورث المحبة للعبد في قلوب الناس وتضع له القبول في الأرض بكلمته.
وذكر أحمد في الزهد أن ابن مسعود مر على هؤلاء الذين ينفخون الكير فوقع رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأنه مر مرة أخرى على الحدادين فبصر بحديدة قد أحميت فبكى رضى الله تعالى عنه وأرضاه. أرأيت القلب كيف يتعلق بالآخرة وبهمومها.
وذكر [ابن الجوزي] في صفة الصفوة أن [مطرا البرّاق] وصاحبه التابعي [هرم بن حيان] كانا يصطحبان أحيانا بالنهار فيأتيان صوب الرياحين أو الريحان فيسألان الله الجنة ويدعوان ثم يأتيان الحدادين فيعوذان بالله من النار ثم يتفرقان إلى منازلهما يخرجان لهذا الأمر تربية للقلب يعلمون أن القلب يغفل ويسهى وتتراكم عليه الشهوات حتى يصبح والعياذ بالله أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا هذا حال كثير من قلوب الناس اليوم ونستثني الصالح إن شاء الله أمثالكم ونحسبكم كذلك نعم حتى أصبحت قلوب كثير من الناس لا تعرف المعروف ولا تنكر المنكر والعياذ بالله.
ومثال رابع وأخير حول الأثر الرابع وهو حمل هم الآخرة وتعلق القلوب بها وهو التابعي الجليل [الحسن البصري] رحمه الله تعالى وما أدراك ما الحسن الحسن البصري صاحب الدمعة واقرأ في سيرته إن شئت تجد العجب في خشيته وخوفه فقد كان يشتكي جيرانه من كثرة بكائه في الليل وكم من المرات قرع بابه في الليل يظن جيرانه أن به أذى وما به إلا خوف وخشية لله.
اسمع هذه القصة لهذا الرجل يقول [صالح بن حسان] قال أمسى الحسن صائما فجئناه بطعام عند إفطاره قال فلما قرب إليه قال عرضت له هذه الآية (إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما) قال فقرصت يده عنه فقال ارفعوه فرفعناه قال فأصبح صائما فلما أراد أن يفطر ذكر الآية أي في اليوم الآخر ذكر الآية ففعل ذلك أيضا فلما كان اليوم الثالث انطلق ابنه إلى [ثابت البناني] و[يحيى البكاء] وأناس من أصحاب الحسن فقال أدركوا أبي فإنه لم يذق طعاما منذ ثلاثة أيام كلما قربنا إليه ذكر هذه الآية (إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما) قال فأتوه فلم يزالوا به حتى أسقوه شربة من سويق.
إنه رضي الله تعالى عنه لا يتعمد ترك الطعام تزهدا وإنما غلبه هم الآخرة وتذكر أهوالها فجعله لا يشتهي الأكل وتأباه نفسه إن هذه النماذج ليتعثر اللسان وهو يتكلم عنها ويضطرب القلب وهو يفكر بها إجلالا وهيبة لهم رحمهم الله تعالى.
كنا قلادة جيد الدهر وانفرطت
وفى يمين العلا كنا رياحينا
كانت منازلنا في العز شامخة
لا تشرق الشمس إلا في مغانينا
فلم نزل لصروف الدهر ترمقنا
شجرا وتخدعنا الدنيا وتلهينا
حتى غدونا ولا جاه ولا نصب
ولا صديق ولا خل يواسينا
الأثر الخامس من آثار هذا السر في حياة النبلاء وهو الأخير من هذه الآثار في هذه المحاضرة وآثاره كثيرة هضم النفس والإجراء عليها مهما بلغت من الصلاح نعم فإن خشية الله ومراقبة الله جعلت أولئك الرجال يهزمون أنفسهم وجعلتهم يحتقرون هذه النفس فما زالوا في هضمها واحتقار شأنها تربية لها ومحاسبة وإن كثيرا من أهل الخير والصلاح غفل عن قلبه حتى ظن أنه يذكر ولا يذكر ويحدث ولا يحدث وأنه ليس بحاجة إلى موعظة تذكره بالجنة والنار والحساب والعذاب فلا يسمع وإن سمع فللانتقاد والملاحظات ولا يقرأ وإن قرأ فللتدريس والتعليم ولا يصح هذا أبدا يا أخي الحبيب فمن آثار استشعار مراقبة الله في حياة السلف أنهم عرفوا حقيقة أنفسهم وحرصوا على تربيتها فاسمع لـ[سفيان الثوري] أمير المؤمنين في الحديث اسمع لهذا الرجل يقول عنه الإمام الذهبي هو شيخ الإسلام إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه كان سفيان رضى الله عنه لشدة تعلقه بالآخرة واستيلاء همها عليه لكأنه جاء منها فهو يحدثك عنها رأي العين يقول أبو نعيم كان سفيان إذا ذكر الموت لم ينتفع به أياما..،ويقول ابن مهدي كنا نكون عنده فكأنما وقف للحساب.
أرأيت هذه الصفات في هذا لرجل من شدة الخشية والورع، تعال واسمع لهذه القصة العجيبة في حياته اسمع لهذا الموقف العجيب في حياة سفيان يقول أحد تلامذته كنت أتتبع الإمام في خلواته وجلواته في سره وعلنه يقول فرأيت عجبا ومن هذا العجب أنني رأيت أن الإمام سفيان يخرج رقعة من جيبه فينظر إليها يفعل ذلك في اليوم مرارا يقول فعجبت لهذا الفعل وبت إصرارا في معرفة السر فما زلت خلف الإمام أتبعه وألحظه حتى وقعت الورقة في يدي يقول فنظرت إليها فإذا مكتوب فيها ما تتصور يا أخي الحبيب ماذا كتب سفيان في هذه الورقة يقول: فإذا مكتوب فيها يا سفيان اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل لا إله إلا الله سفيان الذي بلغ ما بلغ من خشيته وخوفه لله علم أن نفسه تغفل وحرص على تربية هذه النفس فما زال في هضمها وتربيتها حتى أنه كتب رقعة يذكر بها نفسه كلما حدثته بمعصية، لا إله إلا الله عجبا لهؤلاء الرجال فنقول ما هو السر الذي جعلهم يصلون لهذا نعم إنها رقابة الله وخشية الله نسأل الله جل وعلا أن يملأ قلوبنا بخشيته وخوفه.
إذا يا أخي الحبيب يا أيها الصالح أيها الخير يا من تجلس أمامي ويا من تسمع كلامي رب نفسك على صلاحها ورب نفسك وقل لها وردد عليها في كل لحظة قل لها يا نفس إني أخاف الله يا نفس اتقي الله في ربها على هذا المبدأ تجد عجبا وتشعر بحلاوة الإيمان وأثر اللذة في الحياة الدنيا قبل الآخرة جرب هذا يا أخي الحبيب اسمع لهذا الموقف وهذه الصورة العظيمة التي يرسمها لنا صلى الله عليه وآله وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله نسأل الله أن نكون وإياك وجميع المسلمين منهم بمنه وفضله وكرمه وجوده يقول النبي في آخر هذه الصور ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال ما هي الإجابة؟ انظر لتربية النفس انظر لأثر الخشية والمراقبة على العبد فقال إني أخاف الله أيضا تأمل هذه الصورة جيدا فكر واسرح بخيالك معها امرأة وليست أية امرأة إنها امرأة ذات منصب قادرة على أن تسوي الأمر إذا افتضح وهي ذات جمال وقلوب الرجال تهفو للجمال وهى التي دعته ولم يذهب هو للبحث عنها كل هذه الأحوال وهذا الجو مهيأ للأمور كلها ومع ذلك خوف الله وخشية الله تغطي على هذه الأمور كلها تأتي الإجابة من القلب الخائف الخاشع لله ليقول لتك المرأة إني أخاف الله فرسالة نوجهها إلى أولئك الرجال الذين يركضون خلف النساء والذين يسافرون لأقصى الأرض شرقا وغربا يبحثون عن اللذة نقول أليس لكم في هذا الموقف وفي هذه الصورة عبرة بلى والله لكنها عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
العنصر الآخر كيف الوصول لهذا السر العجيب؟ لعلك يا أخي بسماعك لهذه المواقف ولهذه الآثار ولهذه القصص وأنت كأنك تقول لي:
كرر علي حديثهم يا حادي
فحديثهم يجلو الفؤاد الشادي
أقول لك إن المواقف كثيرة وتكرارها يزيد الإيمان ويرفع حلاوته ولكنما الوقت قصير ولكني أيضا أقول أين أنتم من تكرارها على أنفسكم وأين أنتم من عرضها على أهليكم وأولادكم ثم أين أنتم عنها من الحديث في مجالسكم إنني لأعجب من حديث الناس في مجالسهم حول القصص الغريبة وحول فلان وعلان تارة غيبة وتارة نميمة وتارة كذب وتارة غش وهكذا هى المجالس إلا ما شاء الله منها فأقول هذه هي المواقف وهذه هي سير الصالحين وهذه هي أحاديث رسول الله وهذه هي بضاعتنا أيها الأخيار لماذا لا تعرض في المجالس لماذا لا نحدث بها نساءنا وأولادنا وفتياتنا وأصحابنا في مجالسنا ومنتدياتنا أسألك بالله ألم تحفظ قصة مما ذكر لا شك نعم إذا فلماذا لا تحمل هذه القصة لعلها أن يكون لها أثر في قلب زميل من الزملاء أو ولد من الأولاد أو أنثى ممن يعيش في بيتك فتكون قد نلت الأجر في هداية شخص ولأن يهدين الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم فأقول ولعلك تقول إذا قل بالله عليك وأسرع بالمقال كيف الوصول لهذه الخشية كيف نربي قلوبنا على خشية الله إننا نتأثر ورقت قلوبنا ولانت ولكني أشعر سرعان ما نخرج من هذا المكان وتلفنا الدنيا بشهواتها وملذاتها ننسى كثيرا من هذه المبادئ أما صاحب المبدأ وصاحب العقيدة فلا لأن هذا هو همه دائما فحديثه عن هذا الأمر وكلامه عن هذا الأمر وفعله لهذا الأمر وصفاته حول هذا الأمر وحول مراقبة الله وخشية الله يدندن دائما.
أول الأمور للوصول لهذا السر أولا المعرفة الحقيقية بالله سبحانه وتعالى نعم إننا نقول دائما إننا نعرف الله ولكن هل هذا يكفي لو قلت لك من الله ما هو صفاته ما هي أسماؤه ما هي عقيدتك وتوحيدك في أسماء الله وصفاته لوقفت فاغرا فاك لا تعلم شيئا ولذلك وصل الناس إلى ما وصلوا إليه ولو كان الله يعرف حقيقة لعظم في القلوب وقدر حق قدره سبحانه وتعالى لذلك فأقول من أراد الخشية من الله والخوف من الله سبحانه وتعالى فليتعرف على الله حقيقة المعرفة من خلال أسمائه وصفاته وذلك متمثل في توحيد الأسماء والصفات أليس من أسماء الله عز وجل الرقيب ومن أسمائه الحفيظ ومن أسمائه السميع والعليم والبصير فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة فالمراقبة كما يعرفها أهل العلم قالوا هي ثمرة علمك بأن الله سبحانه وتعالى رقيب عليك ناظر إليك سامع لقولك مطلع على عملك كل وقت وفى كل نفس وكل لحظة وكل طرفة عين فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه بالله وهذه المعرفة تحصل بمراتب ثلاث في توحيد الأسماء والصفات احفظها:
أولا: إحصاء هذه الأسماء بألفاظها وحفظها.
ثانيا: فهم معانيها ومدلولها دون تحريف ولا تعطيل ولا تشويه ولا تتليف.
ثالثا: دعاء الله بها وهو على نوعين دعاء الثناء ودعاء المسألة ومن عرف الله عظمه وأجله ومن عظمه عظم حرماته وأتمر بأمره وانتهى عن نهيه (ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه) ودوام تأمل الأسماء والصفات بالله يورث ذلك حقيقة (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون) فلذلك تعرف إلى الله حقيقة المعرفة.
الأمر الثاني للوصول لهذا السر الإكثار من ذكر الموت وأحوال الآخرة وأنا أعرف يا أخي الحبيب أنني عندما أقول مثل هذا الأمر أنغص عليك عيشك وأقطع عليك لذة حياتك وما بودي ذاك والله ولكنه الأمر الذي لا مفر منه إنه الحقيقة الحق البرهان الموت الذي لا بد كل منا شاربه ولذلك فإن أردت الخشية والخوف فتذكر الموت وسكراته وشدته تذكر القبر وسؤاله وعذابه ونعيمه وضيقه وظلمته وضمته تذكر أهوال يوم القيامة وشدته وطوله والعرض على الله سبحانه وتعالى وتذكر تطاير الصحف وتذكر الميزان والصراط وتذكر حيرة الخلق وهم كالسكارى وزهول العباد يوم الحساب تخيل انخراط الناس من الموقف فمنهم من يساق إلى الجحيم وتسحبهم الملائكة إلى أبوابها عياذا بالله ومنهم من يدخل الجنة فتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي توعدون نسأل الله أن نكون من أولئك إن تذكر ذلك كله يدفع الإنسان إلى العمل الجاد المتواصل فالبكاء والندم بتذكر هذه الأمور لا ينفعان صاحبهما إذا لم يقرنا بالعمل .
الأمر الثالث شهود المنة والفضل وهو أن تتذكر فضل الله سبحانه وتعالى عليك ومنته ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووا الفضل نعم إن الكرماء هم الذين يعرفون الفضل لأهله وأحسبك يا أخي الحبيب إن شاء الله من أولئك الكرماء فانظر لنعمة الله عليك انظر لنعمة الإسلام وحدها انظر إليها ويتضح ذلك عندما ترى أحوال الكفار والبدع وانظر لنعمة الهداية ويتضح ذلك أيضا عندما ترى أحوال الفساق والفجار وانظر لنعمة العافية ويتضح ذلك عندما ترى أحوال المرضى وأهل العاهات فاحمد الله واشكر الله جل وعلا على هذه النعم وهكذا نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تحصي فتذكر أنه قادر سبحانه وتعالى على سلبها بكلمة بكن فيكون وقادر سبحانه وتعالى فكن ذاكرا شاكرا رعاك الله حتى تعبد الله كأنك تراه.
الأمر الرابع تقوية القلب بالجلوس للمؤمنين والصالحين أصحاب القلوب الرقيقة والدمعة الدفيقة احرص على الجلوس مع أولئك الذين يخشون الله ويهابونه وهذا على نوعين إما بمخالطة من بمجالسهم الحسية للصالحين والأتقياء وهم الذين قال عنهم (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) الذين يخشون الله ويراقبونه أو تكون بالإكثار من قراءة قصص الصالحين والنظر في سيرهم أكثر وأدمن في قراءة مثل هذه المواقف فإن الإنسان إذا قرأ وأكثر حاول أن يحاكي تصرفات أولئك وحاول أن يتمثل أفعالهم ويتصف بصفاتهم.
قيل لابن المبارك كما ذكر ذلك الذهبي في السير قال[ شقيق البلخي] قيل لابن المبارك إذا أنت صليت لما لم تجلس معنا قال ابن المبارك أجلس مع الصحابة والتابعين أنظر في كتبهم وآثارهم فما أصنع معكم أنتم تغتابون الناس. فعليك يا أخي الحبيب بالنظر في سير أولئك الرجال حتى يتعلق قلبك بأحوالهم وصفاتهم. وأخيرا اعلم أن الرقابة تتنوع أن رقابة الله عليك تتنوع فلا مفر لك يا أخي الحبيب إن كثيرا من الناس اليوم يتساءلون كيف نقاوم هذا الفساد المنتشر في شرق البلاد وغربها كيف نقاومه؟ يقول قائل إنني أشكي نفسي ويقول قائل إنني أشكي ولدي وضعفه وربما فسقه ويقول قائل أشكو حال زوجي وتمردها علي ويقول قائل أشكو المعاصي ويقول قائل أشكو الشيطان ويقول قائل وهكذا يشكو الناس كثير أو كلهم من أشياء تجمعت وتكالبت على قلوبهم فأين المفر ؟ ما هو العلاج لمثل هذا الأمر؟
أقول إنه السر العجيب إنه تربية النفس سواء كانت نفسك أو نفس زوجك أو ولدك أو بنتك أو غيرهم على رقابة الله فاملأ هذه القلوب برقابة الله ثم انظر يا أخي الحبيب أسألك بالله ألا تعجب في نهار رمضان من المرأة وهى في مطبخها أمام أصناف الأطعمة والمأكولات ومع ذلك هي جائعة وهي عطشى وتريد أن تأكل ولو لقمة أو أن تشرب ولو شربة ومع ذلك لا تفعل سبحان الله من الذي ردها من الذي منعها أن تأكل والطعام أمامها إنها رقابة لا إله إلا الله إنه الخوف من الله ألا تعجب من الرجل في نهار رمضان وفى القيلولة وشدة حر الشمس وهو جائع عطشان ومع ذلك يتوضأ ويتمضمض ويستطيع أن يدخل إلى فيه شيئا من قطرات الماء وهو يتمضمض ويتوضأ ولكنه يحرص كل الحرص على أن لا يدخل فيه أو حلقه شيء ولو كانت قطرة واحدة سبحان الله من الذي رباه على هذا الحرص من الذي جعله يحرص على هذا الأمر وعلى هذه الشدة وهذا الحال إنها رقابة الله أولا تعجب من المسافر وحده في الخلاء وفى الطريق ينظر ساعته ثم يركن سيارته ثم يتوضأ ثم يؤذن ثم يستقبل القبلة ثم يصلي سبحان الله لا يطلع عليه أحد من الناس ولكنها خشية الله ورقابة الله إذا امتلأت بها النفوس والقلوب.
فإذا علمت ذلك فاعلم أن الرقابة تتنوع وهو آخر المطاف رقابة الله على أشكال ولا مفر لك فذكر بهذا نفسك وذكر بهذا أهل المعصية وأهل الشهوة.
أول هذه الأنواع رقابة الملائكة يقول جل وعز (أم يحسبون أنا لا نعلم سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون) ويقول سبحانه وتعالى (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون).
الرقابة الثانية رقابة الكتب فلكل عبد كتاب فيه كل صغيرة وكبيرة قال تعالى (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا).
رقابة ثالثة رقابة الجوارح (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون).
رقابة رابعة: رقابة الجلود (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين).
ورقابة خامسة وأخيرة رقابة الأرض" قرأ صلى الله عليه وآله وسلم يوما سورة الزلزلة فلما وصل إلى قوله تعالى (يومئذ تحدث أخبارها) قال لأصحابه أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال إن أخبارها يوم تحدث أو تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل علي يوم كذا كذا وكذا فهذه أخبارها." أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه والترمذي في سننه وقال حسن صحيح وتعقب الذهبي الحاكم وقال فيه [شريح بن سليمان] وهو منكر الحديث وكذلك أخرجه الإمام أحمد في مسنده وقال عنه [الألباني] في ضعيف الترمذي ضعيف أو ضعيف الإسناد.
هذه الرقابة المتنوعة أين المفر منها يا أخي الحبيب لعلك علمت إذا أنه لا مفر إذا الأبواب موصدة فما بقي أمامك إلا باب واحد مفتوح وهو باب تربية النفس على خشية الله ومراقبة الله هذا هو السر العجيب الذي أردت أن أطلعك عليه الذي قلب حياة أولئك الرجال فجعل حياة النبلاء حياة ذات معنى وذات لذة وذات حلاوة فهل تريد يا أخي الحبيب هذه الحياة ؟ هل تريد أن تشعر بمعنى قيمة الحياة جرب ذلك وحاول أن تتمثل هذا السر فستجد العجب العجاب في حياتك كلها كبيرها وصغيرها.
نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا خشيته في السر والعلن اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك اللهم ألن قلوبنا يا حي يا قيوم اللهم وفقنا لما تحب وترضى اللهم تقبل منا واغفر لنا أجمعين اللهم لا نقوم من مجلسنا هذا إلا وقد قلت لنا جميعا صغيرنا وكبيرنا ذكرنا وأنثانا قوموا مغفورا لكم أنت ولي ذلك والقادر عليه برحمتك ومنك ولطفك يا أرحم الراحمين أستغفر الله وأتوب إليه وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 10:07 PM   #10

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



الشيخ ابراهيم الدويش

بشائر ومبشرات

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه ليلة الاثنين الموافق للتاسع عشر من الشهر العاشر للعام الخامس عشر بعد الأربعمائة والألف وفي هذا الجامع المبارك بمدينة <عيون> .....يتجدد اللقاء مع هذه الوجوه الطيبة المباركة وموضوع هذا اللقاء هو بعنوان بشائر ومبشرات وفي وقت تكالبت فيه المصائب والمحن على المسلمين وفي وقت الجراح تنزف في كل جزء من جسد هذه الأمة في وقت تحشرجت فيه النفوس وضاقت فيه القلوب حتى أصاب كثيرا من الناس اليأس والقنوط فما أن تذكر الأمة الإسلامية حتى تسمع الزفرات والآهات والحوقلة والاسترجاع وكأن الأسباب تقطعت والآمال تدثرت في هذا الوقت العصيب وفي مثل هذه الظروف أزف إليكم أيها الأحبة هذه المبشرات أزفها إليكم لترسم أشعة الفجر الجديد ولتملأ النفوس المسلمة باليقين وأزفها إليكم لتشعر القلوب الحية بالعز والتمكين وليشرق بها أعداء الدين وليغص بها الكافرون والمنافقون أسوق إليكم هذه البشائر وهذه المبشرات وأزفها إليكم تذكيرا للغافل وتنشيطا للذاكر أزف إليكم هذه المبشرات لتحيى بها النفوس الأبيّات بشراكم أيها الأحبة إن ميلاد الأمة قريب ولا بد للميلاد من مخاض ولا بد للمخاض من آلام ومن رحم الظلام يخرج النور والليل إن تشتد ظلمته فإن الفجر لاح
أبشر فهذا الفجر لاح
ها نحن جئنا يا صلاح
قد أدبر الليل العميل
وجاء للدنيا صباح
ما دام عرقي نابض
لن تعرف النفس ارتياح
حتى أرى شعبي
وليس له عن الأقصى براح
إن العالم الإسلامي بأسره يعيش لحظات عصيبة وساعات حرجة يخطها القلم ويسجلها التاريخ ما عليك فقط إلا أن تقرأ إن كنت ممن يقرأ صحيفة أو تنظر مجلة أو تسمع لنشرة أخبار لتقف بنفسك على حال المسلمين في كل مكان وما لم يذكر أو يغفل فهو أكثر ففي البوسنة والهرسك ملايين القتلى والمشردين الأطفال اليتامى والنساء الثكالى والمساجد مهدمة والدماء تسيل أكثر من خمسين ألف مسلمة ينتهك عرضها في البوسنة والهرسك فقط فما بالك <بكشمير> و<الفلبين >و< طاجاكستان >و<الشيشان> و<الصومال> و<أفغانستان> و<أراكان> و<ألبانيا >و<كوسوفو> بل في كل بقعة يذكر فيها اسم الله تعالى إنه التحدي السافر أيها الأحبة إنه التحدي السافر لهذه الأمة في عقيدتها وفي تاريخها وفي إسلامها ومستقبلها أمر مفزع مروع هذا الواقع جعل كثيرا من المسلمين عرضة لليأس نعم جعل كثيرا من المسلمين عرضة لليأس والقنوط ومن ثم للخمول والقعود وأقول إن اليأس في قلوب أنفار هؤلاء ناتج عن الأسباب التالية وباختصار شديد:
أولا : ما نراه أو ما يرونه من جهود الأعداء ومحاربة الإسلام ومواجهة أهله مستخدما أي هذا العدو مستخدما كل طاقاته من تقدم تكنولوجي في العدة والعتاد وكل وسيلة من وسائل الاستعمار الفكري .
ثانيا : بعد الناس عن دين الله وموت الإحساس لدى الكثير منهم فهو لا يعلم عما يجري لإخوانه وإن علم فكأن الأمر لا يعنيه المهم نفسه وماله وهذا هو الهوان الذي أشار إليه الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم عن حب الدنيا وكراهية الموت.
ثالثا : من أسباب اليأس والقنوط عند بعض الناس يقظة الأعداء ومواجهتهم لأي جهد يبذله المسلمون مما حدا بكثير من المسلمين والمسلمات إلى الاستسلام والخمول والتثبيط عند بذل أي جهد فالخوف والرعب يأكل قلوبهم الخوف والرعب يأكل قلوبهم ومما سبق من هذه الأسباب فإنها تقودنا إلى:
سبب رابع من أسباب اليأس وهو سبب مهم جدا غفل أو تغافل عنه كثير من الناس ألا وهو الجهل بالغاية التي خلق من أجلها الإنسان إن كثيرا من الناس لا يعلم لماذا خلق وإن علم فإنه يتغافل عن الهدف الحقيقي الذي من أجله خلق فيا أيها الإنسان أنت خلقت لهدف خلقت لغاية عظيمة نبيلة هي عبادة الله عز وجل عبادة الله بمفهومها الحقيقي الذي عرفه أهل العلم اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة هذا هو تعريف العبادة هذه هي العبادة الحقيقية التي يريدها الله سبحانه وتعالى من عباده لا كما يريده الأعداء العبادة في المسجد لا كما يرسمها الأعداء أن العبادة هي تلك العبادة الكبيرة الصلاة والصيام الحج والزكاة هذه هي عبادة المسلم وما هكذا يريد الله أيها الأحبة إن العبادة التي يريد الله بمفهومها الحقيقي ذلك المعنى العام الذي يشمل كل نواحي الحياة فاسأل نفسك لماذا خلقت أمن أجل أن تأكل وتشرب وتنام وتقوم أمن أجل الملذات والشهوات هذا والله هو شأن الحيوان بل إن ذلك الإنسان أضل من الحيوان اسمع لقول الحق عز وجل يوم أن قال ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ
بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) غفلوا عن الهدف وغفلوا عن الحقيقة التي من أجلها خلقوا فعاشوا أضل من الأنعام عياذا بالله لمجرد الملذات والشهوات لمجرد البيع والشراء لمجرد أن يحيى الإنسان ويذهب في هذه الدنيا بئس الحياة إن كانت هذه هي الحياة التي يعيشها المسلم إنك خلقت لهدف أسمى إنك خلقت لرضى الإله أيها الأخ الحبيب ففكر في نفسك وارجع لنفسك واسألها بصدق هل أنت راض عن نفسك الآن هل أنت راض عن هذا العمر الطويل الذي أمد الله عز وجل به إلى يومك هذا ماذا قدمت لله ماذا قدمت لنفسك يوم أن تقدم على الله عز وجل عندها تقول بملء فيك لا لا وألف لا لعبادة العباد لا وألف لا لعبادة الشهوات والملذات تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش هذه هي عبادة الدنيا كما تبعها كثير من الناس .
والسبب الخامس الجهل بطبيعة هذا الدين هذه الأمور وهذه الأسباب الخمسة وغيرها جعلت كثيرا من الناس يصيبه اليأس وتداخله الشكوك لنصرة هذا الدين وتمكينه في هذه الأرض وحتى نقطع الطريق على هؤلاء المخدرين اليائسين الخائفين فإني أقول وبكل قوة وبكل ثقة ويقين ابشروا أيها الأحبة ابشروا بنصر الله فإن البشائر والمبشرات كثيرة ولله الحمد المهم أن نتفاءل ولنملأ أنفسنا بالتفاؤل وقد يقول قائل لماذا وكيف نتفاءل وواقع المسلمين كما ذكرت وكما نرى ونسمع فأقول يجب أن نتفاءل لأسباب كثيرة منها ومن أهمها أن القرآن الكريم حرم اليأس وندد باليائسين وهذه من أولى البشارات ومن أول البشائر أن القرآن حرم اليأس وندد باليائسين فعالج هذا المرض الخطير بالتحريم القاطع لينقطع دابره من النفوس فلا يجوز للمسلم أن ييئس أبدا فاليأس قرين للكفر واسمع لقول الحق عز وجل ( ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) فاليأس صفة للكافرين واليأس قرين الضلال قال تعالى ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) حذر الله عز وجل من اليأس والقنوط إذن نقول لليائسين المخذلين إن اليأس في دين الله لا يجوز فاحذره فاحذر من اليأس واحذر من التيئيس فإنه أول علامة للهزيمة والفتور والخور النفسي إن أول علامة للهزيمة النفسية التي أصابت كثير من المسلمين اليوم هي في قضية اليأس والقنوط عياذا بالله .
ومن هذه البشائر وهي البشارة الثانية بشائر الكتاب والسنة ولم لم يكن سوى هذه البشائر لكفى فهي نصوص وهي وعود ممن ؟ ممن بيده ملكوت السماوات والأرض ممن بيده الأمر كله فلماذا إذن الضعف والهوان ولماذا الخوف والخور والله سبحانه وتعالى معك مؤيدا لك ناصرا لك أين الثقة في الله أيها الأحبة أين اليقين في قدرة الله وقوته اسمع لهذه الآيات وتدبرها عندما قال الحق عز وجل ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) إظهار دين الله أمر تكفل به الله سبحانه وتعالى وقال سبحانه وتعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) إذن فهذا هو عهد الله واسمع لقول الحق عز وجل يوم أن قال ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ) هذا هو الهدف هذا هو الذي يريد الله عز وجل من عباده ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) وقال سبحانه وتعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) وقال ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) في هذه الآيات أخبر سبحانه وتعالى أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين لكن متى إذا قاموا بنصرة دينه إذا قاموا بواجب الدعوة إلى الله وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقد وعد الله المؤمنين باستخلافهم في الأرض وأن يمكن لهم دينهم وأي أمل للمسلم فوق وعد الله عز وجل وأي رجاء بعد ذلك للمؤمن الصادق يوم أن وعده الحق سبحانه وتعالى هذه بعض نصوص القرآن تعالى واسمع لبعض نصوص السنة النبوية فقد روى الإمام [أحمد] و[البزار] و[الطيالسي] وقال [الهيثمي] عن الحديث ورجاله رجال الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال "إن أول دينكم نبوة ورحمة وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله جل جلاله ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله ثم يكون ملكا جبريا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويلقي الإسلام بجيرانه في الأرض يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارا ولا تدع الأرض من نبات ولا من بركاتها شيئا إلا أخرجته "وروى[ الدارمي ] وأحمد و[ابن أبي شيبة ] عن [أبي خبيب] قال كنا عند [عبد الله بن عمرو بن العاص] وسئل أي المدينتين تفتح أولا <القسطنطينية> أم< رومية> والقسطنطينية هي الآن عاصمة تركيا استنبول وقد فتحت أما رومية فهي عاصمة إيطاليا الآن التي فيها مقر الصليبية والتي فيها دولة الفاتيكان التي تقود الأمة النصرانية في هذا الوقت فجاء عبد الله بصندوق له حلق قال فأخرج كتابا فقال عبد الله "بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي المدينتين تفتح أولا فقال مدينة هرقل يعني القسطنطينية "والحديث حسنه المقدسي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه وقد تحقق الفتح الأول على يد الخليفة العثماني [محمد الفاتح] رحمه الله تعالى وذلك عام ثلاثة وخمسين وأربعمائة وألف للميلاد أي بعد تقريبا ثماني مائة سنة من وعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن ننتظر الآن صدق الوعد الآخر سقوط روما بفضل الله وبمشيئة الله وهذا وعد منه صلى الله عليه وآله وسلم لا بد صائب بمشيئة الله وأيضا روى مسلم وغيره وأصحاب السنن إلا النسائي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " إن الله زوى لي الأرض أي ضمها وجمعها فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها " وفي الحديث الذي رواه [ابن حبان] " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز وبذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر" وأيضا هذان الحديثان يؤكدان رجوع الإسلام إلى مركز الريادة وموضع القيادة ومقام السيادة من شرق الدنيا إلى غربها لتتحقق إرادة الله التي اقتضاها لهذه الأمة الإسلامية منذ الأزل وروى الشيخان والأحاديث كثيرة ولكني اختصرها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود " وهذا الحديث يشير إلى أن اليهود سيجتمعون في مكان ثم يتسلط عليهم المسلمون وهذا هو الواقع الكائن الآن الدلائل تشير إلى هذا فإن اليهود يجمعون أعوانهم ويجمعون أهلهم من كل مكان في فلسطين هذه الأحاديث وأيضا لا ننس أحاديث الطائفة المنصورة وقد وردت عن عدد من الصحابة منها حديث [سعد بن أبي وقاص] رضي الله عنه عند مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" وحديث [أنس ابن مالك] رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره "والحديث رواه أحمد والترمذي وقال الترمذي حديث حسن وصححه الألباني في صحيح الترمذي وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " بشر هذه الأمة بالثناء والنصر والتمكين ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" والحديث رواه أحمد وابنه عبد الله في زوائده وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي على ذلك وقال الألباني في أحكام الجنائز قال إن إسناد عبد الله صحيح على شرط البخاري. من هذه النصوص من القرآن والسنة يتبين لنا أن هذه النصوص كلها بشائر لنصرة الإسلام وتمكينه ألا فليثق الدعاة إلى الله عز وجل في هذه المبشرات مهما كان في الطريق من عثرات (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) ولو لم يكن من البشائر والمبشرات سوى هذه النصوص لكفت فكيف والتاريخ يشهد بذلك وكيف والواقع يتفجر عن ينابيع الإسلام الواقع الآن أيها الأحبة يتفجر عن ينابيع الإسلام وعن قدومه في كل يوم ففي كل يوم نسمع عن حرب للإسلام والمسلمين قادمة من بقاع لم نكن نعرفها ولم نسمع بها وإليك تفصيل ذلك :
من البشائر ثالثا الصراع القائم الآن بين الحق والباطل فصولات الباطل وانتفاش أهله دليل على قوة الحق وقدومه وتململه إن صراع الباطل وانتفاش أهله الآن دليل على قوة الحق وقدومه وتململه فقبل سنوات قليلة لم يكن للمسلمين صوت لا في البوسنة ولا في طاجاكستان ولا في الفلبين ولا في الشيشان ولا في غيرها من بلاد المسلمين أما الآن فإننا نسمع تلك الأمور وتلك الصولات والجولات للمسلمين في كل مكان وفي كل سفح من أنحاء المعمورة هذه الأمور إننا نعتبرها أيها الأحبة ينابيع للإسلام تتفجر عن قدومه وبقوة فماذا قدمنا وما هو دورنا فالإسلام ماض في طريقه للعزة والتمكين سواء بنا أو بغيرنا فيا أيها المسلم ويا أيتها المسلمة سجل لنفسك موقفا يشهد لك عند الله عز وجل كن ممن شارك في نصرة هذا الدين ولو بكلمات صادقة ناصحة من قلب يحترق ويتألم كن ممن شارك في نصرة هذا الدين ولو بشريط أو بكتاب يفتح الله به قلوبا عميا أو أذانا صما كن ممن شارك في نصرة هذا الدين ولو بريالات قليلة تعين بها ملهوفا وتنصر بها مظلوما المهم أن تعمل أن تشعر أنك تقدم فكر وابحث وقلب الأمور وستجد أن بيدك الخير الكثير فلا يقل قائل ماذا أقدم وماذا أعمل فإننا تعدينا مرحلة هذا السؤال والوقوف عند هذا السؤال بكثير .
ومن البشائر أيضا أيها الأحبة وهي بشارة رابعة ذلك الخوف الرهيب والرعب الشديد من الإسلام فلماذا يتعرض الإسلام في هذه الأيام لهجمات مسعورة ولماذا تزداد هذه الهجمات شراسة كلما ظهرت صحوة إسلامية في بلد ما لماذا يتفق أصحاب الشعارات والمبادئ المتناقضة لماذا يتفقون هؤلاء على عدائهم للإسلام وأهله لماذا تثار الشبهات حول الإسلام ومبادئه ومناهجه وعقائده وأحكامه لماذا تثار الحملات الشعواء التي تشنها صحافة الغرب والشرق على الإسلام وأهله لماذا تغزى بلاد الإسلام بوسائل الشهوات والمخدرات ووسائل الخلاعة والمجون المحطمة لقوى الشباب المستنزفة لطاقاتهم وأفكارهم وعقولهم الإجابة واحدة إنهم يخافون الإسلام إنهم يخافون من رجعة قوية للإسلام والمسلمين إنهم يخافون من وحدة المسلمين لقد درس أعداؤنا من الكافرين وأذنابهم الإسلام وعقيدته فعرفوا أنه يربي الرجال والنساء على تقديم كل غال ونفيس في سبيل الله حتى ولو كان المقدم هو الروح فهي رخيصة من أجل الإسلام وفي ذات الله علموا هذه الحقيقة رأوها في الواقع في ساحات الجهاد فلذلك خافوا وهلعوا وأصابهم الرعب الشديد من الإسلام ولتعلم حقيقة هذا الرعب وهذا الفزع الذي أصابهم اسمع لبعض أقوالهم فالحق ما شهدت به الأعداء كما يقال وإني أسوق إليك نذرا يسيرا قليلا مما قالوه عن الإسلام والصور والمقالات التي تبرهن على خوفهم ورعبهم الشديد من هذا الدين هذا قول لـ[مور بيجر] في كتابه العالم العربي المعاصر يقول إن الخوف من العرب واهتمامنا بالأمة العربية ليس ناتج عن وجود البترول بغزارة عند العرب بل بسبب الإسلام يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب التي تؤدي إلى قوتهم لأن قوة العرب تتصاعد دائما مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره .ونحن نسمع مثل هذه المقالة نقول أين شبابنا ليعلموا أن تمزيق وحدة الصف المسلم وبث الفرقة والنزاع وتقسيم المسلمين إلى جماعات وأحزاب إنما هو هدف خلفه من خلفه ألا فليتق الله ألا فليتق الله ذلك المسلم الذي يكون وسيلة لتنفيذ مخططات الأعداء قد يكون وسيلة لتنفيذ مخططاتهم وهو لا يشعر باسم الغيرة على الدين باسم تأصيل العقيدة فافهم العقيدة جيدا وطبقها على الواقع كما يريد الله عز وجل ذلك فإنها صالحة لكل زمان ومكان وإياك أن تكون وسيلة في أيدي أعداء الدين لبث الفرقة والنزاع وتمزيق صف وحدة المسلمين وها هو [فيلب ونداسي] يصرح في كتابه المسمى الاستعمار الفرنسي في أفريقيا السوداء يقول إن من الضروري لفرنسا أن تقاوم الإسلام في هذا العالم وأن تنتهج سياسة عدائية للإسلام وأن تحاول على الأقل إيقاف انتشاره ويقول المستشرق الفرنسي [كيرون] في كتابه باثولوجيا الإسلام يقول وأعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة وتدمير الكعبة ووضع محمدا وجثته في متحف اللوفر ويقول [البرمارشادور] يقول إن هذا المسلم الذي نام نوما عميقا مئات السنين قد استيقظ وأخذ ينادي ها أنا ذا لم أمت إنني أعود إلى لحياة لا لأكون أداة طيعة أو ثقلا من البشر تسيره العواصم الكبرى ويقول أيضا معقبا هو نفسه يقول ومن يدري ربما يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الإفرنج مهددة بالمسلمين فيهبطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية في الوقت المناسب ثم يقول لست أدعي النبوءة ولكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة ولا تقوى كثيرة لا تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها انتهى كلامه هنا ثم تعال واسمع إلى تلك الرسالة السرية التي أرسلها رئيس الوزراء البريطاني [جون ميجور] حين أرسلها إلى الوزير البريطاني للشئون الخارجية يخبره بأنهم لن يوافقوا أبدا على تزويد مسلمي البوسنة والهرسك بالسلاح أو تدريبهم عليهم مهما كانت الظروف وهذه الرسالة نشرتها مجلة الرابطة عدد محرم وصفر وربيع الأول من عام أربعة عشر بعد الأربع مائة والألف من السنة الماضية والرسالة نشرتها المجلة باللغتين العربية والإنجليزية وإليك النص الأصلي واعذرني أن لا أقرأ عليك النص كاملا لطول الرسالة وأقرأ عليك مقاطع من هذه الرسالة يقول في بداية الرسالة مكتب رئيس وزراء ثم يقول السيد دوبلس هوف مكتب الشئون الخارجية والمملكة المتحدة لندن وتاريخ الرسالة ألف وأربعمائة وإحدى عشر يقول السيد دوبلس المحترم أشكرك على التقرير المفصل حول الأوضاع الماضية والحالية في جمهورية البوسنة والهرسك التي كانت جزءا من دولة يوغسلافيا السابقة ثم يقول كما تعرف جيدا من خلال الأحاديث السابقة في المكتب والمناسبات الأخرى فإن حكومة جلالة الملكة لن تغير موقفها تجاه حل القضايا السياسية التالية :
1 – يقول لا نوافق الآن كما أنا لن نوافق في المستقبل على تزويد مسلمي البوسنة والهرسك بالسلاح أو تدريبهم على استخدامه إننا سنواصل دعمنا الحازم لإبقاء الحذر بالسلاح المفروض من قبل الأمم المتحدة على دول هذه المنطقة رغم معلوماتنا الموثقة الواردة عن دعم دول اليونان وروسيا وبلغاريا للجيش الصربي وقيامها بتدريبه والمعلومات أيضا عن قيام ألمانيا والنمسا وسلوفينيا وحتى الفاتيكان بالدور المماثل لدعم كرواتيا والقوات الكرواتية في البوسنة والهرسك ومن المهم جدا أن أننا نعلم يقينا أن جميع الجهود المماثلة المبذولة من قبل الدول والمنظمات الإسلامية لدعم المسلمين قد باءت بالفشل التام ثم يقول إنه يتعين علينا اتباع هذه السياسة حتى لحظة الوصول إلى الهدف النهائي ما هو الهدف وهو تقسيم جمهورية البوسنة والهرسك ومنع قيام الدولة الإسلامية في أوربا وهو الأمر الذي لا يمكن أن نسمح به أبدا وإنه من غير المسموح أن نرتكب في البوسنة والهرسك أو في أي مكان في العالم الخطأ الذي ارتكبناه بتسليح وتدريب المقاتلين الأفغانيين أثناء قتالهم مع الاتحاد السوفيتي وأترك كثيرا من كلامه في الرسالة إلى أن يقول ثانيا من نقاط الرسالة يجب أن نؤكد ضرورة إخفاء حقيقة التحركات السياسية الغربية وبأي ثمن عن كل الدول التي يمكن أن نسميها بالإسلامية وبالذات عن تركيا فيما يتعلق بهذه المنطقة إلى أن تهدأ الأمور في يوغسلافيا السابقة ومن أجل هذا السبب نفسه يتعين علينا الاستمرار في الخدعة التي سميناها بوايس أوين لإحلال السلام بهدف عرقلة كل التحركات إلى أن نقضي على دولة البوسنة والهرسك ويتم تهجير المسلمين منها إلى مختلف دول العالم ثم يقول قد يظهر للبعض أن هذه السياسة قاسية إلا أنه من واجبي أن أطالب بها كل العاملين في مكتب الخارجية لشئون المجموعة الأوربية الذين لهم صلة مباشرة بصنع القرارات السياسية والعاملين في الأجهزة العسكرية ولكني متأكد أن هذه السياسة في حقيقة الأمر السياسة الوحيدة الناجحة من أجل المصلحة العليا وهي مستقبل الأمن الأوربي إلى آخر رسالته وهذه صورة من الرسالة باللغة الإنجليزية .
البشارة الرابعة من البشائر واقع الحضارة المادية الغربية الآيلة للانهيار ومن هذا انهيار الشيوعية فإن انهيار المذهب الشيوعي في ذاته لا بد أن يوضع من المبشرات فقد كانت الشيوعية فتنة لكثير من الشباب في العالم العربي ومن كان يصدق أن تنهار الإمبراطورية الروسية ثم ها هي تلتمس الأعطيات والمساعدات من بقية الدول الأخرى فأين من يعقل ويتدبر روسيا القوة الثانية في العالم التي كانت تنافس الرأسمالية أصبحت اليوم تتلمس المساعدات والأعطيات وأما الرأسمالية التي تمثلها اليوم أمريكا فإن واقع المجتمع الأمريكي في كل مجالاته الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية والإعلامية والتعليمية والاجتماعية وغيرها واقع مفزع مخيف بالنسبة لهم ليس أنا من يقول هذا الكلام ولكي اختصر عليك الوقت وأوثق المعلومات لك فإني أطالبك بالرجوع إلى كتاب بعنوان يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة ارجع لهذا الكتاب وانظر الأرقام والإحصاءات هذا الكتاب تأليف [جيمس باترسون] و[باتر كام] وترجمه للعربية الدكتور [محمد بن سعود البشر] صدر الكتاب بالإنجليزية عام واحد وتسعين وتسعمائة وألف ميلادي يقع في مائتين وسبعين صفحة من القطع المتوسط وهذا الكتاب هو دراسة قامت على إحصاءات واستبانه وأرقام من واقع المجتمع الأمريكي ونتائج هذا الكتاب نتائج مفزعة مخيفة بالنسبة للأمريكيين اسمعوا ماذا يقول الأمريكيون أنفسهم عن هذا الكتاب يقول [إلكس هلي] مؤلف كتاب عن هذا الكتاب كتاب يوم أن اعترفت أمريكا بالحقيقة يقول : كتاب مفزع عندما أنهيت قراءته لم أعرف ماذا أفعل هل أصدع بالحقائق أي التي فيه أم أركض للتلال وأختبئ إنه يعرض لنا حقائق عن أنفسنا لم نشاهدها في أية دراسة أو في أية استطلاعات أو في استطلاعات الرأي ولا حتى في الأحاديث الشخصية وتقول صحيفة نيويورك ديلي نيوز عن الكتاب كلمة واحدة قالت عن الكتاب نتائج مفزعة وأيضا يقول [سيدني جينز] نائب الرئيس التنفيذي لشركة كولومبيا للإنتاج السينمائي يقول كتاب باتر سون وكيم أي المؤلفان يقول قد يكون نقطة الالتقاء حتى تجنب الولايات المتحدة نفسها من كارثة محققة الحقائق المفزعة التي يقدمانها في هذا الكتاب الآن وإلا فلا جدوى .هذا ما قالوه عن هذا الكتاب الذي يعلن عن التصدع الكبير في بنية مجتمعهم وانظر إن شئت كتاب آخر بعنوان السقوط من الداخل ترجمات ودراسات في المجتمع الأمريكي للدكتور محمد بن سعود البشر أيضا وهو عبارة عن مناقشات للقضايا والمشكلات الراهنة التي يعاني منها المجتمع الأمريكي في جميع النواحي .
أقول إن الحضارة المادية الغربية تتهالك اليوم وتسقط سقطت الشيوعية والنذر قادمة لسقوط الرأسمالية ،العالم اليوم بجميع أحواله أيها الأحبة يشكو من إفلاس الأنظمة الأسرية ويتجرع ويلات ومرارة هذه النظم التي دمرت حياتهم فما أكثر الانتحارات وما أكثر اللجوء للخمر والضياع والفساد والشهوات في تلك المجتمعات وطغت هذه النظم على كل جوانب الخير عند ذلك الإنسان وها هو ذلك الإنسان يتطلع اليوم إلى المنقذ الذي يخلصه من ذلك وليس المنقذ أبدا إلا الإسلام هو الذي يتوافق مع الفطرة وهو الذي يحقق للناس مصالحهم في الدنيا والآخرة ويكفي الأنظمة البشرية قصورا وفشلا أنها من صنع البشر يكفيها قصورا وفشلا أنها من صنع البشر وأن دين الإسلام من صنع خالق البشر سبحانه وتعالى .
ومن البشائر وهي البشارة السادسة واقع الأمة البشرية هذا الواقع الذي بدأت تصحو على نداءات المخلصين إن ما نشاهده الآن في أنحاء العالم الإسلامي من صحوة مباركة ومن رجوع صادق إلى دين الله يزداد ولله الحمد والمنة يوما بعد يوم مما يدل دلالة صادقة على إقبال هذه الشعوب عن بكرة أبيها على الالتزام بحقيقة دينها والنهوض بأمتها ناهيك عن إقبال غير المسلمين على الدخول في دين الله عز وجل أقرءوا الصحف اقرءوا المجلات انظروا في اليوم الواحد كم يسلم من المشركين والكفار كم أعداد أولئك الذين يدخلون الإسلام سواء من الرجال أو النساء هذا ما يذكر في الصحف والمجلات وما لم يذكر فهو أكثر فأقول هذا كله رغم قلة الإمكانات وقلة الجهود المبذولة للدعوة فكيف لو تحرك المسلمون كيف لو تحرك الصادقون كيف لو تألفت القلوب وعرفت الهدف الذي من أجله تعيش فتحركوا للدعوة إلى الله عز وجل كيف لو عاشرنا أولئك العمالة من الكفار والمشركين الذين يعيشون معنا في تجاراتنا ومؤسساتنا كيف لو عاشرناهم بخلق حسن وكيف لو دللناهم على دين الله عز وجل بحق كيف لو وجهنا هذه الأمة كيف لو نصحنا وأمرنا بمعروف ونهينا عن منكر بكلمة طيبة لينة لوجدنا أثر ذلك أيها الأحبة هذه النتائج رغم قلة العاملين فالله الله أن تكون ممن سلك نصرة هذا الدين فإن الدين منصور بك أو بغيرك أيها الحبيب .
ومن البشائر أيضا وهي بشارة سابعة وأخيرة التاريخ الذي برهن على انتصارات الأمم المغلوبة برهن على انتصارات الأمم المغلوبة على أعداءها ونحن لسنا أمة مقطوعة إن لنا تاريخا نستلهم منه الدروس والعبر وما أكثر تلك اللحظات الحرجة وأوقات الفتن والمحن التي مرت بالأمة الإسلامية فقط ما عليك ألا أن تقلب صفحات التاريخ لتقف على تلك اللحظات ففي التاريخ عجائب الأمور وفيه تقلبات الزمن وتصاريف القدر وفيه سنة الصراع بين الإيمان والجاهلية اقرأ التاريخ لتربط هذه الأحداث اليوم بتاريخنا العريق يوم أن يبين لنا الدروس والعبر فيه ما يصيب الدعاة من المحن والبلاء وعاقبة الصبر على الطريق تعالى أيها المسلم لأقلب وإياك صفحات ثلاث فقط صفحات ثلاث من تاريخنا كانت هذه الصفحات لحظات رهيبة وحرجة عصيبة على المسلمين فكيف تعامل معها المسلمون وكيف نجى الله سبحانه وتعالى الصادقين ولماذا ينتصر أعداء الدين على المسلمين ويحصل لهم التمكين في بعض الأحايين .
الصفحة الأولى إنها تلك اللحظات الحرجة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في غزوة الأحزاب ذلك الرعب الذي روع أهل المدينة وأفزعهم خلاصة حال المسلمين في هذه اللحظات أعددها لكم في النقاط التالية :
تجمع الأحزاب من كل مكان قريش غطفان بنو أسد بنو سليم بنو مرة قبيلة أشجع فزارة ومن اليهود أيضا بنو قريظة وبنو النضير تجمعت هذه الأعداد وضرب حصار محكم منها على المدينة وهذا يذكرنا بتجمع أعداء الدين اليوم كلهم على هذا الدين وعلى الأمة الإسلامية .
ثانيا غدر اليهود وخيانتهم ونقضهم للعهد في المدينة وهذا هو ديدنهم الذي أخبر الله عز وجل عنهم في الكتاب وستظل هذه الصفات إلى يوم القيامة لأنها إخبار من الله عز وجل في القرآن وإخبارات منه صلى الله عليه وآله وسلم في السنة .
ثالثا : مكائد المنافقين وتسللهم لواذا متعللين بالأكاذيب وتثبيطهم للنفوس وبثهم للرعب والفزع في القلوب المريضة وقد قال منافق منهم ويدعى[ معاتب بن قشير] قال في هذه اللحظات قال كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط كلمات تثبيط وتخذيل كما يفعله كثير اليوم من المنافقين .
رابعا الجوع المقعد وفقدان الزاد حتى ربط النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بطنه حجرا من شدة الجوع وكما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه عند البخاري قال يؤتون بملء كف من الشعير فيصنع لهم في إهالة والإهالة هي ودق تحلب من دسم اللحم وشحمه سنخة أي متغيرة فاسدة الطعم توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتنة ثم قال في الحديث وقد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا ولا نطعم شيئا ولا نقدر عليه .
نقطة خامسة من وصف حال المسلمين في تلك اللحظات حفر الخندق والأحوال الجوية فالبرد شديد ونقلهم التراب على أكتافهم وظهورهم كما في حديث البراء عند البخاري قال "كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه "أو كما في رواية أغبر بطنه وفي لفظ حتى وارى عنه التراب جلدة بطنه صلى الله عليه وآله وسلم
سادسا الخوف على النساء والعجزة والأطفال وهم من وراء المجاهدين في أطم المدينة والسعي لحمايتهم بعد غدر اليهود من وراءهم .
سابعا : قلة المسلمين وقلة السلاح والعتاد أمام تجمع الأحزاب وقوتهم وكثرة عتادهم كل هذه الظروف تجمعت على المسلمين في تلك اللحظات في تلك الساعات الحرجة العصيبة وتعال واسمع لوصف الحق عز وجل اسمع لوصف الله سبحانه وتعالى وهو يصف حال المسلمين في هذه اللحظات الحرجة يقول سبحانه وتعالى (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) هذا وصف الله سبحانه وتعالى للموقف (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) ثم يقول سبحانه وتعالى (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ) (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ) انظر التثبيط والتخذيل وقد يقع في ذلك كثير من ضعاف المسلمين اليوم (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ) إنها صورة الهول الذي روع المدينة والكرب الذي يشن لها الذي لم ينج منه أحد من أهلها وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب من أعلاها ومن أسفلها قال [محمد بن مسلمة] وغيره كان ليلنا بالخندق نهارا وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو [أبو سفيان بن حرب ]في أصحابه يوما ويغدو [خالد بن الوليد] يوم كان مشركا يوما ويغدو [عمرو بن العاص] يوم كان مشركا يوما ويغدو [هبيرة بن أبي وهب] يوما ويغدو [عكرمة بن أبي جهل] يوما ويغدو [ضرار بن الخطاب] يوما حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفا شديدا تقول [أم سلمة] رضي الله تعالى عنها شهدت أي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف <المريسيع> و<خيبر> وكنا <بالحديبية> وفي <الفتح> و<حنين> ولم يكن من ذلك أتعب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أخوف عندنا من <الخندق> وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع فيها تكبير المسلمين حتى يصبحوا خوفا حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا كيف تعامل المسلمون مع هذه اللحظات الحرجة ومع هذا الموقف وكيف كان حالهم في وقت الفتن والشدة ماذا فعلوا في هذه الساعات العصيبة لم يترددوا لحظة في نصرة الله عز وجل ولا في نصرة دينه بل كانت هذه الشدائد وهذه الفتن وهذه المحن مادة للطمأنينة والثقة والاستبشار واليقين لقد كانوا رضوان الله تعالى عليهم ناسا من البشر يجزعون ويضعفون ويضيقون بالشدة لكنهم كانوا مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله عز وجل وتمنعهم من السقوط وتجدد فيهم الأمل وتحرسهم من اليأس والقنوط ولذلك اسمع لموقفهم كما يصفه الله تعالى اسمع لموقف المؤمنين الصادقين في الفتن ومواقف الشدة يوم أن تمسكوا بالعروة الوثقى يوم أن تمسكوا بلا إله إلا الله فعرفوا أنه لا قادر على شيء في هذا الكون إلا الله وبعد إذن الله سبحانه وتعالى يقول سبحانه وتعالى (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) في الفتنة والشدة ما في تراجع بل هذه دلائل وهذه بشائر ومبشرات على أن هذه نصرة للإسلام ولذلك (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) لما رأوا الأحزاب تجمعت عليهم من كل ناحية وتكالبت الظروف عليهم التي ذكرناها قالوا (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) هذه صورة الإيمان الواثق المطمئن هذه صورة مشرقة مضيئة للمؤمنين الصادقين وهم في مواجهة المحن والشدائد ولا عجب فهم تلامذة المدرسة المحمدية ففي هذه اللحظات الحرجة وفي هذه المصائب والشدائد التي تجمعت على المسلمين فإذا به صلى الله عليه وآله وسلم يبشرهم بسقوط حكم كسرى وقيصر في هذه اللحظات العصيبة فإذا به صلى الله عليه وآله وسلم يقول عندما يضرب الحجر بمعوله يقول "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة سبحان الله ثم يضرب الثانية فيقول الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله لأبصر قصر المدائن ثم يضرب الثالثة فيقول الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء في مكاني هذه الساعة "والحديث أخرجه أحمد والنسائي من حديث [البراء بن عازب] وإسناده حسن وأصل الحديث عند البخاري في صحيحه في كتاب المغازي والأعجب من هذا أنه لما وصله صلى الله عليه وآله وسلم غدر اليهود غدر بني قريظة ونقضهم للعهد وهي مصيبة أخرى على تلك المصائب التي تجمعت عليه وعلى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومع ذلك كله اسمع لليقين قال صلى الله عليه وآله وسلم "الله أكبر ابشروا بنصر الله وعونه إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وأخذ المفتاح وليهلكن كسرى وقيصر ولتنفقن أموالهما في سبيل الله "هذا في اللحظات التي يأتيه الخبر أن اليهود قد غدروا قال صاحب الظلال رحمه الله وحين نرانا ضعفنا مرة أو زلزلنا مرة أو فزعنا مرة أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق فعلينا ألا نيأس من أنفسنا وألا نهلع ونحسب أنا هلكنا وأننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبدا ولكن علينا في الوقت ذاته ألا نقف إلا جوار ضعفنا لأنه من فطرتنا البشرية ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا هنالك العروة الوثقى عروة السماء وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة ونسترد الثقة والطمأنينة ونتخذ من الزلزال بشيرا للنصر فنثبت ونستقر ونقوى ونطمئن ونسير في الطريق وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام فأقول ما أحوجنا لمثل هذا التوازن في مثل هذا الزمن .
الصفحة الثانية : لما استولى الصليبيون على كثير من البلاد الإسلامية والمسجد الأقصى ما يقارب قرنا من الزمن حتى ظن الكثير من المسلمين وغير المسلمين أنه لا أمل في انتصار المسلمين على الصليبيين وأنه لا رجاء في رد أرض فلسطين مع المسجد الأقصى إلى حوزة المسلمين ولا سيما بعد أن فتكوا في الأنفس وذبحوا من المسلمين في اليوم الواحد فقط أكثر من ستين ألفا حتى أن الدماء سالت أنهارا في شوارع القدس وقد بلغت حد الركب واسمع [لابن كثير] يقول في البداية والنهاية لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة سنتين وتسعين وأربعمائة أخذت الإفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألفا من المسلمين وجاسوا خلال الديار وتبروا ما علو تتبيرا قال [الجوزي] وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلا من فضة زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم وأخذوا تنورا من فضة …وثلاثة وعشرين قنديلا من ذهب وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغيثين على الإفرنج إلى الخليفة والسلطان منهم [القاضي أبو سعد الهروي] فلما سمع الناس في بغداد هذا الأمر الفظيع هالهم ذلك وتباكوا وقد نظم أبو سعد الهروي كلاما قرئ في الديوان وعلى المنابر فارتفع بكاء الناس وندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج للبلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد وخرج [ابن عقيل] وغير واحد من أعيان الفقهاء فساورا في الناس فلم يفد ذلك شيئا إذا ماتت قلوب الناس وأصابها الخوف والهلع والعياذ بالله ماتت فلم يفد ذلك شيئا فإن لله وإنا إليه راجعون حتى إن [إرناط] أمير <الكرك> ولم يكن في الإفرنج أشد منه عداوة للمسلمين سطا على قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام فأخذ أموالهم وضرب رقابهم وهو يقول أين محمدكم دعوه ينصركم من كان يظن أن هذه البلاد ستتحرر في يوم من الأيام على يد البطل [صلاح الدين] في معركة حاسمة ويصبح للمسلمين من الكيان والقوة والعزة والسيادة ما شرف التاريخ قال ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان وأسفر وجه الإيمان واغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان ودارة دائرة السوء على عبدة الصلبان وذلك عشية الجمعة فبات الناس على مصافهم وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوما عسيرا على أهل الأحد وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر فطلعت الشمس على وجوه الإفرنج واشتد الحر وقوي بهم العطش وكان تحت أقدام خيولهم حشيشا قد صار هشيما وكان ذلك عليهم مشئوما فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط فرموه فتأجج أي ذلك الحشيش نارا تحت سنابك خيولهم فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال وتبارز الشجعان ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة فحملوا وكان النصر من الله عز وجل فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم ثلاثين ألف في ذلك اليوم وأسر ثلاثون ألفا من شجعانهم وفرسانهم وكان في جملة من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم وهو الذي يزعمون أنه صلب عليهم مصلوب وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله ودمغ الباطل وأهله حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفا وثلاثين أسيرا من الإفرنج وقد ربطهم بطنب خيمة وباع بعضهم أسيرا بنعل ليلبسها في رجله وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين فلله الحمد دائما كثيرا طيبا مباركا …انتهى كلامه رحمه الله تعالى ،من كان يظن أنه ستحدث هذه الأحداث وستتحرر هذه البلاد بعد تلك الأمور التي سمعتموها من تسلط الصليبيين ومن أذاهم للمسلمين .
صفحة ثالثة وأخيرة من صفحات التاريخ التي تبرهن على أنه مهما كان حال بيت المسلمين إلا أن العز والتمكين سيكون النصر للمؤمنين وهذه الصفحة هي لما خرب المغول والتتار العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ونهبوا الأموال وداسوا القيم وفتكوا في الأنفس والأعراض فتكا ذريعا حتى قيل إن جبالا شامخة وأهرامات عالية أقامها [هولاكو] من جماجم المسلمين واسمع [لابن الأثير] وهو يروي لنا الخطب والحدث في كتابه الكامل في الجزء التاسع يقول ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام لقد بقيت عدة سنين هذا كلام ابن الأسير لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها فأنا أقدم إليه رجلا وأأخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا إلا أني حفني جماعة من الأصدقاء على تصديرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا فنقول هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها عمت الخلائق وخصت المسلمين وقال قائل إن العالم ومذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها إلى أن وصف هذا الحدث بصفات عجيبة قريبة من أرادها يرجع إليها هناك قال وهؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة كأنه يسوق لنا ما يدور الآن في بعض الدول العربية هؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شرها وعم ضررها وصارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح فإن قوما خرجوا من أطراف الصين وبلغوا إلى <طاجاكستان> مثل <كاشر> و<بلاسعون> ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل <سمرقند> و<بخارى> وغيرهما فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ثم تعبر طائفة منهم إلى <خراسان> فيفرغون منهم ملكا وتخريبا وقتلا ونهبا ثم يتجاوزونها إلى <الري> و<همذان> و<لاد الجبل> وما فيه من البلاد إلى حد <العراق> ثم بلاد< أذربيجان> و<أرانية >ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلا الشريد النادر كل هذا في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله إلى أن قال أيضا ففعلوا فيها أي في بلاد <الهند> و<سيجستان> و<كرمان> وغيرها ففعلوا فيها مثل ما فعل هؤلاء وأشد ما لم يطرق الأسماع مثله فإن [الإسكندر] الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة إنما ملكها في نحو عشرين سنة ولم يقتل أحدا إنما رضي من الناس بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمورة في الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلا وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة في نحو سنة شوف إذا سلط الله عز وجل الأعداء والعياذ بالله في نحو سنة ولم يبت أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخير وغير ذلك إلى أن قال ولقد بلي الإسلام والمسلمين بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم منها ثم قال في آخر الأمر فإنا لله وإنا إليه راجعون .
نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين نصرا من عنده فإن الناصر والمعين والذاب عن الإسلام معدوم (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) أقول ونحن نسمع هذا الوصف من ابن الأثير رحمه الله تعالى نتعجب ونفرغ أفواهنا اندهاشا ونحن نسمع مثل هذه الكلمات ونقول من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد هذه الأحداث من كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة وتدول لهم دولة بعد هذه الأحداث التي وصفها ابن الأثير رحمه الله تعالى كل هذه الأحداث أيها الأحبة والتاريخ مليء بمثل هذه الصفحات وغيرها من مواقف الشدة والمحن التي أصابت المسلمين أقول كل هذه بشارات وبشائر تدل على أن ما يحدث للمسلمين اليوم من ضيق وشدة ومحن أن بعدها فرج وأن بعدها نصر لكن المهم أن ننصر نحن دين الله أن نقوم بواجبنا كما سأبين بعد قليل .
أقول مفهوم خاطئ يجب ألا يفهم من كان يظن أننا نقصد بالتفاؤل إذا طلبنا التفاؤل لمجرد الفرح والاطمئنان وبالتالي الركون ودنو الهمة ووهن العزائم والانشغال في الدنيا والتغني بهذا التفاؤل ليل نهار وذكر مثل هذه البائر وأعداء الإسلام يخططون ويعملون ويكيدون فهو مخطئ أو من كان يظن أننا نقصد بذلك مجرد السرور والاطمئنان المؤدي للثقة المفرطة والحماس المؤدي بدوره إلى التهور والانفعال اللذين يؤديا إلى عاقبة غير مرضية ونتائج محرجة إنما نقصد بالتفاؤل الثقة بنصر الله والفوز والنجاح وعدم تأثر المسلمين جميعا بما يوضع لهم من عراقيل بل إن ذلك يزيدهم طموحا وتفاؤلا لأنهم واثقون بنصر الله الثقة واليقين بنصر الله هذا هو ما نقصده بالتفاؤل والأمل في نصر الله وتأييده لجنده هو سبيل الراشدين والفائزين بالنصر ( وإنا جندنا لهم الغالبون ) فالمؤمنون وحدهم هم المتفائلون وغيرهم هم اليائسون فاسلك أخي المسلم فاسلك رعاك الله طريق المؤمنين العاملين المتفائلين فالفوز حليفك إن شاء الله وتذكر قول الحق عز وجل ( هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) .
سؤال قد يرد على الخاطر يسأله كثير من الناس اليوم في مجالسهم ومنتدياتهم لماذا يمكن الله الكافرين من المسلمين ولماذا ينصرهم عليهم ولماذا ينتصر أعداء الله عز وجل على المسلمين ؟ هذا السؤال قد يرد على خاطر كثير من الناس أقول الإجابة أسوقها إليك من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إغاثة اللهفان في الجزء الثاني صفحة ثلاثة وسبعين ومائتين عندما قال رحمه الله وانتبه إلى هذا الكلام فإنه كلام نفيس جميل جدا الأصل أن نتناقله وأن نردده على مسامعنا وعلى الناس حتى يتبين لنا لماذا يبتلينا الله عز وجل بمثل هذه المصائب يقول الأصل الثاني أن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانا فيه حكم عظيمة لا يعلمها على التفضيل إلا الله عز وجل فمنها استخراج عبوديتهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤالهم نصرهم على أعدائهم ولو كانوا دائمين منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصور عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ولا كانت للحق دولة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارة وكونهم مغلوبين تارة فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه وخضعوا له وانكسروا له تابوا إليه وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا عدوه ونصروا أولياءه .
ومنها أي من الحكم أنهم لو كانوا دائما منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة فيتميزوا بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه إذن التمييز بين الصادق من غيره من حكم ابتلاء الله للمؤمنين تمييز الخبيث من الطيب ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) هذا هو الأصل حتى يميز الله الخبيث من الطيب كيف نكتشف أن هذا المؤمن مسلم بحق كيف نكتشف إسلام هذا الإنسان إلا بالابتلاءات والفتن والشدائد هنا يتضح المؤمنون الصادقون ويتضح المنافقون الذين صابوا قلوبهم بالخوف والهلع عند الشدائد والمحن .
يقول ابن القيم ومنها أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء وفي حال العافية والبلاء وفي حال إدالاتهم والإدالة عليهم فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالتين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها ولا يستقيم القلب بدونها كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب وأضدادها فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع .
يقول ومنها أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد قال ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين أمنوا ويتخذ منكم شهداء ) إذن من الحكمة ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) (ويمحص الله الذين أمنوا ويمحق الكافرين ) وليمحص الله الذين أمنوا يخلصهم من ذنوبهم من غفلتهم مما تراكم عليهم من الغفلة والذنوب فإن في هذه الابتلاءات تمحيص وتخليص وتهذيب لهم من الله عز وجل وأيضا اتخاذ للشهداء منهم في مثل هذه الأمور ثم يقول سبحانه وتعالى (َأمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ
اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) .
ذكر سبحانه أنواعا من الحكم التي أديل عليهم الفار بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوا من الإيمان وسلاهم بأنعم وإن مسهم القرح في طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداؤه القرح في عداوته وعداوة رسوله فقد مس القوم قرح بعداوته وعداوة رسوله أنت على حق يا أخي الحبيب أنت على مذهب صادق أنت على عقيدة صادقة أنت على مبدأ لا إله إلا الله إن مت ففي الجنة وإن حييت فبعزة وكرامة أما أعداء الله عز وجل فهم على أي حال خسروا الدنيا والآخرة ذكر بمثل هذا حتى تقوم حتى تعمل حتى تتحرك لنصرة هذا الدين بما تستطيع ثم يقول ابن القيم رحمه الله ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس فيصيب كلا منه نصيب منها كالأرزاق والآجال ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه ولكن أراد أن يعلمهم موجودين وشاهدين فيعلم إيمانهم واقعا ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء فإن الشهادة درجة عالية عنده ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل في سبيله فلولا إدالة العدو تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر وأن حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم وأحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم فهذه بعض حكمه في نصرة عدوه عليهم وإدانته في بعض الأحيان انتهي كلامه رحمه الله تعالى .
وهذا الكلام كما ذكرت كلام يجب أن نرجع إليه وننظر فيه ونتناقله بين المجالس ونبينه للناس حتى يعلم الناس حقيقة الابتلاءات التي تحصل للمسلمين .
أخيرا وصايا ونتائج ولكي تتم الفرحة بهذه البشائر ولكي تلحق أنت أيها الأخ الحبيب بالركب ولتنال شرف نصرة هذا الدين فإليك هذه الوصايا التي لا يتم الموضوع إلا بها :
أولا : يتعجب بعض الناس من هيمنة الغرب ودوره القيادي فأقول لا تعجب لا تعجب أيها الحبيب فإن من سنة الله عز وجل في خلقه أن من عمل وسعى وبذل جهده وطاقته في تحصيل مقصد أو هدف وصل إليه ما لم تقم بعض الموانع والأسباب الحائلة دون ذلك فالمسلمون حين يستجمعون قوتهم حين يستجمعون أسباب التوفيق والتمكين المادية والمعنوية فإنهم يصلون إلى ما وصل إليه الغرب وأكثر أقصد في القيادة والريادة فهم مع ذلك أي المسلمون يملكون العون من الله والتوفيق لأنهم حملة دينه وحماة شريعته إذن فالغرب وصل إلى ما وصل إليه الآن بالجد والعمل والمثابرة ولو عمل المسلمون بهذه الأسباب لنالوا ذلك لأننا نتفوق على الغرب بالعقيدة بلا إله إلا الله فإن تخلينا عن لا إله إلا الله وتخلينا عن هذا الدين انخفضنا وارتقى الغرب علينا وأصبحت القيادة والريادة كما هو حال الناس اليوم .
ثانيا : متى يكون هذا النصر للإسلام : اليوم أم غدا أم بعد سنوات هذا سؤال ربما خطر على بعض الناس فأقول المهم أن تثق بنصرة هذا الدين وقد لا تشهد أنت هذه النصرة ولكن اسأل نفسك هل أنت ممن صنع هذه النصرة هل أنت ممن شارك في هذه النصرة ما هو رصيدك من العمل والدعوة والعبادة ما هو رصيدك من البذل والتضحية والصبر في سبيل الله ومن أجل هذا الدين إن النصر لا ينزل كما ينزل المطر وإن الإسلام لا ينتشر كما تنتشر أشعة الشمس حين تشرق ألم تقرأ في القرآن قول الحق عز وجل حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا بعد الشدة وبعد وصول الأمر منتهاه جاء الفرج وجاء النصر ألم تسمع قول الحق عز وجل (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ) بلغ الأمر منتهاه (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ) إذن فالأمر يتطلب منا أن نبذل ما نستطيع من جهود مالية وبدنية وفكرية لنشر الخير ابذل يا أخي الحبيب ما تستطيع من أي جهد مالي أو فكري أو بدني لنشر الخير فالصور كثيرة وأبواب الخير كثيرة جدا والدعوة في هذا المجتمع وإصلاح ما نراه فيه من خلل مهما بذل الإنسان من جهد فإنه قليل في ذات الله عز وجل .
الوصية الثالثة الاستمرار بالدعاء والإلحاح فيه وعدم الانقطاع خاصة عند حدوث الفتن ونزول المصائب وهذا الأمر مطلب شرعي تركه والغفلة عنه سبب للعذاب اسمع لقول الحق عز وجل يوم أن قال (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) نعوذ بالله من قسوة القلب
وصية رابعة موتانا في الجنة وموتاهم في النار فالدنيا لهم والآخرة لنا حقيقة نسيها المسلمون حتى أصبحت الدنيا لكثير من المسلمين غاية وهدفا فأصابهم الهوان والذل وهذا هو واقع كثير من المسلمين والله يقول ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) والهوان قد يكون الالتفات إلى الدنيا وشهواتها وملذاتها.
الأمر الخامس والأخير لا ننس ضعف كيد الكافرين مهما كان عملهم ومهما كانت قوتهم فإن سعيهم في ضلال مهما كان هذا الكيد ومهما كان هذا الجهد لحرب الإسلام والمسلمين ومهما اتبعوا من وسائل فإن الله عز وجل يقول (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ) انظر المبادئ انظر العقيدة (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ) يكفي هذا فخرا ونصرا ( والَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) .
الله عز وجل أيها الأحبة يخبرنا أن كيد الشيطان ضعيف أن كيد الشيطان وأولياء الشيطان كيد ضعيف لكن هذا الكيد المهم أنه كيد ما دام أنه وجد ضعفا في المسلمين فسيكون الأعلى مع ضعفه ومع هوانه وحقارته ما دام وجد من المسلمين هوانا وضعفا فإن هذا الكيد الضعيف مادام كيدا وعملا ارتقى وأصبح عاليا على المسلمين وإلا فكيد الشيطان وأولياء الشيطان كيد ضعيف وقال عز وجل (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ) المهم اعمل تحرك فكر ابذل لهذا الدين ادع لله عز وجل كيفما استطعت سجل في موازين أعمالك وفي حسناتك أعمالا صالحة سجل فيها أناسا اهتدوا وصلحوا على يديك وستجد أثر ذلك تحرك إلى الله عز وجل ابذل ما تستطيع حرك الأمة معك فكر في حال الأمة احمل هم الدنيا وهم هذه الأمة ستجد بعد ذلك نصرة الله عز وجل وستجد التوفيق من الله عز وجل لأن الله عز وجل أخبرنا أنه موهن كيد الكافرين مهما كان هذا الكيد ومهما بلغ وقال عز وجل ( وما كيد الكافرين إلا في ضلال ) وقال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) هذه هي الحقيقة بعد ذلك توكل على الله عز وجل بعد ذلك قم يا أيها الأخ الحبيب ولا يصيبك الهوان ولا يصيبك الخمول ما دمت واثقا بنصرة هذا الدين وواثقا في هذه البشائر وهذه المبشرات .
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه اللهم إنا نسألك للإسلام نصرا مؤزرا ، اللهم إنا نسألك للإسلام نصرا مؤزرا في كل مكان اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك اللهم انصر عبادك المخلصين في كل مكان الله أعل مكانتهم الله احفظهم بحفظك يا حي يا قيوم اللهم إنك خير حافظ وأنت أرحم الراحمين اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين سوء فأشغله بنفسه اللهم أشغله بنفسه اللهم اجعل كيده كيدا عليه اللهم اجعل كيده تدبيرا عليه اللهم من كاد للإسلام بأمر سوء فكده يا حي يا قيوم اللهم اجعل تدبيره تدبيرا عليه اللهم اجعلنا من جندك المخلصين اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين اللهم انفع بنا اللهم انفعنا وانفع بنا اللهم أقر أعيننا بعزة الإسلام والمسلمين سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك نشهد أن لا إله إلا أنت وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.


































  رد مع اقتباس
قديم منذ /15-08-2009, 10:10 PM   #11

مريم العلي

عـزيـز عـلـى قـلـوبـنـا

 
الصورة الرمزية مريم العلي

 

 آلحــآلة : مريم العلي غير متواجد حالياً
 رقم العضوية : 5147
 تاريخ التسجيل : Jul 2009
 الجنس : أنثى
 المگان : الكويت
 المشارگات : 9,317
 التقييم: 20995



افتراضي رد: صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ ابراهيم الدويش



الشيخ ابراهيم الدويش
غثاء الالسن

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ـ صلي الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد أحبتي في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وهذه ليلة الجمعة الموافق للعاشر من شهر الله المحرم للعام السادس عشر بعد الأربعمائة والألف للهجرة النبوية الشريفة وفي هذا الجامع المبارك جامع الراجحي بمدينة >جدة< نلتقي وإياكم مع موضوع بعنوان :غثاء الألسنة والغُثاء بالمد والضم ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره وغثاء الألسنة أراذل الناس وسقطهم ، والغث هو الرديء من كل شيء وغث حديث القوم فسد وردأ وغث فلان في حديثه إذا جاء بكلام غث لا معني له وما أكثر الكلام الفاسد الذي يدور في مجالس المسلمين أيا كانوا كبارا أو صغارا رجالا أو نساء إن غثاء الألسنة اليوم يزكم الأنوف ويصم الآذان ويصيبك بالغثيان والدوار ويصيبك الغثيان والدوار وأنت تسمع حديث المجالس اليوم لا نقول ذلك في مجالس العامة ودهماء الناس فقط بل وللأسف وأقولها بكل أسى حتى في مجالس الصالحين وفي مجالس المعلمين والمتعلمين غثاء الألسنة في الكذب والنفاق والغش والخداع غثاء الألسنة في الغيبة والنميمة والقيل والقال غثاء الألسنة في أعراض الصالحين والمصلحين والدعاة والعلماء في الوقت الذي سلم فيه أعداء الإسلام من اليهود والنصارى والرافضة والمنافقين غثاء الألسنة في التدليس والتلبيس وتزييف الحقائق وتقليب الأمور غثاء الألسنة في التجريح والهمز واللمز وسوء الظن غثاء الألسنة في الدخول في المقاصد والنيات وفقه الباطن غثاء الألسنة بكل ما تحمله هذه الكلمة من غثائية وغث وغثيث وغثيان وما هي النتيجة؟ النتيجة بث الوهم والفرقة والخصام والنزاع بين المسلمين وقطع الطريق علي العاملين وإخماد العزائم بالقيل والقال إنك ما إن ترى الرجل حسن المظهر وسيماه الخير وقد تمسك بالسنة في ظاهره إلا وتقع الهيبة في قلبك والاحترام والتقدير في نفسك وما أن يتكلم فيجرح فلانا ويعرض بعلان وينتقص عمرا ويصنف زيدا إلا وتنزع المهابة من قلبك ويسقط من عينك وإن كان حقا ما يقول نعم وإن كان حقا ما يقول وإن كان صادقا فيه فلا حاجة شرعية دعت لذلك وإن دعت تلك الحاجة فبالضوابط الشرعية وبالقواعد الحديثية فإن لم تعلمها أيها الأخ الحبيب وإن لم تعلميها أيتها المسلمة فما نستطيع أن نقول إلا أمسك عليك لسانك إن للمصنفات في الجرح والتعديل أو إن المصنفات في الجرح والتعديل مئات المجلدات لكن اقرأ فيها وتمعن فيها وكيف كان الجرح فيها فشتان بين الجرحين لقد كان خوف الله عز وجل ميزان دقيق لألسنتهم رحمهم الله تعالى وكان هدفهم هو تمييز صحيح السنة من سقيمها ولكن ما هو الهدف اليوم؟ نعوذ بالله من الهوى ومن الحسد ومن الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق أيها الأخ الحبيب أيتها الأخت المسلمة إلى متى ونحن نجهل أو نتجاهل أو نغفل أو نتغافل عن خطورة هذا اللسان؟ مهما كان صلاحك ومهما كانت عبادتك ومهما كان خيرك ومهما كان علمك ومهما كانت نيتك ومهما كان قصدك فرحم الله [ابن القيم] رحمة واسعة يوم أن قال في الجواب الكافي: من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالا يذل بالكلمة الواحدة أبعد مما بين المشرق والمغرب والعياذ بالله وقال أيضا في الكتاب نفسه: إن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله تعالى وما اتصل فيه وما أجمل هذا الكلام ولذلك أقول أيها الأخ الحبيب ويا أيتها الغالية: احذر لسانك وانتبهي للسانك واحبس لسانك وأمسك عليك لسانك أمسك عليك لسانك هو جزء من حديث نبوي أخرجه الترمذي في سننه وأحمد في مسنده وابن المبارك و الطبراني وغيرهم من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال صلي الله عليه وآله وسلم: "أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" وفي لفظٍ "أمسك عليك لسانك" والحديث صحيح بشواهده وأنا هنا لا أدعوك للعزلة وإنما أقول أمسك عليك لسانك إلا من خير كما في الحديث الآخر "فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير" والحديث رواه [أحمد] و[ابن حبان] وغيرهما وهو صحيح كما سيأتي إن شاء الله وحفظ اللسان علي الناس أشد من حفظ الدنانير والدراهم كما يقول [محمد بن واسع] رحمه الله تعالى ولأن كثرة الكلام تذهب بالوقار ومن كثر كلامه كثر سقطه ولأننا نرى الناس أطلقوا العنان لألسنتهم فأصبح ذلك اللسان سلاحا لبث الفرقة والنزاع والخصام والشتائم وفي مجالات الحياة كلها وبين الرجال والنساء بحد سواء ولكثرة الجلسات والدوريات والاستراحات ولأن الكلام فاكهة لهذه الجلسات كان لابد من وضع ضابط ولابد من تحذير وتذكير للناس في مثل هذه الجلسات ولأنك ستسمع الكثير إن شاء الله تعالى من الأسباب التي جعلتني أختار مثل هذا الموضوع من خلال هذه العناصر وهي: خطر اللسان أدلة من الكتاب والسنة، السلف الصالح مع اللسان، صور من الواقع، النتيجة النهائية ، واسمع قبل ذلك كلاما جميلا جدا للإمام [النووي] رحمه الله تعالى في كتاب الأذكار يوم أن قال: فصل؛ اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما تظهر المصلحة فيه ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة ، اسمع للفقه اسمع لفقههم رحمهم الله تعالى ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة يعني كان قول الكلام أو تركه المصلحة واحدة فالسنة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه بل هذا كثير أو غالب في العادة والسلامة لا يعدلها شيء …انتهى كلامه رحمه الله ، خطر اللسان أدلة من الكتاب والسنة هل قرأت القرآن ومر بك قول الحق عز وجل (ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد) هل تفكرت في هذه الآية إنها الضابط الشرعي (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) أسمعت أيها الإنسان أسمعت أيها المسكين إنها رقابة شديدة دقيقة رهيبة تطبق عليك إطباقا كاملا شاملا لا تغفل من أمرك دقيقا ولا جليلا ولا تفارقك كثيرا ولا قليلا كل نَفَسٍ معدود وكل هاجسة معلومة وكل لفظ مكتوب وكل حركة محسوبة في كل وقت وفي كل حال وفي أي مكان عندها قل ما شئت وحدث بما شئت وتكلم بمن شئت ولكن اعلم أن هناك من يراقبك اعلم اعلم أن هناك من يسجل وأن هناك من يعد عليك هذه الألفاظ (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) إنها تعنيك أنت أيها الإنسان إنها تعنيكِ أنت أيتها المسلمة (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) هذه الآيات والله إنها لتهز النفس هزا وترجها رجا وتثير فيها رعشة الخوف ، الخوف من الله عز وجل قال ابن عباس: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) قال: يكتب كل ما تكلموا به من خير وشر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت أو قولك أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عُرِضَ قوله وعمله فأقر فيه ما كان من خير أو شر وألقي سائره واسمع للآيات من كتاب الله تقرع سمعك وتهز قلبك إن كان قلبا مؤمنا يخاف من الله عز وجل (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) (إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) وأخيرا (إن ربك لبالمرصاد) فربك راصد ومسجل لكلماتك ولا يضيع عند الله شيء أما أنت أيها المؤمن أما أنت يا من يقال عنك ويدور عنك الحديث في المجالس أما أنت أيها المظلوم فإن لك بهذه الآية تطمينا فلا تخف ولا تجزع فإن ربك لبالمرصاد ، لبالمرصاد لمن أطلقوا لألسنتهم العنان في أعراض العباد ، لبالمرصاد للطغيان والشر والفساد فلا تجزع بعد ذلك أيها الأخ الحبيب ولنزداد بينة في خطر هذا اللسان الذي بين لحييك فاسمع لهذه الأحاديث باختصار، فعن [بلال بن الحارث المزني] ـ رضي الله تعالى عنه وأرضاه ـ أن رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه" اسمع : يكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه "وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة" والعياذ بالله والحديث أخرجه [البخاري] في صحيحه وكان [علقمة] يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث أي هذا الحديث، اسمع لحرصهم ـ رضي لله عنهم وأرضاهم: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث كما ذكر ذلك [ابن كثير] في تفسيره فأين أنت يا علقمة من أولئك الذين يلقون الكلمات على عواهنها فلا يحسبون لها حسابا كم نلقي أيها الأحبة وكم نلقى أيتها المسلمة من الكلمات تظن أنها ذهبت أدراج الرياح وهي عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينساه احسب لهذا الأمر حسابه حتى تعلم أن كل كلمة مسجلة عليك أيها الأخ الحبيب ، وعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول : "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق" والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وفي رواية لمسلم: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" أسألك العفو يا إلهي، إن شغلنا الشاغل اليوم في مجالسنا أيها الأحبة هو بث الكلمات ونشر الشائعات وكم من كلمة قصمت ظهر صاحبها وهو لا يعلم ولا شك أن فساد المجالس بسبب قلة العلم والإطلاع ، إذ لو وجد هذا العلم لاستغلت المجالس أحسن استغلال ولسمعت النكت العلمية والفوائد الشرعية والمسائل الفقهية بدلا عن القيل والقال والغرائب والعجائب ولكن فاقد الشيء لا يعطيه وهذا أثر من آثار الجهل الذي يتفشى اليوم بين كثير من الناس إسهال فكري، وإسهال كلامي أصاب كثيرا من مجالس المسلمين اليوم إنك تجلس المجالس الكثيرة بل ربما لم يمر عليك يوم من الأيام ولا ليلة من الليالي إلا وجلست مجلسا فبماذا خرجت من هذه المجالس؟ ما هي النتيجة وما هي الثمرة من هذه المجالس التي جلستها أيها الأخ الحبيب لا شك أن هذا أثر من آثار الجهل الذي يتفشى في صفوف المسلمين اليوم وقلة البركة حيث أصبح العلم مصدر رزق لكثير من الناس ولذلك تجد في المجلس الواحد عشرات المدرسين والمتعلمين ومع ذلك يذهب المجلس هباء بدون فائدة بل ربما ذهب والعياذ بالله بالآثام وجمع السيئات وفي حديث [معاذ] الطويل قال رضي الله تعالى عنه ـ أو قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قال معاذ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال" انظر الوصية "فأخذ بلسانه ثم قال: كف عليك هذا، كف عليك هذا، قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به" بعض الناس قد يجهل أنه سيؤاخذ بكل كلمة تكلمها كانت خيرا أو شرا "وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" والحديث أخرجه الترمذي في سننه وقال: حديث حسن صحيح ، وفي حديث [سهل بن سعد] رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" والحديث أخرجه البخاري في صحيحه وفي آخر حديث [سفيان بن عبد الله ] ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال في آخره "قال: قلت : يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا" والحديث أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده والترمذي في سننه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ثم يوجه المصطفي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأمته تلك القاعدة الشرعية والمعيار الدقيق ولمن اختلطت عليه الأوراق وليقطع الشك باليقين وليسلم من الحيرة والتردد فيقول كما في حديث [أبي هريرة] ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيرا أو ليصمت" قاعدة شرعية تربوية منهجية نبوية ميزان معيار دقيق لك أيها المسلم ولك أيتها المسلمة يوم أن تجلس مجلسا "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر" انظر للتربية ربى هذه القلوب باليوم الآخر "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" ولأن النفوس اليوم غفلت عن اليوم الآخر وتعلقت بالدنيا وشهواتها ولذاتها غفلت عن هذه القاعدة الشرعية النبوية ونسيت الحساب والعذاب في اليوم الآخر ونسيت الجنة والنار أو غفلت عنها وبالتالي انطلق اللسان يفري في لحوم العباد فريا بدون ضوابط وبدون خوف ولا وجل لماذا؟! لماذا هذه القاعدة؟ لأنه لا يصح أبدا أن يؤذي المسلم إخوانه بلسانه ولأن المسلم الصادق والمحب الناصح هو من سلم المسلمون من لسانه ويده كما في حديث [أبي موسى الأشعري] المتفق عليه والأحاديث في الباب كثيرة مستفيضة وكم نحن بحاجة إلى من يردد هذه الأحاديث على مسامع الناس كم نحن بحاجة أيها الأخيار يا طلبة العلم أيها الصالحون كم نحن بحاجة إلى أيتها الصالحات إلى أيتها الخائفات القانتات العابدات الساجدات كم نحن بحاجة إلى من يردد على المسلمين والمسلمات أمثال هذه الأحاديث ليتذكروها وليعوها وليفهموها جيدا حتى تتذكر النفس كلما أراد اللسان أن ينطلق في كلمة يحسبها ، يحسب لها حسابها قبل أن يخرج لسانه بهذه الكلمات واسمع لرواة هذه الأحاديث من السلف الصالح ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ يوم أن سمعوها علما وعملا وامتثالا للمصادر الشرعية الكتاب والسنة وإليك الأدلة من حياتهم العملية ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ السلف الصالح مع اللسان ، أسوق إليك أيها الأخ الحبيب مواقف قليلة، قليلة جدا، كيف كان حال السلف الصالح مع ألسنتهم؟ ذكر الإمام [مالك] في الموطأ عن [عمر بن الخطاب] ـ رضي الله تعالى عنه وأرضاه ـ أنه دخل على [أبي بكر الصديق] وهو يجبذ لسانه أي: يجره بشدة وهو يجبذ لسانه فقال له عمر: مه غفر الله لك فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد ، من القائل؟ الرجل الأول بعد الأنبياء والرسل ـ رضي الله تعالى عنه وأرضاه ـ القائل أبو بكر انظر لحرصه على لسانه ـ رضي الله تعالى عنه وأرضاه ـ قال رجل رأيت [ابن عباس ] آخذا بثمرة لسانه وهو يقول أي ممسكا بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم ، قال: فقال له رجل: يا ابن عباس مالي أراك آخذ بثمرة لسانك تقول كذا وكذا قال ابن عباس: بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيء أحنق منه على لسانه ، يعني لا يغضب على شيء من جوارحه أشد من غضبه علي لسانه والأثر أخرجه [ابن المبارك] وأحمد و[أبو نعيم] وأيضا أخرجه أحمد في كتاب الزهد والمتن بمجموع طرقه حسن والله أعلم، وقال [عبد الله بن أبي زكريا]: عالجت الصمت عشرين سنة ، انظر للحساب أنظر النفس، عالجت الصمت عشرين سنة فلم أقدر منه على ما أريد ، وكان لا يدع يعاتب في مجلسه أحد ويقول: إن ذكرتم الله أعناكم وإن ذكرتم الناس تركناكم والأثر ذكره أبو نعيم في الحلية وكان [طاووس بن كيسان] ـ رضي الله تعالى عنه ـ يعتذر من طول السكوت ويقول: إني جربت لساني فوجدته لئيما *** هؤلاء هم رضي الله تعالى عنهم ـ فماذا نقول نحن على ألسنتنا وذكر [هناد بن السري] في كتابه الزهد بسنده إلى الحسن أنه قال يخشون أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة ، حميد الطويل لأنهم بينوه أو نسبوه لأنه طويل حميد الطويل يخشون أن يكون غيبة رحمة الله عليهم أجمعين وأخرج [وكيع] في الزهد وأبو نعيم في الحلية من طريق [جرير بن حازم] قال: ذكر [ابن سيرين] رجلا فقال: ذلك الرجل الأسود، يريد أن يعرفه، ذلك الرجل الأسود ثم قال أستغفر الله إني أراني قد اغتبته، وكان [عبد الله بن وهب] رحمه الله يقول: نذرت أني كلما اغتبت إنسانا انظر للمحاسبة مرة أخري نذرت أني كلما اغتبت إنسانا أن أصوم يوما فأجهدني يعني تعبت فكنت أغتاب وأصوم فنويت أني كلما اغتبت إنسانا أن أتصدق بدرهم فمن حب الدراهم تركت الغيبة جرب هذا كلما اغتبت إنسانا أو ذكرته بسوء ادفع ولو ريالا واحدا، الله العالم بحالنا الآن سنجد أنه في آخر الشهر لم يبق من الراتب ولا ريال واحد لأننا أعرف بأنفسنا أيها الأحبة في مجالسنا والله والمستعان، قال الذهبي معلقا في السير علي قول [عبد الله بن وهب] قال: هكذا والله كان العلماء وهذا هو ثمرة العلم النافع، قال [النووي] في الأذكار: بلغنا أن [قس بن ساعدة]، و[أكثم بن صيفي] اجتمعا فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصى والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب ووجدت خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها خصلة إن استعملتها سترت العيوب كلها كما قال: ما هي؟ قال حفظ اللسان، قال [إبراهيم التيمي]: أخبرني من صحب [الربيع بن خثيم] عشرين عاما ما سمع منه كلمة تُعَاب ، الله المستعان، عشرين عاما ما سمع منه كلمة تعاب والأثر أخرجه وذكره [ابن سعد] في الطبقات وقيل له أي للربيع :يا أبا يزيد ألا تذم الناس؟ فقال: والله ما أنا عن نفسي براض فأذم الناس، إن الناس خافوا الله علي ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم، وصدق رحمه الله صدق ألا ترون أيها الأحبة الآن أننا في مجالسنا نقول: نخشى عذاب الله من فعل فلان، ونخاف من عذاب الله عز وجل من قول علان ولا نخشى من عذاب الله عز وجل من أفعالنا وأقوالنا هذا ظاهر في مجالسنا نتحدث ونقول والله نخشى من عذاب الله من أفعال فلان وعلان ولكننا ننسى أن نخاف على أنفسنا من عذاب الله من ذنوبنا وأفعالنا وأقوالنا ارجع لنفسك وانظر لعيوبها قبل أن تنظر لعيوب الآخرين وتتكلم فيهم وقال [حماد بن زيد] :بلغني أن محمد ابن واسع كان في مجلس فتكلم رجل فأكثر الكلام، فقال له محمد: ما على أحدهم لو سكت فتنقى وتوقى، أي اختار كلماته وحسب لها حسابها وقال[ بكر بن مُنَيَّر]: سمعت أبا عبد الله البخاري أمير المؤمنين صاحب الصحيح ـ رضي الله تعالى عنه وأرضاه ـ يقول: أرجو أن ألقي الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا اسمع للثقة أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا، والبخاري له كتب في الجرح والتعديل له مؤلفات في الجرح والتعديل ويقول الذهبي في السير أيضا معلقا على قول البخاري هذا: صدق رحمه الله ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه فإن أكثر ما يقول يعني أشد ما يقول البخاري إذا أراد أن يجرح رجلا يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر ونحو هذا وقل أن يقول فلان كذاب أو كان يضع الحديث حتى إنه قال إذا قلت فلانا في حديثه نظر فهو متهم واهن وهذا معنى قوله لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا وهذا هو والله غاية الورع انتهى كلام الذهبي، هذه مواقف للسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع اللسان والآن تعال إلى صور من الواقع وهي عبارة عن مواقف مبعثرة وأحداث متعددة تتكرر في مجالسنا كثيرا اخترت منها عشرة مشاهد أسوقها إليك فأصغني سمعك وفهمك وأحسن الظن في فلعلي لا أحسن التصوير أو ربما خانني التعبير وما أريد يعلم الله إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ومن الصور المشاهدة في مجالسنا وأولى هذه الصور حديث العامة أن فلانا فيه أخطاء وفلان الآخر فيه تقصير والثالث فيه غفلة والرابع لا يسلم من العيب الفلاني وهكذا أقاموا أنفسهم لتقييم الآخرين وجرحهم ولمزهم فيا سبحان الله نسينا أنفسنا نسينا عيوبنا وتقصيرنا وغفلتنا وكثرة أخطائنا ولو أعمل عاقل فكره في الجالسين أنفسهم لوجدوا فيهم بذاءة في اللسان وسوءا في المعاملة والأخلاق فهو إن حدث كذب أو وعد أخلف أو باع واشترى فغش وخداع وإن جاء للصلاة نقرها نقر غراب ؛مقصر في الفرائض مهمل للنوافل في وظيفته تأخر وهروب وإهمال واحتيال وفي بيته وسائل للفساد وضياع للأولاد وعقوق للأرحام كل هذه النقائص وهذه المصائب عميت عليه فنسيها في نفسه عميت عليه فنسيها في نفسه وذكرها في إخوانه فلم يسلم منه حتى ولا الصالحون المخلصون فيا أيها الأخ والله إني عليك لمشفق ولك محب فأمسك عليك لسانك وكف عن أعراض الناس وإذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك كما قال [ابن عباس] وقال أبو هريرة: يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجبء في عينه وقال [عون بن عبد الله]: ما أحسب أحدا تفرغ لعيوب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه وقال [بكر بن عبد الله المزني]: إذا رأيتم الرجل مولعا بعيوب الناس ناسيا لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به.
إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى
ودينك موفور وعرضك صين
فلا ينطقن منك اللسان بسوءة
فكلك سوءات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معائبا
فدعها وقل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
ودافع ولكن بالتي هي أحسن
صورة ثانية من الصور التي تقع في واقعنا ، جلسوا مجلسهم فبدأ الحديث فذكروا زيدا وأن فيه وفيه ثم ذكروا قول عَمْرٍ فأتقنوا فن الهمز واللمز والعجيب أن معهم فلانا الصالح العابد الزاهد القائم الصائم والأعجب أن من بينهم طالب العلم فلانا الناصح الأمين والحمد لله لم يتكلما وسكتا ولكنهما ما سلما لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، ولأن المستمع شريك للقائل ما لم يتبع المنهج الشرعي "من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار"من رد عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار والحديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث [أبي الدرداء] والحديث حسن بشواهده فيا أيها المسلم إذا وُقِعَ في رجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصرا وللقوم زاجرا وانصر أخاك ظالما أو مظلوما وقل للمتحدث أمسك عليك لسانك فإن استجاب وإلا فقم عنهم (أيحب أحدكم أن يأكل لخم أخيه ميتا فكرهتموه) واسمع لكلام [ابن الجوزي] الجميل في تلبيس إبليس قال رحمه الله: وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه وهو آثم بذلك من ثلاثة وجوه أحدها: الفرح فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب، والثاني: لسروره بسلب المسلمين والثالث: أنه لا ينكر، انتهى كلامه رحمه الله، ويقول[ ابن تيميه] رحمه الله في الفتاوى في الجزء الثامن والعشرين صفحة سبع وثلاثين ومائتين يقول: ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى وانتبه لهذا الكلام النفيس الجميل ومنهم أي من الناس من يخرج الغيبة في قوالب شتى تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب وإنما أخبركم بأحواله ويقول والله إنه مسكين أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت أو ربما يقول دعونا منه الله يغفر لنا وله وإنما قصده استنقاصه وهضما لجنابه ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقا وقد رأينا منهم ألوانا كثيرة من هذا وأشباهه انتهى كلامه رحمه الله ، صورة ثالثة اتهام النيات والدخول في المقاصد من أخطر آفات اللسان يتبعه تبديع الخلق وتصنيف الناس وتقسيمهم إلى أحزاب وهم منها براء وقد يتبع ذلك أيمان مغلظة وأقسام وأحلاف بأنه العليم بفلان والخبير بأقواله فيا سبحان الله أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قصده ومبتغاه؟ أين أنت من قول القدوة الحبيب صلى الله عليه وسلم "إني لم أؤمر أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم" والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه ورحم الله ابن تيميه يوم أن قال في الفتاوى في الجزء التاسع عشر صفحة اثنين وتسعين ومائة قال: وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وفي الصحيح قال: قد فعلت، والحديث عند مسلم في كتاب الإيمان فيا أخي الحبيب أمسك عليك لسانك والزم الورع والتقى ومراقبة الله عز وجل وأشغل نفسك في طاعة الله أنفع لك عند الله فعن البراء ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: "جاء أعرابي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال دلني على عملٍ يدخلني الجنة ـ انظر للحرص ـ دلني على عمل يدخلني الجنة قال صلى الله عليه وسلم أطعم الجائع، واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير" والحديث أخرجه أحمد وابن حبان وغيرهما وهو صحيح وعند مسلم قال: "تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك" سبحان الله انظر لفضل الله عز وجل علي عباده، إن كفك شرك عن الناس صدقة تكتب لك عند الله عز وجل، فيا أيها الأخ الكريم إن أبواب الخير كثيرة وأعمال البر عديدة فأشغل نفسك فيها فإن عجزت فكف لسانك إلا من خير وإن أبيت إلا أن تكون راصدا لأقوال الناس حارسا لألسنتهم فقيها ببواطنهم فحسبنا وحسبك الله . صورة أخري سمع ذلك المتحدث أو بعضا من كلماته بدون إصغاء جيد المهم أنه فهم فحوى الكلام وعرف قصد المتكلم أو هكذا زعم، انتبهوا لهذه الصورة لأنها تحصل لكثير منا، سمع ذلك المتحدث أو بعضا من كلماته بدون إصغاء جيد ، المهم كما يزعم أنه فهم فحوى الكلام وعرف قصد المتكلم أو هكذا زعم، أو قرأ ذلك الخبر أو الكتاب ها هو يلتهم الأسطر نظراته تتقافز بسرعة بين الكلمات التي تساقط منها الكثير لفرط السرعة ، المهم كما يزعم أنه فهم فكرة الكاتب وعرف قصده، ثم انتقل إلى المجالس ليؤدي ما تحمله ويزكي علمه، هكذا سولت له نفسه فذكر حديث فلان وخبر علان وأنه قال كذا وكذا فشرق وغرب وأبعد وأقرب فقلب الأقوال وبدل الأحوال وما أوتي المسكين إلا من سوء فهمه والتسرع في نقله أو في القراءة قول الآخرين ما لم يقولوا وقديما قيل: وما آفة الأخبار إلا رواتها
وكم من عارف قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأذهان منه
على قدر القرائح والفهوم
صورة أخري إننا نغفل أو نتغافل فنتكلم في المجالس ونذكر العشرات بأسمائهم فإذا ذكرنا مذكر أو حذرنا غيور بأن هذه غيبة قلنا: هذا حق وما قلنا فيه صحيح وقد يسرد لك الأدلة والبراهين على ما يقول فيزيد الطين بلة فيا سبحان الله أليس النص واضح وصريح ألم يقل الصحابي لرسول الله صلي اله عليه وسلم: "أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال ـ أي النبي صلى الله عليه وسلم ـ إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته" والحديث أخرجه مسلم في صحيحه إذاً فلا مفر فإن كان ما ذكرته صحيحا فهذه هي الغيبة وإن كان ما ذكرته كذبا فهو ظلم وبهتان فكلا الأمرين ليس لك خيار، فأمسك عليك لسانك، فعن [أنس بن مالك] ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" والحديث أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وإسناده صحيح ، وعن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها أنها ذكرت امرأة ـ اسمعي أيتها المسلمة اسمعي يا من في قلبك خوف من الله عز وجل ـ عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت أنها ذكرت امرأة فقالت: أنها قصيرة، وفي رواية أنها أشارت إشارة أنها قصيرة فقال النبي ـ صلي الله عليه وسلم: "اغتبتيها" وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: "اغتبتها" والحديث أيضا عند أبي داود في سننه وعند أحمد في مسنده وغيرهما وهو صحيح إذا ما بال نسائنا اليوم يجلسن في المجلس فيعرضن لعشرات من النساء فلانة وعلانة وتلك فيها والأخرى فيها وهكذا ألا يخشين الله عز وجل؟ ألا يخفن يوم أن تقف المرأة أمام الله عز وجل فيسألها عن قولها، يا سبحان الله ألهذا الحد وصلت الغفلة في نساء المسلمين!!! أن يغفلن أن مثل هذا القول سيجزين عليه أمام الله سبحانه وتعالى!!! تذكري وقوفك بين يدي الله عز وجل، احرصي أيتها المسلمة لنحرص على أنفسنا إننا ابتلينا بقلة الأعمال الصالحة في مثل هذا الزمن وابتلينا بكثرة الذنوب والتقصير في حق أنفسنا وفي حق ربنا أيها الأحبة فلماذا إذاً نزيد الطين بلة ونجمع على ذلك ذنوب الآخرين في غيبتهم وتنقصهم وغير ذلك وليس معنى هذا السكوت عن الأخطاء إنني لا أطالب أن نسكت عن أخطاء الآخرين أو حتى نتغاضى عن العصاة والفاسقين والمجاهرين وليس معنى ذلك ألا نحذر منهم وألا نفضحهم ، لا بل هذه أمور كلها مطالبون فيها شرعا هذه مطالب شرعية ولكن بالمنهج الشرعي، وبالقواعد العلمية كما جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولكني على يقين أن أكثر ما يقال في مجالسنا لمجرد التحدث والتفكه وربما الهوى وأحقاد وأضغان عافانا الله وإياكم منها ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم، صورة أخرى قلت لبعض إخواني الزم الأدب وفارق الهوى والغضب أو أمسك عليك لسانك وابك على خطيئتك وانظر لحالك وردد ما ذكرته لك على أمثالك وقد كنت سمعت منه قيلا وقالا وجرحا وسلبا وهمزا ولمزا في أناس ما سمعنا عنهم إلا خيرا وهم من أهل الفضل فما رأيناهم إلا يعملون الخير ويدعون له ويسعون للبر وينهون عن الإثم فما استجاب لي وما سمع مني فرأيت أن ألزم الصمت معهم وفيهم ولهم وعليهم فأقبلت على واجباتي أيما إقبال، وأرحت قلبي من الأحقاد والأغلال وذهني من الهواجس والأفكار ثم جاء بعض الفضلاء وقال: يقولون فيك كيت وكيت فيعلم الله ما التفتُّ إليهم ولا تأذيت وقلت لهم: رُبَّ كلام جوابه السكوت ورُبَّ سكوت أبلغ من كلام وعلمتني الحياة أن الصفح الجميل من أحسن الشيم .
قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم
إن الجواب لباب الشر مفتاح
الصمت عن جاهل أو أحمق شرف
أيضا وفيه لصون العرض إصلاح
أما ترى الأُسْدَ تخشى وهي صامتة
والكلب يخشى لعمري وهو نباح
ونقل [ الإمام الشاطبي] عن [أبي حامد الغزالي] رحمة الله عليهما كلاما متينا يغفل عنه بعض الناس فقال: أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جهلة أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإذلال ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها ، انتهى كلامه رحمه الله من كتاب الاعتصام للشاطبي . صورة أخرى من صور الواقع مع اللسان في مجالسنا اليوم جلس مع صاحب له أو أصحاب فتكلموا وخاضوا، ولم يكن لهم من الأمر شيء إلا أنه شريك في المجلس ومن باب المشاركة قالها كلمة أو كليمات لم يحسب لها حسابها ولم يتبين خطرها، ظنها حديث مجالس، كان يسمع لها حسابها ولم يتبين خطرها، ظنها حديث مجالس، كان يسمع ثم يهز رأسه علامة للرضا ثم قالها، لم يظن أنه يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب فعن أبي هريرة رضي الله عنه كما في الحديث الذي أسلفناه أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" اسمع للنصوص الشرعية واستجب لها فإن فيها حياتك ونجاتك فقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما يتبين أي: لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر فيها ولا في عواقبها ولا يظن أنها ستؤثر شيئا وهو من نحو قوله تعالى (ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) هكذا يلقي بعض الناس هذه الكلمات فيا أخي الكريم انتبه للسانك، إن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة فأمسك عليك لسانك. صورة أيضا أخرى كثير من الجلساء إذا ذكر له صديقه أثنى عليه ولو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء وإذا ذكر له خصمه ذمه ولو كان يعلم أنه خلاف ما يقول، فيا أيها المؤمن أسألك بالله هل تستطيع أن تذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليك عند الحاجة الشرعية لذلك؟ اسأل نفسك، وهل تستطيع أن تثني بصدق على إنسان تختلف معه في بعض الأمور؟ أنا لا أريد الإجابة ولكن الواقع يشهد أن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم ويجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم فإن من أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمك، نعم لأن الناس يطلبونها فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها لا بل الأمر أدهى من ذلك وأشد فإن الحقيقة أنه كثيرا ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة وننسى القاعدة الشرعية إذا كان الماء قُلَّتَين لم يحمل الخبث أفلا نتقى الله عند الجرح والتعديل وننزل الناس منازلهم أليس قد أثنى صلى الله عليه وسلم على [النجاشي] ووصفه بأنه ملك لا يظلم عنده أحد مع أنه حينها أي النجاشي كان كافراً لم يسلم ، فيا أيها المحب أسمعت رعاك الله أنصف الناس وأنصف نفسك فإن غلب عليك الهوى فأمسك عليك لسانك لا أبا لك . صورة أخرى تناظر اثنان في مجلس أي تجادلاً وتناقشاً فارتفعت أصواتهما وانتفخت أوداجهما وتقاذفا بالسب والشتائم قلت: إن التشنج والانفعال ليس هو الأسلوب الأمثل لنصرة الحق أبداً هذه القاعدة في رأسك يا أيها الحبيب .. ولكن كم من هادئ عف اللسان حليم كاظم للغيظ أقدر على نصرة الحق من غيره وقد قال [أبو عثمان بن الإمام الشافعي] رحمة الله عليهما أجمعين ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فرفع صوته ولهذا كان الإمام الشافعي رحمة الله تعالى عليه يقول :
إذا ما كنت ذا فضل وعلم
بما اختلف الأوائل والأواخر
فناظر من تناظر في سكون
حليماً لا تلح ولا تكابر
يفيدك ما استفاد بلا امتنان
من النكت اللطيفة والنوادر
وإياك واللجوج ومن يرائي
بأني قد غلبت ومن يفاخر
فإن الشر في جنبات هذا
يمني بالتقاطع والتدابر
فبعض الاخوة غفر الله للجميع يظن أنه من تمام غيرته على المنهج وعظيم نصرته للحق لابد أن يقطب جبينه ويحمر عينيه و يرفع صوته وتتسارع أنفاسه وهذا لا يصح أبداً إن اختلاف الآراء لا يدعو إلى الأحقاد والأضغان إن اختلاف الآراء ووجهات النظر لا يدعو إلى الأحقاد والأضغان فإن المرجو البحث عن الحق وطلبه وليس التشفي والانتقام فينطلق اللسان بالسباب والشتائم ومقاطعة الكلام، فما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله واسمع للأدب الجم والخلق الرفيع عند الحوار والمناقشة قال عطاء بن أبي رباح : إن الشاب ليتحدث بالحديث فأسمع له كأني لم أسمعه ، ولقد سمعته قبل أن يولد ، سمعت هذا الكلام الذي يقوله قبل أن يولد هذا الشخص الذي يتحدث ومع ذلك أسكت كأني لم أسمع الكلام إلا الساعة هكذا يكون الأدب عند الحوار وعند المناظرة ، وأخيرا من أعظم الصور في مجالسنا ومن أخطرها على كثير من الناس إطلاق العنان للسان في التحليل والتحريم والسخرية والاستهزاء بالدين هذه من أخطر الصور التي نرى أنها تفشت اليوم في مجالس المسلمين أياً كانوا رجالاً أو نساء ، صغارا أو كباراً ، وخاصة بين الشباب وبين العوام قضية التحليل والتحريم والسخرية والاستهزاء بالدين ولذلك إنك تسمع وترى تسرع فئات من الناس في إطلاق ألفاظ التحليل والتحريم وقد نهى الله عز وجل عن ذلك ، ونهى عن المسارعة في إصدار التحليل والتحريم فقال : (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) وكان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم مع سعة علمهم وفقههم لا يكثرون من إطلاق عبارات التحليل والتحريم وهذا من شدة ورعهم ومحاسبتهم لأنفسهم يقول الإمام مالك رحمة الله تعالى عليه: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحداً أقتدي به يقول في شئ : هذا حلال وهذا حرام ما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون : نكره هذا ، ونرى هذا حسناً ونتقي هذا ولا نرى هذا ، ولا يقولون حلالا ولا حراما . انتهى كلامه من جامع بيان العلم وفضله أما نحن فنسمع عبارات التحليل والتحريم على كل لسان وخاصة من العامة بدون علم ولا ورع ولا دليل مما أثار البلبلة عند الناس والتقول على الله بغير علم بل والمصيبة أن بعض الناس يسخر ببعض أحكام الدين ويهزأ بالصالحين والناصحين ربما سخر باللحية أو سخر بالثوب القصير أو سخر ببعض سنن المرسلين والعياذ بالله هؤلاء والله إنهم لعلى خطر عظيم ، ألم يسمع أمثال هؤلاء قول النبي صلى الله عليه وسلم : " وإن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب" ألم يسمع هؤلاء قول الحق عز وجل (ويل لكل همزة لمزة) الهُمَزَة: الطَعَّان في الناس واللمز الذي يأكل لحوم الناس، ألم يسمع هؤلاء قول الحق عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) ألم يسمع هؤلاء لقول الحق عز وجل : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) سبحان الله غابت عليهم هذه النصوص من القرآن والسنة ، غفلوا عن خطر ما يتقولونه في الليل والنهار في السخرية والاستهزاء بالدين ربما خرج بعضهم والعياذ بالله من الدين بسبب كلمة يقولها وهو لا يشعر فحق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه حافظاً للسانه مقبلاً على شأنه . النتيجة النهائية لإطلاق العنان للسان أقول يا أيها الحبيب ويا أيتها المسلمة إنك أحوج ما تكون إلى العمل الصالح أحوج ما نكون إلى العمل الصالح أيها الأحبة أحوج ما نكون إلى الحسنات ،وأراك تحرص على مجاهدة النفس لعلها أن تعينك على القيام بعمل صالح من صلاة أو صيام أو صدقة وقد تنتصر عليها وقد لا تنتصر وقد لا تنتصر وإن انتصرت وقمت بالعمل فلا يسلم من شوائب كثيرة مثل الرياء والنقص وحديث النفس وغيرها من مفسدات الأعمال ومع ذلك كله فإني أراك تبذ هذه الحسنات في المجالس أراك تبذ هذه الحسنات وتنثرها في المجالس والمنتديات ماذا تراكم تقولون أيها الأخيار تقولون في رجل أخرج من جيبه عشرات الريالات ثم نثرها في المجلس وبددها ماذا تقولون عنه أهو عاقل أو مجنون ؟ إن من جلس مجلسا ثم أطلق للسانه العنان فهذه علامة أكيدة على إفلاسه في الدنيا والآخرة فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يُقْضَى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَتْ عليه ثم طرح في النار" والعياذ بالله ، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه وعن أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" رواه مسلم حتى البهائم يفصل بينها يوم القيامة فاحفظ حسناتك فأنت أحوج لها واسمع لفقه [الحسن البصري] رحمه الله يوم أن جاء رجل فقال له : إنك تغتابني فقال : ما بلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي ، وعن [ابن المبارك] رحمه الله قال : لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي ، ففقها رضي الله تعالى عنهما أن آفات اللسان تأتي على الحسنات وقد لا تبقي منها شيئاً فضياع الحسنات نتيجة أكيدة لإطلاق العنان للسان والعياذ بالله ، نتيجة ثانية لإطلاق العنان للسان فضحه وبيان عواره وهتك أستاره ذلك الذي أطلق لسانه وأصبح يتكلم بلا ورع في المجالس والمنتديات وربما أصبح بذيء اللسان والجزاء من جنس العمل فعن [أبي برزة] رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تتبعوا عورات المسلمين ولا عثراتهم فإنه من يتبع عثرات المسلمين يتبع الله عثرته ومن يتبع الله عثرته يفضحه وإن كان في بيته" والحديث أخرجه أبو داود وأحمد والبيهقي والحديث صحيح بمجموع طرقه والواقع يشهد بذلك فكم فضح الله حقيقة أولئك الذين آذوا إخوانهم بألسنتهم حتى عرفهم الناس وانكشف أمرهم . أيضاً من النتائج لإطلاق العنان للسان أنه يعد من شرار الناس فيتجنبه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه وإن ضحكوا له وجاملوه هذه حقيقة نشاهدها في مجالسنا كثيراً أن من أطلق للسانه العنان يعد من شرار الناس فلذلك تجد أن الناس يتجنبونه ويحرصون على الابتعاد عنه اتقاء فحشه وإن جلس معهم في مجالسهم وإن ضحكوا وإن جاملوه فإنه اتقاءً لفحشه ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : "شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء شره" ، والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما .
رابعاً: من النتائج أيضاً وهى أخيرة باختصار شديد البلاء موكل بالقول فيُبْلَى المتكلم بما كان يذكره في أخيه واحذر أيها الأخ الحبيب واحذري أيتها المسلمة احذر أن تظهر الشماتة بأخ أو بأخت لك فيعافيها الله عز وجل ثم يبتليك بما كان فيها فالبلاء موكل بالقول فعن [واصلة بن الأسمر] رضي الله عنه قال ، "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك " والحديث أخرجه الترمذي في سنته وقل : حسن ، وقال[ إبراهيم التيمي] إني أجد نفسي تحدثني بالشيء فلا يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به والأثر عند [وكيع] في الزهد وقال [ابن مسعود] : البلاء موكل بالقول ولو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً هذه نتائج أربع باختصار من نتائج إطلاق العنان للسان وأخيراً أقول أيها المسلم ويا أيتها المسلمة في نهاية المطاف هذه شذرات حول اللسان حسبي أني اجتهدت فيها فما كان فيها من صواب فمن الله عز وجل وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشيطان والله ورسوله منه بريئان وأسأل الله عز وجل أن يعفو وأن يصفح عن هذا الخطأ وعن هذا التقصير ، أظن الجميع بحاجة ماسة للتذكير فيها فالعاقل يحرص والغافل يتذكر والمبلي يحذر فيا أيها السامع ، يا أيها السامع لهذه الكلمات كن أنت المستفيد الأول من هذه الكلمات ثم اعلم أنك تجالس كثيراً من الناس من أحبابك وخلانك وأصدقائك ولا تخلو المجالس من غثاء قل أو كثر فمن حقهم عليك أن يسمعوا مثل هذا الكلام ومن حقهم عليك أن يذكروا بمثل هذه الآيات وهذه الأحاديث فإن القلب يغفل وأن النفس تسلو فما أكثر الاستراحات الآن وما أكثر الجلسات وما أكثر المنتديات فاسمع وأسمع فلمثل هذا كان الموضوع فاسمع و أسمع واستفد وأفد والدال على الخير كفاعله أسأل الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجهه وأن ينفع به الجميع ووفقنا الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعيننا من الخيانة وألسنتنا من الكذب والمراء والجدال اللهم طهر ألسنتنا من الغيبة والنميمة وجنبنا الوقوع في الأعراض اللهم جنبنا الوقوع في الأعراض اللهم اجعل ألسنتنا حرباً على أعدائك سلما لأوليائك اللهم إنا نسألك سكينة في النفس وانشراحاً في الصدر اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين اللهم انفعنا وانفع بنا اللهم اجعلنا من الصالحين المصلحين ومن جندك المخلصين وانصر بنا الدين واجعل لنا لسان صدق في الآخرين سبحانك اللهم وبحمدك ونشهد ألا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .


































  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ, المحاضرات, المفرغة, الدويش, ابراهيم, صفحة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ عبد المحسن الاحمد مروى محمد قسم تفريغ الخطب والمحاضرات 13 15-12-2011 05:27 AM
صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ علي القرني مروى محمد قسم تفريغ الخطب والمحاضرات 29 23-02-2010 11:43 PM
صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ صالح المغامسي مروى محمد قسم تفريغ الخطب والمحاضرات 19 17-08-2009 12:31 PM


دعم فني : شركة القاضي