المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصص الأنبياء عليهم السلام



خليفة العريفي
04-11-2009, 07:24 AM
6 0 قصة إبراهيم الخليل عليه السلام

هو إبراهيم بن تارخ/ بن باحور/ بن ساروغ/ بن راعو

250/ 148/ 230/ 239

ابن فالغ/ بن عابر/ بن شالخ/ بن أرفخشذ

439/ 464/ 433/ 438

ابن سام/ بن نوح عليه السلام

600

هذا نص أهل الكتاب في كتابهم؛ وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد، وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته. وحكى الحافظ أن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه عن إسحاق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب "المبتدأ" أن اسم أم إبراهيم "أميلة"، ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة. وقال الكلبي: اسمها "بونا" بنت كربتا بن كرلي، ومن بني أرفخشذ بن سام بن نوح.

وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال: كان إبراهيم عليه السلام يكنى "أبا الضيفان". قالوا: ولما كان عمر تارخ خمساً وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام، وناحور وهاران، وولد لهاران "لوط".وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط، وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها، وهي أرض الكلدانيين؛ يعنون أرض بابل.
وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر، بعدما روى من طريق هشام بن عمار، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن ابن عباس قال: ولد إبراهيم بغوطة دمشق، في قرية يقال لها: برزة، في جبل يقال له: قاسيون، ثم قال: والصحيح أنه ولد ببابل. وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء معيناً للوط عليه السلام.

قالوا: فتزوج إبراهيم سارة، وناحور ابنة هاران، يعنون ابنة أخيه.

قالوا: وكانت سارة عاقراً لا تلد.

قالوا: وانطلق تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلي أرض الكنعانيين، فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمس ستين، وهذا يدل على أنه لم يولد بحران، وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها.

ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران وهي أرض الكلدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضاً، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة. والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين، يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال. ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون لها أعياداً وقرابين.

وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام، وكل من على وجه الأرض كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام. وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال؛ فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولاً واتخذه خليلاً في كبره.

قال الله تعالى:

{وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } (سورة الأنبياء:51) .

أي: وكان أهلاً لذلك. وقال تعالى:

{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } * {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } * {وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ }{أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } * {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } * {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } * {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } * {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُوْلَـٰئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }*{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } * {وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }*{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } (سورة العنكبوت:16ـ27) .

ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله. وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى:

{وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً } * {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً } * {يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } * {يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً } * {يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يٰإِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً } * {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } * {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً } (سورة مريم:41ـ48) .

وذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلي الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، وبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر؟ ثم قال له منبهاً على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع، وإن كان أصغر سناً من أبيه:
{يٰأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِيۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } (سورة مريم:43) .


أي: مستقيماً واضحاً حنيفاً يفضي بك إلي الخير في دنياك وأخراك. فلما عرض هذا الرشد عليه، وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه ولا أخذها عنه، بل تهدده وتوعده قال: (قال أرغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك) قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال،

{وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً } (سورة مريم:46) .

أي: واقطعني وأطل هجراني.

فعندها قال له إبراهيم: (سلام عليك) أي: لا يصلك مني مكروه، ولا ينالك مني أذى، بل أنت سالم من ناحيتي، وزاده خيراً فقال:

{ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } (سورة مريم:47) .

قال ابن عباس وغيره: أي لطيفاً، يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له، ولهذا قال:

{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً }(سورة مريم:48) .

وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه كما قال تعالى:

{وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } (سورة التوبة:114) .

وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقي إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمة فيلقى في النار"

وقال في التفسير: وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة. وهكذا رواه النسائي عن احمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان به، وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وفي سياقه غرابة. ورواه أيضاً من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

وقال تعالى:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } (سورة الأنعام:74) .

هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر، وجمهور أهلالنسب، منهم ابن عباس، على أناسمأبيه تارخ، وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر. وقال ابن جرير: الصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان، او أحدهما لقب والآخر علم. وهذا الذي قاله محتمل. والله أعلم.

ثم قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } * {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } * {فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ } * {فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } * {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }*{وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } * {وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } * {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } * {وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } (سورة الأنعام:75ـ83) .

وهذا المقام مقام مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذا الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة، لا تصلح للألوهية، ولا أن تعبد مع الله عز وجل؛ لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة، تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافيه، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا إله ألا الله هو ولا رب سواه. فبين لهم أولاً عدم صلاحية الكواكب لذلك، قيل: هو الزهرة؛ ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أَضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلي الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء، فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة، كما قال تعالى:

{وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } (سورة فصلت:37) .

ولهذا قال: فلما رأى الشمس بازغة أي: طالعة

{قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } * {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }*{وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً } (سورة الأنعام:78ـ80) .

أي: لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، فإنها لا تنفع شيئاً ولا تسمع ولا تعقل، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعة منحوتة منجورة. والظاهر ان موعظته هذه في الكواكب لأهل حران، فإنهم كانوا يعبدونها، وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيراً، كما ذكره ابن إسحاق وغيره وهو مستند إلي أخبار إسرائيل لا يوثق بها، ولاسيما إذا خالفت الحق.

وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها، كما قال تعالى:

{وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } (سورة العنكبوت:25).

وقال في سورة الأنبياء:

{وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } * {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } * {قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } * {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ } * {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ }* {وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } * {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } * {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * {قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } * {قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } * {قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ } * {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ }* {فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ } * {ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ } * {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ } * {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }* {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } * {قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ } * {وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ } (سورة الأنبياء:51ـ70) .

وقال تعالى في سورة الشعراء:

{وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ } * {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } * {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ } * {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } * {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } * {قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } * {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } * {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ } * {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }* {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } * {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } * {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } * {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } * {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ } (سورة الشعراء:69ـ82) .

وقال تعالى في سورة الصافات:

{وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ } * {إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } * {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } * {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ } * {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }* {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ } * {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } * {فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } * {فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ } * {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } * {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } * {فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } * {قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } * {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } * {قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ } * {فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ } (سورة الصافات: 83ـ98) .

يخبر تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام، إنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها، فقال:

{مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } (سورة الأنبياء:52) .

أي: معتكفون عندها وخاضعون لها، قالوا:

{وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } (سورة الأنبياء:53) .

ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد.

{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } (سورة الأنبياء: 54) .

كما قال تعالى:

إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } * {أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ } * {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } (سورة الصافات:85ـ87) .

قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره. وقال لهم:

{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } * {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } * {قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } (سورة الشعراء:72ـ74) .

سلموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر شيئاً، وإن الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال، ولهذا قال لهم:

{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } * {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ } * {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ } (سورة الشعراء:75ـ77) .

وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الأصنام؛ لأنه تبرأ منها وتنقص بها، فلو كانت تضر لضرته، أو تؤثر لأثرت فيه.

{قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ } (سورة الأنبياء:55) .

يقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعباً؟.
{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ } (سورة الأنبياء:56) .

يعني: بل أقول لكم ذلك جادا محقا، إنما إلهكم اله الذي لا إله إلا هو، هو ربكم ورب كل شيء لا شريك له، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين. وقوله:

{وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } (سورة الأنبياء:57) .

أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد ان يولوا مدبرين إلي عيدهم.

قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم. وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلي ظاهر البلد، فدعاء أبوه ليحضره فقال: إني سقيم: كما قال تعالى:

{فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ } * {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } (سورة الصافات:88ـ89) .

عرض لهم في الكلام حتى توصل إلي مقصودة من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق وبطلان ما تهم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة. فلما خرجوا إلي عيدهم، واستقر هو في بلدهم

{فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ } (سورة الصافات:91) .

أي: ذهب إليها مسرعاً مستخفياً، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها، فقال لها على سبيل التهكم والازدراء

{أَلا تَأْكُلُونَ } * {مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } * {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } (سورة الصافات:91ـ93).

لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر، فكسرها بقدوم في يده، كما قال تعالى:

{فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } (سورة الأنبياء:58 ).

أي: حطاماً، كسرها كلها

{إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } (سورة الأنبياء:58) .

قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير، إشارة إلي أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار!. فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم

{قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } (سورة الأنبياء:59) .

وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو مخا حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء، لكنهم قالوا ما جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة ضلالهم وخبالهم .

{مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّالِمِينَ } ر(سورة الأنبياء:59) .

{قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } (سورة الأنبياء:60) .

أي: يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها الكاسر لها. وعلى قول ابن مسعود: أي يذكرهم بقوله:

{وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ } (سورة الأنبياء:57) .

{قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } (سورة الأنبياء:61) .

أي: في الملأ الأكبر على رءوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل إبراهيم أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه، كما قال موسى عليه السلام لفرعون:

{مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى } (سورة طه:59) .

فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا). قيل معناه: هو الحامل لي على تكسيرهم، وإنما عرض لهم في القول:

{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } (سورة الأنبياء:63) .

وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلي القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.

{ فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ } (سورة الأنبياء:64) .

أي: فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي: في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها.

{ ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ } (سورة الأنبياء:65) .

قال السدي: أي ثم رجعوا إلي الفتنة فعلى هذا يكون قوله:

{ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ } (سورة الأنبياء:64) .

أي: في عبادتها. وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، أي: فأطرقوا، ثم قالوا:

{ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ } (سورة الأنبياء:65) .

أي: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها!. فعند ذلك قال لهم الخليل:

{ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ } * { أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (سورة الأنبياء:66ـ67) .

كما قال:

{ فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ } (سورة الصافات:94) .

قال مجاهد: يسرعون، قال:

{ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } (سورة الصافات:95) .

أي: كيف تعبدون أصناماً أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون

{ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } (سورة الصافات:96) .

وسواء كانت: "ما" مصدرية أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق مثله؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم؛ إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له.

{ قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي ٱلْجَحِيمِ } * { فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ } (سورة الصافات 97 : 98) .

عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلي استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله؛ وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى:

{ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } * { قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ } * { وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ } (سورة الأنبياء:68ـ70) .

وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثوا مدة يجمعون له؛ حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم، ثم عمدوا إلي حوية عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وأججت والتهبت، وعلا لها شرر لم ير مثله قط.

ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له "هيزن"، وكان أول من صنع المجانيق، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلي يوم القيامة. ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك. فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً، ثم ألقوه منه إلي النار، قال: حسبنا الله ونعيم الوكيل.

كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقى في النار، وقالها محمد ين قيل له:

{ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } * { فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ } (سورة آل عمران:173ـ174) .

وقال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما ألقى إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك"

وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا!.

ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أومر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع

{ قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ } (سورة الأنبياء:69) .

قال علي بن أبي طالب: أي لا تضريه. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: (وسلاماً على إبراهيم) لآذى إبراهيم بردها. وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تحرق منه سوى وثاقه.

وقال الضحاك: يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه ولم يصبه منها شيء غيره. وقال السدي: كان معه ملك الظل، وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الحوية حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه، ولا هو يخرج إليهم.

فعن أبي هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم، إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال، نعم الرب ربك يا إبراهيم!. وروى ابن عساكر عن عكرمة؛ أن أم إبراهيم نظرت إلي ابنها عليه السلام فنادته: يا بني إني أريد أن أجئ إليك، فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم، فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار، فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادتع. وعن المنهال بن عمرو أنه قال: أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوماً وإنه قال: ما كنت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها، صلوات الله وسلامه عليه.

فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فعلبوا. وقال الله تعالى:

{ وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ } (سورة الأنبياء:70) .

وفي الآية الأخرى:

{ ٱلأَسْفَلِينَ } (سورة الصافات: 98) .

ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاماً، بل هي كما قال تعالى:

{ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } (سورة الفرقان:66) .

قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال: "كان ينفخ على إبراهيم". ورواه مسلم من حديث ابن جريج، وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شبية به

وقال احمد: حدثنا محمد بن بكر، حديثا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية، أن نافعاً مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم النار"، قال: فكانت عائشة تقتلهن. وقال احمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح؟ فقالت: نقتل به الأوزاغ، ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم لما ألقى في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه"

تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وقال احمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة؛ قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحاً موضوعاً، فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: "إن إبراهيم حين ألقى في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار عنه، غير الوزغ كان ينفخ عليه" فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله.

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن جرير بن حازم به

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:27 AM
7 0 قصة لوط عليه السلام

ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة: قصة لوط عليه السلام وما حل بهم من النقمة العميمة. وذلك أن لوطا بن هاران بن تارخ ـ وهو آزر كما تقدم ـ ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل، فإبراهيم وهاران وناحور إخوة كما قدمنا، ويقال: إن هاران هذا هو الذي بنى حران، وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب، والله أعلم.

وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وإذنه، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر، وكان أم تلك المحلة، ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها، ولها أهل من أفجر الناس، وأكفرهم وأسوئهم طوية، وأردئهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل، ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكران من العالمين، وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين.

فدعاهم لوط إلي عبادة الله تعالى وحدة لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات، والفواحش والمنكرات، والأفاعيل المستقبحات، فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم، واستمروا على فجورهم وكفرانهم، فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين، وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين.

أن لوطاً عليه السلام لما دعاهم إلي عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش، لم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم، ولم يتركوا ما عنه نهوا، بل استمروا على حالهم، ولم يرعووا عن غيهم وضلالهم، وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم. وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم ـ إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا:

{أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } (سورة النمل:56) .

فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الإخراج! وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج.

فطهره الله وأهله إلا امرأته، وأخرجهم منها أحسن إخراج، وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج، لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج، وحر يتوهج، وماؤها ملح أجاج. وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن ارتكاب الفاحشة العظمى والفاحشة الكبرى، التي يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا، ولهذا صاروا مثله فيها، وعبرة لمن عليها.

وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم، وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم، المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه. حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، ولا يستحون من مجالسيهم، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نميمة من ناقل، وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلاً، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلاً فأخذهم الله أخذا وبيلاً.

وقالوا له فيما قالوا:

{ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } (سورة العنكبوت:29) .

فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم، وحلول البأس العظيم، فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته، وغضب لغضبته، واستجاب لدعوته، وأجابه إلي طلبته، وبعث رسله الكرام، وملائكته العظام، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم:

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } * {قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } * {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ } * {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } (سورة الذاريات:31ـ34) .

وقال:

{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوۤاْ إِنَّا مُهْلِكُوۤ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ } * {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ } (سورة العنكبوت:31ـ32) .

وقال الله تعالى:

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } (سورة هود:74) .

وذلك أنه كان يرجوا أن يجيبوا أو ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } * {يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } (سورة هود:75ـ76) .

أي: أعرض عن هذا وتكلم في غيره، فإنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم. (إنه قد جاء أمر ربك) أي: قد أمر به من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، (وإنهم آتيهم عذاب غير مردود).
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق: أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: فمائتا مؤمن؟ قالوا: لا، وقال: فأربعون مؤمناً؟ قالوا: لا، قال: فأربعة عشر مؤمناً؟ قالوا: لا، قال ابن إسحاق: إلي أن قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا

{قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ } (سورة العنكبوت:32) .

وعند أهل الكتاب أنه قال: يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلاً صالحاً؟ فقال الله: لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحاً، ثم تنازل إلي عشرة، فقال الله: لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون.

قال الله تعالى:

{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } (سورة هود:77) .

وقال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم ـ وهم جبريل ومكائيل وإسرافيل ـ أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم، في صور شبان حسان، اختباراً من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم، فاستضافوا لوطاً ـ عليه السلام ـ وذلك عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشراً من الناس، و (سيئ بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: شديد بلاؤه، وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنع بهم في غيرهم، وكانوا قد اشترطوا عليه ألا يضيف أحداً، ولكن رأي من لا يمكن المحيد عنه.

وذكر قتادة: أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها، فتضيفوا فاستحيا منهم وانطلق أمامهم، وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلون في غيرها، فقال لهم فيما قال: والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبت من هؤلاء، ثم مشى قليلاً، ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال: وكانوا قد أمروا ألا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.

وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط. فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان: اسم الكبرى "أريثا" والصغرى "زغرتا". فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ فقال لهم: نعم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم، فرقت عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه! أرادك فتيان على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم. وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلاً فقالوا: خل عنا فلنضيف الرجال فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت، فخرجت امرأته فأخبرت قومها؛ فقال: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثل وجوههم قط، فجاءه قومه يهرعون إليه.

وقوله: (ومن كانوا يعملون السيئات) أي: هذا ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة
{قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } (سورة هود:78) .

يرشدهم إلي غشيان نسائهم وهن بناته شرعاً؛ لأن النبي للأمة منزله الوالد، كما ورد في الحديث، كما قال تعالى:
{ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ َّ} )سورة الأحزاب:6 ) .

وفي قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم. وهذا كقوله:

{أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ } * {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } (سورة الشعراء:165ـ166) .

وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق، وهو الصواب. والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب، وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم: إن الملائكة كانوا اثنين، وإنهم تعشوا عنده، وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطاً عظيماً.


وقوله:

{فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } (سورة هود:78) .

نهى لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيهم خير، بل الجميع سفهاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء. وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه قبل أن يسألوه عنه.
فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد:

{قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } (سورة هود:79) .

يقولون ـ عليهم لعائن الله ـ: علمت يا لوط أنه أرب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذي العذاب الأليم. ولهذا قال عليه السلام

{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } (سورة هود:80) .

ود أن لو كان له بهم قوة، أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب.

وقد قال الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطاً؛ لقد كان يأوي إلي ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي".

ورواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وقال محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلي ركن شديد ـ يعني: الله عز وجل ـ فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه"

وقال تعالى:

{وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ } * {قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ } * {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ } * {قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ } * {قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } ) سورة الحجر:67ـ71( .

فأمرهم بقربان نسائهم، وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيئاتهم. هذا وهم في ذلك لا ينتهون لا يرعوون، بل كلما نهاهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون، ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون، وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون. ولهذا قال تعالى مقسماً بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه:

{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } (سورة الحجر:72) .

وقال تعالى:

{وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِٱلنُّذُرِ } * {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ } * {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ } (سورة القمر:36ـ38) .

ذكر المفسرون وغيرهم: أن نبي الله لوطاً عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق، وهم يرمون فتحه وولوجه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح، فلما ضاق الأمر وعسر الحال وقال ما قال:

{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ } (سورة هود:80) .

لأحللت بكم النكال. قال الملائكة:

{قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ } (سورة هود:81) .

وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم، حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن، ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شأن!.

قال الله تعالى:

{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ } * {وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ } (سورة القمر:37ـ38) .

فذلك أن الملائكة تقدمت إلي لوط، عليه السلام، آمرين له بأن يسري هو وأهله من آخر الليل:

{وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } (سورة هود:81) .

يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه، وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم. وقوله:

{إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ } (سورة هود:81) .

على قراءة النصب؛ يحتمل أن يكون مستثنى من قوله: (فأسر بأهلك) كأن يقول إلا امرأتك فلا تسر بها، ويحتمل أن يكون من قوله: (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) أي: فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم، ويقوى هذا الاحتمال قراءة الرفع، ولكن الأول أظهر في المعنى. والله أعلم. قال السهيلي: واسم امرأة لوط "والهة" واسم امرأة نوح "والغة".
وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة، الملعونين النظراء، والأشباه الذين جعلهم الله سلفاً كل خائن مريب:

{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } (سورة هود:81) .

فلما خرج لوط عليه السلام بأهله، وهم ابنتاه، لم يتبعه منهم رجل واحد، ويقال: إن امرأته خرجت معه. فالله أعلم. فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها، جاءهم من أمر الله ما لا يرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد.

وعند أهل الكتاب: أن الملائكة أمروه أن يصعد إلي رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلي قرية قريبة منهم فقالوا: اذهب فإنا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها، ثم نحل بهم العذاب، فذكروا أنه ذهب إلي قرية "صوعر" التي يقول الناس: غور زغر، فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب.

قال الله تعالى:

{فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ } * {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } (سورة هود:82ـ83) .

قالوا: اقتلعهن جبريل بطرف جناحه من قرارهن ـ وكن سبع مدن ـ بمن فيهن من الأمم، فقالوا: إنهم كانوا أربعمائة ألف نسمة، وقيل أربعة آلاف ألف نسمة، وما معهم من الحيوانات، وما يتبع تلك المدن من الأرض والأماكن والمعتملات. فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، قال مجاهد: فكان أول ما سقط منها شرفاتها.

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } (سورة هود:82) .

والسجيل: فارسي معرف، وهو الشديد الصلب القوي، منضود: أي يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء، مسومة: أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه ثم قال:

{مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } (سورة الذاريات:34) .

وكما قال تعالى:

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ } (سورة الشعراء:173) .

وقال تعالى:

{وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ } * {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ } (سورة النجم:53ـ54) .

يعني: قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها، وغشاها بمطر من حجارة من سجيل، متتابعة، مسومة، مرقوم على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط من الحاضرين منهم في بلدهم، والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها. ويقال: إن امرأة لوط مكثت مع قومها، ويقال: أنها خرجت مع زوجها وبنتيها، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة، التفتت إلي قومها وخالفت أمر ربها قديماً وحديثاً، وقالت: واقوماه! فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها؛ إذ كانت على دينهم، وكانت عيناً لهم على من يكون عند لوط من الضيفان.

{ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ٱدْخُلاَ ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّاخِلِينَ } (سورة التحرير:10) .

أي: خاتناهما في الدين فلم يتبعاهما فيه. وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة، حاشا وكلا، فإن الله لا يقدر على نبي قط أن تبغي امرأته، كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف: ما بغت امرأة نبي قط، ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأ كبيراً. قال الله تعالى في قصة الإفك، لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر، ووعظ وحذر، وقال فيما قال:

{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ } * {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } (سورة النور:15ـ16) .

أي: سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة. وقوله هاهنا:

{وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } (سورة هود:83) .

أي: وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم. ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلي أن اللائط يرجم؛ سواء كان محصناً أو لا، ونص عليه الشافعي واحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة.

واحتجوا أيضاً

بما رواه الأمام احمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"

وذهب أبو حنيفة إلي أن اللائط يلقي من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط لقوله تعالى:

{وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } (سورة هود:83) .

وجعل الله مكان تلك البلاد بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها، ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها، لرداءتها ودناءتها، فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته، وعزته في انتقامه ممن خالف أمره، وكذب رسله، واتبع هواه، وعصي مولاه، ودليل على رحمته بعباده المؤمنين في إنجائه إياهم من المهلكات، وإخراجه إياهم من الظلمات إلي النور، كما قال تعالى:

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ } * {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } (سورة الشعراء:174ـ175) .

وقال الله تعالى:

{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } * {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } * {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } * {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } * {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } (سورة الحجر:73ـ77) .

أي: من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم، كيف غير الله بتلك البلاد وأهلها وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة هالكة غامرة. كما روي الترمذي وغيره مرفوعاً: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله". ثم قرأ:

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } (سورة الحجر:75) .

وقوله: (وإنها لبسبيل مقيم) أي: لبطريق مهيع مسلوك إلي الآن. كما قال:

{وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } * {وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } (سورة الصافات:137ـ138) .

وقال تعالى:

{وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (سورة العنكبوت:35) .

وقال تعالى:

{فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } * {وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } (سورة الذاريات:35ـ37) .

أي: تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة، وخشي الرحمن بالغيب، وخاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، فانزجر من محارم الله وترك معاصيه، وخاف أن يشابه قوم لوط. و"من تشبه بقوم فهو منهم"، وإن لم يكن من كل وجه، فمن بعض الوجوه، كما قال بعضهم فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد .

فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم، يتمثل ما أمره به الله عز وجل، ويقبل ما أرشده إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال، والجواري من السراري ذوات الجمال، وإياه أن يتبع كل شيطان مريد، فيحق عليه الوعيد، ويدخل في قوله تعالى:

{وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } (سورة هود:83) .

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:36 AM
10 قصة قوم يس
قصة قوم يس

ومنهم أصحاب القرية أصحاب يس، قال الله تعالى:

{ وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } * { إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } * { قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } * { قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } * { وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ } * { قَالُوۤاْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } * { قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } * { وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يٰقَوْمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { ٱتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } * { وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } * { أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ } * { إِنِّيۤ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ } { قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يٰلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ } * { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ } * { وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } * { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ }(سورة يس:13ـ29) .

اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية "أنطاكية" رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وكذا روى عن بريدة بن الخصب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم، قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب أنهم قالوا: وكان لها ملك اسمه أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم: صادق، ومصدوق، وشلوم، فكذبهم.

وهذا ظاهر أنهم رسل من الله عز وجل. وزعم قتادة أنهم كانوا رسلاً من المسيح. وكذا قال ابن جريج، عن وهب، عن سليمان، عن شعيب الجبائي: كان اسم المرسلين الأولين: شمعون، ويوحنا، واسم الثالث بولس، والقرية أنطاكية.
وهذا القول ضعيف جداً؛ لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت. ولهذا كانت إحدى المدن الأربع التي تكون فيها بطاركة النصارى، وهن: أنطاكية، والقدس، وإسكندرية، ورومية ثم بعدها إلي القسطنطينية ولم يهلكوا. وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا، كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن، بعثوا إلي أهل أنطاكية قديماً فكذبوهم وأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا، والله أعلم.

فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح، فضعيف لما تقدم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله.

وقال الله تعالى: (واضرب لهم مثلاً) يعني: لقومك يا محمد (أصحاب القرية) يعني: المدينة (إذ جاءها المرسلون * إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) أي: أيدناهما بثالث في الرسالة: (فقالوا إنا إليكم مرسلون) فردوا عليه بأنهم بشر مثلهم، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم، يستبعدون أن يبعث الله نبياً بشرياً، فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام (وما علينا إلا البلاغ المبين) أي: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء (قالوا إنا تطيرنا بكم) أي: تشاءمنا بما جئتمونا به، (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال، ويؤيد الأول قوله: (وليمسنكم منا عذاب أليم) توعدوهم بالقتل والإهانة.

(قالوا طائركم معكم)أي: مردود عليكم (أإن ذكرتم) أي: بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه، توعدتمونا بالقتل والإهانة (بل أنتم قوم مسرفون) أي: لا تقبلون الحق ولا تريدونه. قال ابن جرير: والأول أوجه. وقوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة) الإيمان بهم (قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) أي: يدعونكم إلي الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة. ثم دعاهم إلي عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئاً لا في الدنيا ولا في الآخرة.

(إني إذاً لفي ضلال مبين) أي: إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه. ثم قال مخاطباً للرسل: (إني آمنت بربكم فاسمعون) قيل: فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم، وقيل معناه: فاسمعوا يا قومي إيماني برسل الله جهرة، فعند ذلك قتلوه، قيل: رجماً، وقيل عضاً، وقيل: وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه. وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم، حتى أخرجوا قصبته.

وقد روي الثوري عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسم هذا الرجل "حبيب ابن مري"، ثم قيل: كان نجاراً، وقيل: حياكاً، وقيل: إسكافاً، وقيل قصاراً، وقيل: كان يتعبد في غار هناك، فالله أعلم. وعن ابن عباس: كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة فقتله قومه، ولهذا قال تعالى: (قيل ادخل الجنة) يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة، فلما رأى فيها من النضرة والسرور (قال يا ليت قومي يعلمون ? بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) يعني: ليؤمنوا بما آمنت به، فيحصل لهم ما حصل لي.

قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: (يا قوم اتبعوا المرسلين) وبعد مماته: (يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) رواه ابن أبي حاتم. وكذلك قال قتادة: لا يلقى المؤمن إلا ناصحاً، لا يلقاه غاشاً، لما عاين ما عاين من كرامة الله (قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه!. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون).

وقوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين) أي:وما احتجنا في الانتقام منهم إلي إنزال جند من السماء عليهم. هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود، وقال مجاهد وقتادة، وما أنزل عليهم جنداً، أي: رسالة أخرى، قال ابن جرير: والأول أولى.

قلت: وأقوى، ولهذا قال: (وما كنا منزلين) أي: وما كنا نحتاج في الانتقام إلي هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون).

قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون، أي: قد أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف. وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية؛ لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم. فلهذا قيل: إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح.

فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقر، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السبق ثلاثة: فالسابق إلي موسى يوشع بن نون، والسابق إلي عيسى أصحاب يس، والسابق إلي محمد علي بن أبي طالب"

فإنه حديث لا يثبت؛ لأن "حسين" هذا متروك شيعي من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية، والله أعلم.

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:40 AM
11 قصة يونس عليه السلام

قال الله تعالى في سورة يونس:

{فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } (سورة يونس:98) .

وقال تعالى في سورة الأنبياء:

{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } (سورة الأنبياء:87ـ88 ) .

وقال تعالى في سورة الصافات:

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } * {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } * {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } * {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ } * {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } * {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ } * {وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ } * {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } * {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } (سورة الصافات:139ـ148) .

وقال تعالى في سورة نون:

{فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ } * {لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ } * {فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ } (القلم:48ـ50) .

قال علماء التفسير: بعث الله يونس ، عليه السلام ـ إلي أهل "نينوي" من أرض الموصل، فدعاهم إلي الله عز وجل، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.

قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف: فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا من نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان منهم إلي نبيهم، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلي الله عز وجل، وصرخوا، وتضرعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات، وجأرت الأنعام والدواب والمواشي: فرغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغب الغنم وحملانها، وكانت ساعة عظيمة هائلة.

فكشف الله العظيم ـ بحوله وقوته ورأفته ورحمته ـ عنهم العذاب؛ الذي كان قد اتصل بهم سببه، ودار على رءوسهم كقطع الليل المظلم. ولهذا قال تعالى:

{فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا } (سورة يونس:98) .

أي: هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها، فدل على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال تعالى:

{وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } (سورة سبأ:34) .

وقوله:

{إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } (سورة يونس:98) .

أي: آمنوا بكاملهم. وقد اختلف المفسرون: هل ينفعهم هذا الإيمان في الدار الآخرة، فينقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي؟ على قولين:

الأظهر من السياق: نعم، والله أعلم.

كما قال تعالى: (لما آمنوا) وقال تعالى:

{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } * {فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ } (سورة الصافات: 147ـ148).

وهذا المتاع إلي حين لا ينفي أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي، والله أعلم. وقد كانوا مائة ألف لا محالة، واختلفوا في الزيادة، فعن مكحول عشرة آلاف،

وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية؛ حدثني أبي بن كعب، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله:

{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } (سورة الصافات:147) .

قال: "يزيدون عشرين ألفا". فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلاً في هذا الباب

وعن ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً، وعنه: وبضعة وثلاثين ألفاً، وعنه: وبضعة وأربعين ألفا. وقال سعيد بن جبير: كانوا مائة ألف وسبعين ألفاً. واختلفوا: هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده؟ أو هما أمتان؟ على ثلاثة أقوال، هي مبسوطة في التفسير. والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضباً بسبب قومه، ركب سفينة في البحر فلجت بهم، واضطربت، وماجت بهم، وثقلت بما فيها، وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون.

وقالوا: فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به، فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضاً، فشمر ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه، فأبوا عليه ذلك، ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضاً، لما يريده الله به من الأمر العظيم.

قال الله تعالى:

{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * {إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ } * {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } * {فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } (سورة لصافات:139ـ143) .

وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر، وبعث الله عز وجل حوتاً عظيماً من البحر الأخضر فالتقمه، وأمره الله تعالى ألا يأكل له لحماً، ولا يهشم له عظماً، فليس لك برزق، فأخذه فطاف به البحار كلها، وقيل: إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه.


قالوا: ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت، فإذا هو حي فخر لله ساجداً، وقال: يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يعبدك أحد في مثله. وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه؛ فقال مجالد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، وقال قتادة: مكث فيه ثلاثاً، وقال جعفر الصادق: سبعة أيام، ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت:

وأنت بفضل منك نجيت يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا

وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك: مكث في جوفه أربعين يوماً، والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه.

والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به قرار البحار اللجية، ويقتحم به لجج الموج الأجاجي، فسمع تسبيح الحيتان للرحمن، وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى. فعند ذلك وهنالك؛ قال ما قال بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال؛ الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الأصوات وإن ضعفت، وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين، المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين:

{وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً } (سورة الأنبياء:87) .

{مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * {فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ } (سورة الأنبياء:87 – 88 ) .

(فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق عليه، وقيل معناه: نقدر على التقدير وهي لغة مشهورة، قدر وقدر كما قال الشاعر:

فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت، وتقدر يكن، فلك الأمر

(فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمونة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة الضحاك: ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. وقال سالم بن أبي الجعد: ابتلع الحوت حوت آخر فصارت ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر.

وقوله تعالى:

{فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ } * {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (سورة الصافات:143ـ144) .

قيل معناه: فلولا أنه سبح الله هنالك، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والاعتراف لله بالخضوع، والتوبة إليه والرجوع؛ للبث هنالك إلي يوم القيامة، ولبعث من جوف ذلك الحوت. هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.

وقيل معناه: (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي: المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيراً، قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير.

وشهد لهذا ما رواه الإمام احمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلي الله في الرخاء يعرفك في الشدة"
وروى ابن جرير في تفسيره، والبزار في مسنده من حديث محمد بن إسحاق، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلي الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً، فلما انتهى به إلي أسفل البحر سمع يونس حساً، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفا بأرض غريبة! قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح؛ الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل"

كما قال الله:

{فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ } (سورة الصفات:145) .

هذا لفظ ابن جرير إسناداً ومتناً، ثم قال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد. كذا قال.

وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله احمد بن عبد الرحمن ابن أخي وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر، أن يزيد الرقاشي قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة؟ قالوا: يا ربنا أو لا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى: فأمر الحوت فطرحه في العراء". ورواه ابن جرير عن يونس عن وهب به

زاد أبي حاتم: قال أبو صخر حميد بن زياد، فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث، أن سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت الله عليه اليقطينة، قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء، قال أبو هريرة: وهيأ الله أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض، أو قال: هشاش الأرض، قال: فتفسخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت.

وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتاً من شعر:

فأنبت يقطينا عليه برحمةٍ من الله لولا الله أصبح ضاويا

وهذا غريب أيضاً من هذا الوجه، ويزيد الرقاشي ضعيف، ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم، كما يتقوى ذاك بهذا، والله أعلم. وقد قال الله تعالى: (فنبذناه) أي: ألقيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شيء من الأشجار، بل هو عار منها، (وهو سقيم) أي: ضعيف البدن، قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، وقال ابن عباس والسدي وابن زيد: كهيئة الصبي حين يولد وهو المنفوس عليه شيء. (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاووس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد: هو القرع. قال بعض العلماء: في إنبات القرع عليه حكم جمة، منها أن ورقة في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلي آخره، نياً ومطبوخاً، وبقشره وببذره أيضاً، وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك.

وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية، وتأتيه بكرة وعشية، وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه، ولهذا قال تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) أي: الكرب والضيق الذي كان فيه: (وكذلك ننجي المؤمنين) أي: وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا.

قال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد ابن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك ـ وهو ابن أبي وقاص ـ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى"، قال: فقلت يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: "هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به"

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير ابن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب ـ يعني ابن سعد ـ عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا بدعاء يونس استجيب له"

قال أبو سعيد الأشج: يريد به: (وكذلك ننجي المؤمنين). وهذان طريقان عن سعد.

وثالث أحسن منهما، قال الإمام احمد: حدثنا إسماعيل بن عمير، حدثنا يونس ابن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد ـ وهو ابن أبي وقاص رضي الله عنه ـ قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، قال: فأرسل عمر إلي عثمان فدعاه فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت.

قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، واستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفاً، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشي بصري وقلبي غشاوة.

قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلي منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من هذا؟ أبو إسحاق" قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: "فمه؟" قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: "نعم، دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين). فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له".

ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:43 AM
12 قصة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم

وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لأوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

قال تعالى:

{ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } * { وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } * { وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً } (سورة مريم:51ـ53) .

(إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً) أي: تجبر وعتا وطغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، (وجعل أهلها شيعاً) أي: قسم رعيته إلي أقسام، وفرق وأنواع، يستضعف طائفة منهم، وهم شعب إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب ابن نبي الله ابن خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض، وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر، ويستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردئها وأدناها، ومع هذا (يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين).

وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه. وذلك ـ والله أعلم ـ حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها. وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلي فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذراً من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر.

وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً قد أقبلت من نحو بيت القدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحذقة والسحرة، وسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسون.

والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز ألا يوجد موسى، حتى جعل رجالاً وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون مقيمات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته. وعند أهل الكتاب: أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان، لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظر، بل هو باطل، وإنما هذا الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى، كما قال تعالى:

{ فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ } (سورة غافر:25) .

ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى:

{ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } (سورة الأعراف:129) .

فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولاً، حذراً من وجود موسى.

وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلي فرعون قلة بني إسرائيل، بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار، فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً، فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت أمه ذرعاً واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل، فلما وضعت ألهمت أن اتخذت له تابوتاً، فربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، فأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.

قال تعالى:

{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ } * { وَقَالَتِ ٱمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } (سورة القصص:7ـ9) .

قال السهيلي: واسم أم موسى "أيارخا" وقيل: "أياذخت"، والمقصود أنها أرشدت إلي هذا الذي ذكرناه، وألقى في خلدها وروعها ألا تخافي ولا تحزني فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك، وإن الله سيجعله نبياً مرسلا، يعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب في النيل، فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون)، قال الله تعالى: (ليكون لهم عدواً وحزناً) قال بعضهم: هذه لأم العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقا بقوله: (فالتقطه). وأما إن جعل متعلقاً بمضمون الكلام، وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدواً وحزناً، وصارت اللام معللة كغيرها، والله أعلم. ويقوي هذا التقدير الثاني قوله: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) أي: هم أهل لهذا التقييض، ليكون أبلغ في إهانتهم وأقوى في حسرتهم، أن يربوا عدوهم في دارهم، ولهذا قال:

(ليكون لهم عدواً وحزناً).

وذكر المفسرون: أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون "آسية" بنت مزاحم بن عبيد بن الريان ابن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل: إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته، حكاه السهيلي، فالله أعلم. فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديداً جداً، فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه، وقالت: (قرة عين لي ولك) فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به. و"البلاء موكل بالمنطق"!


قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة الضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً) أي: من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى (إن كادت لتبدي به) أي: لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن ربطنا على قلبها) أي: صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لأخته، وهي ابنتها الكبيرة (قصيه) أي: اتبعي أثره، واطلبي لي خبره (فبصرت به عن جنب) قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده، ولهذا قال: (وهم لا يشعرون) وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل؛ كما قال تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلي السوق؛ لعلهم يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته، فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه؟ فقالت: رغبة في سرور الملك ورجاء منفعته.

فأطلقوها وذهبوا معها إلي منزلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلي "آسية" يعلمها بذلك، فاستدعتها إلي منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها، فأبت عليها، وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات والكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلي رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: (فرددناه إلي أمة كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق) كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون). لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك، وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، وهو احتكام الخلق والخلق، وهو سن الأربعين في قول الأكثرين، آتاه الله حكماً وعلماً، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال: (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).

ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلي أرض مدين، وإقامته هنالك حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له، وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي. فقال تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي: وذلك نصف النهار، وعن ابن عباس: بين العشاءين. (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي: يتضاربان ويتهارشان (هذا من شيعته) أي: إسرائيلي. (وهذا من عدوه) أي: قبطي، قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد ابن إسحاق.

(فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى عليه السلام، كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلي تبني فرعون له وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاهة، وارتفعت رءوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله أي من الرضاعة، فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) قال مجاهد: أي طعنه بجميع كفه، وقال قتادة: بعصاً كانت معه (فقضى عليه) أي: فمات منها.

وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه، ومع هذا (قال) موسى: (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت علي) أي: من العز والجاه (فلن أكون ظهيراً للمجرمين).

يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً ـ أي: من فرعون وملئه ـ أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، وترتب على ذلك أمر عظيم.

فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفاً يترقب) أي: يتلفت، فبينما هو كذلك، إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه، أي: يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال له: (إنك لغوي مبين) ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس أن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين).

والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه، وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعياً إليه، مشفقاً عليه، فقال (يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) أي: من هذه البلدة، (إني لك من الناصحين) أي: فيما أقوله لك. قال الله تعالى: (فخرج منها خائفاً يترقب)، أي: فخرج من مدينة نصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلي طريق ولا يعرفه، قائلاً:

{ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } * { وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيۤ أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ } * { وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } * { فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } (سورة القصص:21ـ24) .

يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقب، أي: يتلفت، خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلي أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها. (ولما توجه تلقاء مدين) أي: اتخذ له طريقاً يذهب فيه: (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) أي: عسى أن تكون هذه الطريقة موصلة إلي المقصود، وكذا وقع، فقد أوصلته إلي المقصود وأي مقصود. (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئراً يستقون منها، ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب عليه السلام، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء.

ولما ورد الماء (وجد عليه أمة من الناس يسقون * ووجد من دونهم امرأتين تذودان) أي: تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس. وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات، وهذا أيضاً من الغلط، ولعلهن كن سبعاً ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظاً، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتين.

(قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) أي: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره، قال الله تعالى: (فسقى لهما). قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر كما كان، قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة، وإنما استقى ذنوباً واحداً فكفاهما.

ثم تولى إلي الظل، قالوا: وكان ظل شجرة من السمر، وروي ابن جرير عن ابن مسعود: أنه رآها خضراء ترف (فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير). سمعته المرأتان فيما قيل، فذهبتا إلي أبيهما، فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه بما كان من أمر موسى عليه السلام، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) أي: مشي الحرائر، (قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها (فلما جاءه وقص عليه القصص) وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فراراً من فرعون، (قال) له ذلك الشيخ (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم. وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل: هو شعيب عليه السلام، وهذا هو المشهور عند الكثيرين، وممن نص عليه الحسن البصري، ومالك بن أنس، وجاء مصرحاً به في حديث، ولكن في إسناده نظر.

والمقصود: أنه لما أضافه وأكرم مثواه، وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت: إحدى البنتين لأبيها: (يا أبت استأجره) أي: لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين. قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد لما قالت ذلك، قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟ فقالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة. وإنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاه أعلم بها كيف الطريق.

(قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإذا أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين). ثم قال تعالى: (ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل)، يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان على والله على مقالتنا سامع وشاهد، ووكيل علي وعليك، ومع هذا فلم يقض إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة. فلما أراد فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه، من ما له لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حساناً، فانطلق موسى عليه السلام إلي عصا قسمها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها. قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلي السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يوري شيئاً، واشتد الظلام والبرد.

فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد ناراً تأجج في جانب الطور ـ وهو الجبل الغربي منه عن يمينه ـ (فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً) وكأنه، والله أعلم، رآها دونهم؛ لأن هذه النار هي نور الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد، (لعلى آتيكم منها بخير) أي: لعلى استعلم من عندها عن الطريق (أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة. لقوله: في الآية الأخرى:

{ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ } * { إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى } (سورة طه:9ـ10) .

فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في قوله في النمل:

{ إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لأَهْلِهِ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } (سورة النمل:7) .

وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدى وأي هدى، واقتبس منها نوراً وأي نور؟!. قال الله تعالى:
{ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ }

( سورة القصص : 30) .

أي: أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو، الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له. ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية يوم القيامة، التي لابد من كونها ووجودها (لتجزي كل نفس بما تسعى) أي: من خير وشر، وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه، ثم قال مخاطباً ومؤانساً ومبيناً له أنه القادر على كل شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون:

{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } (سورة طه:17) .

أي: أما هذه عصاك التي تعرفها منذ صحبتها

{ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ } (سورة طه:18) .

أي: بلى هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها،

{ قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ } * { فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } (سورة طه:19ـ20) .

فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) فيقال: إنه هابطها شديداً، فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع يده في وسط فمها. وعند أهل الكتاب: أمسك بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصاً ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين والمغربين!. ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء، أي: من غير برص ولا بهق، ولهذا قال:

{ ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ } (سورة القصص:32) .

قيل معناه: إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. والمقصود أن الله سبحانه وتعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلي فرعون

{ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } * { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ } * { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ } (سورة القصص:33ـ35) .

قال الله تعالى مجيباً إلي سؤاله: (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً) أي: برهاناً (فلا يصلون إليكما) أي: فلا ينالون منكما مكروهاً بسبب قيامكما بآياتنا، وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون).

وقال في سورة طه:

{ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ } * { قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } * { وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي } * { وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي } * { يَفْقَهُواْ قَوْلِي } (سورة طه:24ـ28) .

قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة، بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه، والتي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهم بقتله، فخافت عليه آسية، وقالت: إنه طفل، فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلي الجمرة، فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها؛ فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله: ولم يسأل زوالها بالكلية.

فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلي عباد الله تعالى وحده لا شريك لك، وأنه يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته، ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه. فتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغى، ونظر إلي موسى بعين الازدراء والتنقص قائلاً له: (ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين؟) أي: أما أنت الذي ربيناه في منزلنا، وأحسنا إليه، وأنعمنا عليه مدة من الدهر؟.

وقوله:

{ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ } (سورة الشعراء:19) .

أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منا، وجحدت نعمتنا.

{ قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ } (سورة الشعراء:20) .

أي: قبل أن يوحي إلي وينزل على

{ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } (سورة الشعراء:21) .

ثم قال مجيباً لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه:

{ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ } (سورة الشعراء:22) .

أي: وهذه النعمة التي ذكرت؛ من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك وخدمتك وأشغالك.

{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } * { قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } * { قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } * { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } * { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } * { قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } (سورة الشعراء:23 - 28) .

فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قول سوى العناد، عدل إلي استعمال سلطانه وجاهه وسطوته.

{ قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } * { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ } * { قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } * { فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } * { وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ } (سورة الشعراء:29ـ33) .

وهذان هما الرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما العصا واليد، وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر العقول والأبصار، حين ألقى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل، بديع في الضخامة والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر، حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه، أخذه رعب شديد وخوف عظيم، بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة، فانعكس عليه الحال.

وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نوراً يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلي جيبه واستخرجها رجعت إلي صفتها الأولى. ومع هذا كله لم ينتفع فرعون ـ لعنة الله عليه ـ بشيء من ذلك، بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ومن هم في رعيته وتحت قهره ودولته، ثم حضوا بعضكم بعضاً على التقدم في هذا المقام؛ لأن فرعون قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً.

{ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ } * { قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } * { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ } * { قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ } * { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ } (سورة طه:65ـ69) .

لما اصطف السحرة، ووقف موسى وهارون عليهما السلام تجاههم، قالوا له: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك (قال بل ألقوا) أنتم، وكانوا قد عمدوا إلي حبال وعصى فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطراباً يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وألقوا حبالهم وعصيهم، وهم يقولون:

{ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ } (سورة الشعراء:44) .

وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها، صارت حية عظيمة ذات قوائم، فيما ذكره غير واحد من علماء السلف، وعنق عظيم وشكل هائل مزعج، بحيث إن الناس انحازوا منها وهربوا سراعاً، وتأخروا عن مكانها وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحداً واحداً في أسرع ما يكون من الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها، وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم ولا يدخل تحت صناعتهم وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر ولا شعوذة، ولا محال ولا خيال، ولا زور ولا بهتان ولا ضلال؛ بل حق لا يقدر عليه إلا الحق؛ الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق، وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى، وأزاح عنها القساوة، وأنابوا إلي ربهم وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين، ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى: (آمنا برب هارون وموسى).

قال سعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبي بردة والأوزاعي وغيرهم: لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلي تهويل فرعون وتهديده ووعيده.
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا وأشهروا ذكر موسى وهارون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمراً بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله، فقال مخاطباً للسحرة بحضرة الناس: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) أي: هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي؟! ثم تهدد وتوعد وأبرق وأرعد، وكذب فأبعد قائلاً: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر). والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) وأتى ببهتان يعلمه العالمون بل العالمون في قوله:

{ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } (سورة الأعراف:123).

وقوله: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) يعني: يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه،

{ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } (سورة الأعراف:124) .

أي: ليجعلهم مثلة ونكالاً لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته، وأهل ملته، ولهذا قال: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي:

لى جذوع النخل، لأنها أعلى وأشهر

{ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ } (سورة طه:71) .

يعني: في الدنيا.

{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ } (سورة طه:72) .

أي: لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات (والذي فطرنا) قيل: معطوف، وقيل قسم (فاقض ما أنت قاض) أي: فافعل ما قدرت عليه (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) أي: إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلي الدار الآخرة صرنا إلي حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله،
{ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } (سورة طه:73) .

أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب، (وأبقى) أي: وأدوم من هذه الدار الفانية، وفي الآية الأخرى:

{ قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ } * { إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ } (سورة الشعراء:50ـ51) .

أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم

{ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } (سورة الشعراء: 51) .

أي: من القبط، بموسى وهارون عليهما السلام.

والظاهر من هذه السياقات أن فرعون ـ لعنه الله ـ صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم قال عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة!. ويؤيد هذا قولهم:

{ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } (سورة الأعراف:126) .

قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب: استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلي عيد لهم، فأذن لهم وهو كاره، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له، وإنما كان في نفس الأمر مكيدة بفرعون وجنوده، ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم. وأمرهم الله تعالى ـ فيما ذكره أهل الكتاب ـ أن يستعيروا حلياً منهم، فأعاروهم شيئاً كثيراً، فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم، طالبين بلاد الشام، فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق، واشتد غضبه عليهم، وشرع في استحثاث جيشه وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم.

قال الله تعالى:

{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ } * { فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ } * { إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } * { وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ } * { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } * { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } * { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ }*{ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ } * { فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } * { قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } * { فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } * { وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ } * { وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ } * { ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } (سورة الشعراء:52ـ68) .

قال علماء التفسير: لما ركب فرعون في جنوده، طالباً بني إسرائيل يقفو أثرهم، كان في جيش كثيف عرمرم ، حتى قيل: كان في خيوله مائة ألف فحل أدهم، وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف. فالله أعلم. والمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود، فأدركهم عند شروق الشمس، وتراءى الجمعان ولم يبق ثم ريب ولا لبس، وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبق إلا المقاتلة والمجادلة والمحاماة، فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون: (إنا لمدركون) وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلي البحر فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه، والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم وهي شاهقة منيفة، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه في جنوده وديوشه وعدده وعدته، وهم منه في غاية الخوف والذعر، لما قاسوا في سلطانه من الإهانة والمكر.

فلما تفاقم الأمر، وضاق الحال، واشتد الأمر، واقترب فرعون وجنوده في جدهم وحدهم وحديدهم، وغضبهم وحنقهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير، رب العرش الكريم، إلي موسى الكليم: (أن اضرب بعصاك البحر)، فلما ضربه يقال إنه قال له: انفلق بإذن الله، ويقال: إنه كناه بأبي خالد، فالله أعلم.

قال الله تعالى: (فأوحينا إلي موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فريق كالطود العظيم)، ويقال: إنه انفلق اثنتي عشرة طريقاً، لكل سبط طريق يسيرون فيه، حتى قيل: إنه طار فيه أيضاً شبابيك ليرى بعضهم بعضاً! وفي هذا نظر؛ لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه.

فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه، لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال، كما قال وهو الصادق في المقال:

{ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } * { أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } * { وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } * { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } * { وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ } * { فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ } * { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ } * { وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } * { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } * { وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } * { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ } * { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ } * { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } * { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } * { مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } * { وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } * { وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ } (سورة الدخان:17ـ33) .

فقوله تعالى: (واترك البحر رهواً) أي: ساكناً على هيئته، لا تغيره عن هذه الصفة، قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الأحبار وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. فلما تركه على هيئته وحالته وانتهى فرعون، فرأى ما رأى وعاين ما عاين، هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم، فأحجم ولم يتقدم، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلداً وعاملهم معاملة العداء، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة، على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه: انظروا كيف انحسر البحر لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين عن طاعتي وبلدي؟ وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم، ويرجو أن ينجو هيهات، ويقدم تارة ولكنه يحجم تارات!.

فذكروا أن جيريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة حائل، فمر بين يدي فحل فرعون لعنه الله، فحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه فاقتحم البحر، واستبق الجواد وقد أجاد، فبادر مسرعاً، هذا فرعون لا يملك من نفسه شيئاً، ولا لنفسه ضراً ولا نفعاً، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا البحر أجمعين أكتعين أبصعين. حتى هم أولهم بالخروج منه، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان.

قال الله تعالى:

{ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ } * { ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } * { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ } * { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } (سورة الشعراء:65ـ68) .

أي: في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد، آية عظيمة وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة، وصدق رسوله فيما جاء به من ربه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:46 AM
13 قصة حزقيل

قال الله تعالى:

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } (سورة البقرة:243) .

قال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا القوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا. (ألم تر إلي الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)

قال ابن إسحاق: فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا جميعاً، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، فمضت عليهم دهور طويلة، فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكراً، فقيل له: أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر؟ فقال: نعم، فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحماً، وأن يتصل العصب بعضه ببعض، فناداهم عن أمر الله له بذلك، فقام القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد.

وقد أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة في قوله: (ألم تر إلي الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) قالوا: كانت قرية يقال لها دراوردان قبل واسط، وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقى في القرية، وسلم الآخرين فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم، فوقع في قابل، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح. فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه، فماتوا، حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه، فأوحى الله إليه، تريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وإنما كان تفكيره أنه تعجب من قدرة الله عليهم، فقيل له: ناد، فنادى: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلي بعض، حتى إذا كانت أجساداً من عظام، ثم أوحى الله إليه، أن ناد: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً، فاكتست لحماً، فاكتست لحماً ودماً وثيابها التي ماتت فيها، ثم قيل له: ناد، فنادى: أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقاموا.

قال أسباط: فزعم منصور عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلي قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوباً إلا عاد كفناً وسخاً، حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه ثمانية آلاف، وعن أبي صالح تسعة آلاف، وعن ابن عباس أيضاً: كانوا أربعين ألفاً. وعن سعيد بن عبد العزيز: كانوا أهل أذرعات. وقال ابن جريج عن عطاء: هذا مثل، يعني أنه سيق مثلاً مبيناً أنه لن يغني حذر من قدر!. وقول الجمهور أقوى أن هذا وقع.

وقد روي الإمام احمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الحرمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلي الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه؛ فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث. يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيباً ببعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه". فحمد الله عمر، ثم انصرف
وقال الإمام: حدثنا حجاج ويزيد المفتي، قالا: حدثنا ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة؛ أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض أنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه. قال: فرجع عمر من الشام وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه.

قال محمد بن إسحاق: ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل، ثم إن الله قبضه إليه، فلما قبض نسى بنو إسرائيل عهد الله إليهم، وعظمت فيهم الأحداث وعبدوا الأوثان، وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له بعل، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران.

قلت: وقد قدمنا قصة إلياس تبعاً لقصة الخضر، لأنهما يقرنان في الذكر غالباً، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات، فتعجلنا قصته لذلك، والله أعلم. قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال: ثم تنبأ فيهم بعد إلياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:49 AM
14 قصة اليسع

وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله:

{ وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } (سورة الأنعام:86) .

وقال تعالى في سورة ص:

{ وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ } (سورة ص:48) .

قال ابن إسحاق: حدثنا بشر أبو حذيفة: أنبأنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: كان بعد إلياس اليسع ـ عليهما السلام ـ فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلي الله مستمسكاً بمنهاج إلياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل إليه، ثم خلف فيهم الخلوف، وعظمت فيهم الأحداث والخطايا، وكثرت الجبابرة، وقتلوا الأنبياء، وكان فيهم ملك عنيد طاغ، ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب وراجع دخل الجنة فسمى ذا الكفل. قال محمد بن إسحاق: وهو اليسع بن أخطوب.

وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه: اليسع هو الأسباط ابن عدي بن شوتلم بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال: هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام. ويقال: كان مستخفياً معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك، ثم ذهب معه إليها، فلما رفع إلياس خلفه اليسع في قومه، ونبأه الله بعده. ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، قال: وقال غيره: وكان الأسباط ببانياس. ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف والتشديد، ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء. قلت: قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليه السلام، لأنه قد قيل إنه ابن أيوب، فالله تعالى أعلم.

قال ابن جرير وغيره: ثم مرج أمر بني إسرائيل وعظمت منهم الخطوب والخطايا، وقتلوا من قتلوا من الأنبياء، وسلط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكاً جبارين يظلمونهم، ويسفكون دماءهم، وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضاً، وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان، كما تقدم ذكره، فكانوا ينصرون ببركته، وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون.

فلما كان في بعض حروبهم من أهل غزة وعسقلان غلبوهم عليه وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم، فلما علم بذلك ملك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقه فمات كمداً. وبقى بنو إسرائيل كالغنم بلا راع؛ حتى بعث الله فيهم نبياً من الأنبياء يقال له شمويل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً ليقاتلوا معه الأعداء، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه.

قال ابن جرير: فكان من وفاة يوشع بن نون إلي أن بعث الله عز وجل شمويل بن بالي أربعمائة سنة وستون سنة. ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك ملكوا عليهم، وسماهم واحداً واحداُ وتركنا ذكرهم قصداً.

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:51 AM
15 قصة شمويل عليه السلام

هو شمويل، ويقال: له أشمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا. قال مقاتل: وهو من ورثة هارون، وقال مجاهد: هو أشمويل بن هلفاقا، ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا، فالله أعلم. حكى السدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة والثعلبي وغيرهم أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وسبوا من أبنائهم جمعاً كثيراً، وانقطعت النبوة من سبط لاوي ولم يبق إلا امرأة حبلى فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها ولداً ذكراً، فولدت غلاماً فسمته أشمويل، ومعناه بالعبرانية إسماعيل، أي: سمع الله دعائي.

فلما ترعرع بعشته إلي المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته، وكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد، فانتبه مذعوراً، فظنه الشيخ يدعوه فسأله: أدعوتني؟ فكره أن يفزعه فقال: نعم نم، فنام. ثم ناداه الثانية فكذلك ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه، فجاءه فقال: إن ربك قد بعثك إلي قومك. فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه.

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ }*{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }*{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ }*{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }*{ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ } * { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } (سورة البقرة:246ـ251).

قال أكثر المفسرين: كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل وقيل: شمعون، وقيل: هما واحد. وقيل: يوشع، وهذا بعيد لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثه شمويل أربعمائة سنة وستين سنة، فالله أعلم.

والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب، وقهرهم الأعداء، سألوا نبي الله في ذلك الزمان، وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكاً يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ومعه ومن بين يديه الأعداء، فقال لهم:


(هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله) أي: وأي شيء يمنعنا من القتال (وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) يقولون: نحن محروبون موتورون فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم.

قال الله تعالى:

{ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ } (سورة البقرة:246) .

كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل، والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال. وقال لهم نبيهم:

{ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً } (سورة البقرة:247) .

قال الثعلبي: وهو طالوت بن قيش بن أنيال بن صرار بن لحوب بن أفيح بن أريش ابن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. قال عكرمة والسدي: كان سقاءً، وقال وهب بن منبه: كان دباغاً، وقيل غير ذلك، فالله أعلم. ولهذا (قالوا أتي يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال)

ولقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوي، وأن الملك كان في سبط يهوذا، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه، وطعنوا في إمارته عليهم، وقالوا: نحن أحق بالملك منه، وقد ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه، فكيف يكون مثل هذا ملكاً؟. (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)

قيل: كان الله قد أوحي إلي شمويل أن أي بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا، وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم، فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا، فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت، ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه وعينه للملك عليهم، وقال لهم (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم) قيل: الطول، وقيل: الجمال، والظاهر في السياق أنه كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه السلام (والله يؤتي ملكه من يشاء) فله الحم وله الخلق والأمر (والله واسع عليم).

(وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين)

وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد الله عليهم التابوت الذي كان سلب منهم وقهرهم الأعداء عليه، وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه (فيه سكينة من ربكم) قيل: طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء. وقيل: السكينة مثل الريخ الخجوح. وقيل: صوتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) قيل: كان فيه رضاض الألوح وشيء من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه (تحمله الملائكة) أي: باهرة على صدق ما أقوله لكم، وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم، ولهذا قال: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين).

وقيل: إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة، وقيل: كان فيه التوراة أيضاً، فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم، فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته"، فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم، فلما تكرر هذا علموا أن هذا الأمر من الله تعالى، فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم، فأخذهم داء في رقابهم، فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما، فيقال: إن الملائكة ساقتها حتى جاءوا بها ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة، والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم من الآية، والله أعلم. وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم.

(فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده)

قال ابن عباس وكثير من المفسرين: هذا النهر هو نهر الأردن، وهو المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختباراً وامتحاناً: أن من شرب من هذا النهر اليوم فلا يصحبني في هذه الغزوة، ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة في يده. قال الله تعالى: (فشربوا منه إلا قليلاً منهم).

قال السدي: كان الجيش ثمانين ألفاً، فشرب منه ستة وسبعون ألفاً، فبقى معه أربعة آلاف كذا قال. وقد روي البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل وزهير والثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلثمائة مؤمن.

وقول السدي: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفاً فيه نظر؛ لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أنه يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفاً، والله أعلم قال الله تعالى: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) أي: استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلي قلتهم وكثرة عدد عدوهم.

(قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)

يعني: ثبتهم الشجعان منهم، والفرسان أهل الإيمان والإيقان، الصابرون على الجلاد والجدال والطعان. (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) وطلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر، أي: يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق، وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب، ومعترك الأبطال، وحومة الوغي، والدعاء إلي النزال، فسألوا التثبيت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلي ما سألوا، وأنالهم ما إليه فيه رغبوا. ولهذا قال: (فهزموهم بإذن الله).

أي: يحول الله وقوته لا بحولهم، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم، مع كثرة أعداءهم وكمال عددهم، كما قال تعالى:

{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (سورة آل عمران:123) .

وقوله تعالى:

{ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ } (سورة البقرة :251) .

فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام، وأنه قتله قتلاً أذل به جنده وكسر جيشه، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة، ويأسر الأبطال الشجعان والأقران، وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان، ويدال لأولياء الله على أعدائه، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه.

وقد ذكر السدي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه، وكانوا ثلاثة عشر ذكراً، كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول: من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته في ملكي، وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة وهو المقلاع رمياً عظيماً، فبينما وهو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فإن بي تقتل جالوت؛ فأخذه، ثم حجر آخر كذلك ثم آخر كذلك، فأخذ الثلاثة في مخلاته، فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا إلي نفسه، فتقدم إليه داود فقال له: ارجع فإني اكره قتلك، فقال: لكني احب قتلك.
وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة، ثم أدارها فصارت الثلاثة حجراً واحداً، ثم رمى بها جالوت فلق رأسه وفر جيشه منهزماً، فوفى له طالوت بما وعده فزوجه ابنته، وأجرى حكمه في ملكه، وعظم داود عليه السلام عند بني إسرائيل وأحبوه، ومالوا إليه أكثر من طالوت. فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله، واحتال على ذلك فلم يصل إليه، وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود، فتسلط عليهم فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، ثم حصل له توبة وندم وأقلع عما سلف منه، وجعل يكثر من البكاء، ويخرج إلي الجبانة فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه، فنودي ذات يوم من الجبانة: أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموت؛ فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله، ثم جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة، فقيل له: وهل أبقيت عالما؟! حتى ذلك على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلي قبر يوشع عليه السلام، قالوا: فدعت الله، فقام يوشع من قبره فقال: أقامت القيامة؟ فقالت: لا، ولكن هذا طالوت يسألك: هل له من توبة؟ فقال: نعم: ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل. ثم عاد ميتاً.
فترك الملك لداود عليه السلام، وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا، قالوا: فذلك قوله: (وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء). هكذا رواه ابن جرير في تاريخه من طريق السدي بإسناده، وفي بعض هذا نظر، ونكارة والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب حكاه ابن جرير أيضاً.

وذكر الثعلبي أنها أتت به إلي قبر شويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور، وهذا أنسب، ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حياً، فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي، وتلك امرأة لم تكن نبية، واله أعلم. قال ابن جرير: وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلي أن قتل مع أولاده أربعون سنة، فالله أعلم.

خليفة العريفي
04-11-2009, 07:55 AM
16 قصة داود عليه السلام

هو داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عوينادب بن إرم بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس. قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: كان داود عليه السلام قصيراً أزرق العينين، قليل الشعر، طاهر القلب، نقيه.

تقدم إنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلي ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلي داود عليه السلام، وجمع الله له بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر، فاجتمع في داود هذا. وهذا كما قال تعالى:

{ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } (سورة البقرة:251) .

أي: لولا إقامة الملوك حكاماً على الناس لأكل قوي الناس ضعيفهم؛ ولهذا جاء في بعض الآثار: "السلطان ظل الله في أرضه". وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له: اخرج إلي وأخرج إليك، فندب طالوت الناس، فانتدب داود فقتل جالوت.
قال وهب بن منبه: فمال الناس إلي داود حتى لم يكن لطالوت ذكر، وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود، وقيل: إن ذلك عن أمر شمويل، حتى قال بعضهم: إنه ولاه قبل الوقعة. قال ابن جرير: والذي عليه الجمهور إنه إنما ولي ذلك بعد قتل جالوت، والله أعلم، وروي ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وأن النهر الذي كان هو المذكور في الآية. فالله أعلم.

وقال تعالى:

{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } * { أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (سورة سبأ:10ـ11) .

وقال تعالى:

{ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ } * { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ } (سورة الأنبياء:79ـ80) .

أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء، وأرشده إلي صنعتها وكيفيتها: (وقدر في السرد) أي: لا تدق المسمار فيفلق ولا تغلظه فيفصم، قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة. قال الحسصن البصري وقتادة والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلي نار ولا مطرقة، قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح، قال ابن شوذب: كان يعمل كل يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم. وقد ثبت في الحديث: "أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده".
وقال تعالى:

{ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } * { إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ } * { وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } * { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ } (سورة ص:17ـ20) .

قال ابن عباس ومجاهد: الأيد: القوة في الطاعة. يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح، قال قتادة: أعطى قوة في العبادة فقها في الإسلام، قال: وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر.

وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "احب الصلاة إلي الله صلاة داود، وأحب الصيام إلي الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى"

{ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ } * { وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } (سورة ص:18ـ19) .

كما قال:

{ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } (سورة سبأ:10) .

أي: سبحي معه.

قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق) أي: عند آخر النهار وأوله، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحداً، بحيث أنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه، وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا، صلوات الله وسلامه عليه.


وقال الأوزاعي: حدثني عبد الله بن عامر قال: أعطي داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط، حتى إن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشاً وجوعاً، وحتى إن الأنهار لتقف!. وقال هب: كان لا يسمعه أحد إلا حجل كهيئته الرقص، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله، فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صورته، حتى يهلك بعضها جوعاً.

وقال أبو عوانة الأسفراييني: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن منصور الطوسي، سمعت صبيحاً أبا تراب، ح، قال أبو عوانة: وحدثني أبو العباس المدني، حدثنا محمد بن صالح العدوي، حدثنا سيار هو ابن حاتم، عن جعفر، عن مالك، قال: كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى، وهذا غريب. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: سألت عطاء عن القراءة على الغناء، فقال: وما بأس بذلك؟ سمعت عبيد بن عمران يقول: كان داود عليه السلام يأخذ المعرفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكي ويبكي.

وقال الإمام احمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال: "لقد أوتى أبو موسى من مزامير آل داود"
وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.

وقال احمد: حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقد أعطى أبو موسى من مزامير داود" على شرط مسلم.

وقد روينا عن أبي عثمان النهدي أنه قال: لقد سمعت البربط والمزمار، فما سمعت صوتا احسن من صوت أبي موسى الأشعري. وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابه الزبور،

كما قال الإمام احمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خفف على داود القراءة، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه"

وكذلك رواه البخاري منفرداً به عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق به، ولفظه: "خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يديه". ثم قال البخاري: ورواه موسى بن عقبة، عن صفوان هو ابن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في "تاريخه" من طرق عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، ومن طريق أبي عاصم عن أبي بكر السبري، عن صفوان بن سليم به. والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الذي أنزله عليه وأوحاه إليه. وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظاً فإنه كان ملكاً له أتباع، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب، وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع، صلوات الله وسلامه عليه.

وقد قال الله تعالى:

{ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً } (سورة النساء:163) .

والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الذي رواه احمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه. وقوله: (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) أي: أعطيناه ملكاً عظيماً وحكماً نافذاً. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عباس: أن رجلين تداعيا إلي داود عليه السلام في بقرة، ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدعى عليه فأرجأ أمرهما إلي الليل، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعى، فلما أصبح قال له داود: إن الله أوحى إلي أن أقتلك فأنا قاتلك لا محالة، فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟ قال: والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا، فأمر به داود فقتل. فعظم أمر داود في بني إسرائيل جداً وخضعوا له خضوعاً عظيماً، قال ابن عباس وهو قوله تعالى: (وشددنا ملكه)، وقوله تعالى: (وآتيناه الحكمة) أي: النبوة (وفصل الخطاب) قال شرح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمى وغيرهم: فصل الخطاب الشهود والإيمان، يعنون ذلك: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر". وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهمه. وقال مجاهد: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، واختاره ابن جرير.

وهذا لا ينافي ما روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: أما بعد: وقال وهب بن منبه: لما كثر الشر والشهادات الزور في بني إسرائيل أعطى داود سلسلة لفصل القضاء، فكانت ممدودة من السماء إلي صخرة بيت المقدس، وكانت من ذهب، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأبهما كان محقاً نالها والآخر لا يصل إليها، فلم تزل كذلك حتى أودع رجل رجلاً لؤلؤة، فجحدها منه، وأخذ عكازاً وأودعها فيه، فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعي، فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد إلي العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة وقال: اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه، ثم تناول السلسلة فنالها، فأشكل أمرها على بني إسرائيل، ثم رفعت سريعاً من بينهم.

ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين. وقد رواه إسحاق بن بشر عن إدريس بن سنان، عن وهب به بمعناه.

{ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } * { إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ } * { إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ } * { قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } * { فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ } (سورة ص:21ـ25) .

وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة. تركنا إيرادها في كتابنا قصداً واكتفاءً واقتصاراً على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم، والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم. وقد اختلف الأئمة في سجدة "ص" هل هي من عزائم السجود، أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود؟ على قولين: قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألت مجاهداً عن سجدة "ص" فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ:

{ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ } (سورة الأنعام:84) .

{ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } (سورة الأنعام:90) .

فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به فسجدها داود عليه السلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قال الإمام احمد: حدثنا إسماعيل هو ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في السجود في "ص": ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمي، حدثنا حجاج بن محمد، عن عمرو بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في "ص"، وقال: "سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً" تفرد به احمد، ورجاله ثقات.

وقال أبو داود: حدثنا احمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر "ص"، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس، فلما كان يوم آخ قرأها بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال: "إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشزنتم" فنزل وسجد. وتفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح

وقال الإمام احمد: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر، هو ابن عمر، وأبو الصديق الناجي، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب "ص"، فلما بلغ إلي التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به احمد. وروى الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس، عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد، قال لي ابن جريج: حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود". قال ابن عباس: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثم قال ابن عباس: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام مكث ساجداً أربعين يوماً، وقاله مجاهد والحسن وغيرهما، وورد في ذلك حديث مرفوع، لكنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو ضعيف متروك الرواية. قال الله تعالى: (فغفرنا له ذلك، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب). أي: أن له يوم القيام لزلفى، وهو القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه يسببها، كما ثبت في الحديث: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذي يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا".

وقال الإمام احمد في مسنده، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن احب الناس إلي الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل، وإن أبغض الناس إلي الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمام جائر" وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغر به، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله: (فغفرنا له ذلك، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) قال: يقوم داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش، فيقول الله: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني في الدنيا، فيقول: وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أرده عليك اليوم. قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان. يقول تعالى:
{ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } (سورة ص:26) .

هذا خطاب من الله تعالى مع داود، والمراد ولاة الأمور وحكام الناس، وأمرهم بالعدل واتباع الحق المنزل من الله، لا ما سواه من الآراء والأهواء، وتوعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الزمان في العدل، وكثرة العبادة، وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من أناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً، كما قال تعالى:

{ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } (سورة سبأ:13) .

قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا صالح المرى، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد، قال: قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلي شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي، أن يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى يا رب، قال: فإني أرضى بذلك منك. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، قال: قال داود: الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، فأوحى الله إليه: إنك أتعبت الحفظة يا داود!. ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد، عن الثوري مثله. وقال عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد": أنبأنا سفيان الثوري، عن رجل، عن وهب بن منبه، قال: إن في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلي إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب. وحق على العاقل أن يعرف زمانه، ويحفظ لسانه، ويقبل على شأنه. وحق على العاقل أن يعرف زمانه، ويحفظ لسانه، ويقبل على شأنه. وحق على العاقل ألا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زاد لمعادة، ومرمة لمعاشه، ولذة في غر محرم.

وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه، فذكره. ورواه أيضاً عن علي بن الجعد، عن عمر بن الهيثم الرقاشي، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه فذكره، وأبو الأغر هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته، قاله ابن عساكر. وقال عبد الرزاق: أنبأنا بشر بن رافع، حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه، فذكر مثله. وقد أورد الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة منها قوله: كن لليتيم كالأب الرحيم، وأعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد. وروى بسند غريب مرفوعاً: "قال داود: يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها".

وعن داود عليه السلام أنه قال: مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغني عند رأس الميت. وقال أيضاً: ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى. وقال: انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت. وقال: لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له، فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه. وقال محمد بن سعد: أنبأنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني هشام بن سعد، عن عمر مولي عفرة، قال: قالت يهود لما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج النساء: انظروا إلي هذا الذي لا يشبع من الطعام، ولا والله ما له همة إلا إلي النساء، وحسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك، فقالوا: لو كان نبيا ما رغب في النساء، وكان أشدهم في ذلك حيى بن أخطب، فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) يعني الناس: رسول الله صلى الله عليه وسلم
{ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً } (سورة النساء:54) .

يعني: ما آتى الله سليمان بن داود كانت له ألف امرأة، سبعمائة مهيرة وثلاثمائة سرية، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان ابن داود التي تزوجها بعد الفتنة، هذا أكثر مما لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الكلبي نحو هذا: وإنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة، منهن ثلاثمائة سرية.
وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة "صدقة الدمشقي" الذي يروي عن أن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي، عن أبي هريرة الحمصي، عن صدقة الدمشقي، أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال: لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث مخزوناً، إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواماً قواماً، وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افضل الصيام صيام داود، وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها، وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه، ويبكي ببكاء كل شيء، ويصرف بصوته المهموم والمحمول"

وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان، فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام، ومن وسطه ثلاثة أيام، ومن آخره ثلاثة أيام، ويستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام.

وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم، فإنه كان يصوم الدهر، ويأكل الشعير، ويلبس الشعر، ويأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد، ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب، وكان أينما أدركه الليل صف بين قدميه وقام يصلي حتى يصبح، وكان رامياً لا يفوته صيد يريده وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم. وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران، فإنها كانت تصوم يوماً وتفطر يومين. وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ويقول إن ذلك صوم الدهر. وقد روي الإمام احمد عن أبي النضر، عن فرج بن فضالة، عن أبي هرم، عن صدقة، عن ابن عباس مرفوعاً في صوم داود.

خليفة العريفي
04-11-2009, 08:01 AM
18 قصة العزيز
قصة العزيز

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو عزيز بن جروة، ويقال ابن سوريق بن عديا ابن أيوب بن درزنا بن عرى بن تقي بن أسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران.

وقال إسحاق بن بشر: أن عزيزاً كان عبداً صالحاً حكيماً، خرج ذات يوم إلي ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف أتى إلي خربة حين قامت الظهيرة وأصابه الحر، ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره، ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج خبزاً يابساً معه، فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتلى ليأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلي الحائط، فنظر إلي سقف تلك البيوت، ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها، وقد باد أهلها ورأى عظاماً بالية فقال: (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) فلم يشك أن الله يحييها، ولكن قالها تعجباً، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مائة عام.

فلما أتت عليه مائة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث، قال: فبعث الله إلي عزيز ملكاً فخلق قلبه وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك وهو يرى ويعقل، فاستوى جالساً، فقال له الملك: كيف لبثت؟ قال: لبثت يوماً، وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب، فقال: أو بعض يوم ولم يتم لي يوم، فقال له الملك: بل لبثت مائة عام، فانظر إلي طعامك وشرابك، يعني الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز اليابس، فذلك قوله: (لم يستنه) يعني: لم يتغير.

وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء من حالهما، فكأنه أنكر في قلبه، فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك؟ انظر إلي حمارك فنظر إلي حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار، فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه وعزيز ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار، رافعاً رأسه وأذنيه إلي السماء ناهقاً يظن القيامة قد قامت، فذلك قوله: (وانظر إلي حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلي العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً). يعني: وانظر إلي عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها، حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحماً: (فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير) من إحياء الموتى وغيره.

قال: فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منزله، فانطلق إلي وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عنهم عزيز وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة، فقال لها عزيز: يا هذه أهذا منزل عزيز؟ قالت: نعم هذا منزل عزيز، فبكت، وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيزاً، وقد نسيه الناس، قال: فإني أنا عزيز، كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني، قالت: سبحان الله! فإن عزيزاً قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر، قال: فإني أنا عزيز، قالت: فإن عزيز رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك فإن كنت عزيزاً عرفتك.

قال: فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت: اشهد أنك عزيز. وانطلقت إلي مجلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزيز شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة، وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم، فقالت: هذا عزيز قد جاءكم. فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه، قال: فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه، فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزيز، فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزيز وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا، وكان أبوه سروخاً قد دفن التوراة أيام بتختصنر في موضع لم يعرفه أحد غير عزيز، فانطلق بهم إلي ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب.

قال: وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة، ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، فمن ثم قالت اليهود عزيز ابن الله، للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل كان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل، والقرية التي مات فيها يقال لها ساير اباذ. قال ابن عباس: فكان كما قال الله تعالى: (ولنجعلك آية للناس) يعني: لبني إسرائيل، وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب، لأنه مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات. قال ابن عباس: بعث بعد بختنصر، وكذلك قال الحسن.
والمشهور أن عزيزاً نبي من أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها، فسردها على بني إسرائيل، كما قال وهب بن منبه: أمر الله ملكاً فنزل بمعرفة من نور فقذفها في عزيز فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها.

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي"

وقال وهب بن منبه: كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام. وقد روي ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيزاً كان في زمن موسى بن عمران، وأنه استأذن عليه فلم يأذن له، يعني لما كان من سؤاله عن القدر، وأنه انصرف وهو يقول: مائة موتة أهون من ذل ساعة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة"

فروى إسحاق بن بشر عن ابن جريج، عن عبد الوهاب ابن مجاهد، عن أبيه أنه عزيز. وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزيز

خليفة العريفي
04-11-2009, 08:09 AM
20 قصة عيسى ابن مريم عليه السلام

قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الرد على النصارى، عليهم لعائن الله، الذين زعموا أن لله ولداً، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. قال أبو القاسم بن عساكر: مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن أخير بن صادوق بن عيازرو بن الياقيم بن أبيود بن زربابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحاز بن موثام بم عزريا بن يورام بن يوشافاط بن إيشا بن إيبا بن رخيعم بن سليمان بن داود عليه السلام، وفيه مخالفة لما ذكره محمد ابن إسحاق. ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمها هي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور، وقيل زوج خالتها أشياع، فالله أعلم.

وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل، فرأت يوماً طائراً يزق فرخاً له، فاشتهت الولد، فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها محرراً، أي: حبيساً في خدمة بيت المقدس. قالوا: فحاضت من فورها، فلما طهرت واقعها بعلها: فحملت بمريم عليها السلام (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت) وقرئ بضم التاء (وليس الذكر كالأنثى) أي: في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداماً من أولادهم. وقولها: (وإني سميتها مريم) استدل به على تسمية المولود يوم يولد. وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنك أخاه وسماه عبد الله.

وقولها: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها،
فقال الإمام احمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مسه الشيطان إلا مريم وابنها"

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان بإصبعه إلا مريم بنت عمران وابنها عيسى"

وقوله:

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } (سورة آل عمران :37) .

ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها. ثم خرجت بها إلي المسجد فسلمتها إلي العباد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم، فتنازعوا فيها، والظاهر أنها إنما سلمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها. ثم لما دفعتها إليهم تنازعوا في أيهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل زوجته أختها أو خالتها على القولين، فشاحوه في ذلك، وطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم.

وقالوا: وذلك أن كلاً منهم ألقى قلمه معروفاً به، ثم حملوها ووضعوها في موضع، وأمروا غلاماً لم يبلغ الحنث فأخرج واحداً منها، وظهر قلم زكريا عليه السلام، فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية، وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جرية الماء فهو الغالب ففعلوا، فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء، ثم طلبوا منه أن يتقرعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعداً فهو الغالب ففعلوا، فكان زكريا هو الغالب لهم، فكفلها إذ كان أحق بها شرعاً وقدراً لوجوه عديدة.

قال الله تعالى:

{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } (سورة آل عمران:37) .

واتخذ زكريا لها محراباً، وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات، وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولداً زكيا يكون نبياً كريماً طاهراً مكرماً مؤيداً بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت الأمر لله، وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلي ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل.

وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لابد منها أن استقاء ماء أو تحصيل غذاء، فبينما هي يوماً قد خرجت لبعض شئونها وانفردت وحدها في شرقي المسجد الأقصى، إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام (فتمثل لها بشراً سوياً) فلما رأته (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا). (قال إنما أنا رسول ربك) أي: خاطبها الملك قال: إنما أنا رسول ربك أي: لست ببشر، ولكنني ملك بعثني الله إليك؛ (لأهب لك غلاماً زكياً) أي: ولداً زكياً (قالت أني يكون لي غلام) أي: كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد (ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً) أي: ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة، (قال كذلك قال ربك هو على هين) أي: فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلاً هذا سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير.

وقوله: (ولنجعله آية للناس) أي: ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى. وقوله (ورحمة منا)، أي: نرحم به العباد بأن يدعوهم إلي الله في صغره وكبره في طفولته وكهولته، بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له، وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد. وقوله: (وكان أمراً مقضياً) يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها يعني: أن هذا أمر قضاه الله وحتمه وقدره وقرره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق، واختاره ابن جرير ولم يحك سواه، والله أعلم.

قال محمد بن إسحاق: شاع واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا. قال: واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد، وتوارت عنهم مريم، واعتزلتهم، وانتبذت مكاناً قصياً، وقوله: (فأجاءها المخاض إلي جذع النخلة) أي: فألجأها واضطر الطلق إلي جذع النخلة، (قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً) فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها، بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها، مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه، ومن بيت النبوة والديانة، فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال، أو كانت (نسياً منسياً) أي: لم تخلق بالكلية.

وقوله: (فنادها من تحتها)، وقوله: (ألا تخزني قد جعل ربك تحتك سرياً) (وهزي إليك بجزع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) فذكر الطعام والشراب، ولهذا قال:(فكلي واشربي وقري عيناً).

قال عمرو بن ميمون: ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية.

وقال ابن أبي حاتم: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم وليس من الشجر شيء يلقح غيرها"

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران"


وقوله:

{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } (سورة مريم :26) .

وهذا من تمام كلام الذي نادها من تحتها قال:

{فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً } (سورة مريم :26) .

أي: فإن رأيت أحداً من الناس (فقولي) له أي: بلسان الحال والإشارة (إني نذرت للرحمن صوماً) أي: صمتاً، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام، ويدل على ذلك قوله: (فلن أكلم اليوم إنسياً) فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلي الليل.

وقوله تعالى:

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } * {يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } (سورة مريم:27ـ28) .

ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها، فمروا على محلتها والأنوار حولها، فلما واجهوها وجدوا معها ولد فقالوا له: (لقد جئت شيئاً فريا) أي: أمراً عظيماً منكراً، وفي هذا الذي قالوه نظر، مع أنه كلام ينقض أوله آخره، وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله، قال ابن عباس: وذلك بعد ما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوماً. والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها (قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا) والفرية: هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال.

ثم قالوا لها: (يا أخت هارون) قيل: شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تسامية في العبادة، وكان اسمه هارون، قاله سعيد بن جبير، وقيل: أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة، وأخطأ محمد كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسباً، فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفي على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه.

وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن، كما قررناه في التفسير مطولاً، ولله الحمد والمنة. وقد ورد في الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون، وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها، والله أعلم. قالوا: (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) أي: لست من بيت هذه شيمتهم ولا سجيتهم ولا أخوك ولا أمك ولا أبوك، فاتهموها بالفاحشة العظمى ورموها بالداهية الدهياء. فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه، وقد انشقت له الشجرة فدخلها، وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار.
فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال،

(فأشارت إليه) أي: خاطبوه وكلموه، فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه، فعندها: (قالوا) من كان منهم جباراً شقياً: (كيف نكلم من كان في المهد صبياً) أي: كيف تحيليننا في الجواب على صبي صغير لا يقبل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده، ولا يميز بين مخض المخض وزبده، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص والازدراء إذ لا تردين علينا قولاً منطقيا، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبياً فعندها:

{قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } * {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً } * {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } * {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } (سورة مريم:30ـ33) .

هذه أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم، فكان أول ما تكلم به أن (قال إني عبد الله) اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبه إليها الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: (آتاني الكتاب وجعلني نبياً) فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا، لعنهم الله وقبحهم، كما قال تعالى:

{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } (سورة النساء:156) .

وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زني في زمن الحيض، لعنهم الله، فبرأها الله من ذلك، وأخبر عنها أنها صديقة، واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولى العزم الخمسة الكبار، ولهذا قال: (وجعلني مباركاً أين ما كنت) وذلك أنه حيث كان دعا إلي عبادة الله وحده لا شريك له، ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً)، وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة، والإحساس إلي الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف، وقرى الأضياف، والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات، وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات.

ثم قال: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) أي: وجعلني برا بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة، وبرأها، وأعطى كل نفس هداها (ولم يجعلني جباراً شقياً) أي: لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته. (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام.

ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه قال:

{ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } * { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }( سورة مريم :34-35) .

كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران:

{ ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ } * { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } * { ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ } * { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ } * { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } * { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ } (سورة آل عمران:58ـ63) .

ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً يرجع أمرهم إلي أربعة عشر منهم ويثول أمر الجميع إلي ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم، وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح، فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبين أمر المسيح ابتداء من خلقه وخلق أمه من قبله، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكلوا ونكصوا، وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلي المسالمة والموادعة، وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لا عن قوم نبياً قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلي بلادكم، فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلاً أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح.

والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح فقال لرسوله:

{ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } (سورة مريم : 34 ).

يعني: من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال:

{ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }( سورة مريم :35) .

أي: لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يئوده، بل هو القدير الفعال لما يشاء

{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } (سورة يس: 82) .

وقوله:

{ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } (سورة مريم: 36) .

هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم قال الله تعالى:

{ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (سورة مريم: 37) .

أي: فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه. فمن قائل من اليهود: إنه ولد زنية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله.

وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلي مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون المثابون، والمؤيدون المنصورون، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم بقوله:

{ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (سورة مريم:37) .

قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، وأنبأنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلي مريم وروح منه، والجنة الحق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"

منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام

ولد ببيت لحم قريباً من بيت المقدس. وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر، وأمه مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار وهي راكبة على حمار ليس بينهما وبين الإكاف شيء. وهذا لا يصح،والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم، كما ذكرناه، ومهما عارضه فباطل.

وذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك، حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى، فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء، وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: هذا لمولد عظيم في الأرض، فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان هدية إلي عيسى، فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك، فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى ابن مريم ببيت المقدس، واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد، فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلي قتله إذا انصرفوا عنه، فلما وصلوا إلي مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها: إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك، فاحتملته فذهبت به إلي مصر، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتى عشرة سنة، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره، فذكر منها أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالاً من داره، وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والمحاويج فلم يدر من أخذها، وعز ذلك على مريم عليها السلام، وشق على الناس وعلى رب المنزل وأعياهم أمرها، فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك عمد إلي رجل أعمى وآخر مقعد من جملة من هو منقطع إليه، فقال للأعمى: احمل هذا المقعد وانهض به، فقال: إني لا أستطيع ذلك، فقال: بلى كما فعلت أنت وهي حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار، فلما قال ذلك صدقاه فيما قال، وأتيا بالمال، فعظم عيسى في عين الناس، وهو صغير جداً.

ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده، فلما اجتمع الناس وأطعمهم، ثم أراد أن يسقيهم شراباً، يعني خمراً، كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان، لم يجد في جراره شيئاً فشق ذلك عليه، فلما رأى عيسى من ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شراباً من خيار الشراب، فتعجب الناس من ذلك جداً، وعظموه، وعرضوا عليه وعلى أمه مالاً جزيلاً فلم يقبلاه، وارتحلا قاصدين بيت المقدس، والله أعلم

أن أبي هريرة قال: إن عيسى ابن مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل، فمجد الله تمجيداً لم تسمع الآذان بمثله، لم يدع شمساً ولا قمراً ولا جبلاً ولا نهراً ولا عيناً إلا ذكره في تمجيده، فقال:

اللهم أنت القريب في علوك، المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، أنت الذي خلقت سبعاً في الهواء بكلماتك مستويات طباقاً، وأجبن وهن دخان من فرقك فأتين طائعات لأمرك، فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك، وجعلت فيهن نوراً على سواد الظلام، وضياء من ضوء الشمس بالنهار، وجعلت فيهن الرعد المسبح بحمدك، فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك، وجعلت فيهم مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران.

فتباركت اللهم في مفطور سماواتك وفيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فمسكتها على تيار الموج الغامر، فأذللتها إذلال المتظاهر، فذل لطاعتك صعبها، واستحيا لأمرك أمرها وخضعت لعزتك أمواجها، ففجرت فيها بعد البحور الأنهار، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار، ثم أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار، ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتاداً على ظهر الماء، فأطاعت أطوادها وجلمودها. فتباركت اللهم فمن يبلغ بنعته نعتك أم من يبلغ بصفته صفتك؟ تنشر السحاب وتفك الرقاب وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين، لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب، لا إله إلا أنت سبحانك سترت بالسماوات عن الناس، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يخشاك من عبادك الأكياس، نشهد أنك لست بإنه استحدثناك، ولا رب يبيد ذكره، ولا كان معك شركاء يقضون معك فندعوهم ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، نشهد أنك أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد.

وقال إسحاق بن بشر: عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً حتى بلغ ما يبلغ الغلمان، ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان، فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول، وكانوا يسمونه ابن البغية، وذلك قوله تعالى:

{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } (سورة النساء:156) .

قال: فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب، فجعل لا يعلمه المعلم شيئاً إلا بدره إليه فعلمه أبا جاد، فقال عيسى: ما أبو جاد؟ فقال المعلم: لا أدري، فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري؟ فقال المعلم: إذاً فعلمني، فقال له عيسى: فقم من مجلسك، فقام فجلس عيسى مجلسه، فقال: سلني، فقال المعلم، فما أبو جاد؟ فقال عيسى: الألف آلاء الله، والباء بهاء الله، والجيم بهجة الله وجماله، فتجعب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد. ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فاجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع، لا يسأل عنه ولا يتمادى.

وهكذا روي ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، عن مسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد، رفع الحديث في دخول عيسى إلي الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد، وهو مطول لا يفرح به. ثم قال ابن عدى: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسماعيل وروي ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة قال: كان عبد الله بن عمر يقول: كان عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان، فكان يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك؟ فيقول: نعم، فيقول: خبأت لك أمك كذا وكذا، فيذهب الغلام منهم إلي أمه فيقول لها. أطعميني ما خبأت لي، فيقول: وأي شيء خبأت لك؟ فيقول: كذا وكذا، فتقول له: من أخبرك؟ فيقول: عيسى ابن مريم.

فقالوا: والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم، فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم، فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم، فقالوا: إنما هؤلاء قردة وخنازير، فقال: اللهم كذلك، فكانوا كذلك. وقال إسحاق بن بشر: عن جويبر ومقاتل، عن ابن عباس قال: وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك في اليهود، وترعرع عيسى، فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إلي أمه أن تنطلق به إلي أرض مصر، فذلك قوله تعالى:

{ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } (سورة المؤمنون:50) .

وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين، وهذه صفة غريبة الشكل، وهي أنها: (ربوة) وهو المكان المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستو يقر عليه وارتفاعه مستع، ومع علوه فيه عيون ولدت فيه المسيح وهو نخلة بيت المقدس، ولهذا

{ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } (سورة مريم:24) .

وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف. وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق، فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق، وقيل ذلك بمصر، كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب، ومن تلقاه عنهم، والله أعلم. وقيل: هي الرملة.

وقال إسحاق بن بشر: قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه، قال: إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة، أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلي بيت إيليا. قال: فقدم عليه يوسف ابن خال أمه، فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلي إيليا، وأقام بها، حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة، وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام، والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه، فزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه، فدعاهم إلي الله، ففشا فيهم أمره.

***روح الوفاء***
04-11-2009, 01:56 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك أخي

***روح الوفاء***
04-11-2009, 02:28 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

http://http://up.2sw2r.com/upfiles/ePk33915.gif (http://up.2sw2r.com/)

سَمـآ ~
04-11-2009, 04:58 PM
جزآك الله خيرآ أخي على قصصك الرآئعه

بآرك الله فيك

سـلـمـى
04-11-2009, 05:48 PM
جزاك الله خيرا اخي

سَمـآ ~
04-11-2009, 05:50 PM
جزآك الله خيرآ أخي على الافآده

مآشآء الله عليكـ مبدع

بآرك الله فيك

سـلـمـى
04-11-2009, 08:06 PM
جزاك الله خير اخي على الموضوع القيم

سـلـمـى
04-11-2009, 08:58 PM
جزاك الله خيرا اخي على القصه المفيده
استفدت منها ببعض المعلومات التي لم اكن اعلمها
في موازين حسناتك ان شاء الله

سـلـمـى
04-11-2009, 09:00 PM
جزاك الله خيرا اخي
في موازين حسناتك ان شاء الله

سـلـمـى
04-11-2009, 09:02 PM
جزاك الله خيرا اخي

في موازين حسناتك ان شاء الله

سـلـمـى
04-11-2009, 09:10 PM
جزاك الله خيرا اخي على المعلومات

لا اظن اني سمعت بنبي بهذا الاسم من قبل والحمد لله عرفت الكثير عليه من خلال موضوعك
بارك الله فيك

سـلـمـى
04-11-2009, 09:24 PM
بارك الله فيك اخي وجزاك خيرا
في موازين حسناتك ان شاء الله

سـلـمـى
04-11-2009, 10:29 PM
جزاك الله خيرا اخي
في موازين حسناتك ان شاء الله

فادي العمري
04-11-2009, 10:33 PM
بارك الله فيك على القصة الروووعة .. وجعلها الله في ميزان حسناتك....

سـلـمـى
04-11-2009, 10:34 PM
جزاك الله خيرا اخي
في موازين حسناتك ان شاء الله

سـلـمـى
04-11-2009, 10:45 PM
جزاك الله خيرا اخي
وماشاء الله بذلت جهد في القصص التي كتبتها اليوم
جزاك الله خيرا

سـلـمـى
04-11-2009, 11:43 PM
جزاك الله خيرا اخي

بوركت

صفيه عبدالله
05-11-2009, 01:10 AM
بارك الله فيك

ونفع بك ياأخ خليفه

صفيه عبدالله
05-11-2009, 01:21 AM
جزاك الله خير

ووفقك

وجعل لك مقابل كل كلمه تخطها حسنه

صفيه عبدالله
05-11-2009, 01:51 AM
مشكور أخ خليفه


لاتحرمنا من هيك المواضيع

صفيه عبدالله
05-11-2009, 02:22 AM
يعطيك العااااافيه


ماقصرت

وااااااااصل


وفقك الله

صفيه عبدالله
05-11-2009, 02:37 AM
يعطيك الله الف عااافيه


لاحرمك الله الاجروالمثوبه

أحمد هيثم
06-11-2009, 01:17 PM
جزاك الله خيرا على القصة ..

ووفقك المولى إلى مايحب ويرضى ,,

أحمد هيثم
06-11-2009, 01:17 PM
جزاك الله خيرا على القصة ..

ووفقك المولى إلى مايحب ويرضى ,,

أحمد هيثم
06-11-2009, 01:18 PM
جزاك الله خيرا على القصة ..

ووفقك المولى إلى مايحب ويرضى ,,

أحمد هيثم
06-11-2009, 01:22 PM
جزاك الله خيرا على القصة ..

وونتظر إبداعك في القسم ..

وفقك المولى إلى مايحب ويرضى ,,

مريم العلي
06-11-2009, 01:23 PM
بــارك الله فــيـك
وجــزاك الله كـل خيـــــر

مريم العلي
06-11-2009, 01:24 PM
وجــزاك الله كـل خيـــــر

مريم العلي
06-11-2009, 01:34 PM
زودك الله من تقاك ومن النار وقاك وللفضيله هداك وللجنه دعاك
رزقك الله الجنه ونعيمها وكفاك من النار

مريم العلي
06-11-2009, 01:36 PM
http://www.qaaf.org/upload/post/0/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8 7%20%D9%81%D9%8A%D9%83.gif

مريم العلي
06-11-2009, 01:39 PM
http://www.qaaf.org/upload/post/0/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%83%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8 7%20%D9%81%D9%8A%D9%83.gif

مريم العلي
06-11-2009, 01:40 PM
http://abeermahmoud07.jeeran.com/868-Jozeeta-AbeerMahmoud.gif

خليفة العريفي
07-11-2009, 06:26 AM
اشكركم جميعا ويعطيكم العافيه وهذا شرف لي
ممكن سؤال اختي واثقة الخطى ليش بعض مواضيعي نقلتيها للارشيف انتي تقولي متكرره انا الي مكررها ام غيري اذا كان انا فصراحه انا واثق اني ما كررتها وياريت توضحين وربي يعطيك العافيه اختي الفاضله .

سـلـمـى
07-11-2009, 04:08 PM
لا اخي في اعضاء كتبوا القصص قبلك يعيني بعضها موجوده اكثر من مره والمعلومات التي ذكرتها موجوده في القصص التي كتبت من قبل وفي بعض منها مكتوبه واعدت انت كتابتها لكن التي كتبتها انت في معلومات اكثر فتركت المواضيع القديمه والتي طرحتها انت

اتمنى ان تكون قد فهمت قصدي
وشكرا لك

مريم العلي
09-11-2009, 06:32 PM
بــارك الله فــيـك
وجــزاك الله كـل خيـــــر

خليفة العريفي
16-11-2009, 02:26 AM
اختي واثقة الخطى

الله يعطيك العافيه على التوضيح

مشكوره وماقصرتي

وانشاء الله واثقة الخطى على طول


والمسلمين اجمعين

خليفة العريفي
16-11-2009, 02:40 AM
الله يعطيكم العافيه

خليفة العريفي
16-11-2009, 02:43 AM
الله يجزاكم خير احبتي في الله

خليفة العريفي
16-11-2009, 02:45 AM
الله يعطيكم العافيه

وربي يسعدكم في الدنيا والاخره

خليفة العريفي
16-11-2009, 02:49 AM
الله يبارك فيكم جميعا

ويفرج همكم وكربكم ويسعدكم


يارب العالمين


والمسلمين

أم أسامه
16-11-2009, 02:49 AM
باارك الله فيك أخي ونفع بك الاسلام والمسلمين ‏

خليفة العريفي
16-11-2009, 02:52 AM
الشكر لله اولا

ثم


لكم احبتي في الله

خليفة العريفي
16-11-2009, 02:58 AM
يعطيكم العافيه

الله يرزقكم من حيث لا تحتسبوا

والمسلمين اجمعين

خليفة العريفي
16-11-2009, 03:00 AM
اللهم زدنا علما

خليفة العريفي
16-11-2009, 03:02 AM
بارك الله فيك اختي الكريمه

اللهم زدنا علما

مريم العلي
16-11-2009, 04:26 AM
بارك الله فيـــــــــك اخي خليفه
وجزاك الله الفردوس انت ووالديك
قصة هادفه واكثر من رائعه
لا حرمك الله الاجر

مريم العلي
16-11-2009, 04:27 AM
بارك الله فيـــــــــك اخي خليفه

اخت الذيب
17-11-2009, 02:21 AM
جزاك الله خير الجزاء مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

اخت الذيب
17-11-2009, 02:23 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه جزاك الله خير الجزاء

اخت الذيب
17-11-2009, 02:25 AM
جزاك الله خير الجزاء مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

اخت الذيب
17-11-2009, 02:26 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

اخت الذيب
17-11-2009, 02:28 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

ظل القمر
17-11-2009, 03:45 AM
جزاك الله خير وبارك فيك

حـنـ الذكريات ـين
18-11-2009, 12:22 AM
الله يعطيك العافيه ومافي اروع من قصص الأنبياء
والقصه التي كتبتها دلت على ذوقك الرفيع واختيارك الجميل واهتمامك
بقصص الأنبياء
تقبل مروري
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

تاج مملكتي
18-11-2009, 06:12 AM
جزاك الله خيرا

اخت الذيب
18-11-2009, 02:54 PM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه

خليفة العريفي
15-12-2009, 03:01 PM
حنين وتاج واخت

الله يعطيكم العافيه على مروركم الطيب

موفقين انشاء الله

خليفة العريفي
15-12-2009, 03:10 PM
الله يبارك فيكم

واشكركم على مروركم الكريم الذي

عطر موضوعي

خليفة العريفي
15-12-2009, 03:12 PM
الله يبارك فيك

خليفة العريفي
15-12-2009, 03:19 PM
الله يعطيك العافيه

خليفة العريفي
15-12-2009, 03:25 PM
مريم العلي واخت الذيب

ولكم مثل هذا الدعاء

يعطيكم العافيه على مروركم الطيب

خليفة العريفي
15-12-2009, 03:29 PM
يعطيكم العافيه على مروركم

اختي مريم واختي اخت الذيب


وفقكم الله

خليفة العريفي
16-12-2009, 01:26 PM
اشكرك اختي مريم على مرورك

خليفة العريفي
20-12-2009, 02:51 AM
جزاك الله خيرا اخي

بوركت

بارك الله فيك

خليفة العريفي
20-12-2009, 02:55 AM
جزاك الله خير

ووفقك

وجعل لك مقابل كل كلمه تخطها حسنه

ربي يعطيك العافيه

وسقاك من نهر الكوثر

خليفة العريفي
20-12-2009, 02:59 AM
زودك الله من تقاك ومن النار وقاك وللفضيله هداك وللجنه دعاك
رزقك الله الجنه ونعيمها وكفاك من النار

الله يعطيك الصحه والعافيه اختي مريم

وربي يحميك ويسقيك من حوض النبي صلى الله عليه وسلم

ربي يسهل دربك

خليفة العريفي
20-12-2009, 03:05 AM
جزآك الله خيرآ أخي على الافآده

مآشآء الله عليكـ مبدع

بآرك الله فيك

كله من ذوقك بارك الله فيك

مشكوره على مرورك العطر

خليفة العريفي
20-12-2009, 03:10 AM
جزاك الله خيرا اخي
وماشاء الله بذلت جهد في القصص التي كتبتها اليوم
جزاك الله خيرا

ربي يعطيك الصحه والعافيه اختي واثقة


كله من ذوقك

بارك الله فيك على مرورك العطر

نوّاف
20-12-2009, 03:18 AM
مشكووووور بارك الله فيك
موضوع جداً رائع .. الله يعطيك الف عافية ..

خليفة العريفي
20-12-2009, 03:43 AM
يعطيك العافيه اخي الغالي نواف

بارك الله فيك على مرورك العطر

ديني عصمة أمري
29-04-2010, 01:20 AM
جزاك الله كل الخير