المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صفحة المحاضرات المفرغة للشيخ صالح المغامسي



مروى محمد
30-07-2009, 09:00 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هنا توضع المحاضرات المفرغة للشيخ صالح المغامسي

عاشق الاقصى
01-08-2009, 04:07 PM
الله يعطيك العافيــــــة

مريم العلي
17-08-2009, 08:14 AM
)) وإن عـــدتــــم عــــدنــــــا((



***************

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا ، من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا ، واشهد ان لاآله إلا الله وحده لاشريك له وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره ، واشهد ان سيدنا محمد عبده ورسوله بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته فجزاه الله بإفضل ماجزاء بخ نبياً عن امته ، اللهم صلي وسلم وبارك وانعم عليه وعلى آله واصحابه وعلى سائر من اقتفى اثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين 00اما بعد 00

فإن الله تبارك وتعالى انزل هذا القرأن وهو خير كتبه على خير نبي بعثه وارسله نبينا محمد إبن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه ، وإن من العتاق الإول والتلاد القديم الذي انزل على نبي الهدى ورسول الرحمه صلوات الله وسلامه عليه ، سورة الإسراء والكهف ومريم كما جاء هذا التعبير على لسان عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه وقد قال لما ذكر سورة الإسراء والكهف ومريم ( إنهن من العتاق الأول وانهن من التلاد ) يقصد انه اخذها عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكه صلوات الله وسلامه عليه ، وسورة الإسراء آية المؤمنون تقوم اعظم غاياتها ومحورها على شخصية نبينا صلوات الله وسلامه عليه ، صورها الله جل وعلا بقوله ( سبحان الذي اسراء بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) وختمها جل ذكره بقوله ( وقل الحمدلله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا )

وقد اشتهر عند العلماء ان هذه الآيه الآخير من سورة الإسراء وتسمى آية العز ، كما ان عند كثيراً منهم بناءً على مانقل ممايمكن من الإسرائيليات انها آخر آيه في التوراه كما ان المشهور عند العلماء ان اول آيه في التوراه قول الله جل وعلا في فاتحة الأنعام ( الحمدلله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور * ثم الذين كفروا بربهم يعدلون )

ايها المؤمنون لنا مع هذه السوره المباركه وقفات ، نرجوا الله جل وعلا منه بلاغ للحاضر والباد ونفعاً للعباد وتقريباً إليه ودعوه نحو دينه تبارك وتعالى 00




))الوقفه الأولى ((




اما اولها فقد افتتحها الله جل وعلا بقوله ( سبحان الذي اسراء بعدبه ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير )

هذا حدثٌ وقع في ليلة من الليالي عبّر الله جل وعلا عنها بالتنكير فقال سبحانه وتعالى (ليلاً ) قال العلماء وهنا ان التنكير هذا ورد لغرضين بلاغيين ، قال فريق من اهل العلم والصواب جُملةً على المصيبين ، اما الغرض الأول فقد قالوا إن الله جل وعلا نكّر كلمة ليل هنا لتدل على التقليل فيصبح الغايه من ذلك ان هذا الأمر الذي يقع عاده في شهور وليالي وايام وقع في برهه من الليل ولايقدر على هذا إلا العلي الكبير جل جلاله ، وآخرون قالوا إن كلمة ( ليل ) نكره هنا للتعظيم والتفخيم والمراد ليل واي ليل ؟ ليلٌ دنا فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم من ربه تبارك وتعالى فقربه إليه وناجاه وادناه وكلمه وفرض عليه الصلوات الخمس ودخل صلى الله عليه وسلم الجنه واطلع على النار صلوت الله وسلامه عليه ، قال الله جل وعلا ( سبحان الذي اسراء ) والمجيئ بالمفعول المطلق سبحان هنا تدل على انه ثمت امر عظيم وقع لايقدر عليه إلا رب العزه ، اسري به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام اول بيت وضع في الأرض إلى المسجد الأقصى البيت الثاني الذي وضع وبينهما اربعون عاما ، وقال الله جل وعلا ( الأقصى ) إشاره إلى هناك مسجد سيكون بينهما وقد وقع بالفعل بعد الهجره بناءه صلى الله عليه وسلم لمسجده الشريف في مدينته صلوات الله وسلامه عليه ، اسراء الله به ليلاً بعد ان غُسل قلبه غسلاً حقيقياً صلى الله عليه وسلم بماء زمزم ، خرج القلب من الصدر ووضع في طست فيه ماء زمزم ثم غُسل قلبه وملئ إيماناً وحكمةً واعيد القلب إلى مكانه ثم اسري به على دابه يقال لها البراق ، من المسجد الحرام بمكه إلى المسجد الأقصى بيت المقدس فربط صلى الله عليه وسلم البراق في الحلقه الني في باب المسجد التي يربط بها الأنبياء دوابهم صلوات الله وسلامه عليهم ، وببيت المقدس ارض الأنبياء ومع ذلك صلى به إماماً ليقول الله جل وعلا للخلق اجمعين ولنبينا في المقام الأول ان هذا النبي وإن كان آخر الأنبياء مبعثاً ودهراً وظهوراً انه اول الأنبياء واعظمهم قدراً واجلهم ذكرا فصلى بهم صلى الله عليه وسلم في موطنهم في مكانهم في دارهم إماماً بإبي هو وامي صلوت الله وسلامه عليه 0
الفعل سرى لايقال إلا لمن مشى وارتحل ومضى في الليل ولاحاجه لإن يقول الله ليلاً لكن الله قال ليلاً للغرضين البلاغيين الذيني قد منهما قبل قليل في أن المراد به التقليل ، والمقصود ان هذا الأمر لايتم عاده إلا في الليالي والشهور والأيام فتم في برهه من الليل والتفخيم كما بينا به ، دنى محمد صلى الله عليه وسلم من ربه تبارك وتعالى ، ذكر الله جل وعلا في صدر السوره العله فقال جل ذكره ( لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) هذه سنت الله في العظماء من الأنبياء ، قال الله جل وعلا في الخليل ابراهيم ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليكون من الموقنين ) إن النبي إذا راى الآيات عياناً واستقرت في قلبه إيماناً كان اقدر على تبليغ رسالة الله ، ويتكلم عن الله وعن آياته على علم بين ممااذن الله جل وعلا له ان يطلع عليه من الغيب ، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم اسري يه إلى المسجد الأقصى ثم عُرج به إلى السماوات السبع الطباق حتى وصل إلى مستوى يسنع فيه صريف الأقلام بعد ان جاوز سدرة المنتهى صلوات الله وسلامه عليه ،
وقوله ( لنريه من آياتنا ) من اعظم الحُجج على قول جماهير العلماء من السلف والخلف على ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرى ربه ليلة المعراج لإنه عليه السلام لو كان راء ربه والآيه في مساق الإمتنان والثناء عليه لكان التعبير برؤية الله اعظم من التعبير برؤية آياته جل وعلا ، والله جل وعلا قال وقوله الحق ( لنريه من آياتنا ) وقد راى النبي صلى الله عليه وسلم جم غفير من آيات الله ، راى الجنه اطلع على النار شاهد سدرة المنتهى وراى خلق كثير يعذبون وينعمون كلٌ بحسب عمله ، كان يسأل جبريل بين الفينة والفينه وراى اباه آدم وعن يمينه اسوده وعن يساره اسوده ، وإذا راى جهة اليمين ابتسم وإذا راى جهة الشمال بكى فقال من هذا ياجبريل ؟؟ قال هذا ابوك آدم والأسوده التي عن يمينه وشماله ارواح بنيه فإذا راى جهة اليمين راى اهل الجنه فابتسم وإذا راى جهة الشمال راى اهل النار فبكى على آدم وعلى نبينا السلام ، هذا المسجد الحرام اول بيت وضع في الأرض جعل الله الصلاة فيه بمائة الف صلاه والمسجد الأقصى وضع بعده بإربعين عاماً والصلاة فيه بمائتين وخمسين صلاه لقوله صلى الله عليه وسلم كما سُئل عن المسجد الأقصى قال لنعم المصلى هو ولصلاةٌ في مسجدي هذا بإربع صلوات فيه 00رواه الحاكم بسند صحيح من حديث ابي ذر رضي الله عنه ، هذه رحلة الإسراء على وجه الإجمال ، ذكرناها لإنها اولى الوقفات على هذه السوره ، والذي ينبغي ان تعلمه ايها المؤمن ان هذه الآيه دليل صريح على إسراء الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وقول الله جل وعلى لعبده دلاله على انه صلى الله عليه وسلم اسري به جسداً وروحا ، ولم يكن رؤيا منام ولو كانت رؤيا مناميه كما سيأتي بيانه لما تعجب منها الخلق ولما كان فيها فتنه ولااختبار وابتلاء للناس ، ولكنه إكرام من الله العي الكبير لأخر الأنبياء ، حضنا من النبيين ونحنُ حظه من الأمم صلوات الله وسلامه عليه 00

زانتك في الخلق العظيم شمائلٌ

يغرى بهن ويولع الكرماءُ

فإذا رحمة فأنت امٌ او ابٌ

هذان في الدنيا هما الرحماءُ

ياايها المُسراء به شرفاً إلى

مالاتنال الشمسُ والجوزاءُ

يتساءلون وانت اطهر هيكلٍ

بالروح ام بالهيكلِ الإسراءُ ؟؟

بهما سموت مطهرين كلاهما

روحٌ وريحا نيةٌ وبهاءُ

تغشى الغيوب من العوالمِ كلما

طويت سماءٌ قُلدتك سماءُ

انت الذي نظم البرية دينهُ

ماذا يقول وينظُم الشعراءُ

المصلحون اصابعٌ جُمعت يداً

هي انت بل أنت اليدُ البيضاءُ

صلى عليك الله ماصحب الدجى

حادٍ وضنت بالفلا وجناءُ

واستقبل الرضوان في غرفاتهم

بجنات عدنٍ آلك السُمحاءُ


هذه الوقفه الاولى ايها المؤمنون على وجه الإجمال مع مااخبر الله عنه في الإسراء نبينا صلى الله عليه وسلم

)) الوقفه الثانيه ((




مع قول الله جل وعلا)وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرّتين ولتعلنّ علوّاً كبيراً * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً * ثمّ رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموالٍ وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعْدُ الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة وليتبّروا ما علو تتبيراً * عسى ربّكم أن يرحمكم وإن عدّتم عدنا وجعلنا جهنّم للكافرين حصيراً(

ايها المؤمنون الله جل وعلا ليس بينه وبين احد من خلقه نسب والقياده الروحيه للعالم توارثتها امم عبر التاريخ كله وآخر الامم الذين حملوا القياده الروحيه هم بنوا إسرائيل والمله اليهوديه ، ثم الله جل وعلا اورث هذه الأمه أمة محمد صلى الله عليه وسلم قيادة العالم روحاً أي ديناً وإيماناً ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وجه الإرتباط مابين قوله جل وعلا ( سبحان الذي اسراء بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) وقوله جل وعلا (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرّتين ولتعلنّ علوّاً كبيرا) إن الله جل وعلا يخبر ان امة اليهود وعلى وجه الخصوص وكل من يقرأ القرأن على وجه العموم ان الله جل وعلا بعث نبي اُمي جعله وجعل امته قاده للعالم ، لإن خليل الله جل وعلا الذي لم يبقى امه إلى وانتسبت إليه ونشرفت به وقال عنه جل وعلا ( ماكان إبراهيم يهودياً ولانصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وماكان من المشركين ) جمع الله له ارضين مباركتين فإبراهيم وفاته في ارض المقدس والكعبه هو الذي بناها واورث الله جل وعلا هذه الأمه ان بعث نبيها من مكه ثم اسراء به إلى المسجد الأقصى ليأخذ إرث إبراهيم في المسجد الأقصى كما اخذ إرث إبراهيم مولداً في مكه وليأخذ مابينهما فكانت هجرته ووفاته صلى الله عليه وسلم في مدينته عليه الصلاة والسلام فحاز عليه الصلاة والسلام المجد كله من جميع اطرافه الثلاث ، إلا ان العلماء اختلفوا إختلافاً كثيراً سلفاً وخلفاً مفسرين وغير مفسرين فيما قاله الله جل وعلا في هذه الآيات ، الله تبارم وتعالى اخبر هنا ان هناك علوين لبني اسرائيل وافسادين نتيجة قهر ودحر مرتنين وقال جل ذكره ( وإن عدتم عدنا ) وسأنقل اقوال العلماء إجمالاً وبعد ذلك نكتفي به لإننا لا نستطيع ان نرجح لإن المسأله ليست بالبيان الصحيح الصريح الواضح ، الذي تقدر ان نرجّح فيه ، لإنه لو كانت واضحه صريحه صحيحه بينه لماامختلف الناس من قبل فيه مع الإتفاق عن هناك إفسادين لليهود ودمروا مرتين قال فريق من العلماء وهذا عليه أكثر من فسر القران من السابقين أن كلا الامرين تم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فعند هؤلاء قول الله جل وعلا ( وإن عدتم عدنا )
أنهم أفسدوا في الاول فسلط الله عليهم ثم علوا وأفسدوا فسلط الله عليهم ثم جعل الله منهم أنبياء كموسى وعيسى ويوشع ابن نون ثم إنهم بعد ذلك عادوا للإفساد فسلط الله جل وعلا عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم واصحابه فأجلاهم النبي من المدينه ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه من أرض تيماء وقالوا أنهم عادوا للإفساد في هذا العصر فسلط الله جل وعلا عليهم النازي المعروف (اودلف هتلر ) النازي الألماني المعروف فحرقهم وأبادهم قالوا هذا مصداقا لقول الله جل وعلا ( وان عدتم عدنا ) أي أن عدتم للإفساد عاد الله جل وعلا لتسليط خلقه عليهم هذا قول للعلماء وقال أخرون ان الافساد الاول ثم في أيام قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقهرهم الله على يد ( بختنصر ) والأفساد الثاني هو ماهو حاصل اليوم في ارض المقدس وان هلاكهم حره اخرى سيكون على يد المسلمين ، وسيكون قريباً اوبعيداً عاجل او آجل سيكون على يديهم قهر اليهود وإخراجهم من بيت المقدس كما قال الله جل وعلا ( ليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مره ) ويشكل على هذا التأويل اشكالان ، الإشكال الاول ان الله جل وعلا قال عنهم (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ) ( بختنصر ) لم يكن مسلماً حتى يقال فيه انه عباد لله بمعنى طائعين ، والإشكال الثاني ان يفسر قول الله جل وعلا ( وإن عدتم عدنا ) لإننا إذا قلنا ان إخراجهم مرتبط بخروج المهدي وقيام الساعه لايصبح هناك أمل ليعودوا للإفساد بعد الإفسادين العظيمين الذين اخبر الله عنهما ، وقال آخرون أن كلا الإفسادين والظهور لبني إسرائيل لم يقع بعد ، وإن هذا الذي نحنُ فيه من إحتلال اليهود اليوم لإرض المقدس هو الإفساد الأول ثم يقدر الله للمؤمنين إخراجهم منها لكنهم لايخرجون إلا من الظفه الغربيه فقط ويعودون إلى تل ابيب ثم يعودون مره آخرى بنصرة الغرب لهم فيفسدون في الأرض ويخرجون المسلمين ثم العلوا مره آخرى للمسلمين فيكون إخراجهم من المسجد الأقصى للمره الآخيره لقوله جل وعلا
( فإذا جاء وعد الآخره بعثنا عليكم عباداً لنا اولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا ثم رددنا لكم الكرّة عليهم وامددناكم بإموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ) وآخرون قالوا بالتوقف وهذا الذي يظهر لي هو الأظهر ويؤيده ان الله جل وعلا قال في آخر السوره ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخره جئنا بكم لفيفا ) كان السابقون من المفسرين يقولون اسكنوا الأرض أي مصر وبلاد الشام ، وهذا عندي بعيد لإن الله قال ( فإذا جاء وعد الآخره جاءنا بكم لفيفا ) ومن تأمل تاريخ اليهود يعلم انهم كانوا قبل ان يجمعوا في اسرائيل اليوم عام( 1948مـ) للميلاد ، كانوا متفرقين في انحاء الأرض فلما اقيمت دولة إسرائيل زحفوا من كل بقاع الدنيا ، حتى انه من اليمن وحدها خرج اربعة آلاف يهودي وخرج من يهود الفلاشا من أرض الحبشه ويهود الدنما من أرض الروس وغير ذلك من اصقاع الأرض ، مصداقاً لقوله تعالى ( فإذا جاء وعد الآخره جاءنا بكم لفيفا ) وقلت ان كل قول يدخل عليه إشكال فنرى التوقف في الآيات لكن عموماً الله جل وعلا مُظهر دينه ومبلغ رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد كتب الله لنبيه التمكين وزوا له الأرض وسيبلغ ملك امته مازوا الله جل وعلا لنبينا صلى الله عليه وسلم منها


)) الوقفة الثالثه((




مع قول تبارك وتعالى ( ولاتقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلا )

هذه ذكرها الله من جملة آداب ، خاطب الله جل وعلا فيها أول الأمر نبيه صلى الله عليه وسلم والله تبارك وتعالى كما بين للمؤمنين علاقتهم مع غيرهم من الأمم بين لهم علاقتهم في المجتمع المسلم على ماينبغي ان يكون عليه المجتمع المسلم العفاف والحياء ، ولقد جاء الدين كله بالعفاف والحياء وبيان عظيم هذا الأمر عند الرب تبارك وتعالى ، نبينا صلى الله عليه وسلم يقول ( لااحد اغير من الله ، وإن غيرة الله ان يزني عبده او تزني امته ) وهذا التحذير للمؤمنين من رب العالمين على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ، والله يقول ( إن الذين يحبون ان تشيع الفاحشةُ في الذين آمنوا لُعنوا في الدنيا والآخره ) والنبي صلى الله عليه وسلم يأتي بضد فيقول ( ومن ستر مسلماً ستره الله جل وعلا يوم القيامه ) في الصحيحين من حديث ابن عمر ، هذه كلها إشارتيين على انه ينبغي على المسلم ان يتحلى بالعفاف والحياء وهو صلى الله عليه وسلم يذكر السبعه المقربين تحت ظل العرش فيقول ان منهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال اني اخاف الله ، فأعراض المؤمنات من اعظم ماحرمه الرب تبارك وتعالى ، ولقد ساعدت آلة المعاصره على التصوير الفوتغرافي والثابت والمرسل والمبعوث عن طريق اجهزة الجوال وغيرها فيتسلط المسلم على مؤمن او على مؤمنه على غلام او على فتاه او على بيت مستور او على إمرأه في دارها او خارج دارها فيصورها فيجمع السقطاء من اصحابه والسفهاء من اقرانه ثم يعرض عليهم ماراى يفتخر بذلك ويبعثه إلى زيد وعمر وينسى هؤلاء قدرة الرب تبارك وتعالى عليهم وان الله جل وعلا يقول عنهم يوم القيامه ( احصاه الله ونسوه ) ويقول تبارك وتعالى ( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فماهم من المستعتبين ) وينسى أمثال هؤلاء انه مامن احد إلا ويوسد الترب وتُحل عنه أربطت الكفن وسيسأله الملكان ثم يبعث كما جاء في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه عند البخاري وغيره ( ومامنكم من احد إلا ويكلمه ربه ليس بينه وبينه تُرجمان ، فيلتفت ايمن منه فلا يرى إلا ماقدم ويلتفت اشأم منه فلا يرى إلا ماقدم ، وينظر امامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه ) ومن علم ذلك حفظ على نفسه الدين وخشي الله جل وعلا في اعراض المؤمنات واعراض المؤمنين وعلم ان الرب تبارك وتعالى يقول ( ولاتقربوا الزناء ) مع ان الآيه مكيه لكن الزناء وقتل النفس بغير حق والشرك بالله هذه الثلاث اتفقت جميع الشرائع على تحريمها ، مامن نبي إلا وحرم على امته الشرك بالله وحرم عليها قتل النفس بغير حق وحرم عليها الزناء ، هذه الثلاث مما اتفقت عليه كلمة الأنبياء والمرسلين وإن السلامة من سلمى وجارتها الا تمر على سلمى وواديها ، والمؤمن الحق يتق الله جل وعلا ويعمل بمحكم القرأن ، وبمواعظ نبينا صلى الله عليه وسلم ويحذر ان يتعرض للمؤمنين والمؤمنات ، وليتذكر وقوفه بين يدي الله وقد ينزع الله عنه الستر وينزع الله عنه الحفظ وينزع الله جل وعلا عنه الكلئ فيفضحه الله تبارك وتعالى في الآخره ، يرى في قبره مالوا يتمنى انه لوعاد إلى الدنيا حتى يتحرر من اذئ المؤمنين والمؤمنات والتعرض في اعراضهن والخوض في الحديث عنهن عافانا الله واياكم من ذلك


)) الوقفة الرابعه ((



ومن جملة ماادب الله جل وعلا به نبيه وارشد له خلقه في هذه السورة المباركه قوله جل وعلا

( ولاتقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا)

وإن كون الإنسان يعطى حظ من علم من دلالة توفيق الرب تبارك وتعالى له ، لكن الله يخاطب في هذه الآيه اعلم الخلق بالله نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول ( ولاتقف ماليس لك به علم ) وإن من اعظم الكذب ان يكذب الإنسان ويفتري على الرب تبارك وتعالى ، من اعظم الكذب ان يكذب الإنسان على الله ، ومن رزق العلم الحق رزق الخشيه ومن رزق الخشيه خاف ان يقول على الله ماليس له به علم 00

فبادره وخذ بالجد فيه 00 فإن آتاكه الله انتفعت
فإن اوتيت فيه طويل باعٍ 00 وقال الناس انك قد رؤست
فلا تأمن سؤال الله عنه 00 بتوبيخٍ علمت فهل عملت ؟؟

ذكر الناس من قبلنا ان العرب في جاهليتهم كانوا يعمدون إلى رجل يقال له ( عامر إبن الضرب العدواني ) يحتكمون إليه في جاهليتهم إذا اختلفوا ، فجاءه مرةً وفد من إحدى القبائل ، فقالوا ياعامر وجد بيننا شخص له آلتان ـ آلت رجل وآلت انثى ، ونريد ان نورثه فهل نحكم له على انه انثى او نحكم على انه ذكر ، فمكث هذا الرجل المشرك اربعين يوماً لايدري ماذا يصنع بهم ؟؟!! وكانت له جاريه ترعى له الغنم يقال لها سخيله ، فقالت له في اليوم الأربعين ياعامر قد أكل الضيوف غنمك ولم يبقى لك إلا اليسير اخبرني ،، قال مالك ومال هذا إنصرفي لرعي الغنم ، فأصرت عليه فلما اصرت عليه بالسؤال اخبرها وقال مانزل بي مثلها نازله فقالت له تلك الجاريه 00ياعامر اين انت اتبع الحكم المبال ، أي إن كان يبول من آلة الذكر فحكم عليه انه ذكر وإن كان يبول من آلة الأنثى فحكم عليه انه انثى ، فقال فرجتها عني ياسخيله واخبر الناس 00

قال الإمام الأوزاعي رحمه الله معقب على هذه القصه ، قال هذا رجل مشرك لايرجوا جنه ولايخاف من نار ولايعبد الله ويتوقف في السأله اربعين يوم حتى يفتي فيها فكيف بمن يرجوا جنه ويخاف النار كيف ينبغي عليه ان يتحرى إذا صدر للإفتاء وإذا سؤل امراً عن الله جل وعلا ،،

ولقد ادركنا شيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عندنا انه جاءه وفد من الكويت ليسألونه مسائل شرعيه ، والرجل في آخر ايام حياته ولو قال قائل انه ليس ليس على وجه الأرض آن ذك احد اعلم منه لما ابتعد عن الصواب ومع ذلك لما سألوه قال لاادري لاادري لاادري ، فلما اكثروا عليه غير هيئة جلسته ثم قال رحمه الله وغفر الله اقول كما قال الله ( ولاتقف ماليس لك به علم ) فلما اكثروا عليه رحمه الله قال ، فلان كذا وقال فلان كذا وقال فلان كذا ، اما انا فلا احمل ذمتي من كلام الناس شيئ لاادري ، هذا وهو هو في منزلته وعلمه 00

والمقصود في هذا موعظه لكل من صدره الله ، لايغتر بكثرة حضور الناس له ، او لايجب عليك ان تُجيب ان كنت لاتعلم ، ولقد قالت الملائكه وهم الملائكه عند ربها ( سبحانك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا ) ومن دلائل الخشيه والتقوى ان لايقترب الإنسان هذه الحُجز وان يقف عند مااوقفه الله جل وعلا عليه فلا يقل على عينه مالم ترى ولايقول على سمعه مالم يسمع ولايتحدث على لسانه مالم يقل ( إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا )


)) الوقفه الخامسه ((




مماسنقف عنده في هذه الآيات الكريمات قول الرب تبارك وتعالى

( وإذ قلنا لك إن ربك احاط بالناس وماجعلنا الرؤيا التي اريناك إلا فتنه لناس والشجرة الملعونة في القرأن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيرا)

المقصود هنا بالناس عام ، اريد به الخصوص المراد به على الصحيح كفار قريش ، والمقصود ان الله متمكن قادر عليهم ومعلوم ان الله قادر عليهم وعلى غيرهم ولكن المخاطبه بالآيات كفار مكه ثم قال جل وعلا ( وإذقلنا لك إن ربك احاط بالناس وماجعلنا الرؤيا التي اريناك إلا فتنه للناس والشجرة الملعونة في القرأن ) ومعنى الآيه اين الفتنه في الرؤيا واين الفتنه في الشجره الملعونه ؟؟
الفتنه في الرؤيا ان كفار قريش يؤمنون بعقولهم ، فالفتنه ان الغدوا والرواح من مكه إلى بيت المقدس يحتاج إلى اربعة اشهر فإذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم انه وقع في برهه من الليل ، هذا بالعقل لايقبل لكنه يقبل بالقلب إذا كان المؤمن مؤمناً ان هذا محمد صلى الله عليه وسلم وانه لايقول عن ربه الكذب، وكفار قريش لم يؤمنوا ففتنوا بهذه الرؤيا ، اما سادة المؤمنين كالصديق رضي اللع عنه وارضاه قال نصدقه بالخبر يأتيه من السماء فكيف لانصدقه بإنه غدا وراح إلى بيت المقدس في برهه من الليل ، وهنا يأتي قضيه مهمه ان المؤمن يعلم ان مااخبر به الله واخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو الحق ، نؤمن بكلام الله على مراد الله ونؤمن بكلام رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ذكر الأفذاذ سلك الله بنا وبكم سبيلهم فقال ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌ من عند ربنا ومايذكر إلا اولو الألباب ) والمؤمن الحق يعلم انه ولو لم يقدر على ان يفقه ذلك بعقله إلا انه مادام عن الله ثابت او عن رسوله صلى الله عليه وسلم ثابت وجب قبوله وترك مايرده عقله وترك العقل بالكليه فالعقل مكتشف للدليل وليس منشئ له ، هذه الفتنه في الرؤيا ، اما الفتنه في الشجره فإن الشجره الملعونه في القرأن هي شجرت الزقوم والفتنه فيها ان العرب وغيرهم من الأمم يعلمون انه لايجتمع خضره مع نار والله يقول عن هذه الشجره ( انها شجره تخرج في اصل الجحيم ) ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول لكفارقريش مااخبره الله عنه ان هذه الشجره تنبت في اصل النار فقال بعضهم لبعض متهكماً مايخبرنا به محمد إلا جنون ، وكيف يكون شجره تنبت في اصل الجحيم ونسي هؤلاء ومن تبعهم ان الله جل وعلا خلق الأسباب ومسبباتها ، النار جعلها الله جل وعلا ذات قدره على الحرب ، الله اعطاها القدره على ان تحرق البشره والجلود وغيرها ، فلما اراد الله إكرام خليله ابراهيم ووضع عرياناً صلوات الله وسلامه عليه في النار ، امر الله النار وهو ربها وخالقها ان تسلب خصيصتها التي اعطاها وهي الحرق فناداها ربها وهو اعلم ( يانار كوني برد وسلاماً على إبراهيم ) فالنار التي جرت السنن على انها تحرق لم تحرق ، لماذا لم تحرق ؟؟ لإن الله جل وعلا سلبها تلك الخصيصه ، والشجره لم يعطها الله في الدنيا ان تحيى في النار هذه الخصيصه يعطيها الله جل وعلا ايها في نار جهنم لشجرت الزقوم فتنبت وهي طعام اهل النار عياذاً بالله ، هذا كله بقدرة الرب تبارك وتعالى ونحنً نسلم ان قدرة الله كذلك اعظم من هذا كله بل إن قدرة الله انه يخلق النقيض ، بل إنه جل وعلا يجمع بين النقيضين في وقت واحد ونأتي بالأدنى ثم بالأعلى قال الله في اصحاب الكهف ( وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائلٌ منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً او بعض يوم ) لو كانوا هؤلاء الفتيه رأوا على انفسهم تغيراً في الخلقه طالت اشعارهم ونمت اظفارهم وحدودبت ظهورهم وخطاهم الشيب لما قالوا ( يوماً او بعض يوم ) لكن الله جل وعلا هذا الزمان الذي يجري علينا اوقفه الله جل وعلا على اصحاب الكهف فلم تجري عليهم احكام الزمان فلم يحدودب لهم ظهر ولم يطل لهم شعار ولم تنموا لهم اظفار ولم يخطهم الشيب ولم يتغير منهم شيئ ، هذا وقع من غير جمع للنقيضين ، لكن هذا الأمر جمعه الله جل وعلا في قصة الرجل الذي قال عنه ( او كالذي مر على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها قال انّ يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عامٍ ثم بعثه * قال كم لبثت قال لبثت يوماً او بعض يوم قال بل لبثت مائةعام فنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه * ونظر إلى حمارك ولنجعلك آيةً لناس ونظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم ان الله على كل شيئ قدير ) أين الجمع بين النقيضين ؟ الجمع بين النقيضين ان الله في مكان واحد اجرى الزمان على شيئ ولم يجره على شيئ آخر فالحمار اجرى الله عليه احكام الزمان ، فمات وذبل واصبح عظام نخره والطعام لم يجري عليه احكام الزمان فمكث الطعام مائة عام ولم يفسد ولم يتغير منه شيئ ، ثم بعثه الله فشاهد الرجل بعينيه احكام الله تجري على شيئ ولاتجري على شيئ آخر ، احكام الله الزمانيه ، وكله بقدرة الرب تبارك وتعالى والحكمه وراء ذلك كله انه لايقدر على الصنيع هذا إلا الله ، لايمكن لإحد كائن مابلغت قوته وعظمت سطوته وجل سلطانه ان يقدر على ان يصنع هذا الشيئ ابداً ، هذا من خصائص الله التي جعلت ذلك العبد لماراى الآيه بإم عينه طعام له مائة عام لم يفسد وحمار اصبح عظام نخره قال ( اعلم ان الله على كل شيئ قدير ) ومن علم ان الله على كل شيئ قدير إذا ذٌكر بإيات الله يخاف ولذلك قال الله مختتم هذه الآيه ( ومانرسل بالآيات إلا تخويفا ) فالنأخذ خسوف القمر مثلاً ، يخسف القمر فيراه اقوام فيتعجبون ويمضون ويراه اقوام ربما كانوا يلعبون الورق فتاره ينظرون إلى القمر وتاره يكملون ماهم فيه من اللهوا ، ويراه رجل مشغول بالبحوث العلميه فيدون ذلك الخسوف يومه وليله ونهاره وساعته ودخوله وابتدأه ونهايته ، ويراه رجل لايدري ماهوا حتى خسوف القمر يمضي ، ويراه مؤمن جعلنا الله واياكم منهم فيتذكر فيه سطوت الجبار جل جلاله فيخشى الله ويخافه وتتسابق خطواته إلى المسجد يفزع إلى الله جل وعلا ويتذكر قول الله جل وعلا ( ومانرسل بالآيات إلا تخويفا ) وقول الله ( ونخوفهم فمايزيدهم إلا طفيناً كبيرا ) فإذا اردت ان تعرف اين مقامك عند الله فنظر إلى حالك عند آياته فإذا كانت الله التي يجريها في الكون لاتزيدك إلا عبثاُ ولهواً وطغيان وفساد فأنت بعيد عن الله ، وإن كانت آيات الله التي تراها في نفسك او في الكون او تسمع بها او تشاهده او تقرأ عنها لاتزيدك إلا خوافاً وفرقاً ووجلاً من رب العزه والجلال فإنك على حظ عظيم من الدنو إلى الله ، هذا الرسول الخاتم الذي جعله الله جل وعلا امنةً لإمته إذا راى تكائر الغيم اخذ صلى الله عليه وسلم يغدوا ويروح خوفاً من ان يكون عذاباً وسخطاً ولاتتغير اسارير وجهه حتى يكشف عنه ويقول ( ياعائشه ومايدريني انه عذاب ) مع ان الله جل وعلا يقول ( وماكان الله ليعذبهم وانت فيهم ) صلوات الله وسلامه عليه ، والغاية من هذا ايها المؤمنون ان يعلم العبد ان القلوب اصلاً اوعيه ولاتنشغل إلا بماملئت به ، فقلوب مليئه بحب النساء وقلوب مليئه بحب الغناء وقلوب مليئه بحب الغلمان وقلوب مليئه بحب الأسفار وقلوب مليئه بحب الريال وادولار وقلوب مليئه بحب غير ذلك ، وقلوب مؤمنه صادقه مليئه بحب الله جل وعلا كل ماتراه يذكرها بالله جل وعلا فتحبه وتجله وترجوه وتخافه سبحانه وبحمده قال الله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله انداداً يحبونهم كحب الله * والذين آمنوا اشد حباً لله ) اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقرب إلى حبك ، اللهم إنا نعوذ بك ان نعدل في حبك احداً كائن من كان ، والمقصود والغايه ان العبد إذا احب الله يفقه كلام الرب جل وعلا فإذا قال الله ( ومانرسل بالآيات إلا تخويفا) وإذا قال الله ( ونخوفهم فمايزيدهم إلاطغياناً كبيرا ) جعل حبه لله يلجأ إلى الله ويخافه ويخشاه ويرجوه ويبتعد عن معاصيه ويستغفر الله دائماً وابداً لأنه لن يخلوا احد من المعاصي ولن يسلم احد من الذنوب ، وإلا لما شرع الله تبارك وتعالى ان يستغفره عباده ويخافوه







)) الوقفه السادسه ((



ثم نقف عند قوله سبحانه ( يوم ندعوا كل اناس بإمامهم * فمن اوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولايضلمون فتيلا )

اتفق المفسرون على ان هذه الآيه المقصود بها يوم القيامه لكنهم اختلفوا في معنى قوله جل وعلا ( بإمامهم ) على اقوال ثلاثه مشهوره وقول غير مشهور ، اما الثلاثه المشهوره فإن من العلماء من قال إن معنى الآيه ( يوم يدعوا كل اناس بإمامهم ) أي ينادى بكتابه ، ثم اختلفوا في المقصود بالكتاب فمنهم من قال الكاتب الذي انزل على الامه الذي هو منها فيقال للمسلمين ياأهل القرأن ويقال لليهود ياأهل التوراه ويقال للنصارى ياأهل الإنجيل ، وآخرون قالوا المقصود بالكتاب كتاب كل إنسان بنفسه وحجة هؤلاء ( وكل شيئ احصيناه في إمامٍ مبين ) فسم الله جل وعلا الكتاب إمام وحجة الأولين قول الله جل وعلا ( ومن قبله كتاب موسى إماماًُ ورحمه ) فوصف الله جل وعلا كتاب موسى وهو التوراه بإنه إمام هذا القول الأول ....

القول الثاني ان المقصود بإمام هنا العمل ، فقالوا إن المعنى انه ينادى كل إنسان بعمله ، اين الصابرون على المقدور ؟اين الممتنعون من المحذور ؟ اين أهل الصلوات ؟ اين أهل كذا ... وقالت طائفه المقصود بكلمة إمام القدوه ، فيقال اين اتباع موسى اين اتباع عيسى اين اتباع نوح اين اتباع محمد صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين .. وذهب محمد بن كعب القرضي رضي الله عنه ورحمه وهو احد اول التابعين واصله يهودي ، كان ابو كعب ممن لم ينبت يوم قريضه فسلم من القتل ثم اسلم وتزوج وانجب محمد هذا وهو من ائمة التفسير رحمه الله تعالى ، وممايرواى عنه من جميل خصاله انه رزق بمال وفير فقيل له ادخر هذا المال لولدك قال بل ادخر هذا المال لنفسي عندي ربي وادخر ربي لولدي ، قال محمد رحمه الله في تفسير هذه الآيه ( يوم ندعوا كل اناس بإمامهم ) فلايقال فلان إبن فلان ولكن يقال فلان إبن فلانه ، وقالوا إن الحكمه وراى ذلك هو إظهار شرف عيسى إبن مريم والأمر الثاني يستر على اولاد الإثم ، قال القرطبي رحمه الله في هذا القول نظر ، وقال الشنقيطي رحمه الله في اضواء البيان هذا قول باطل واحتج عليه بحديث إبن عمر مرفوعاً انه يقال هذه غدرة فلان إبن فلان ونرى والله اعلم ان القول مقبول ولا يقال في حقه باطل لكن مقبول إلى حد ما والأقوال التي غيره ارجح ، والمفسرون مجمعون على ان المقصود من الآيات هو ذكر اهوال يوم القيامه وإن آخذ الصحائف بالأيمان او بالشمال من اهوال وكرب يوم القيامه ، التي فيها الميزان والصراط والدنو من الحوض او البعد عنه وظلال العرش او النيئ عنه وكل ذلك من اهوال يوم القيامه .. اجارنا الله واياكم منها ....
)) الوقفه السابعه ((



مماسنقف عنده قول الله جل وعلا ( ويسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي ومااتيتم من العلم إلا قليلا )

هذه الآيه المشهور عند العلماء انها مكيه مدنيه ، وقد جاء فيها ان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر عليه ملئ من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه لاتسألوه .. ثم سألوه .. قالوا ياابا القاسم ..ماالروح ؟؟؟ فاتكئ صلى الله عليه وسلم على عسيب نحل ..قال إبن مسعود فعلمت انه يوحى إليه ثم تلا ( ويسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي ومااتيتم من العلم إلا قليلا ) ولاريب ان العلم الحديث ومآثر اهل الفلسفه ومن تكلم في امور عده وتصدر لعظيم الفنون عجز عن مسألت الروه وحق له ان يعجز وانّ له ان يدرك والله يقول ( قل الروح من امر ربي ) لكننا سنتكلم عنها إجمالاً وفق ماجاء في الكتاب والسنه والروح خلق من خلق الله ، فتنفخ في جسد ابن آدم وهو جنين في بطن أمه فتدب فيه الحياه فهذا أول تعلق بالروح للجسد ثم يكون تعلق آخر وهو الثاني بعد الولاده ثم تعلق ثالث حال حياة البرزخ ثم تعلق رابع وهواكملها واتمها بعد البعث والنشور إذ لافراق بعده

هذه انواع التعلق الأربع للروح في الجسد ، لكن الميت وإن فارقت روحه جسده وهذا حقيقه الموت الإنها تتصل به إتصالاً لانعلم كنهه ، لكن دلت السنه عليه قال صلى الله عليه وسلم ( انه يسمع قرع النعال ) وقال ( إن الجنازه تقول لإصحابها حين يحملونها قدموني قدموني او تقول ياويلاه أين يذهبون بي ؟؟) والنبي صلى الله عليه وسلم خاطب قتلا بدر من أهل الإشراك وقال لعمر والله ماانتم اسمع لما اقول لهم منهم فهذا كله نوع من التعلق لكن الميت وإن كان ميت في قبره ينتفع ببعض الأعمال التي يصنعها من يحبه في له في الدنيا ، واعظمها الدعاء والحج والعمره والصدقه ، هذه الأربع ثابته وبقيت الأمور فيها خلاف بين العلماء ، وقد ذكروا ان رجل كان بينه وبين بيته والمسجد مقبره فإذا مر على طريق مر على طريق المقبره ويقول يدعوا لهم ..اللهم آنس وحشتهم .. وارحم غربتهم .. يصنع هذا كل ليله .. ذات لليله قُدر له ان ينساهم فلما نام رأى في منامه رجال يلبسون ثياب بيض .. قال من انتم يرحمكم الله ؟؟ قالوا نحنُ اصحاب هذه المقبره التي بجوارك كان الله يفرج عنا كل ليله بدعائك .. فلما تركتنا تلك الليله لم يأتنا من فرج الله شيئ ..
ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم لإمته زيارة القبور لغرضين الإتعاظ بحالهم ونفعهم بالدعاء لهم لابلإنتفاع منهم ، فإنهم لايملكون لإنفسهم فضلاً عن غيرهم ...


))الوقفه الأخيره ((



الوقفه الأخيره ايها المؤمنون مع قول الله جل وعلا ( وقرأنٌ فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا )

هذا القرأن معجزه نبينا الكبرى صلوات الله وسلامه عليه ...

انزله الله تبارك وتعالى على خير خلقه صلى الله عليه وسلم منجم عبر ثلاثه وعشرين عاما .. واخبر الله انه لو خوطب بهذا القرأن الجبال الصلدا والحجارة الصماء لتشققت من خشيت الرب تبارك وتعالى ، وسنقف هنا مع سورتين قال عنهما صلى الله عليه وسلم (إقراء الزهراوين البقره وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامه كأنهم فرقان من طير صواف او غمامتان اوغايتان يحاجان عن اصحابها ) وقد اختلف العلماء في سبب تسميت هتين السورتين بالزهراوين على ثلاثة اقوال ....
قال بعض العلماء إنما سميت بالزهراوين لما يزهر للمؤمن عند تلاوتهما من معانيهما ونور قراءتهما
وقال آخرون لإنه يرزق الإنسان بهما النور التام يوم القيامه .. قال صلى الله عليه وسلم ( يأتي القرأن يوم القيامه شفيع لإصحابه ، تتقدمه الزهراوين البقره وآل عمران ..)
وقال آخرون إنما سميت بالزهراوين لإنهما اشتملتا على إسم الله الأعظم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما اخرج ابوداوود وابن ماجه من حديث اسماء بنت يزيد ابن السكن بسند حسن .. انه صلى الله عليه وسلم قال ( إسم الله الأعظم في هتين الآيتين ..)
( وإلهكم آله واحد لاإله إلا هو الرحمن الرحيم ) وفي آل عمران ( الم* الله لاآله إلا هو الحي القيوم )
ونقول وفق قواعد التفسير يصح ان يقال إنما سميت بالزهراوين لهذه الأقوال الثلاث كلها لإنها لاتعارض بينها
وقد تظمنت سورة البقره أعظم آيه في كتاب الله وهي آية الكرسي ، وختمت سورة البقره بآيتين قال عنهما صلى الله عليه وسلم ( من قراء الآيتين الأخيرتين من سورة البقره في ليله كفتاه ) وختمت سورة آل عمران بقول الله جل وعلا ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب )
وقد جاء في الصحيحين من حديث إبن عباس رضي الله عنهما انه نام عند خالته ميمونه ، ميمونه اخت أم الفضل ، فأم الفضل ام ابن عباس وميمونه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم خالت إبن عباس ، نام عندها ، فراء النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل فأول مابدأ عليه الصلاة والسلام مسح النوم عن عينيه ثم تلا العشر الأواخر من آل عمران ..
(إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى" جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار )حتى








ختمها صلوات الله وسلامه عليه ثم قام إلى شن معلقه ثم توضئ فصلى وإبن عباس يرقبه رضي الله عنهما ، فهذا ايها المؤمن بعض ليل نبيك صلى الله عليه وسلم ، فالينظر احدنا كيف يقضي ليله ، سترنا الله علينا وعليكم في الدنيا والآخره ، ووفقنا الله واياكم لإتباع سنته ..
وفي سورة آل عمران ذكر الله جل وعلا آيه عظيمه جليله قال فيها (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) وهذا كمثل ذكرناه وإلا القرأن كله يجب قرأته وفيه من الفضل مالايخفى على احد
ولقد قال محمد إبن ابراهيم التيمي رحمه الله من لم يبكه القرأن وقد أوتي علماً فخليقٌ به ان لايكون قد اوتي علماً ، ثم تلا ( إن الذين اتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للإذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للإذقان يبكون ويزيدهم خشوعا )
فهي من اعظم الآيات التي ترقق القلوب وتدل على الرب تبارك وتعالى
وإن من تعظيم القرأن الذي قال فيه ( فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ) ان يؤمن الإنسان بمحكمه ومتشابهه ويخضع لإوامره ويجتنب نواهيه ويتذكر قول الله ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا لامبدل لكلماته وهو السميع العليم )
ايها المؤمنون هذه وقفات منّ الله علينا بإلقائها بين ايديكم حول سورة الإسراء وكتاب الله جل وعلا اعظم واجل من ان يستنبطه فرد او شخص كائن من كان .. وإن مافيه من الغرر والدرر مالم نحط به علما .. وفيه مااحطنا به علما لكن لايتسع الوقت لقوله ، بلغنا الله واياكم من الهدي اكمله ونسأل الله القبول إنه سميع مجيب وصلى الله على محمد وعلى آله واصحابه اجمعين والحمدلله رب العالمين ....

مريم العلي
17-08-2009, 08:16 AM
نور التوحيد : للشيخ صالح بن عواد المغامسي

( الواجه الأول )


ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا . واشهد ان لاآله الله وحده لاشريك له ..خلق فسوى وقدر فهدى واخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى ..واشهد ان سيدنا محمد عبده ورسوله بلغ عن الله رسالاته ونصح له في برياته ، ادى الآمانه وبلغ الرساله ونصح الأمه فجزاه الله بأفضل ماجزا به نبياً عن أمته ..اللهم صلي وسلم وبارك وانعم عليه وعلى آله وصحابه وعلى سائر من اقتفى اثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين ...أما بعد ..


فسبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا آله إلا انت ماعبدناك حق عبادتك ..سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت ماعرفنا قدرك وماقدرناك حق قدرك ...سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت الحي الذي لايموت والإنس والجن يموتون ...سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت تعلم مثاقيل الجبال ومكايل البحار وأنت الله لا آله إلا انت العزيز الجبار .. سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت الخير كله بيديك والشر ليس إليك ..مصير كل أحدٍ عليك ورزق كل احدٍ عليك ..سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت رددت موسى إلى أمه وأرجعت يوسف إلى أبيه ..ونجيت إبراهيم أغثت ذا النون وجمعت ليعقوب بنيه ..سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت امرتنا فلم نأتمر ونهيتنا فلم ننزجر ولاحول ولاقوة لنا إلا بك ..سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت لا نستطيع ان نأخذ إلا مااعطيتنا ولا ان نتقي إن لم تقينا ..انت خالقنا ورازقنا وربنا ومولانا لا آله إلا انت ...سبحانك اللهم وبحمدك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا أنك انت العليم الحكيم خلقتنا ولا قدرة لنا ورزقتنا ولاقوة لنا وهديتنا إلى الإسلام من غير ان نسألك فلا تحرمنا اللهم الجنة ونحنُ نسألك ...سبحانك اللهم وبحمدك لا آله إلا انت حنت إليك قلوبنا واشتقت إلى لقاءك أفئدتنا نسألك اللهم بعز جلالك وكمال جمالك أن تغفر لنا في الدنيا والآخرة .....


ايها الاخوة المؤمنون ..السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..أمابعد .. فهذه موعظة قبل أن تكون محاضرة وتذكرة قبل أن تكون بيانا وتقرُباً إلى الله جل وعلا قبل ان يكون درسا ..جعلنا عنوانها ( نور التوحيد ) ولقد تأصل في قلوب العارفين والأئمة المهديين وعقول المنصفين من المؤمنين ..تأصل عند هؤلاء جميعا أنه لاشيئ أعظم من الحديث عن الله تبارك وتعالى وبما أن ربنا جل جلاله وعز شأنه لايعدله شي فإن الحديث عن الله تبارك وتعالى لايعدله شيئ ابدا ..( قل أي شيئ أكبر شهادةً قل الله شهيدٌ بيني وبينكم * وأوحي إلي هذا القرأن لإنذركم به ومن بلغ )...
ايها المؤمنون الحديث عن الرب تبارك وتعالى حديث تحبه قلوب المؤمنين فبه البلغه والموعظه والذكرى ، ونور التوحيد ..كما قلنا إنما هي موعظه وبلغه إلى الرب تبارك وتعالى ..نستفتح بالذي هو خير ..قال الإمام يحيى ابن عمار .. احد المحدثين رحمة الله تعالى .. قال ..العلوم خمسة ..علم هو حياة الدين وهو علم التوحيد ..وعلم هو قوت الدين وهو العظه والذكر..وعلم هو دواء الدين وهو علم الفقه ..وعلم هو داء الدين وهو ذكر أخبار ماوقع بين السلف ..وعلم هوهلاك الدين وهو علم الكلام ....وهذا التأصيل العلمي من هذا المحدث ظاهر الصحة بلا ريب ..فإن علم الكلام يخرج الإنسان مما اراده الله جل وعلا منه ..فيشتغل بأقوال الفلاسفه وتنظير أهل المنطق ويخوض ميمنة وميسره في عالم الفكر المتأرج بعيداً عن هدي الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ..وكفى بذلك خيبةً وخسرانا ، وأما الإشتغال بإخبار السلف الصالح وماوقع بينهم رحمة الله تعالى عليهم جميعا ..فإنه يقسي القلب ويجعل من المرء القاسي البعيد زماناً ومكاناً عن اولئك الأخيار يجعله من حيث لايدري حكماً بين أئمة المهديين وصحابةٍ مرضيين واتباعٍ لهم في الدين سابقةٌ لاتُلحق ..ومثل هذا يقسي القلب وحسب المؤمن ان يستمع إلى أقول أمير المؤمنين علي إبن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال ( إني لأرجوا الله أن أكون انا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله جل وعلا فيهم ( ونزعنا مافي صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار) ) أما علم قال عنه دواء الدين وهوعلم الفقه ذلك أن الإنسان احوج مايكون إلى أن يعلم الحلال والحرام حتى يستبين له الحرام والمكروه فيجتنبه ويستبين له المباح فيخير فيه ويستبين له المسنون فيسابق إليه ويستبين له الواجب فيأتيه راضياً بقضاء الله جل وعلا وقدره مستسلماً لإمر الله تبارك وتعالى ونهيه ...ثم قال رحمة الله وعلم هو قوت الدين وهو العظة والذكر ..ذلك أن المؤمن

مهما بلغ حاله وصلح عمله في أحوج الأمر إلى ان يذكّر ويوعظ ولذلك قال الله جل وعلا لنبيه ( وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغا ) وقال العرباض ابن ساريه رضي الله عنه ..وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منه القلوب وذرفت منها العيون






وجاء عنه صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس ان موسى عليه السلام وقف خطيباً يعظ في بني إسرائيل حتى إذا رقت القلوب وذرفت العيون ...إلى نهاية الحديث ....

والمقصود انه مامن مؤمن إلا وهو محتاج إلى الوعظ والتذكير وهذا الذي سماه المحدث يحيى إبن عمار ..سماه قوت القلوب ..وقال في أول الأمر رحمة الله ..وعلم هو حياة الدين الا وهو علم التوحيد ولاريب ان التوحيد هو حياة الدين كله ..لإنه أول شيئ يدخل به المرء المله ، بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى أهل اليمن وقال له فليكن أول ماتدعوهم إليه شهادة أن لا آله إلى الله ،لإنه لا يقبل أن يدخل انرءٌ في الدين فيجري عليه أحكام الشرع ويطالب بإمر وينتهي عن نهي حتى يقيم التوحيد اولاً فجعل الله جل وعلا القول بالتوحيد والنطق به والإعتقاد به المدخل الأعظم لدينه تبارك وتعالى ، كما جعل كما جعل في الخاتمه ان من كان آخر كلامه الإعتقاد بالتوحيد والتلفظ به كان حقاً على الله أن يدخله الجنه ..قال صلوات الله وسلامه عليه من كان آخر كلامه في الدنيا لا آله إلا الله دخل الجنه ..وعلى النقيظ من ذلك ..جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشرك بالله جل وعلا وجعل الأنداد أعظم الكبائر وأعظم السيئات ، كما أن توحيد الله جل وعلا أعظم الحسنات بلا ريب ، قال صلى الله عليه وسلم وقد سأله عبدالله إبن مسعود يانبي الله أي الذنب أعظم ؟؟ قال أن تجعل لله نداً وقد خلقك ...
ولقد نعى الله على أهل الإشراك من اليهود والنصارى وكفار قريش وسائر الكفرة انهم جعلوا لله ندا ، كل ذلك نعى الله جل وعلا على من صنعه أعظم النعي ،يؤكد هذا أن الله مابعث نبياً ولارسولاً إلا وجعل التوحيد اعظم مايدعوا به اممهم ولهذا كانت الخصومه قائمه مابين الأمم وبين رسلهم في قضية توحيد الله وإفراده تبارك وتعالى بالعباده ، قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ ..اتدري ماحق الله على العباد ؟؟قال ..قلت ..الله ورسوله أعلم ، قال حق الله على العباد ان يعبدوه ولايشركوا به شيئا ، ويؤكد هذا أن الله مابعث نبياً ولارسولاً إلا وألزمه هذا ..قال العلماء رحمهم الله عند تفسير قول الله جل وعلا ( وسأل من ارسلنا قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلةً يعبدون ) قالوا يروى عن إبن عباس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لما اسري به إلى المسجد الحرام تقدم جبريل فأذن قم أقام ثم أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالنبيين إماماً ، فصلى خلفه النبيون والمرسلون سبعة صفوف ...ثلاثةٌ منهم من صفوف المرسلين واربعة من الأنبياء خلفه مباشرة ..إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى عليهم أجمعين صلوات الله جل وعلا وسلامه ..
فلما انفتن صلى الله عليه وسلم من صلاته قال لهم إن الله قد أوحى إلي أن أسألكم ..هل ارسلكم الله جل وعلا أن يعبد أحدٌ غير الله ؟؟ فقال له انبياء الله ورسله وهم شهداءعلى ماوكل الله جل وعلا إليهم قالوا ..إن الله جل وعلا أوحى إلينا أن ندعوا بدعوةٍ واحدة أن لا آله إلا الله ( وأن مايدعون من دونهِ الباطل ) فتفقت كلمة الأنبياء والمرسلين من لدن أدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، على ان دين الخلائق كلهم الذي يقبله الله جل وعلا منهم هو توحيده تبارك وتعالى وإفراده بالعبادة وحده جل وعلا دون سواه ..قال إبن القيم رحمه الله ..

هو دين رب العالمين وشرعهُ *** وهو القديم وسيدُ الأديانِ
هو دينُ آدم والملائكِ قبلهُ *** هو دين نوحٍ صاحبِ الطوفانِ
هو دينُ إبراهيم وأبنيهِ معاً *** وبهِ نجا من لفحت النيرانِ
وبهِ فدا الله الذبيح من البلا *** لما فداهُ بأعظم القربانِ
هو دينُ يحيى مع أبيه وأمهِ *** نِعم الصبيُ وحبذا الشيخانِ
وكمال دين الله شرع محمدٍ *** صلى عليهِ مُنزل القرأنِ

فالرسل أجمعون والأنبياء معهم والصالحون والاخيار على هذا الطريق إلى أن يلقوا الله ، لإن الله جل وعلا

لايقبل من أحد صرفاً ولا عدلاً حتى يقيم توحيده تبارك وتعالى ، ولهذا كانت عناية الرسل والأنبياء والصالحين من بعدهم عند الموت أنهم يوصون من بعدهم بإن يفروا من الشرك وأن يلتزموا توحيد الله بالعباده وإفراده جل وعلا بالعباده دون سواه لعلم أولئك الأخيار والمتقين الأبرار أنه لاينفع عند الله جل وعلا عمل مالم يقيم العبد قول ومعنى ولفظ وعقيده توحيد الرب تبارك وتعالى ، قال سبحانه ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ماتعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهً واحداً ونحنُ له مسلمون ) اللهم آمنا بمثل ماآمنوا به ...

وماأكد اولئك الأبرار والمتقون الأخيار على هذا الأمر إلا لعلمهم ويقينهم وماعلمهم الله أياه أن أعظم الأمر وأجل السيئات وأكبرها الذي لايغفره الله جل وعلا أن يجعل أحداً من المخلوقين ، مخلوقاً غير الله تبارك وتعالى نداً ، ولهذا اثنى الله جل وعلى على ذاته العليه في كتابه وعرف خلقه تبارك وتعالى بإسماءه وصفاته حتى يعبدوه على بينةٍ من الأمر أخبرهم جل وعلا بكمال قدرته وعظيم صنعته ، وجلال مشيئته وبلغت حكمته حتى لايبقى عذر لمعتذر ولاحجه لمحتج ..في أن الله جل وعلا لم يبين لهم كثيراً من اسماءه وصفاته وإنما بينها الله حتى تقوم الحجه على العباد وينقطع عذر أهل الأعذار ويعلم كل أحدٍ ان الله جل وعلا لارب غيره ولا آله سواه يقول سبحانه منعياً على من اتخذ مع الله جل وعلا نداً ( قل ءأنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له اندادً * ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها اقواتها في أربعة ايام سواءً لسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أأتيا طوعاً أو كرها قالتا اتينا طائعين * فقاضهن سبع سماوات في يومياً وأوحى في كل سماءٍ أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا* ذلك تقدير العزيز العليم )

لا يقدر على هذا إلى الله وهذا من أعظم الأدله والبراهين على كمال صنعته وعظيم وحدانيته وجلال الوهيته لارب غيره ولا آله سواه ولذلك كان التوحيد نور يقذفه الله جل وعلا ويلقيه في قلوب من يشاء ..يقول الله جل وعلا ( الله نور السماوات والأرض مثل نورهِ كمشكاةٍ فيها مصباح * المصباح في زجاجة الزجاجه كأنها كوكبٌ دري يوقد من شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ لاشرقيه ولاغربيه يكاد زيتها يضيئ ولم يمسسه نار نورٌ على نور يهدي الله لنورهِ من يشاء ) نسأل الله جل وعلا أن يهدينا وأياكم لنوره ..
ايها المؤمنون هذا هو التوحيد على وجه الإجمال ، إفراد الله تبارك وتعالى بالعباده وحده دون سواه وقد بينا انه اول ماطالبت به الرسل اممهم وأعظم ماختم به المتقون وصاياهم ..أن من كان آخر كلامه من الدنيا لا آله إلا الله دخل الجنه وبه يدخل المرء إلى دين الرب تبارك وتعالى وهو الخصومه التي قامت بين الرسل واممهم على رسل الله أفضل الصلاة والسلام ..

على انه ينبغي أن يعلم أن لهذا التوحيد لوازم ولهذا التوحيد نور يقذفه الله في القلوب ومن أعظم لوازم توحيد الرب تبارك وتعالى محبته جل وعلا محبتاً لا يقارن بها محبة غيره كائناً من كان ..قال الله جل وعلا ( ومن الناس من يتخذ من دون الله انداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله )
فبين جل وعلا أن صفاة عباده المتقين وأولياءه المؤمنين عظيم المحبة لربهم تبارك وتعالى ، وليس العجيب أن يحب العبد ربه ولكن المؤمل والفوز والسعادة أن يحب الرب عبده وأن عبداً أحبه الله لن تمسه النار أبدا ..قال الله جل وعلا في كتابه العظيم ( وقالت اليهود والنصارى نحنُ أبناء الله وأحباءه ) قال الله جل وعلا جواباً عليهم ( قل فلما يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممن خلق ) قال العلماء في تفسيرها لو كان أحباء الله لماعذبهم ، وقد جاء في الأثر الصحيح ( أن الله لايقلي حبيبه في النار ) وهذا لايقع من افراد الناس وآحاد العوام أنهم يعذبون من يحبون فكيف يقع من رب العالمين الرحمن الرحيم جل شأنه وعز ثناءه ..









والمقصود أن محبة الرب تبارك وتعالى تكون اولاً بمحبة العبد لربه جل وعلا ومحبة العبد لربه المنزله التي شمر إليها العاملون وتنافس فيها اولياء الله المتقون وتسابق فيها على مر الدهور وكر العصور الصارحون السابقون ، فمحبته جل وعلا تنال بإداء الفرائض على أكمل وجه ثم بإتيان النوافل ..وفي الحديث القدسي الصحيح
( ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها ) وهذه الأربع كلهن كناية عن كمال التوفيق من رب العالمين جل جلاله وإذا احب الله عبداً وفقه في الدنيا والآخرة ..رزقه الشهادة عند الموت ورزقه التوفيق وحسن الأختيار في طرائقه إلى الله جل وعلا ..الهمه الله الصبر على المحذور وبين الله جل وعلا له الحرام فيتقيه والواجب فيأتيه والسنن فيسابق إليها . أضاء الله جل وعلا له طريقه وانار الله جل وعلا له مسلكه وساقه الله جل وعلا إلأيه سوقاً جميلاً ، ومحبة الله قال العلماء أنما تنال بإن يحرص الإنسان على أتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وافعاله واخلاقه ( قل إن كنتم تحبون الله فتبعوني يحببكم الله ) فمن أكبر الدلائل وأجل القرائن على أن العبد يحب الله حرصه على إتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم إينما كانت وحيثما نزلت ، يتلبس بها في المنشط والمكره والعسر واليسر ، يسابق في ذلك قرناءه وخلانه ، ومن يراهم من الناس رجاء ماعند الله جل وعلا من الخير لإنه لايعدل الفوز بمحبة الرب تبارك وتعالى شيئ والعبد إذا احب الله جل وعلا كان مهيئاً إلى ان يحبه الرب تبارك وتعالى ، وهذا اعظم لوازم توحيد الله ، فإذا وقر في الإنسان محبة الله جل وعلا وفق ودل ذلك على أنه معظم لله موحد بربه سبحانه وتعالى ، وهذه منزله كلٍ يدعيها وكلنا يطلبها ولكن الحياة ميدان عمل ومركب شامل يتسابق فيه الأخيار ..فتسابقوا أيها المؤمنون والمؤمنات كل مايقربكم من الرب تبارك وتعالى ..ءاتو الفرائض بلا تون ، وتسابقوا في النوافل عل الله جل وعلا أن يحبكم فأن محبة الله جل وعلا منزلة وأي منزلة وهي أعظم مايطلبه الطالبون وأجل مايسعى إليه المؤملون ،لإنها من أعظم نورٍ يقذفه الله الله جل وعلا في قلوب الموحدين من عباده ..





ايها المؤمنون ، من لوازم التوحيد أن تعلم أن بالتوحيد ينجوا العبد في الدنيا والآخرة ، فلا منجي أعظم من التوحيد ..توحيد الله جل وعلا في القلوب ..وحسن الظن به تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه مع حسن الإعتماد عليه جل وعلا في كل أمر هو من أعظم المنجيات ، الرب تبارك وتعالى له اولياء واعداء واولياءه واعداءه كلهم يقر أن الله جل وعلا هو المفزع عند حلول الكرب ..قال الله جل وعلا ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ) وأنما التفرقه بين اولياء الله واعداءه عند عدم حلول الكرب فإن الله سلك الله بنا وبكم سبيلهم يحبون ربهم في كل آن وحين ويلجئون إليه في السراء والضراء يحمدونه على السراء ويلجئون إليه في الضراء ، أما أعداء الله فهم على أقسام عده لكن لايقال عدد إلا لمن كفر بالله اصلا ولم يدخل الدين ولم يؤمن بالله لارب غيره ولا آله سواه ..فهؤلاء رغم صنيعهم هذا إذا وقعوا في الكرب وحلت بهم النازلة وداهمهم الخطب لجئوا إلى الله جل وعلا ..قال الله جل وعلا يصور حالهم
( وإذا مس الإنسان ضرٌ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضرٍ مسه ) أما أولياء الله المتقون فهم يفزعون إلى ربهم جل وعلا في كل آنٍ وحين ..التوحيد مستقر في قلوبهم في البر والبحر في العسر واليسر في المنشط والمكره في السراء والضراء وهم في المساجد وخارجها مابين أهلهم وعند قرائنهم في كل مكان يحلونه وكل زمان يمر عليهم والتوحيد باقٍ في قلوبهم ..يعلمون أنه لا ملجئ من الله جل وعلا إلا إليه ..حققه يونس لفظاً وحالاً ومقالا
( فنادى في الظلمات أن لا آله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فستجاب الله دعاءه واحسن الله عاقبته وكشف الله كربته وآمن له قومه ..وقدمه الله جل وعلا أعظم تقديم وذكره في الكتاب الكريم إلي يوم الدين ..قدم توحيد الرب جل وعلا وهو يستغيث بربه صلوات الله وسلامه عليه وهذه سنن الاخيار وطرائق الأبرار

كما أن التوحيد منجي في الدنيا منجي في الآخرة ..يقول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح وغيره ( أن سيخلص رجل من أمتي على رؤوس الخلائق يُنشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ، فيقول الرب جل وعلا له ياهذا أظلمك كتبتي الحافظون ؟؟فيقول لا يارب ..يقول الله أتنكر مماتراى شيئا ..يقول لا يارب ..يقول الله جل وعلا إن لك عندنا بطاقة ..فيقول يارب وماتغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات ..فيقول الحي الذي لا آله إلا هو في البطاقة أشهد أن لا آله إلا الله وأن محمد رسول الله ..فيقول الرجل يارب وما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات ..قال صلوات الله وسلامه عليه مخبراً وهو لاينطق عن الهوا فتوضع السجلات في كفه وتوضع البطاقة في كفه فطاشت السجلات ورجحت البطاقة ولا يثقل مع أسم الله شيئ ))
قال العلماء رحمهم الله في شرح هذا الحديث هذا دليل عظيم على أن هذا الرجل إن كان فردا حقق التوحيد في قلبه أعظم تحقيق وآمن حقاً أنه لا آله إلا الله وأنه لا ملجئ من الرب تبارك وتعالى إلا إليه وهذه منازل في القلوب يتفاوت الناس فيها ...





ألم يقل صلى الله عليه وسلم ( أن رجل ممن كان قبلكم أوصى بنيه انني إذا مت فحرقوني ثم ذروا ماحرقتموني أيه في الفلات والهواء ..ففعل بنوه مثل الذي اوصى ,,فجمع الله جل وعلا ماتفرق منه ثم أقامه بين يديه فقال له ربه جل وعلا وهو أعلم ياعبدي ماحملك على ماصنعت ,,قال يارب مخافتك وخشيتك فغفر الله جل وعلا له مع أن العمل الذي صنعه باطل بتفاق المسلمين ..لكن صلحت نيته وعظمة خشيته من الرب تبارك وتعالى فحقق بنيته مالم يحققه بعمله والله جل وعلا يقول
( يوم تبلى السرائر ) وتوحيد الله جل وعلا مكمنه القلوب تطوى عليه الأفئدة وتكنه الصدور ويوم القيامة يتبين من بكى ممن تباكى ..الم يقل الله جل وعلا ( يوم يدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعةً أبصارهم ترهقهم ذلة فقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) يدعى قوم إلى السجود كما أمر الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فيقبل الناس على ثلاثة طوائف ..قوم يرفظون بالبته وهذا والعياذ بالله صنيع أهل الكفر ..وقوم يقبلون تصنع ورياء ..وقوم يقبلون تقرباً إلى الله جل وعلا ..فإذا كان يوم القيامة وكشف الرب جل وعلا عن ساقه خر أهل الموقف سجدا ..على ثلاثة طوائف أما أهل الكفر فلا يسجدون اصلا ..وأما أهل الإيمان جعلنا الله وأياكم منهم فيسجدون ويمكنون من السجود وهذا من دلالة قبول الله لسجودهم في الدنيا ..وآخرون اعاذنا الله وأياكم يهمون أن يسجدوا فيجعل الله جل وعلا أظهرهم طبقاً واحدا فلا يتمكنون من السجود فهؤلاء المنافقون الذين كانوا يسجود لغير الله في الدنيا ..نعوذ بالله من الخذلان والحرمان ..ايها المؤمنون كما أن التوحيد من أعظم المنجيات في الدنيا والأخرة فإنه توحيد الله جل وعلا من أعظم مايحقق به المرء مقصوده في الدنيا والآخرة ..وعقلاً إذا كانت الجنة تنال بالتوحيد فمن باب أولى أن ينال مافي الدنيا من أماني وغايات بتوحيد الرب تبارك وتعالى ,,إذا كانت الجنة تنال بتوحيد الله فإنما أماني الدنيا أهون وأقل شأن من نعيم الجنة فدل ذلك عقلاً ونقلاً على أن كل غايات الدنيا تنال إذا أذن الله جل وعلا بتوحيد الرب تبارك وتعالى ..وللعلماء في قول الله جل وعلا على لسان نبيه يوسف
( قال اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) للعلماء أوجه عده في تفسير الآية منها ..أن يوسف عليه الصلاة والسلام أستعجل الخروج والفرج فقال للغالم الذي غلب على ظنه أنه سينجو أذكرني عند ربك أي عند الملك ....

مريم العلي
17-08-2009, 08:18 AM
(وما قدرُ الله حق قدره)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفُسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلل فلن تجد له ولياً ومًرشدا واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وسع الخلائق خيره ولم يسع الناس غيره واشهد أن سيدنا ونبينا محمدً عبدهُ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد

فُسبحانك اللهم ربنا وبحمدك ولك الحمد أنت وحدك من يجبرُ كسرنا ويجمعُ شتات امرنا ويُثبتُنا على طريق ديننا نستغفرُك ربُنا ونتوب إليك ونستعينُ بك ونحنُ نزدلفُ إليك لذكرك في بيتٍ من بيوتك .

أيُها المؤمنون

إن كل مجلسٍ فيه حكمةٌ تُنشر أو سُنةٌ تُحيى أو علمٌ يُذكر فانه مجلسٌ يفدُ إليهِ العُقلاء ويؤُمهُ الفُضلاء ولكن أعظم المجالس أثرا وارفعها درجةً واجلّها بركة المجلسُ الذي يُذكرُ فيه الله ربُ العالمين جل جلاله كما أن الله جل وعلا لا أحد مثله فانه لا مجلس أبداً كمجلسٍ يُعظمُ الله فيه ويُذكر جل وعلا الذكر الحسن ويُثنى بهِ ويُثنى عليه جل وعلا بما هو أهلهُ من المحامد ..

أيُها المؤمنون

لما كان عبدة الأوثان والعاكفون على الأصنام قد جعلوا مع الله جل وعلا شريكاً ولم يعرفوا لربهم قدرا كانت قلُوبهم تشمأزّ وأنفُسهم تنفُر إذا ذُكر غير الله قال الله جل وعلا ( وإذا ذُكر الله وحدهُ اشمأزّت قلُوب الذين لا يُؤمنون بالآخرة وإذا ذُكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون )
وقال جل ثنائهُ وتباركت أسمائهُ ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا )

على هذا يتبين أننا في هذا المجلس المُبارك نتفيأُ ظلال آيةٍ كريمة نعت الله جل وعلا بها مُنكراً أحوال قومٍ ساووا بين الخالق والمخلوق جعلوا الآلهة والأوثان والأصنام التي لا تُسمعُ ولا تُبصرُ ولا تنفعُ ولا تضرُ ولا تملك موتاً ولا حياةً ولا نشورا جعلوها أنداداً مع ربهم تبارك وتعالى .

قال الله جل وعلا وقولهُ الحق : ( ما قدروا الله حق قدرهِ إن الله لقويٌ عزيز ) وعلى هذا يتبين أن من علم حقيقة قدر الله جل وعلا فهو الفائزُ بجنات النعيم .

أيُها المؤمنون

هذا الشأنُِ العظيم والمنزلُ الكريم والمطلبُ الجليل لهُ شواهد تدلُ عليه كما أن هُناك قرائن تدلُ على من نئى عنه وبعُد عنه وقبل ذالك وهذا هُناك طرائق تُرشدُ إليه وتدلُ عليه وهي التي بها نستفتحُ خطابنا هذا ...

أيُها المؤمنون

من أعظم ما يُعين العبد على معرفة قدر ربه تبارك وتعالى أن يتأمل في شواهد وحدانيته ودلائل ربوبيته مُستصحباً الفطرة السليمة التي أودعها الله جل وعلا في قلب كُل أحدٍ في أن يعرف ربه ، قال الهدهد لمّا رأى قوم بلقيس يعبدون الشمس ويأنفون من عبادة خالقها قال ( ألاّ يسجدوا للهِ الذي يُخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تُخفون وما تُعلنون * الله لا إله إلا هو ربُ العرش العظيم )
فبموجب فطرته التي خلقهُ الله تعالى عليها أنكر هذا الطائرُ على بلقيس وعلى قومها أن يسجدوا لغير الرب تبارك وتعالى وإذا استصحب الإنسانُ تلك الفطرة السليمة مع ما أفاء اللهُ جل وعلا عليه من العلم مما أنزلهُ الله في كتابه وسُنة نبيهِ صلى الله عليه وسلم وتأمل في شواهد وحدانيتهِ و دلائل ربُوبيتهِ تبارك وتعالى قادهُ ذالك إلى العلم بالله ،
فالله الذي خلقنا من العدم وربّانا بالنعم وهدانا للإسلام .

ذكر الله جل وعلا كثيراً من أخبار خلقهِ في طيات كتابهِ ، أخبر جل وعلا أنهُ حملهُم بفضلهِ في البرّ والبحر ورزقهم جل وعلا من الطيبات وما كان لهُم أن يصلُوا إلى ذالك لولا فضلهِ .


ثم أخبر جل وعلا أنهُ بأكبادهم الغليظة وأنفُسهم السقيمة وعقُولهم التي لا تعي تجدهُم عياذاً بالله إذا ركبوا في البحر فمسّهم ما يمسّوا من الضُر لجأوا إلى الله وحده فلّما أمنوا جعلوا لله وحدهُ أنداداً يعبدونها قال الله جل وعلا ( وإذا مسكُم الضُرّ ضل من تدعون إلا إياها فلّما نجاكُم إلى البر أعرضتُم وكان الإنسانُ كفُورا * أفأمنتُم أن يخسف بكُم جانب البر أو يُرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكُم علينا وكيلاً * أم أمنتُم أن يُعيدكُم فيهِ تارةً أُخرى فيُغرقكُم ويُرسل عليكم قاصفاً من الريح فيُغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكُم علينا بهِ تبيعا )

أخبر جل وعلا انهُ يُنشىء السحاب ثم يُؤلف بينه ثم يجعله رٌُكاما ،،
أخبر جل وعلا أنهُ يحكُمُ ما يشاء ويفعلُ ما يُريد .



ومن أعظم دلائل وحدانيتهِ وشواهد ربُوبيتهِ :

أنه جل وعلا وحده من يخلُق وغيرهُ شاء أم أبى فهو مخلُوق وقد قُلنا مراراً في دروسٍ عدة أن القرآن يقوم على مبدأٍ عظيم كل من يستطيع أن يُثبت أن هناك خالقاً غير الله فليعبُد هذا لكن لا احد يخلُق إلا الله فوجب ألا أحد يُعظم التعظيم الكامل وألاّ يُعبد أحدٌ من دون الله أبدا .
على هذا أُسست دعوةُ الأنبياء صلواتُ الله وسلامهُ عليهما أجمعين
لا خالق إلا الله فبالتالي لا معبُود إلا الرب تبارك وتعالى لأنه لا أحد غيرهُ يخلُق .

غابت هذه الحقيقة عن كفار قريش جاء العاص ابن وائل السهمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدهِ عظامٌ قد أرمت ثم نفث فيها في يومٍ رائح ثم قال يا محمد أتزعم أن ربك يُحيى هذهِ بعد ما أرى أي بعد ما أصبحت عظيماً باليا فقال صلى الله علية وسلم وهو البملغُ عن ربه قال نعم يُميتُك الله ثم يُحيك ثم يبعثك ثم يُدخلك النار فأنزل العلي الأعلى قوله : ( أو لم يرى الإنسان أنّأ خلقناهُ من نُطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مٌبين * وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يُحي العظام وهي رميم * قُل يُحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكُل خلقٍ عليم * الذي جعل لكُم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتُم منه توقدون ) إلى أواخر سورة يس التي فيها أجلت البراهين على أن الله جل وعلا وحدهُ يخلُق وبالتالي لا يُعبدُوا ولا يُعظم التعظيم الكامل إلا هو سُبحانه وتعالى .

غايةُ الأمر :

أن يُعلم أن التأمُل في شواهد وحدانيتهِ ودلائل ربوبيته يدلُ على عظمتهِ جل وعلا وبالتالي يستقرُ في القلُوب وفي العقول أن الله جل وعلا عظيمٌ قدرهُ جليلُ الشأن تنزّه عن الصاحبة والولد وتقدّس فلم يلد ولم يُولد .




من الطرائق التي يصلُ بها المرء إلى أن يعظم ربهُ جل وعلا حق التعظيم :

التأمُل في سير الصالحين وأخبار السابقين مّمن ذكر الله جل وعلا أنهُم عرفُوا قدره وعظّمُوه تبارك وتعالى حق التعظيم قال الله تبارك وتعالى : ( إذ قالت امرأة عمران ربي إني نذرتُ لك ما في بطني مُحررا فتقبّل مني إنك أنت السميعُ العليم * فلّما وضعتها قالت ربي أني وضعتُها أُنثى واللهُ أعلمُ بما وضعت وليس الذكرُ كالأُنثى وأني سميتُها مريم وأني أُعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم )
أهلُ الله المحبون له المعظمون له يتدرجون في حظوظهم يبدأُن من الحظ المُباح ثم ينتقلون إلى أعلى الفلاح .

هذه امرأة كان همُها أن يكون له ولد رأت طيراً يُطعمُ طيراً فحنّت إلى الولد فطرةً فسألت ربها أن تحمل فرزقها الله الولد فلّما اطمأنت على أنها رُزقت حملاً دون أن تدري أيكون ذكراً أم أنثى بدأت تتخلى عن حظها المُباح وتدرّج إلى أعالي الفلاح فنذرت ما في بطنها أن يكون للهِ ( قالت ربي إني نذرتُ لك ما في بطني مُحررا ) والمعنى حظي من الولد من بُهجة النفس والأُنس والخدمة والنُصرة لا أُريدُهُ ولا أحتاجه لكنّني أبتغي من هذا الولد أن يكون خادماً لك في بيتك فانتقلت من حظٍ مُباحٍ إلى أن تجعل من ابنها أن يكون خادماً للهِ جل وعلا في مسجدهِ .
ما يُريدهُ الوالدان من أبنائهم لا تُريدهُ تُريد من ابنها أن يكون خادماً لرب وهذا أمرٌ ليس لزاماً عليها بل قد لا يرقى إليه أحدٌ في زماننا لكن المقصود التنبيه على أن للهِ جل وعلا عباداً فطرهم الله جل وعلا على تعظيمه ومحبتهِ وعلى إيثار ربهم جل وعلا على كُل أحد فقال الله جل وعلا عنها ( قالت ربي إني نذرتُ لك ما في بطني مُحررا ) أي خالصا .
فلّما وضعت إذا بها تُصاب بالدهشة أن المولود أنثى فهو أمرٌ متوقع لكن كان انصراف ذهنها في الأول إلى أن يكون المولود ذكرا فلما كان المولود أُنثى قالت مُعتذرةً إلى ربها ( قالت ربي إني وضعتُها اُنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكرُ كالأُنثى )فلّما فاتها أن يكون ذكراً وليس هذا بيدها لجأت لشيء الذي بيدها وهو التسمية فسمتها مريم بمعنى خادمه عند الرب لمّا فات حظُها من كونهِ ذكراً ما أرادت أن يفوت حظُها من الاسم ( قالت ربي إني وضعتُها أُنثى والله أعلمُ بما وضعت وليس الذكرُ كالأُنثى وأني سمّيتُها مريم وأني أُعيذها بك وذُريتها من الشيطان الرجيم )

هذا أنموذج ذكرهُ الله جل وعلا من بيوتٍ صالحات أصحاب أعمالٍ زاكيات كيف أن قلُوبهم فُطرت جُبلت على تعظيم ربها تبارك وتعالى وعلى هذا نقول إن التأمُل في سير الصالحين وأنباء الغابرين وأنباء السابقين ممّن زكى الله أو زكى رسُولهُ صلى الله علية وسلم يُعين على أن يُعظم المرءُ ربهُ تبارك وتعالى ويعي ما للهِ من كمال الجبروت وجلال النعوت وأن الله جل وعلا وحده الحيُ الذي لا يموت .
من الطرائق إلى تعظيم الرب تبارك وتعالى :

التأمُل والتدبُر في أسمائهِ الحُسنى وصفاتهِ العلى فإن الله يقول وقولهُ الحق : ( ولله الأسماء الحُسنى فادعُوهُ بها وذرُوا الذين يُلحدون في أسمائهِ سيُجزون ما كانُوا يعلمون )ربُنا تبارك وتعالى لهُ الاسم الأعظم والوجهُ الأكرم والعطيةُ الجزلا لا يبلغُ مدحتهُ قولُ قائل ولا يجزي بآلائه أحد .قال القُرشيون لنبيُنا صلى الله عليه وسلم يا مُحمد أُنسُب لنا ربك فأنزل الله
( قُل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يُولد )
تدبُر الأسماء الحُسنى يُعظمُ به اللهُ جل وعلا في القلب وهذا من أجل الركائز .

ومن أسمائهِ جل وعلا العُظمى الجليلة أُسم {الله } فهذا الاسم لم يتسمّى بهِ أحد حتى ممّن نازعوا الله في أُلوهيتهِ وربُوبيتهِ كقول فرعون ( أنا ربُكم الأعلى ) أو ما قالهُ النمرُود أو ما قالهُ غيرهُما منعهُم الله أن يُسلطوا على هذا الاسم العظيم الجليل فيتسمّوا بهِ .
قال الله جل وعلا على لسان الملائكة : ( وما نتنزلُ إلا بأمر ربك لهُ ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذالك وما كان ربُك نسياً ربُ السماوات والأرض وما بينهُما فاعبدهُ واصطبر لعبادتهِ )
ثم قال جل شأنهُ وهو أصدقُ القائلين ( قال هل تعلم لهُ سميا ) أي لا أحد تسمى بهذا الاسم العظيم الذي تسمّى الله جل وعلا بهِ ولهذا صدّرهُ الله جل وعلا في أعظم آيةٍ في كلام الله ( اللهُ لا إله إلا هو الحيُ القيوم ) بدأت بلفظ الجلاله الذي هو علمُ الأعلام وفي فواتح آل عمران
( ألم * اللهُ لا إله إلا هو الحيُ القيوم )

ومن هنا ذهب بعضُ العلماء إلى أنهُ اسمُ الله الأعظم وليس المقامُ مقام بسط لكن إخبار بعض أسماء الله الحُسنى وصفاتهِ العُلى .

ألا وإنّ من أسماء الله الحُسنى وصفاتهِ العُلى { الحي القيوم} وهذان الاسمان جاء ذكرهُما سوياً في كلام الله في ثلاثة مواضع في فاتحة آل عمران ومن قبلها في آية الكُرسي ومن بعدهما في سورة طه وأما يُمكن أن يُقال حول معناهُما :. فإن الله جل وعلا حيٌ حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال وأنهُ تبارك وتعالى هو الحيُ حين لا حي وهو الحي يُحي الموتى .

أمّا القيوم فكُلُ أحدٍ غير الله فقيرٌ إلى الله والله جل وعلا غنيٌ عن كُل أحد ربُنا جل جلالهُ مستوٍ على عرشهِ استواءٍ يليقُ بجلالهِ وعظمتهِ ومع ذالك هو سُبحانهُ مُستغنىٍ عن العرش ومُستغنىٍ عن حملة العرش ومُستغنىً عمّن يطوفون حول العرش ومن يطوفُ حول العرش ومن يحملُ العرش والعرش كُلهُم وغيرهُم فقراء إليهِ تبارك وتعالى كُل الفقر
( يا أيُها الناس أنتُم الفُقراء إلى الله واللهُ هو الغنيُ الحميد ).



من الطرائق أيُها المؤمنون التي يصلُوا بها المؤمنُ إلى تعظيم الله :

أن يعلم الضعف في العباد فإن رُؤياك لنّقص في الخلق يسوقُك لأن ترى الكمال في الخالق .
شُجّ رأسُ نبيُكم صلى الله عليه وسلم يومُ أُحد وسال الدمُ على وجهه حتى يرى الناس وجه نبيهم صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ وهو يعتريهِ ما يعتري وجوه المخلوقين فيقعُ في القلوب والعقول أن الوجه الذي لا يحول ولا يزول هو وجه الله الحيُ القيوم .

يرى الإنسان النقص حتى في الملائكة يقولُ الله جل وعلا عنهم بلسانٍ مقالهم ( وما منّا إلا ولهُ مقامٌ معلوم ) ويقولُ جبريل ( وما نتنّزلُ إلا بأمر ربك ) فنحنُ وإن كُنّا ملائكةٍ كراما وخلقاً عظاما لما لنا من المنزلة والقوة فإن لنا مقام لا نتعداه وأُمور لا نتجاوزُها ولا نملكُ لأنفُسنا حولاً ولا طولاً ولا قوة حتى في تنزُلنا من السماء إلى الأرض وهي بالنسبة لهم أمرٌ هين كطرائقنا المُعتادة التي نسيرُ عليها إلا أنهُ لا يُمكنُ أن يقع إلا بأمرٍ من الله .

بل إنّ الذين يعصون ربهُم في الأرض لا يعصونهُ إلا بإذنهِ القدري جل جلاله
( ولو شاء ربُك لجمعهُم على الهُدى )
( ولو شاء الله لجعل الناس أُنةً واحدة )
( ولو أنّنا نزّلنا عليهم الملائكة وكلّمهُم الموتى وحشرنا عليهم كُل شيءٍ قُبلاً ما كانوا ليُؤمنوا إلا أن يشاء الله )
فلا الذين أطاعوهُ جل وعلا أطاعوهُ بفضلهِم ولا الذين عصوه جل وعلا عصوه بقُدرتهم ولا الذين أطاعوه زادوا في مُلكهِ ولا الذين عصوه أنقصوا شيئاً من مُلكه .

فهو جل وعلا لا تنفعهُ طاعة طائع ولا تضرهُ معصيةُ عاصٍ لهُ الأسماء الحُسنى والصفاتُ العُلى
والمقصُود أن رؤيا النقص في الخلق يدلُ العبد على كمال خالقهِ تبارك وتعالى .


يُفتن المُسلمون بنبيهم صلى الله عليه وسلم يُنصر بالرُعب مسيرة شهر يُصيبُ الوجل والخوف أعدائهُ ومع ذالك يأتيهِ الموت وهو على فراشهِ صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ ويرى السواك فلا يقدر أن يقول أعطوني السواك يُرينا الله الضعف في نبيهِ حتى نرى كمال القوة في ربنا جل جلاله ، فإذا كان هذا حالُ سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فما بالُك بحال من دونهِ حتى تعلم عظيم قُدرة ربك جل وعلا .

ولهذا قال الله ( ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ) وقال ناعيً على أهل الكتاب ( وما قدروا الله حق قدرهِ إذ قالوا ما أنزل الله على بشرٍ من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء بهِ موسى نوراً وهُدى لناس تجعلونهُ قراطيس تُبدُونها وتُخفون كثيرا وعُلّمتُم ما لم تعلمُوا أنتُم ولا آباءكُم قُل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون )

والمقصُود هذهِ الحقيقة الرابعة في أن الإنسان إذا رأى النقص في غيرهُ من المخلوقين أو في نفسهِ رأى الكمال والعزة والجلال في ربهِ تبارك وتعالى .




ممّا يزيدُ المؤمن يقيناً بعظمة ربهِ :

رُؤياه لأفضال ربهِ على خلقهِ ذالك الفضلُ الخاص إن كُنّا حررنا في الأول الفضل العام بما حمل الله به الناس في البرّ والبحر يرى العبدُ فضل الله جل وعلا الخاص على بعض خلقهِ كيف أنّ الله جل وعلا اصطفاهم واجتباهم وما كان لهُم أبداً أن يصلوا إلى ما وصلوا إليهِ من العطاء ولن ينالوا هذهِ المنح الربانية والعطايا الإلهية إلا بفضل الله جل وعلا .

اختلف الناس في المسيح عيسى ابن مريم شرّقوا فيه وغرّبوا قالت فيه اليهود ما قالت ، وزعمت النصارى فيهِ ما زعمت قال الحقُ تبارك وتعالى عنه
( إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليهِ وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل )

فما المسيح إلا عبدٌُ لكنهُ قيد بأن الله جل وعلا انعم عليه فنعمة الله عليه هي التي جعلته آيةً لناس مُحتفىً به في السماوات العُلى وينزلُ في آخر الزمان هذهِ كُلها عطايا ربانية ومنحٍ إلهية والله يقول
( الله أعلم حيثُ يجعلُ رسالته )
يرى العبد ما أفاء الله على خليله إبراهيم وكيف كان إبراهيم عبدٍ مُجتبى وحبيباً مُصطفى ونبياً مُرتضى صلواتُ الله وسلامهُ عليه أثنى الله عليه حتى على ألسنة أعدائهِ وخُصومه ( ما كان إبراهيمُ يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مُسلما وما كان من المُشركين * إنّ أولى الناس بإبراهيم للذين أتبعوهُ وهذا النبي والذين أمنوا واللهُ وليُ المؤمنين ) كُلها آيات تدلُ على عظيم قدرهِ صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ .

قبل أن تُبحر في معرفة فضل إبراهيم وعلو منزلتهِ استبق إلى ذالك بأن تعلم أن الله جل وعلا هو الذي تفضل عليه ونظير هذا أن تنظُر فيمن أتاهُم الله القدرة فإذا رأيت عظيم قُدرتهم تأملت في حق قُدرة ربك جل وعلا .

قال الله جل وعلا على لسان نبيهِ سُليمان ( أيكُم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مُسلمين قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقويٌ أمين قال الذي عندهُ علمٌ من الكتاب ) سواءً كان إنسياً أو جنياً أو سُليمان أو غيرهم ( قال الذي عنهُ علمٌ من الكتاب أنا آتيك بهِ قبل أن يرتد إليك طرفُك فلّما رآهُ ) أي رأى سُليمان العرش (فلّما رآهُ مُستقرٍ عندهُ قال هذا من فضل ربي )

أيُها المُبارك :

إذا كانت قُدرةُ مخلوق أن يأتي بعرش بلقيس من أرض اليمن إلى أرض فلسطين فكيف بقُدرة الله جل جلاله .
هذا ممّا يقود العبد ويسُوقهُ إلى معرفة بعض العلم إلى ربهِ تبارك وتعالى ..

وعلى الجناب الآخر والنظير مثله يتأمل العبد لمن أهلكهُم الله من عصوه .من الأُمم الغابرة والأزمنة السابقة من نازعوا الله في ربُوبيتهِ وحاربوا أولياؤهُ وكذبوا رُسلهُ كيف أن الله جل وعلا أذاقهم ما أذاقهم ممّا يُدلّلوا على عظيم جبروتهِ وسُلطانه ( ولا تحسبن الله غافلٍ عمّا يعمل الظالمون إنّما يُؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار ) وليس هلاكُ عادٍ وثمود والمؤتفكات وغيرهم بخافٍ على أحد حتى يُحرّر ويُسطّر لكنّها كُلها تدلُ على عظمة الجليل العظيم الأجل تبارك وتعالى ..


من الطرائق التي يعلمُ بها العبد عظمة ربهِ :

أن يتأمل في كلامهِ جل وعلا ( قُل لأن اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثلهِ ولو كان بعضهِم لبعضٍ ظهيراً )
فالقرآنُ تحدى اللهُ بهِ بلاغة البُلغاء وفصاحة الفُصحاء .

قالوا إن أبي العلاء المعري الأديب اللغوي المعروف كان آية في الفهم والذكاء والحفظ يحفظُ أشعار العرب وكثيراً من مُفردات لُغتها وأيامها وتاريخها بدا لهُ لمّ وصل إلى هذهِ المرحلة أن يُنازع القرآن وأن يُنشىء قُرآناً يُباهي كلام الله فكتب أبياتً ختمها بقولهِ:
أن الموت لا يُبطىء والخُلد في الدُنيا لا يجوز ثم تذكر عظمة الله فتلا قول الله جل وعلا :
( إنّ في ذالك لآيةً لمن خاف عذاب الآخرة ذالك يومٌ مجموعٌ لهُ الناسُ وذالك يومٌ مشهود وما نُؤخّرهُ إلا لأجلٍ معدود يوم يأتي لا تكلّمُ نفسٌ إلا بإذنهِ فمنهُم شقيُ وسعيد )
فجثا على رُكبتيهِ وبكاء بُكاءً طويلاً ثم رفع رأسهُ وأخذ يقول : سُبحان من هذا كلامهُ سُبحان من تكلم بهذا في القدم.

وهذهِ شهادةٌ لها اعتبارُها لأنها جاءت من رجُلٍ يعلم حقائق اللُغة ودقائق البيان وأساليب الرعب في سبك كلامها اعترف بالعجز التام أمام كلام ربنا وتعالى وأصدق منهُ خبراً قولُ الله ( قُل لأن اجتمعت الأُنسُ والجنُ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثلهِ ولو كان بعضهُم لبعضٍ ظهيرا )

هذهِ أيُها المباركون جُملة من الطرائق ذكرنا بعضها ولا يتسعُ الوقت لذكر أخر منها ....



ونُعرجُ بعد هذا على الأمارات والعلامات التي يغلبُ على الظن فيما يظهرُ لناس وكلُ أحدٍ مسؤلٌ عن سريرتهِ فيما يغلبُ على الظن أنها تدلُ على أن العبد يعرفُ لله جل وعلا حق قدره أو شيءٍ عظيماً من ذالك كُلهِ .

أعظمُها :::

توحيدهُ تبارك وتعالى فإنّ من وحدّ الله فقد عرف قدره وتوحيدُ الله جل وعلا الحسنةُ التي ليس بعدها حسنة كما أن الشرك السيئةُ التي ليست بعدها سيئة ولا مصلحة بعد التوحيد ولا مفسدةَ بعد الشرك فمن وحد الرب تبارك وتعالى ولم يجعل للهِ نداً في قلبهِ فقد عظّم الله جل وعلا وقد عرف قدرة .
فالمخاطبون بقول الله جل وعلا (ما قدروا الله حق قدرهِ ) هم أُولئك الذي جعلُوا للهِ أنداداً ساووا تلك الأنداد بربهم تبارك وتعالى جعلُوا من لهُ الأمر كُله كمن لا يملكُ من الأمر شيء تعالى الله عمّا يقول الظالمون علواً كبيرا .




ثم تأتي بعد ذالك أُمورٌ لسلوك المرء في الحياة تدلُ على تعظيمه لربهم تبارك وتعالى ومنها على سبيل الإجمال والطريقة السردية لا الترتيب الأبجدي :

الوجل عند ذكر الرب تبارك وتعالى فإنّ وجل القلوب عند ذكر علاّم الغيوب من دلائل معرفة العبد بربهِ تبارك وتعالى وهذا كنهُ ما أثنى الله بهِ على عبادهِ الصالحين وأولياءه المُتقين في كتابهِ .
ذالك أن القلب إذا كان يجد مع محبة لذالك الذكر يفرحُ كُل الفرح ويُحبُ كل المحبة مجلساً يُعظم الله فيه ويُذكرُ الله فيه فإنّ ذكر الله حياةُ الضمائر وأُنسُ السرائر وأقوى الذخائر فالمؤمنُ إذا كان يجدُ في نفسهِ فكلُ امرئٍ حسيبُ نفسهِ يجدُ في نفسهِ حُب المجالس التي يُذكر الله فيها ويُحبُ أن يُعظّم الله ويُبجّل ويُحمد ويُثنى عليه جل وعلا بما هو أهلهُ مع وجلهِ وشوقهِ إلى ربهِ تبارك وتعالى إذا ذُكر الله هذا من القرائن والبراهين على أن ذالك العبد يُعظم الله رب العالمين ..



كما أن من قرائن تعظيم اللهِ جل وعلا ومعرفة قدرهِ:

أن يُقدم المرء ما قدّمهُ الله وأن يُعظم المرء ما عظّمهُ الله وأن يتحرّى الإنسانُ العمل فيما وصىّ اللهُ جل وعلا بهِ هذهِ هي القلُوب التي عرفت ربها حقاً فإذا كان الإنسان قد جعل في طريقهِ في مسلك حياتهِ في غدّوهِ ورواحهِ ومُخالطتهِ لناس يُعظّم من عظّم الله ويُبجّل من بجّل الله فيُعظّمُ المُصلين لأنهُ يرى فيهم القُرب من الله بصرف النظر عمّن هم ويأتي بالوصايا الإلهية فلا يُقدّمُ على والديهِ أحدا فإذا عظّم والديهِ لا يُعظّمهُما على أنهُما أبواه وإنّما يُعظّمهُما لأن الله جل وعلا وصى عليهما في كلامهِ لأن الله جل وعلا وصى عليهما في كلامهِ.
ثم يزدلف ويُطبّق عملياً ما وصى الله جل وعلا بهِ فيجعلُ للوالدة ما لا يجعلُ للوالد ولو كانت الوالدة أشدّ قسوةً عليهِ من والدهِ ولو كان والدهُ حفياً بهِ لكنّ أُمهُ لا تصلُ في حنانها عليهِ إلى والدهِ يطرّحوا ذالك جانباً ويُقدّمُ ما قدّم الله وقدّم رسُولهُ صلى الله عليه وسلم .

ثم هذا الأمر يظنّهُ البعضُ خطاباً عارضاً لكنّهُ قرينة خفيه على أنك تُعظّمُ ربك وأنت تصدرُ إليهما تذكر قولُ الله : ( وأخفض لهُما جناح الذُل من الرحمة ) فأنت لا تخفضُ جناحك لأنهُما كبيران وإنّما تخفضُ جناحك امتثالاً لأمر ربك تبارك وتعالى تزدلفُ إليهما وقبل أن تُخاطبهُما بخطابك تتذكر أن ربك الذي خلقك وصاك بهما ولو صنعت هذا الصنيع مع والديك ومع كُل أحد وفق شرع اللهِ وأخذت بوصايا الله فإنك لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تُطيع الله فيهِ إنك لن تغلب من عصى الله فيك بأعظم من أن تُطيع الله فيهِ فإنّ إتباع وصايا الله لا يقودُ إلا للفلاح .

لكن أين يكونُ الخطأ ؟؟
يدخلُ الشكُ في المرء في أن هذا الطريق ليس بصحيح فيبحث عن طرائق أُخر يبتدعُها هو قد لا تكون بدعةٌ بمعنى البدعة المحضة ولكنّها فراراٌ عن منهج اللهِ ويُطبقُ منهجه وهو يظنُ أنهُ سيصلُ إلى مقصُودةِ ولن تصل إلى مقصُودك الشرعي إلا بالطريق التي اختصها الله جل وعلا لك وهنا يتميز من هو واثقٌ من منهج اللهِ عمّن هو غيرُ واثقٍ من منهج الله فإذا خاطب الإنسانُ والديهِ مثلاً المرة بعد المرة وخفض لهُما الجناح ولم يتغيرا لجأ إلى طريقٍ آخر يقول هذان والدان لا ينفعُ معهُما مثلُ هذا الخطاب فيبحث عن طرائق أُخر كأنهُ يقولُ ولو لم يُصرّح ودون أن يفعل ذالك عمداً كأنهُ يقول دون أن يشعُر أنني سأخططُ منهجاً أفضل من منهج الله .

يتعاملُ الإنسانُ مع ولاة أمرهِ وقد وصّاهُ الله جل وعلا بطاعتهِم فإذا رأى هنةً هُنا أو هُناك غيّر طريقته و أراد أن يخرُج عن وضع السمع والطاعة بحُجة أنهُ يُريد الإصلاح و لا يُمكنُ أن يكون هناك إصلاحٌ حق على أي مستوٍ إلا بإتباع شرعِ اللهِ جل وعلا وهذا وأمثالهُ منازل يُختبر فيها الناس وليس الأمر مقصُوراً على طاعة ولاة الأمر والوالدين لكن في شتى شؤون حياتك مع خصمك مع عدوك مع رئيسك في العمل مع جارك في الحي مع كُل خلقهِ جعل الله وصايا لكُل أحد فالزم ما وصّى اللهُ جل وعلا بهِ تنل ما وعد اللهُ جل وعلا إياك ما وعدك الله إيـــــــــــــاه أمّا إذا خرجت عن طريق الله فلا تنتظر ما وعدك الله بهِ وقد خالفت طريقتهُ ومنهجهُ تبارك وتعالى .

قالُو إنّ أمير المؤمنين عُمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه مرّ على حائطٍ للأنصار ــ أي بُستان ـ وفيهِ رفاق شباب يشربون الخمر فتسلق السُور ودخل عليهم فقالوا يا أمير المؤمنين جئنا بواحدة شُرب الخمر وأنت جئت بثلاث :
تجسست والله قد نهى عن ذالك ،،
تسوّرت والله قد نهى عن ذالك ،،
لم تستأذن واللهُ قد نهى عن ذالك ،،
فعاد وهو يعلمُ خطأه لكنّهُ أكبر حُجتهم لأنهُم قارعوه بالقرآن .

قال حافظ :

وفتيةٍ أُولعوا بالراح وانتبذُوا
لهم مكانً وجدّوا في تعاطيها
ظهرت حائطهُم لمّا علمت بهم
والليلُ مُعتفرُ الأرجاء ساجيها
قالُوا مكانك قد جئنا بواحدةٍ
وجئتنا بثلاثٍ لا تُباليها
فأت البيوت من الأبواب يا عُمرُ
فقد يُذلُ من الحيطان آتيها
ولا تجسس فهذي الآيُ قد نزلت
بالنهي عنه فلم تذكُر نواهيها
فعُدت عنهُم وقد أكبرت حُجتهم
لمّا رأيت كتاب الله يُتليها
لوما أنفت وإن كانوا على حرجٍ
من أن يحُجك بالآيات عاصيها

إنّنا نُطأطئ رقابنا لأمر الله وأمر رسُولهِ صلى الله عليه وسلم فإن ذلّت رقابُنا لأحد فوالله ما ذلّــت إلا لأن الله أمرنا بهذا وإن امتنعنا عن شيء فلأن الله جل وعلا أمرنا أن نمتنع عنه هذا هو العبدُ الحق العبدُ الصالح العبدُ الذي يعرفُ عظمة أمر سيدهِ تبارك وتعالى خالقنا ومولانا لا رب لنا غيرهُ ولا إله سواه ...




من براهين تعظيم الله :
حُســــــــــــــــنُ الظن برب العالمين جل جلاله .

جاء في الأثر أن موسى عليه السلام سأل ربهُ يا رب إني أراهم يقولون يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فعلامّ خُصّ هؤلاء بأن ذُكرُوا معك فأوحى اللهُ جل وعلا إليه يا موسى أمّا إبراهيم فما خُيّر بين اثنين أنا أحدهُما إلا اختارني ،،،،
وأمّا إسحاق فقد جاد لي بنفسهِ وهو بغيرها أجود ،،،،،
وأمّا يعقوب فكُلّما ازددتهُ بلاءً ازداد حُسن طنٍ بي،،،،

ووالله من يعرفُ عظمة الله وسعة رحمتهِ لا يملكُ إلا خياراً أوحدا هو حُسن الظن برب العالمين جل جلالهُ .نحنُ نُذنب وليس لنا إلا الله يغفرُ ذنُوبنا ،،،،،،، نحنُ نُطيعُ الله بتوفيقهِ وليس لنا إلا الله يُثيبُنا على طاعتنا ولنا عيوب تلبّسنا بها وليس لنا إلا الله يسترُها فمن أحســــن الظن بربهِ تبارك وتعالى كان الله جل وعلا لهُ كظنّهِ بربهِ تبارك وتعالى ..
والمعنى كما جاء في الحديث "" أنا عند حُسن ظن عبدي بي أو أنا عند ظن عبدي بي فليظُنّ عبدي بي ما شاء ""
ومن عرف الله وسعةَ رحمتهِ لا يملكُ إلا أن يُحسن الظن بربهِ .
اجتمع أبناء يعقوب عليهِ شيخٌ كبير شابت لحيتُهُ واحدُودب ظهرهُ وعميت عيناه ومع ذالك يذكرُ يوسف ( فتولى عنهُم وقال يا آسفا على يوسف وابيضت عيناهُ من الحُزن فهو كظيم * قالوا تاالله أنك لفي ظلالك القديم ) تمرُ أقوام وأحداث إلى أن يقول الله جل وعلا عنهم ( قال إنّي لأجد ريح يُوسف لولا أن تُفنّدُون * قالوا تاالله أنك لفي ظلالك القديم * فلّما أن جاء البشير فالقاهُ على وجههِ فارتد بصيرا )ماذا قال لهم ؟؟
ذكرهم بحُسن ظنّهِ بربهِ قال الله ( قال ألم أقُل لكُم إني أعلمُ من الله ما لا تعلمون )

وإنّني أُخاطبُ كُل مُبتــــــــــــــــــــــلى والله إنّ الله أرحـــــــــــمُ بك من نفسك وأن الله جل وعلا قادرٌ على أن يغيثك وأن ما أنت فيهِ هو خيرةُ الله وخيرةُ الله لك خيرٌ من خيرتك لنفسك خيرةُ الله لك خيرٌ من خيرتك لنفسك ويحتاجُ المرء مع ذالك إلى أن يُكثر من ذكر الله ويُصّبر نفسهُ ويرى سير الأخيار والأبرار الذين صبرُوا على ابتلاء ربهم تبارك وتعالى ...


من القرائن الدّالة على أن العبد يعرف ربهُ ويعرف لهُ حق قدرهِ :
التذلُل وعدمُ التكبُر على الخلق قال الله لنبيهِ
( ولا تمشِ في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلُغ الجبال طولا كُل ذالك كان سيئهُ عند ربك مكروها )
يُحبُ الله من عبادهِ أن يتواضعُوا ولا يعلو أحدٌ على أحد مُتكأًً على نسبٍ أو مالٍ أو جاهٍ أو حسب وهذه دعاوى كُلاٌ يدعيها حتى إذا اختلط الناس بعضهُم ببعض تميز أُولئك الأخيار الأبرار الذين يعرفون أن ما هُم فيهِ نعمة من الله جل وعلا أنعم بها عليهم .
حتى الضلالة والهُدى ينظرون إلى أهل الضلالة نظرة من يُريد أن يُنقذهُم ممّا هُم فيهِ .
قال أحدُ الصالحين من السلف:

قد كُنتُ أعذرُ في السفاهة أهلها
فأعجب بما تأتي بهِ الأيامُ
فاليوم أعذرهم وأعلمُ أنما
سُبلُ الضلالةُ والهُدى أقسامُ

نختمُ أيُها المؤمنون بالشواهد عياذاً بالله على أن العبد لا يعرفُ قدر ربهِ عــــــــــــافانا الله وإيــــــــــــاكم من هذا البلاء :

أعظمُ ذالك :

الشركُ بالله فمن أشرك مع الله غيرهُ لم يعرف لههِ جل وعلا قدره البتة ولهذا حكم الله على هؤلاء بأنهُم خالدون في النار لا يُمكن أن يخرجُوا منها حتى إذا استسقُوا إنّما يُسقون ماءً حميما وعلى هذا فالشركُ باللهِ جل وعلا كما بيّنّا آنفا مفسدةٌ لا تعدلُها مفسدة رتب الله جل وعلا عليها أربعة أُمور : ــ اثنان في الدُنيا واثنان في الآخرة ــ
قال الله جل وعلا ( لا تجعل مع الله إلهً آخر فتقعُد مذموماً مخذولا ) هذا في الدُنيا .
وقال بعدها بآيات ( فلا تجعل مع الله إلهٍ آخر فتُلقى في جهنّم ملوماً مدحورا ) .
فهذهِ الأربعة رتبّها الله جل وعلا نكالاً على من أشرك بهِ .

فإذا انتهينا ممّن تلبس بالكُفر يأتي دونهم من عرف قدر الله من حيث الأصل ويأتي عُصاة المؤمنين الذين ما قدروا الله جل وعلا حق قدرهِ لكنّهم لم يخرجوا عن دائرة الإيمان ...



ومن القرائن على هذا نســــــــــــــــــأل الله لنا ولكــــــــــــم العافية سأقولها سرداً لا يستطيعُ الإنسانُ أن يذكُرها فُراداً :

قســـــــــــــــوةُ القلب .
تكبُر على الخلق .
البُعد عن قيام الليل .
بخسُ الناس حقوقهُم .
وظلمُ العباد وهذا تبعٌ للأول ، فبخسُ الناس حقوقهم وظلمهُم من أعظم الدلائل على أن العبد لا يعترف بسُلطان اللهِ جل وعلا عليه .
المُجاهرة بالمعاصي ، يقولُ اللهُ موبخاً من عصاه ( ألم يعلم بأن الله يره )
اليأس من رحمة الرب تبارك وتعالى .
القنوط من روحهِ جل وعلا .
هذهِ و أضرابها قُلت أعتذرُ عن التفصيل فيها تدلُ من حيث الإجمال على أن العبد ما عرف قدر ربهِ تبارك وتعالى ...

خاتمةُ المطاف أيُها المؤمنون :
كُلنا نملكُ أشياء لا يلبث أن تنفذ والله جل وعلا وحدهُ من لا تنفذ خزائنهُ والله جل وعلا وحدهُ من لا تنفذ خزائنهُ وحريٌ بعبدٍ نفذت خزائنهُ أن يسأل رباً لا تنفذ خزائنهُ .
الإلحاحُ على الله جل وعلا في الدُعاء وانقطاعُ العلائق إلى الرب الخالق جل جلالهُ وأن يجمع الإنسانُ شتات أمرهِ ويضعها بين يدي اللهِ وأن يفزع الإنسانُ إلى ربهِ في المُلمّات مع شُكرهِ تبارك وتعالى في حال السراء قرائنُ عظيمة على أن العبد يعرفُ ربهُ جل وعلا .

فالجوء إلى الله تبارك وتعالى واستغفارهُ وكثرةُ التوبة تُعين على طاعة الرب جل وعلا .

وهذهِ فائدةُ نختمُ بها :

ذكر القرطبيُ رحمه الله :
أن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم وأرضاهم اجتمعوا يتدارسون القرآن فقال الصديق رضي الله عنه وأرضاه لقد قرأتُ القرآن كُله من أولهِ إلى أخرهِ فلم أرى آيةً أرجى من قول الله ( قُل كلٌ يعملُ على شاكلتهِ ) ثم قال الصديق قال فإن شاكلة العبد العصيان ولا يُشاكلُ الرب إلا العُصاه أي أن الله جل وعلا حقيقٌ بهِ أن يغفر كما أن العبد عُرضة لأن يعصي الله جل وعلا ..
فقال عُمر رضي الله تعالى عنه لقد قرأتُ القرآن كلهُ من أولهِ إلى أخرهِ فلم أجد آيةً أرجا من قول الله ( حم * تنزيلُ الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب ) قال إن الله قدّم غُفران الذنوب على قبُول التوبة ...
قال عُثمان رضي الله عنه وأرضاه قرأتُ القرآن كلهُ من أولهِ إلى أخرهِ فلم أجد آيةً أرجا من قول الله تعالى ( نبىءعبادي أني أنا الغفُور الرحيم )وقال عليٌ رضي الله عنه وأرضاه و قرأتُ القرآن كُله فلم أجد آية أرجا من قول الله ( قُل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفُسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً )
قال القرطبيُ رحمه الله بعد أن حكى هذا الخبر والأقوال الأربعة قال : وأنا ــ أي القُرطبي ــ وأرجا آية في كتاب الله قول الله ( الذين أمنوا ولم يلبسُوا إيمانهُم بظلم أُولئك لهم الأمنُ وهو مهتدون )


هذا ما تيسر إيرادُهُ وأعان الله جل وعلا على قولهِ وأعتذرُ إن قصّرت وعفواً إن أطلت فما أردتُ إلا الخير ما استطعت
ما بقي من الوقت قبل الآذان وبعدهُ نُجيبُ على أسئلتكُم لأنهُ قد يكون في الأسئلة مطالب لم تفي بها المُحاضرة
سُبحان ربك رب العزة عمّا يصفون وسلامٌ على المُرسلين والحمدُ للهِ رب العالمين
****** جزا الله فضيلة الشيخ خير الجزاء ******
أمّا الأسئلة الموجة لفضيلة الشيخ :


فيقول السائل لا حرمكُم الأجر كيف لي أن أُعلّق قلبي بخالق الخلق سُبحانه وأترُكُ الخلق ؟

نحنُ ذكرنا نُتفً منهُ في المُحاضرة والإجابة عنه قد تطول لكن ازدد علماً بالله تجد نفسك لا تزدادُ تعلُقاً إلا بالله ازدد علماً بالله تجد نفسك لا تزدادُ تعلُقاً إلا بالله .

نعم



يقول أنا شابٌ أُذنب وأتوب وفي كل توبةٍ أُعاهد الله على أن لا أعود إلى هذا الذنب مرةً أُخرى ولكن سُرعان ما أعود إليهِ ثم أتوب منه مع العزم على عدم العودة إليهِ ومع ذالك أعود إلى ذنبٍ أول
سؤالي يا شيخ أخشى أن أكون قد أخلفتُ عهد الله فأكون ممّن قال الله فيهم ( فأعقبهُم نفاقاً في قلُوبهم إلى يوم يلقونه ) فماذا علي أن أفعل وهل رجوعي وعودتي إلى نفس الذنب مع مُعاهدتي لله عز وجل على عدم العودة يعني أن الله قد أعطاني فُرص للتوبة وأنا لم أستغلها فكان العقابُ من الله لي بالإمساكُ بهذا الذنب ؟

الجواب فيه تفصيل أما أن تكون ممّن قال الله فيهم ( فأعقبهُم نفاقاً في قلُوبهم إلى يوم يلقونه ) فأرجوا الله أن لا تكون لا نحنُ ولا أنت منهم نسأل الله لنا ولك العافية.
أما قضية الأمر نفسهُ فهذا يُنظر فيه أصلُ المرء إذا أذنب ليس لهُ إلا أن يستغفر قال الله ( والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفُسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ) .
والأمر الثاني أن تحاول أن تنسى هذا العمل فقد يتلبس الإنسان بمعصية لا يستطيع الإنفكاك عنها من قريب وثمّة طرائق أُخرى لإقصائها وهو أن يُكثر من العمل الصالح وأن يأتي بأعمال صالحة تُرقق القلب قال الله ( إنّ الحسنات يُذهبن السيئات ) وأن يحرص على برّ الوالدة على وجه الخصوص فهي من أسباب التوفيق هذا وجود انكسار في القلب هذا كلهُ بإذن الله يُعينك ولو بعد حين على التخلُص من تلك المعصية نسأل الله أن يهدينا وإياك سواء السبيل وأن يُثبتنا عليه..



يقول أحسن الله إليكُم أُبتليتُ بأن تعلّقتُ بشابٍ مثلي وفقدتُ بذالك السيطرة على قلبي حتى أني أُشغل بالتفكير فيه حتى في الصلاة وحتى في قراءة القرآن فضيلة الشيخ إني أكتُب هذه الكلمات وبي من الندم والحسرة على خسارة أعظمُ لذةً كُنتُ أحسبُ أني أجدُها لذة الطاعة شيخي هلاّ دللتني وفقك الله على شيءٍ أتشبث به حتى ينجلي هذا الأمر ؟

إنّا لله وإنّا إليه راجعون قُل إنّا لله وإنّا إليه راجعون
لا توجد مُصيبة أعظم من أن يتعلّق قلب العبد بغير الله على هذا من ابتُلي بشيءٍ من هذا فليقُل بقلبٍ صادق إنّا لله وإنّا إليهِ راجعون لأن الله يقول ( والذين إذا أصابتُه مُصيبةٌ قالوا إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون أُولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمه ) وقل اللهم أجرني في مُصبتي وعوضني خيراً منها والله إنّ فقد الأولاد والأموال والزوجة والوالدين لا يعدل فقد الإنسان قلبهُ في أن يتعلّق قلبهُ بغير الرب تبارك وتعالى لكن لا نُريد أن نُقّرعك ونُكثر عليك اللوم فثمّةً طرائق قد لا يحسُنُ نشرُها على الملأ فلو استطعت أن تتصل بنا هاتفياً أو بغيرنا ممّن تظُنّ به الفضل يُرشدوك إلى طرائق لأن هذهِ قضية عين قضية فرديه وقد يكون فيك مكامن قوة في الصلاح والإيمان لو استُغلّت جيداُ يُعينك الله بها على أن لا يتعلّق قلبُك بغير الله جل وعلا .

نعم



يقول أحسن الله إليكم شخصٌ يحفظ القرآن كاملاً وكان يرُاجعه ثم إنه لم يُراجعهُ حتى الآن منذُ سبع سنين فماذا تُوصيهِ علماًُ أنه قد نسي ؟


يُراجع القرآن يُحاول أن يجعل لنفسهِ جدولاً ويراجع فيه كلام ربه تبارك وتعالى إنسان يحفظ القرآن ثم يتركهُ لا يُترك أي شيء إلا لشيء أحسن منه فهذا الذي كان يحفظ القرآن ثم تركه لأي شيءٍ ذهب لا يوجد فنسأل الله جل وعلا أن يُعيدهُ إلى صراطه المُستقيم وأن يمُّن عليه بمراجعة القرآن .



أحسن الله إليكم يقول ورد في قول أحد الصحابة أنهُ قال كُنّا نتعلم الإيمان قبل القرآن فماذا يقصد بالإيمان ؟

نعم الإيمان هنا معرفة الله تبارك وتعالى وتعظيمه محبتهُ الخوف منه والرجاء فيه هذا كلهُ من دلائل الإيمان ثم يتعلّمون القرآن المقصُود به هنا الأحكام الشرعية لأن الإنسان إذا كان مُؤمناً حقاً سهُل عليه أن يعمل بتلك الأحكام أمّا إن كان يعلم تُلك الأحكام ويعرفُها ولا يُوجد إيمانٌ ولا علمٌ بالرب تبارك وتعالى فإنهُ لن يجد في نفسهِ باعثاً إلى أن يعمل بتلك الأحكام .



يقول كيف يُنمّي الإنسان في قلبهِ الأعمال القلبية كالتوكل والخشية والإخلاص وغيرها ؟

يختلف بعضُها بسؤال الله جل وعلا وبعضُها بمُدارستها بعضُ آيات القرآن التي فيها أعمال القلوب مع مشايخهِ أو أهل العلم في هذا الشأن وبعضُها بمحاولة التأمُل في الواقع وأحوال الناس وربط ذالك بآيات الكتاب المُبين هذا كُلهُ ممّا يُعينهُ على أن يُخلص قلبهُ النية لربه تبارك وتعالى وتعظم أعمال القلوب في قلبه .



أحسن الله إليكم يقول يستدلُ بعضُ القُبُوريين بأن الولي لهُ القُدرة على الخلق مُستدلاً بقوله ( تبارك الله أحسن الخالقين ) بأنّ الله أثبت عدة خالقين فما هو الرد على هذه الشُبهة ؟

لا أحد أبداً يخلقُ إلا الله ( هل من خالقٍ غيرُ الله ) استفهام استنكاري أي لا أحد يخلقُ غير الله هذا أمرٌ أجمع الناسُ عليه حتى عبدة الأوثان وكُفّار قريش لم يكُن يقولوا أن أحداً يخلقُ غير الله.
قال الله تبارك وتعالى عنهم ( أم خُلقُوا من غير شيءٍ أم هُم الخالقون )



أحسن الله إليكم جاءت أسئلة كثيرة كُلها تسأل كيف يجد الإنسان رقة قلبهِ عند قراءة القرآن ؟

الباب الأول : اليقين أنهُ كلام الله من قرأهُ وهو يعلم أنهُ كلام الله حقاً وكُلنا يعلم ذالك لكن كُلّما ازداد الإنسانُ علماً بأن هذا كلامُ الرب تبارك وتعالى كان أقرب إلى أن يرقّ قلبهُ إذا قرأ آيات القرآن .



أحسن الله إليكم يقول امرأةً تُؤخر الصلوات عن وقتها وتُصلي هذي الصلاة في آخر الليل وأيضاً تُؤخر الغُسل لمُدة يومين وقد قمتُ بنُصحها فغضبت وطالبت بالطلاق فما الحل في ذالك مع العلم أنها قد قرأت بعض الكُتب في سوء المعصية إلى آخره ؟

هذهِ قضيةٌ فردية الأصلُ أنها تُطلّق لكن كما قُلت لا أستطيع أن أحكُم دون أن لأنها قضية بين اثنين ومثل هذا لو كان اتصل بمشايخٍ فُضلاء في الرياض الشيخ عبد الله الجبرين ، الشيخ عبد الكريم الخضير وأمثالهُما من أساطير العلم في هذه المدينة المُباركة يجد عندهم جواباً شافياً بس لا يكون في مسجد عام إنّما يذهب إليهما أو إلى أحدهما أو إلى غيرهما من أمثالهما فيجلس معه ويوضح لهُ الأمر بالكُلية وسيجد عندهما من العلم والرأي والمشورة ما ينفعهُ الله جل وعلا به .




جاءت أيضاً أسئلة كثيرة تسأل عن السبيل إلى قيام الليل ؟

التخفيف من الأوزار في النهار يُعين على الوقوف بين يدي الواحد القهّار في الليل .كان بعضُ مشايخُنا يمشي في الطريق يذهب إلى الحرم ماشياً فلحقهُ أحدُ طلبة العلم وهذا الشيخ متّع الله به اسمهُ عبد الله عُمر في الستين من عمره وهو ذاهب إلى الحرم سألهُ أحدُ الناس يا شيخ كيف أحفظُ القرآن كيف أكونُ مُجيداً لحفظ القرآن ؟ فقال الشيخ وفقهُ الله قال قُم بهِ في الليل تحفظه أعظم طريق لتدبُر القرآن وحفظهِ وبقاءهِ في الصدر أن يقوم الإنسان به في الليل .

ومّما يُعينُ على قيام الليل مسألة أن الإنسان يتخفف من الذنوب والمعاصي في نهاره بل يترُكها بالكُلية لكن الذنوب ثقل كلّما خفف الإنسانُ منها قدُر على أن يقف بين يدي ربهِ جل وعلا في فلق الأسحار والناس في هذا يتفاوتون تفاوتاً كثيرا والمهم حضور القلب وأن يكون الإنسان يشعُر بذنبهِ ومعصيته وانكسارهِ بين يدي خالقه ويُلّح على ربهِ في الدُعاء ويسأل الله جل وعلا في تلك الساعات من فضلهِ ويتقرّب إليه تبارك وتعالى أن يرحمهُ هذا كلهُ بإذن الله إذا وجد ولو يسيراً منهُ في الليل كان الإنسانُ على خير عظيم وصراطٍ مًستقيم

يقول أحسن اللهُ إليكم أنا شابٌ مُلتزم ومكثتُ أكثر من شهرٍ لا أُصلي الفجر في المسجد وأندم على ذالك أشدُ الندم ثم أرجعُ على ما أنا عليه فما هو الحل ؟

الندم وحدهُ لا يكفي وإن كان مطلوباً لكن كما قُلت هذهِ الأسئلة أكثرُها قضايا فردية لابُد أن هناك خلل ما عقوق والده يحرمك من خيرٍ عظيم مُعاملتك لأجير من يغسلُ لك سيارتك والله تأخير الراتب شهر واحد عشرة أيام ينعكس عليك ينعكس على علاقتك بربك تبارك وتعالى والله تبارك وتعالى حكمٌ عدل وقد وضع طرائق تدلُ إليهِ وتُرشد إليه تبارك وتعالى فالمرء إذا كان يعلمُ قُدرة الله عليهِ خاف فيمن جعلهُم الله جل وعلا بين يديهِ .

قُلنا مراراً في تفسيرنا للقرآن الله يقول ( يوم يفر المرء من أخيهِ وأُمهِ ,ابيهِ وصاحبتهِ و بنيهِ لكُل امرئٍ منهُم يوم إذاٍ شأنٌ يُغنيهِ )
تأتي الأسئلة تقول لماذا قدّم الله الأخ لماذا أخّر الله الأُم لماذا قدّم ؟؟؟
هذا ليس سؤالاً في مكانهِ لكن السؤال الذي في مكانهِ؟ لماذا يفر المرء من هؤلاء كلهم يوم القيامة حُكم عدل يوم ميزان يوم يقتصُ لكُل صاحب مظلمة والإنسانُ غالباً يظلمُ من يظلم من يحتك بهم كثيراً زوجتهُ أولادهُ أبويهِ عاملهُ خادمهُ من يعمل عندهُ في الدار الأجير هؤلاء الذي تُخالطهُم وتُعاملهُم ينشأ عنك بينك وبينهم مظلمة ....
مثلاً هذا يزيد يسكُن في الرياض وأنا أسكُن في المديــــــــــــــــــــنة لا يوجد معاملة بيني وبينه لأجل هذا إذا رأيتهُ يوم القيامة لا أخشى منه ولا يخشى مني لأني لا أتذكرُ أن هُناك معاملةً بيني وبينهُ أكون قد ظلمتهُ فأفرّ.
لكنّ الإنسان إذا رأى قرابتهُ وأهل بيتهُ ومن يخالطونه يفرّ خوفاً من أن يُطالبهُ بحقوقٍ ضيعُوها فيأتي المرء وقد ظلم أجيرهُ وقد ظلم خادمتهُ وأطلق لسانهُ على جاره أو قال في أحدٍ ما ليس فيهِ أو خصم من رجُلٍ ظلماً أو استغّل وظيفتهُ فرشى أو ارتشى ثم يأتي إلى المسجد فيقول الإمام قرأتهُ لا تجلب الخشوع هذا الإمام يحتاج تغيير هذا هــذا المسجد هذا هــذا والسرّ والقضية ليست قضية إيمان وليست قضية مسجد مُضاء أو مُكيف القضية قضية قلب القرآن هو القرآن لكنّ لمّا يأتي إنسان لا يعمل بالقرآن لا ينتظر أبداً أن يخشع عند قراءة القرآن لكن من يعمل بالقرآن يُكرمهُ الله جل وعلا ولا مُلزم على الله يُكرمه الله بأن يخشع إذا قرأ القرآن يُعظّم القرآن كتعظيم كما ذكرنا في خبر عمر إن الإنسان يأخذُوا آيات الله فيُعظمُها ويترُك رأيهُ وهواه ويدر رقبتهُ لأوامر الله ورسولهِ صلى الله عليه وسلم .

زيدُ ابن حارثة كان متزوج من زينب بنت جحش والإنسان لا يجدُ أحد يخالطهُ ويحتكُ بهِ وتنفعُ بينهم الكلفة بين الزوجة فلما طلقها في القصة المعروفة أمرهُ النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب ـ أي زيدُ ـ ليخطُب زينب له ـ أي لنبي عليه الصلاة والسلام ـ يقول زيدٌ فذهبتُ إليها فوجدتُها تُخمّرُ عجينتها فلّما رأيتُها استعظمتُها وهي زوجتهُ سبق أن عاشرها و ضاجعها على فراشٍ واحد ومع ذالك وقعت في قلبهِ موقعً عظيمً قال لماذا قال لأنني علمتُ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فأدار لها ظهره وأصبح يُكلمها وهو يُلقّيها ظهره ولم يكتفي بأن تتحجب وتتخمّر وأن تختمر أن سمعت أنه موجود كل ذالك تعظيماً لأمر الله وتعظيماً لأمر رسولهِ صلى الله عليه وسلم .
ثم حاول أيها المُبارك أن تُصاحب عملك استشعاراً للجزاء قبل أن تُعطي من عمل أجيراً عندك وأنت تمشي إليه قبل أن تُخرج المبلغ الذي اتفقتما عليه تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أعطُوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه )

قبل أن تُوقف سيارتك في موقف جارك تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يُؤمن من لا يأمن جارهُ بوائقه "
هذا وأمثالهُ طبّقهُ في حياتك اليومية تدخُل المسجد تقفُ بين يدي الله يرزُقك الله جل وعلا طرائق القُربى من لدُنه لأنك عظّمت أمرهُ في النهار فيرزُقك الله جل وعلا حظاً عظيماً في الوقوف بين يديه في الليل .


يقول السائل أحسن الله إليكم أنا شابٌ في بداية التزام فبماذا تنصحُونني كما أردتُ من فضيلتكُم الدُعاء بالثبات على الهداية ؟

الزم قراءة القرآن وصُحبة الصالحين والترُدد على المساجد نســـــــــــــــأل الله أن يُثبتنا وإيـــــــاك على هذا .



يقول شيخي الفاضل أنا شابٌ مُلتزم ولكن قد لا أستطيعُ السيطرة على نفسي في الخلوات ؟

اتقِ الله ما استطعت لكن لو وقعت في خطأ لا يدفعّنك هذا إلى ترك الطاعات ينبغي أن يُراقب الله جل وعلا جلياً جليلاً في الخلوات وهذا أمرٌ عظيم عظّمهُ الله لكن لو وقعت منك خطيئة أو معصية لا تمنعنّك من إتيان الطاعات والبقاء على ما أنت فيه علّ الله جل وعلا أن يدفع بالأثر الناجم عن الطاعة تلك المعصية ويتوب عليك .



أحسن الله إليكم يقول ما الفائدة المرجوّة من التأمُل في أحوال السلف الصالح مع أنّنا قد لا نستطيع القيام بما قاموا بهِ ؟

تشبهُوا إن لم تكونوا مثلهم
إنّ التشبُه بالكرام فلاحُ

هذا الرأي مما تُشحذ به الهمم ينظُر الإنسان في أحوال أهل الخير ولهذا قصّ الله جل وعلا على نبيه صلى الله عليه وسلم كثيراً من أخبار الأنبياء والرُسُل قبله وقال جل ذكرهُ وتبارك اسمهُ ( أُولئك الذين هدى الله فبهُداهُم اقتده )
فالتأمُل في سيرة السلف الصالح والأنبياء والمُرسلين في المقام الأول ومن أثنى الله عليهم في كتابه من غير الأنبياء والمُرسلين كل ذالك ينجمُ عنهُ أثرٌ جم وخيرٌ عظيم .



أحسن الله إليكم يقول بالأمس حدث خسوفاً للقمر فهل يدُل حدوث الخسوف على عدم رضا الله عز وجل على عبادهِ ؟

لا يلزم من هذا لكن هذا ابتلاء من الله تبارك وتعالى أن يُسارع الناس للخيرات يُسابق الناس في الطاعات والله يقول وهذا من دلائل معرفة قدر الله جل وعلا وقد فاتنا أن نُنبّه عليها أن الناس يتفاوتون في النظر إلى مثل هذا الخسوف أو الكسُوف إذا وقع لكن من عرف أن هذهِ الأمور مُسيّره بقُدرة الرب تبارك وتعالى الله يقول ( وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وأتينا ثمود الناقة مُبصرة فظلموا بها وما نُرسلُ بالآيات إلا تخويفا وإذ قُلنا لك إنّ ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرُؤيا التي أريناك إلا فتنةً لناس والشجرة الملعونة في القرآن ونُخوّفهُم فما يزيدهُم إلا طُغيناً كبيرا )
يرى العاقل الخسوف ويقرأ قول الله جل وعلا ( ونُخّوفهم فما يزيدهُم إلا طُغياناً كبيرا ) ويأخُذ قول النبي صلى الله عليه وسلم " أنهُما آيتان يُخّوف اللهُ بهما عباده " فيحاول أن يكسر قلبهُ في ذالك الحين فراراً ممّن يكون ممّن قال الله فيهم ( ونُخّوفهم فما يزيدهُم إلا طُغياناً كبيرا ) نســـــــــــــــــــــأل الله لنا ولكم العافية .


أحسن الله إليكم يقول أرجوا من فضيلتكُم أن تُبين لنا معنى قولهُ تعالى ( وما أتاكم الرسول فخذُوهُ وما نهاكُم عنهُ فانتهُوا ) فإنّ كثيراً من الناس لا يُطبق السُنة في كثيرٍ من أحوله ؟

الآية هذهِ عامة قال العُلماء جمع اللهُ السُنة كُلها في آيةٍ واحدة ( وما أتاكم الرسول فخذُوهُ وما نهاكُم عنهُ فانتهُوا )
فما نهى الله عنه يُنتهى عنه بالكُلية أمّا ما أمر الله به فيُنظر ما أتانا الرسُول صلى الله عليه وسلم بهِ فيُنظر فبعضهُ فعلهُ على صيغ الوجوب وبعضهُ فعلهُ على صيغ السُنن وبعضهُ دلّت السُنة على أنهُ كراهةً تنزيه فيُعامل كُل حدثٍ بعينهِ أما الآية نفسُها فليس فيها دليلٌ تفصيلي وهذا من الأخطاء في فهم القرآن مُحاكمة الناس على أشياء الأصل فيها عدم فقه القائل بالدليل نســـــــــال الله العافية .


أحسن الله إليكم يقول ولله الحمد كما ترى في هذا المسجد وغيرها مُستقيمون كُثر هل من كلمةٍ في رفع الهمّةٍ لدعوةِ إلى الله جل وعلا لإصلاح الناس بعد إصلاح أنفُسهم ؟

من أراد أن يعرف أين مقامهُ عند الله فلينظُر فيما أستعملهُ الله جل وعلا فيهِ .
وإنّ من أعظم ما يُمكن أن يدّخرهُ المرءُ لنفسهِ بعد وفاتهِ لحظات يُعرّف العباد فيهم بربهِم تبارك وتعالى إن دخلت مجلساً أو أتيت قوماً أو زُرت أحداً فلا يكُن همُك شيء أعظم من أن تُحبّبهُم في ربهم تبارك وتعالى أن يخرُج الناس بعد أن يخرُج من لقيتهُ بعد أن التقى بك وقد ازداد حُباً وتعظيماً وإجلالاً لله لا أن يقول إنك طليقُ اللسان قوي البيان لديك معلومات تفقهُ في علم كذا هذا كلهُ لا ينبغي أن يكون مقصُوداً ولو جاء تابعاً لا تلتفت إليه لكن المُهم أن يُعظّم الله جل وعلا على لسانك فيُعظّموا الناس ربهُم تبارك وتعالى على يديك والإنسان إذا أدرك هذا المُبتغى سعى في الدعوة إلى الله وكفى بقول الله ( ومن أحسنُ قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنّني من المُسلمين )



أحسن الله إليكم يقول إذا كانت الدعوة إلى الله تستلزم الاختلاط بغير المُلتزمين مما يُؤدي إلى ضعف إيمانهُم فهل أفضل اختلط بهم أم اتركهُم ؟

كلمة الاختلاط تختلف فلا ينبغي مُخالطتهُم أكلاً وشُرباً وغدُواً وروحاً هذا لا يُعقل لكن إذا كان الاختلاط عارض ينجُم فيه الدعوة الكلمة الطيبة مُشاركتهُم أفراحهم الوقوف معهم في أحزانهم هذا أمرٌ محمود ويختلف الناس علاقتهُ بأبويه علاقتهُ بجيرانهِ علاقتهُ بمن يسكُنُ عمارته علاقتهُ بأقربائهِ كلُ فريقٌ من هؤلاء لهُ حقٌ مخصوص ومُحدد شرعاً ينبغي أن يُنظر إلى الأمر بجدية تُرجح المصالح وتُبعد المفاسد .


أحسن الله إليكم يقول ما نصيحتكُم لمن يأتي إلى المُحاضرات مُبكراً حرصاً من القُرب من الشيخ ولكن إذا جاءت الصلوات فرُبما لا يأتي إلا والإمام في التشهُد ؟

هو يُحمد على الأول إنهُ أتى مُبكراً الباطل لا يمنع قبول الحق كونهُ يأتي للمُحاضرات مُبكراً هذا أمرٌ محمود وأما إتيانه لصلاة مُتأخراً فلا شك أنهُ غيرُ محمود فنقول لهُ كما أتيت للمُحاضرات مُبكراً فإن القدُوم إلى الصلاة أعظم وأجلّ بلا شك فإن المُنافسة على الصف الأول ممّا رغّب النبي صلى الله عليه وسلم فيه فابقِ على الحظ الأول وازدد إليه الحظ الثاني فإنهُ أولى وأحرى .




أحسن الله إليكم يقول ما هي نصيحتكُم لطالب العلم في اقتناء أفضل التفاسير ؟

هذا يختلف بحسب منزلتهِ الآن أنا لا أدري السائل هل قرأ شيئاً لم يقرأ شيئاً ماذا قرأ ميُولهُ لغوية تاريخية عقدية يختلف لكن عموماً يختارُ الإنسان كل من الكتُب متنوعة الأساليب في التفسير ثم يحاول أن يُكثر من القراءة فيها كثيراً حتى يصل إلى مرحلةٍ ما تُهيأ لهُ بعد ذالك أن يقرأ أكثر فأكثر وقُلت مثل هذهِ الإجابات تصعُب لأننا نتكلمُ عن حالٍ فردية والناس تتفاوت قُدراتهُم تفاوتاً كبيراً ...


أحسن الله إليكم يقول قدّم الله السمع على البصر في كثير من الآيات إن في سورة السجدة حين ذكر نكوس رؤوس المشركين قالوا ( أبصرنا وسمعنا ) ؟

نعم هذهِ مسألة يتدارسها العُلماء وإنني قائلٌ إن الإنسان في مسألة السمع يُمكنُ للإنسان أن يسمع ما لا يرغب أما البصر فالغالب أنهُ لا يرى إلا ما يرغبهُ فأنت تستطيع أن تُحدد بصرك فلا ترى إلا شي تُريده .
تُريد أن تُبصر هذا العمود مثلاً ولا تُريد أن تنظُر إلى هذا هـذا أمرٌ مقدورٌ عليه لكن بالنسبة لسمع فأنت كُل ما حولك تسمعهُ ولهذا قالوا قدّم الله جل وعلا السمع وأفردهُ أكثر من البصر .
وأما قول ما ذكره الله جل وعلا على لسان أهل الإشراك فإنهُم كانوا يسمعون النقل وهو القرآن ولا يُؤمنوا بهِ وجاء في القرآن ( وكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليوم حديد ) فإذا جاء يوم القيامة ما كانوا يسمعون عنه رأوهُ بماذا رأوهُ بأعيُنهم وهُنا يُقدّمون البصر ( قالوا ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنّا موقنون ).

نعم .


أحسن الله إليكم يقول أو هذا سؤال من النساء تقول ما حُكم لبس البنجابي الفضفاض ؟

أسئلوا غيري إذا كان في البيت لا حرج مع والدتها وأخواتها فلا حرج فيه إن شاء الله أما المجامع العامة فتختلف .



أحسن الله إليكم يقول إذا كان ولدي لا يُصلي إلا الجُمع فماذا أفعل معهُ وهو كبير ؟

هذا ولدُك تُحاول نُصحهُ وإرشادهُ محاولة التأثير عليه تدُل عليه من لهُ كلمة عنده بأن يدعونهُ إلى صراط الله المستقيم .
أســــأل الله بأسمائه الحُسنى وصفاتهِ العُلى أن يهدي لك ابنك .


بعضٌ من الشباب الذين ظاهرهم الصلاح نراهم أو نسمع عنهم أنهم من أسوء الناس أخلاقاً مع زوجاتهم ومع أهليهم فما نصيحتكم لهؤلاء ؟

إن شاء الله يكون هذا لو وُجد يوجد قليل لكن كما قُلنا تعظيمُ الأمر النبوي " خيركُم خــيركُم لأهلهِ " إذا تكلّمنا بلُغة الناس ليس محموداً أن يُظهر الإنسانُ رُجُلتهُ على امرأة ليس منّا يُفرح بهِ ولا يدلُ على قوة شخصية ولا على علو قدر النبي صلى اله علية وسلم تظاهر عليه نساؤه تهابهُ أعدائهُ ويتظاهر عليه نساؤه فقال صلى الله عليه وسلم اعتزل في مشربه شهراً كاملاً قبل أن تأتي آية التخيير ( إن كُنتنُ تُردن الحياة الدُنيا وزينتها ) فلّما أعتزلهم صلى الله عليه وسلم وقد البيت في ختام تسعه وعشرين يوم قابلتهُ عائشة رضي الله عنها وأرضاها المرأة أصلاً تجد في نفسها دلالٌ على زوجها خاصةً إذا كانت تثق بعقلهِ فلّما عاد بدل أن تُظهر فرحتها بهِ قالت باقي يوم يعني أنت جيت بدري فقال صلى الله عليه وسلم إن الشهر يكونُ تسعةً وعشرين ويكونُ ........

الجمل
17-08-2009, 08:18 AM
جزاكم الله خيرا

مريم العلي
17-08-2009, 08:20 AM
~~~ وكن مع الشاكرين ~~~



الحمد لله الواحد الأحد الفرد الذي لم يلد ولم يولد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وسع الخلائق خبره ولم يسع الناس غيره يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أنتهى إليه بصره من خلقه وأشهد أن محمد عبده المجتبى ونبيه المصطفى ورسوله المرتضى بعثه على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب هدى به من الضلاله وعلم به من الجهاله وأغنى به من العيله وكثر به من القله خير مبعوث إلى خير أمة صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك مسلكهم وأقتفى أثرهم وأتبع نهجهم وسلك مسلكهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد .....

أيها المؤمنون والمؤمنات



أيها الأحبة .. هذه الليلة الآيه الكريمة التي نتناولها أو ستكون محور درسنا قول الحي القيوم تباركة أسمائه وجل ثناؤه لكليمه موسى ( وكن من الشاكرين ) وهذه الآيه جاءت خاتمة آية في سورة الأعراف بعد أن ذكر الله فيها مجمل نبئ نبيه وكليمة ورسوله ومصطفاة موسى ابن عمران مع فرعون . ثم ألاء الله على هذا النبي الكريم نبي الله موسى أحد أولي العزم من الرسل نشاء في قصر فرعون وفرعون يريد أن يقتله فكانت إرادة الله أن ينشاء في بيته دون أن يعلم عنه شياء ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) ثم ترعرع في شرفات ذلك القصر حتى كان منه قتل ذلك الرجل القبطي ثم كان أن خرج بعد أن علم بالمؤمرة عليه إلى أرض مدين فمكث بجوار ذلك العبد الصالح عشر سنين يرعى الغنم على عفة فرجه وإشباع بطنة ثم علمه الله جل وعلى أول الأمر عند جبل الطور ونباءه وأرسله إلى فرعون وملئه وعضده بأخية هارون عليهما جميعاً الصلاة والسلام ثم أتى موسى إلى فرعون وذكره الله الدار الأخرة وقبل مسألة المجادلة ويوم الزينة وإظهار السحر حتى أظهره الله دينه ووقع الحق وبطل ماكانوا يعملون فخرج موسى بأمر ربه مسرياً بقومه في ظلمات الليل وأتبعهم فرعون وجنوده عدواً وكمداً وبغيا حتى نجاه الله جل وعلى وأغرق فرعون ثم أتاه الله جل وعلى التوراة فيها تفصيل كل شي بين له فيها الحلال والحرام وجعلها موعظة للأنام ثم بعد هذا كله وعده الله جل وعلى ثلاثين ليلة فصامها صلوات الله وسلامه عليه وهي عند أهل العلم على ما يظهر شهر ذي القعده ثم بعد ذلك في أخر ليله لما مسه الجوع أخذ يلوك لحاء الشجر فزادها الله عليه عشر ليالٍ ليتم الميقات الرباني أربعين ليلة وأوصى نبي الله موسى أخاه هارون أن يمكث في قومه نيابةً عنه قال الله جل وعلى ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ( مدة ثانية غير الأولى ) وأتاه الله جل وعلى هذا المقام العظيم وهو مقام التكليم والنفوس جبلت على أنها إذا أنزلت موضعاً رفيعاً أن تطلب ماهو أعلى منه طبع عليه الصلاة والسلام ورغب وله الحق أن يرغب طمع في مقام الرؤية ( قال ربِّ أرني أنظر إليك ) فكان الجواب الإلهي له ( قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلَّى ربُّه للجبل جعله دكّاًً وخرَّ موسى صَعِِقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) تبت إليك سبحانك تنزيهن وتعظيماً وإجلالاً لله الحي القيوم تبت إليك أن أسألك تارتاً أخرى أن أراك وأنا أول المؤمنين أي أول المؤمنين بأنه لايراك أحداً في الدنيا وفي الآيه معنى ظاهر على عظمة الجبار جل جلاله و أن الله جل وعلى لاتدركه الأبصار ولا تحيط به الظنون ولا يصفه الواصفون ولاتراه في الدنيا العيون

ولكن المؤمنين يرون ربهم في الجنه كما جاء ذلك مصرحاً به في صريح القرآن وفي صحيح السنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم فلماء أفاء الله على موسى بهذه النعمه العظيمه قال ( ياموسى إني أصطفيتك ) أي أخترتك وأجتبيتك على الناس أي أهل عصرك لأن إبراهيم أفضل من موسى على الصحيح وأصطفاه الله على الناس الذين قبل موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أفضل من موسى وأصطفاه الله جل وعلى على من قبل موسى وأثناء موسى وبعد موسى أما موسى عليه الصلاة والسلام فإن الله إصطفاه على أهل عصره قال يا موسى إني أصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فلما بين له نعمه عليه قال له فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين
وقول ربنا جل وعلى ( وكن من الشاكرين ) وهو محور حديثنا هذه الليله نسأل الله جل وعلى العون والتوفيق والإخلاص و السداد

أيها المؤمنون :ـ

إن الشكر نعمة من الله عظيمة لأن الله جل وعلى قسم عبادة قسمين كفورٌ وشكور قال جل ذكره ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا ) فالشكر إذا أطلق أريد به مرادف الإيمان ومرادف العبادة ومرادف ما خلق الله من أجله عبادة لأن الله قال ( لعلكم تشكرون ) فالله جل وعلى جعل الكفر وكره الكفر وأهله وجعل الشكر وأحب تبارك وتعالى الشكر وأهله فلذالك إذا أطلق الشكر على الصحيح إنما أريد به مرادف الإيمان فالعبد إما كافر وإما شاكر مصداقاً لقوله جل وعلى كما بينا ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا ) أمر الله به عباده ( وكن مع الشاكرين ) ونعت الله بالشكر نبيين كريمين من أعظم أولياء الله أصفياءة هما نوح وإبراهيم عليهما من ربهما الصلاة والسلام فقال الله جل وعلا في حق الأول ( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكورا ) وقال في حق الأخر ( إن إبراهيم كان إماماً قانتاً لله، حنيفاً ولم يكن من المشركين ، شاكراً لأنعمه ، اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ) ونبينا صلى الله عليه وسلم جعل من ضمن وصاياه لأصحابه أن يشكروا ربهم جل وعلى يقول لمعاذ يامعاذ والله إني لأحبك تقريباً لما سيقوله له ثم يقول له يامعاذ لاتدعن أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك فهذا من وصايا النبيين لأصحابهم وحواريهم ومن امنوا بهم مما يدلل على عظيم أهمية الشكر وحسبك أن تعلم أن الله أمر به دؤواد وآله قال جل ذكره ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور) قال أهل العلم لما أمرهم الله بقوله أعملوا آل دؤواد شكر ما خلا بيت دؤواد ساعةً من نهار من رجل قائم يصلي لله جل وعلى إذعاناً للأيه والأمر الرباني الذي أمرهم الله جل وعلى به فورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلاً يقول من دعائه اللهم أجعلني من الأقلين فتعجب لها عمر وقال للرجل ما هذا قال يا أمير المؤمنين إني رأيت الله جل وعلا يقول في كتابه ( وما أمن معه إلا قليل ) ويقول في كتابه ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلاٌ ماهم ) وريت الله جل وعلى ( وقليل من عبادي الشكور ) فدعوت الله أن يجعلني من هؤولاء القله


هؤولاء وإن كانوا قله في الناس إلا إنهم عند الله جل وعلى في المنزلة العظيمة والمقام الأرفع يقول ربنا جل وعلى ( وسنجزي الشاكرين ) ثم حسب أن تعلم في قول الله جل وعلى ( وسنجزي الشاكرين ) أن الله كثيراً ما يذكر بعض مننه وفضله ووعدة لعبادة إلا أنه يقيد هذا الفضل وهذا المنه بمشيئته يقول ربنا ( يرزق من يشاء ) ويقول ربنا ( يغفر لمن يشاء ) ويقول ربنا ( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء) إلى غير ذلك من ماهو ظاهر في الكتاب إلا الشكر فإن الله جل وعلى قال فيه ( وسنجزي الشاكرين ) فجعل لهم الإنعام المطلق غير المقيد بمشيئه وهذا من أعظم الدلائل على منزلة الشاكرين عند ربهم وأعلموا أيها المؤمنون أن الشكر ضده الكفر اذا اطلق وهناك شكر خاص يسمى شكر النعمه وضده كفر النعمه فأما الشكر الأول فإن ضده الكفر الأكبر المخرج والعياذ بالله من المله أما الثاني وهو كفر النعمه فإنه ليس مستلزماً أن يكون كفر النعمه موجباً لخروج العبد من المله وإننا قبل أن ندخل في الشكر وقواعده و أموره نقول إنه لن يعلم أحد أهمية الشكر ومنزلة الشاكرين ويدرك عظيم أهمية شكره لربه حتى يعلم يقيناً مأل الكافرين الذين كفروا بنعم الله جل وعلى فإن هذان الأمران يعرف أحدهما بالأخر فإنك إذا تأملت أحوال من أنعم الله عليهم وفضلهم في جملة التفضيل فقابلوا نعم الله بالجحود والكفران ورأيت ما ألوا إليه وما حالة به أحوالهم وما أنقلبوا إليه من زهرة زئله ونعمة حائلة عرفت تماماً يا أخي أن الشكر النعمه العظمى التي ينعم بها الله جل وعلى على عباده
فمن الباب الأول وهو الكفر البواح النمرود أنعم الله عليه بالملك وأتاه الله جل وعلى السلطان فقابل نعم الله بالجحود والنكران قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتي بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين )
فرعون أقام موسى عليه الحجة وبين له فضل الله جل وعلى عليه لكنه قابل نعم الله بالكفر الأكبر قال ياموسى اليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلاتبصرون وكان قومه قوماً خفيفي العقول قال جل وعلى ( فاستخف قومه فأطاعوه , إنهم كانوا قوماً فاسقين ) فكان مأله أن أغرقه الله جل وعلى في اليم ونبذه وجنده وكان مأله أن جعله الله عبرة لمن يأتي بعده ويكون آية لمن جاء بعده من الملوك وسائر الناس . كذلك قوم سباء فإن الله جل وعلى أفاض عليهم النعمة وجعلهم في زرع وضرع حتى إن المرأة منهم كانت تضع مكتلها على رأسها وتمشي في الحدئق الغناء من كثر نضج الثمر يسقط مباشرة دون أن تتناوله المرأة بنفسها فكانوا أول أمرهم على التوحيد فلما أعرضوا عن الرسل وكفروا بالله وجحدوا آياته أنقلبت تلك النعم نفماً لأنه لايحول بين سخط الله وبين من يقع عليهم السخط أحد ( قل إنه لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) يقول جل ذكره مخبراً عن حاله ومذكراً جاعلاً العبرة لغيرهم ( لقد كان لسبإٍ في مسكنهم أيةٌ جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدةٌ طيبةٌ ورب غفورٌ فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أُكُلٍ وأثلٍ وشئٍ من سدرٍ قليل ذالك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) إن العبد إذا عصى الله هان على الله ومتى أطاع العبد ربه أعزه الله جل وعلى

رأى الحسن البصري قوماً يعصون ربهم فقال تلك الكلمه البليغة قال : هانوا على الله فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم .
فإن الله إذا أحب عبداً عصمة عن السيئة وإذا هان عليه أنسلخ ذلك العبد في المعاصي وأنفرط فيها وأخذ يأتيها ليلاً ونهاراً والعياذ بالله دون أن يعصمه الله جل وعلى لأنه ليست له عند الله منزلة هذا من كفر النعم

ومنه كذلك القرشيون فقد كان لهم رحلة الشتاء والصيف في عزٍ ومنعة يأون إلى البيت وقد أمنهم الله جل وعلى من الجوع وأمنهم من الخوف فلما بعث الله فيهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا بأيات الله قال الله جل وعلى ( وضرب الله مثلا قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ) فلما كفرت ليس بين الله وبين أحدٍ من خلقه نسب
هانوا على ( فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) حتى إنهم لما دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربه سنيك سني يوسف كان أحدهم من شدة الجوع يرى في السماء كهيئة الدخان وليس في السماء شي من فرط جوعه وخوفه ووجله مما أصابهم لما كفروا بربهم تبارك وتعالى

المعتمد ابن عباس أحد ملوك الطوائف في الأندلس كان هذا الرجل أتاه الله جل وعلى الملك في أشبيليا وكان طاغية حتى إن حدئق قصره نصب فيها أعوادة وقتل الملوك والقواد والشجعان الذين كانوا أقرانه في ذلك العصر ثم جعل جماجمهم على تلك الأعواد وجعلها كالأعواد فكان الداخل إلى قصره إذا راى تلك الجماجم غزع قلبه هيبةً وخوفاً من المعتمد حتى إن أحد أبنائه أراد أن يغتاله أو حاول في قضية إغتياله فقتله وسلمه إلى غيره من الشواب وهو ابن له بل بلغ من طغيانه أنه كان يعلم أن رجلاً ضريراً مكفوفاً لايرى عنده مالاً وفير فسلب ماله ونفاه من إشبيليا فتوجه ذلك الرجل إلى مكه وأخذ يدعوا الله على المعتمد فلما علم المعتمد وهو في بلاد الأندلس أن ذلك الرجل يدعو عليه فبعث إليه بدنانير مسمومه وأمر الرجل أن يوصلها إلى ذلك الرجل الضرير فلما أُعطي ذلك الرجل تلك الدنانير تعجب من الموقف وقال سبحان الله يظلمني في الأندلس ويصلني في مكه وكان عادة الأضراء في ذلك العصر أنهم كانوا إذا أعطوا دنانير أن يضعوها في فمهم حتى يتأكدوا أنها ذهباً خالص فهذا المسكين على غفلته كان يمضغ الدينا تلوى الدينار ليتأكد من
كونه ذهباً خالص وهو لايعلم أنه مسموم فلما أصبح توفي من أثر السم .

بل أن المعتمد شكت إليه زوجته ذات يوم وبناته انهن يردن ان يمشين في الطين وهن بنات ملوك لا يعقل ان يخرجن الى الشارع فيمشين في الارض الموحلة الممطره فشرى لهن
(مسك وعنبر وكافور وذهب وفضه)
ثم خلطها في حدائق قصره ثم امر نسائه وبناته ان يطأن عليها في يوم العيد حتى يظهر للناس عزه بعد كل هذا سلط الله عليه أحد الملوك يقال له يوسف ابن تاشفين فتسلط عليه وسلبه ملكه وقاده مقيداً في الحديد إلى سجن في بلدةٍ يقال لها أغماس فمكث في السجن لايرى أمامه إلا ظلمات الليل وقيود حديده فدخل بناته عليه في يوم العيد وكان العيد يمر عليه في تلك الأيام وهو في عز ومنعة وبناته في مسك وعنبر وذهب وفضة ودخلن بناته عليه وهن في أطمارٍ باليه قد تكففن الناس يسألهن الحوائج بعد ذلك الدهر الذي عاشوه فلما رأهن قال ...


فيم مضى كنت بالاعياد مسرورا **** فسأك العيد في أغماس كنت مسرورا
افطرت في العيد لا عادت اساءته **** فكان فكرك للأكباد تفطيرا
ترى بناتك في الاطمار جائعة **** يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطين والاقدام حافيةُ **** كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
من بات بعدك في ملكٍ يسر به **** فانما بات في الاحلام مغرورا

وكذلك العباد من عصى الله لم يبقى بينه وبين الله نسب ومن أطاع الله وهو في العز المنيع
الصديق ابو بكر رضي الله تعالى عنه بعث وفداً إلى اليمن فمروا على طريقهم على ماء من مياه العرب وإذا في ذلك الماء عيون تجري ونساء يضربن بالدف ومواشيٍ لاحصر لها وأقوامٌ في لهو ومرح وعبث وجاريةٌ قابضةٌ على دفٍ لها تضرب عليه وتقول :

معشر الحسادِ موتوا كمدا
كما نكونوا ما يقينا أبدا

فأستضافهم صاحب الماء وأكرمهم وأعتذر إليهم أنه مشغولٌ في عرس ثم توجهوا إلى اليمن وقضوا شئونهم فلما كانت خلافة أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه بعث وفداً إلى اليمن فكان في الوفد من كان في الوفد الأول في عهد أبي بكر فلما مروا قال أولئك الذين مروا في الوفد الأول فلنمر على أولئك القوم فلما مروا لم يجدوا إلا دياراً خرباً وعظاماً قد هرمت ووجدوا إمرأة عجوزاً قد عميت وحيدة تأوي إلى نقبٍ في تل فلما سألوها عن ذلك الحال أخبرتهم بتغير احوالهم وانهم أنقضوا إلى فناءٍ ووبالاٍ ودمار فسألوها عن ذلك العرس قالت ذلك العرس كان عرس أختي وأنا التي كنت أضرب على الدف فأرادوا أن يأخذوها معهم ليكرموها فقالت إنني يعز علي أن أفارق تلك العظام ثم مالبثت أن نزعة نزعاً شديداً وماتت بين تلك العظام فدفنوها إلى جوارها

جعفر البركمي الكل يعلم عن البرامكة كان لهم الحول والطول في دولة بني العباس في أيام المهدي والسنين الأولى من خلافة هارون الرشيد رضي الله تعالى عنه حتى كانت المسأله التاريخيه المشهورة في نكبة البرامكة
أم جعفر كان في يوم العيد حولها أربع مئة وصيفة يسألنها ماذا تريد يطفن حولها يلبين لها أغراضها وشئونها وحاجاتها وهي مع ذلك كله غاضبةً على إبنها جعفر تضن أنه عاقٌ لها لأن أربع مئة وصيفه لايكفين في نظرها . لما حدث ما حدث من نكبة البرامكة أخذت تلك العجوز تطرق أبواب الناس في عيد الأضحى وتطلب من الناس جلد خروف حتى تستتر به من البرد فأنظروا إلى الحال كيف أنقلبت والسبب وأحد لاغيره الكفر بنعم الله جل وعلى

الوليد ابن المغيرة أعطاه الله جل وعلى أربعة عشر ولداً على الأظهر وأتاه الله جل وعلى زروعاً زضروعاً في مكه والحجاز والطائف وغيرهن وأتاه الله جل وعلى من الجاه العريض في قريش فكان يأمر وينهى ويصول ويجول في أنديتها فلما بعث الله خاتم النبيين وسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه أبى هذا الرجل إلا أن يكفر فكان قول ربنا في حقه ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالاً ممدودا ثم يطمع أن أزيد كلا ( لما ) إنه كان بأياتنا عنيدا ) ثم قال الله جل وعلى في أخر الآيه ( سأصليه صقر وما أدراك ما صقر لاتبقي ولاتذر ) قال أهل العلم لاتبقي لحماً ولاتذر عظماً ولا دماً ( سأصليه صقر زما أدراك ما صقر لاتبقي ولاتذر عليها تسعة عشر ) ونعود ونكرر في التبصير والتذكير والسبب عصيان الله جل وعلى وقصة الوليد داخلة في الكفر الأكبر أما قصة المعتمد فإ الأظهر إنها داخله في الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر المخرج من المله
هذه أحوال بعض من عصى الله جل وعلى فكان تبدل حالهم إلى ما ألوا إليه لما عصوا الله جل وعلى وهنا يظهر للعبد قيمة الشكر وأهميته ولما طالب الله جل وعلى العباد به
ثم نقول أيها المؤمنون ...

ان للشكر قواعد خمسة أولهن _ خضوع الشاكر للمشكور أي الخضوع لله جل وعلى وحبه تبارك وتعالى والثناء عليه والتحدث بنعمه وألاتستعمل تلك النعم بما يكره . الخضوع لله وحبه جل وعلى والثناء هليه والتحدث بنعمه والأتستعمل تلك النعم في ما كره وحرم تبارك وتعالى

فهذه القواعد الخمس هي على الأظهر أجمع ماقيل في قواعد الشكر فمن أخل بواحد منهن فقد أخل بقاعدة من قواعد شكر رب العالمين جل جلاله
إلا إنه ينبغي أن يعلم أن الشكر منه شكرٌ مستديم وشكر خاص فأما الشكر المستديم فهو ما يكون فيه المؤمنون دئماً وأبداً في شكرهم لله جل وعلى قلبٌ شاكر ولسانٌ ذاكر . عين مهراقه . وقلوبٌ خفاقه . ولذلك لما رأت أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها رسولتا صلى الله عليه وسلم وقد تورمت قدماه من طول قيامه في الليل بين يدي ربه جل وعلى يدعوه ويناجيه ويستغفره ويرجوه قالت له يارسول الله ألم يغفر الله لم ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال إمام الشاكرين صلوات الله وسلامه عليه ياعائشه أفلا أكون عبداً شكورا فهذا داخل في عموم الشكر المستديم الذي الذي ينبغي أن يكون عليه حال كل مؤمن

إذا ما الليل أظلم كابدوه * * * فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا * * * وأهل الأمن في الدنيا هجوع

فلا تخلوا يا أخي من ساعة إنا أن تذكر فيها ربك وإما أن تتلوا فيها آياته أو تناجي فيها ربك وتدعوه أو أن تستغفره جل و على من ذنب سابق بك أو أن تقدم فيها شيئاً من الأعمال الصالحة صلاة أو إستغفار أو صدقة أو بر أو صلة رحم أو ما إلى ذلك فالأعمال هذه كلها فرئضها ونفلها واجبها ومندوبها داخل في عموم شكرك لرب العالمين جل جلاله ولذلك إذا تأمات أحوال العباد الذين يعلمون أنهم سيقفون بين يدي ربهم جل وعلى رأيتهم قد أنصرفوا عن الدنيا وزينتها إلة ما يقربهم من الله زلفى من صالح الأعمال إن تحدثت عن الدنيا أعرضوا عنك وإن تحدثت عن الله والأخرة والمعاد أحالوا إليك أبصارهم واصغوا إليك أذانهم علهم أن يضفروا بكلمة يتقربون بها إلى ربهم جل وعلى حتى يكونون يوم القيامة مِن من قال الله فيهم ( إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) وستقال هذه للمؤمنين من عباد الله جل وعلى فهذا الشكر المستديم واجب في حق كل فرد لأنني يا اخي لوتفقدت نفسي أو تفقدت نفسك أو تفقد كل مؤمن نفسه سيجد أنه لن يخلو من أمرين إما خير فيه ولو قل نشره الله جل وعلى بين الناس يعلمونه عنه وإن كان نذراً يسير
والأمر الثاني أن يكون فيك ذنب لايعلمه الناس عنك ومن منا إلا وله ذنوب لايعلم عنها أحد سترها الله جل وعلى عليه فأنت بين نعمتين عظيمتين بين ذنب مستور وبين خير منشور
قيل للثوري سفيان رحمه الله تعالى كيف أصبحت قال أصبحت مابين نعمتين عظيمين مابين ذنب مستور وخير منشور وهذان أمران يحتاجان إلى شكر مستديم على الشكر فإنك لن تكافئ الله جل وعلى على فضله وإحسانه وكن سددُ وقارب والإستقامة هذه التسديد والمقاربه وإلا لن يدخل أحد الجنه بعمله ولكن الأمر أولاً وأخيراً رحمة الله جل وعلى لك وقضية أن تشكر الله نعمة تحتاج إلى شكر وقد ورد في الأثر أن داؤود عليه السلام لما أمره الله تعالى أن يشكره قال ربي كيف أشكرك وشكري لك يحتاج إلى شكر فأوحى الله جل وعلى إليه الأن عرفتني يا دؤود بل إنه من أعظم ما يكون به الشكر المستديم أن يكون هذا اللسان رطباً بذكر الله جل وعلى بكرةً وعشيه
جاء في الأثر أنه من شكر دؤود لربه أنه كان يقول الحمد لله كما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله فأوحى الله إليه لقد أتعبت الملائكة الحفظة يا دءود كان يقول الحمد لله كما ينبغي لكريم وجهه وعز جلاله وفي صحيح السنه عن المعصوم صلى الله عليه وسلم من الاذكار المطلقة والأذكار المقيدة ما يغني عن كل ذكرٍ ضعيف أو كل ذكرٍ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
يقول عليه الصلاة والسلام ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) فبين صلى الله عليه وسلم أن أفضل الذكر ما أصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده فيقول الله جل وعلى عن ذكر أهل الجنه ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وأخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) فالإكثار من النوافل واللهج بذكر الله جل وعلى والتحدث بنعمة إن البعض غفر الله لنا ولهم قد يبيت ليله نصف ساعة من الليل مسأوماً من ألماً أحل به فلما يصبح ويسأله الناس كيف أنت يقول إن سمحتوا باللهجات العاميه يقول خليها على الله طول الليل ما نمت من يوم ما حتى أذن الفجر وأنا كذا أو كذا أو كذا يذكر ألماً فيه بات يحفظه الله جل وعلى ويكلئه الله ويصبح يشتكي الله جل وعلى على خير

يا أخي إن الذي تشتكي إليه فقير مثلك ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنه ولا تحويلا اولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيله ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ان عذاب ربك كان محذورا) وإن كانت الآيه لأي سبب في هذا ولكن الإستشهاد هنا من باب المشاوره من باب أنه يحرج في أمر فيخبر أنه كان مريض من باب إظهار عذر هذا لابأس به الرجل يحادث زوجته يحادث خليله إما أن يكون دأب الإنسان وهمه أن يمشي في الناس فيخبر بكثرة ديونه وكثرة أسقامه وأنه لم يجد وظيفه فيشتكي إلى زيد وعمر

لاتسألن بني أدم حاجة **** وسل الذي أبوابه لاتحجب
فا الله يغضب إن تركت سأله **** وبني أدم إن سألته يغضب

إفزع إلى الله جل وعلى وأعلم أنه من شكر الله جل وعلى أن تدنِ عليه تبار وتعالى بما هو أهله وأن تحسن ذكره بين الناس حتى يحبُ ربهم جل وعلى فإنني إذا أنا أثنيت وأنت أثنيت والأخر أثني على الله بالنعم احب الناس خالقهم ( يا أيها الإنسان ماغرك بربك الكريم ) فكان الله جل وعلى يعدد نعمة الله ( الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورةٍ ماشاء ركبك ) فكذلك المؤمن إذا مشوا بين الناس حدثوا بنعم الله جل وعلى والتحديث بنعمة الله له ضربان الأول أن تتحدث بالنعم على الإطلاق وهذا لاقيد فيه أن تقول مثلاً نحن في هذه البلاد نعيش في رزق وفير أو نحن في هذا الحي يكثر المصلون في المسجد وما إلى ذلك مما لا ينسب إلى شخصك شي إما ما ينسب إلى شخصك فإن له تقيداً على ما ندين الله به تحدث به حتى لايفهم منه الرياء ولاتزكية النفس بالوجه الذي تكون من وراءه مصلحة شرعية فيقول لك بعض الناس والله أنا نفسي أتصدق لكن أخاف إذا أنفقت أن تنتهي أموالي فتخيره تأتي له بالأدله تعارض هذا ثم تخبره أنك تنفق ولله الحمد وأنت في سعة من الرزق فهذا تحدث بنعم الله مقيد بوجود مصلحة هي أنها تجعل غيرك من الناس قادر على الإنفاق وهذا كله داخل في عموم الشكر المستديم أما الشكر الخاص فإن الله جل وعلى له نعم على عباده نعم يستوي فيها الأبرار والفجار فنعمة جمال الخلق وحسن الهيئه وجمال السوية وما سخره الله جل وعلى لعباده في البر والبحر والجو وما إلى ذلك فهذه من النعم العامه ومن النعم الخاصة على أمة الإسلام أن جعلهم الله مسلمين فقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبا لفي ظلالاٍ مبين وهذا من نعمة الله الخاصة على أهل الإسلام وعلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنه قد يكون في الرجل نعمة ظاهرة على غيره فنعمة المال أو نعمة الجاه أو نعمة السلطان أو نعمة الفراغ أو ما إلى ذلك من النعم التي تكون مميزة للشخص في نفسه فهذه لها شكر خاص في نفسها فمثلاً نعمة المال . المال قرين الروح ولذلك جاء في القرآن كثيراً في أموالهم و أنفسهم يقرن تبارك وتعالى بين المال والنفس لان المال قوام الحياة وعماد حياة الناس وبه تتطلع الأفئدة قال الله جل وعلى ( وإنه لحبِ الخير لشديد ) فزكاة وشكر نعمة المال تكون في إنفاقه على من يستحقه يقول أبو ذر رضي الله تعالى عنه إنتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس تحت ظل الكعبه فلما رأني قال : خابوا وخسروا خابوا وخسروا خابوا وخسروا قلت من بأبي وأمي أنت يارسول الله فقال صلى الله عليه وسلم إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامه إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا وأشار بيديه مابين يديه وعن يمينه وعن خلفه فالمقصود أن الإنفاق يكون به شكر ما أفأه الله جل وعلى عليك من المال وحديث السحابه بصحيح مسلم يبين عظيم مأل العبد عند ربه إن شكر لله نعمة المال فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بينما رجلٌ يمشي في فلاه إن سمع صوتاً في سحابةٍ يقول إسقي حديقة فلان سمى إسماً معين فتتبع ذلك الرجل السحابه فإذا هي تفرغ ماءها في الحرة تنصب في حديقة رجل واقف بمسحاته يمسح على الماء فقال ذلك الرجل الذي سمع قال للرجل صاحب المسحاه ما إسمك فقال له إسمه فإذا هو موافق للإسم الذي في السحابه فأخبره الرجل قال إنني كنت أمشي فسمعت صوت في السحابه يقول أسقي حديقة فلان بإسم قال أما وقد سألتني فإنني يعني ما ينتج من ثمار تلك الحديقة قال أقسمه بمعنى الحديث أثلاثاً فثلث أتصدق به وثلث أنفقه على أهلي وولدي وثلث أرده على الحديقة يعني أشتري به ما يكون من لوازم تلك الحديقة فأنظر إلى إكرام الله جل وعلى لهذا العبد في الدنيا فإذا كان هذا هذا إكرام الله له في الدنيا أن نودي بإسمه ترى ماسيكون مأله في الأخة ومانعيمه وما جزأه عند ربه ( فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرة أعين جزءً بما كانوا يعملون ) بلغنا الله وإياكم تلك المنازل فشكر المال يكون بهذا اللون كما أن من شكر المال ألاتستعمله فيما حرم الله جل وعلى وإنك إن تأملت أثرياء هذا العصر كثيراً منهم غفر الله لنا ولهم وردنا الله وإياهم إليه رداً جميلا وجدت أن لله أفاض عليهم الأموال فأستعملوها فيما حرم الله جل وعلى فمنهم من ينفقها فيما هو تضليل المؤمنين من الأفلام الخليعه والمجلات الذي تصد الشباب عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهم من يستخدمها في اللهو والعبث الذي تضحك منه عقول الصبيان فضلاً عن من أوتي الحلم والعقل من الرجال ومن ينفقه في غير ذلك ولاريب أن هذا أداء عظيم أصيب به أثرياء الأمه وأغنيائها وإن حق الله جل وعلى عليهم في هذا المال الذي هو أصلاً مال الله الذي أستعمله فيه فليتقوى الله جل وعلى فيما بين يديهم في فضول الأموال وأن يتقوى الله في الفقراء والمساكين أقل القليل إن كانوا أشحة مانعين للخير لايعطون الفقراء ألايستعملوه فيما حرم الله جل وعلى فيكون عليهم وبالاً يوم القيامة لن تزول قدم عباً يوم القيامه حتى يسأل عن أربع ومن تلك الأربهع أن يسأل عن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه غفر الله لنا ولهم بأي لسان سيجيبون رب المعاد فشكر المال شكرٌ عظيم يحتاج إلى الإنسان ان يوطن نفسه فيه

كذلك من الشكر شكر الله على السلطان الظاهر لاريب أن الملك والأماره والمناصب العالية نعمة من الله وفضل فالله يؤتي ملكه من يشاء وينزع الله جل وعلى ملكه عن من يشاء فحق على من أتاه الله جل وعلى ملكاً أو آمارة أو رئاسةً أو منصباً إدارياً عظيماً أو حقران يستعمله فيما يرضي الله جل وعلى وقبل أن يظلم عباد الله يتذكر قدرة الله جل وعلى عليه فإنما من تذكر قدرة الله عليه أحجم عن ظلم عبادة وأحجم عن البطش بهم أو عن منعهم حقهم أو عن هلاك أموالهم أو عن فساد حياتهم فلذلك حري بالمؤمن الذي أوتي السلطان أن يتقي الله جل وعلى فيما أتاه وليعلم أن ها نعمة من الله يبتليه بها ويختبره فيها فإن كان خيراً فلنفسه وإن كان شراً فمرده على نفسه أيضاً
كذلك من النعم الظاهرة التي ينعم الله جل وعلى بها على عباده نعمة العلم والجاه وهده النعمه تحتاج إلى شكر عظيم أولاً أن لايظن أحد أن ما يقوله من علم وما ينشره بين الناس من فضل وعلم شرعي ان هذا من إجتهاده وتعبه وحرصه بل هو أولاً وأخيراً فضل الله جل وعلى عليه فلو شاء الله أن يسلبه إياه لفعل ( وما بكم من نعمة فمن الله وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها ) والجاه والعلم يقتربان كثير لان الرجل إذا بسط الله له في العلم وصدره في الناس أحبه الخلق فقدموه في أمورهم وصدروه في شئونهم
ولذلك دخل عطاء ابن ابي رباح ذلك العالم الرباني الذي عاش في العصر الأموي عاش من العمر مئة عام حج منها رحمة الله عليه سبعين حجة وكان على هيئة دنينتن جداً على هيئته الخلقيه ومع ذلك مات يوم أن مات كان أرضى الناس لله أحب الخلق إلى الناس في ذلك العصر كان عطاء ابن ابي رباح دخل هذا العالم الرباني بجاهه وعلمه على الخليفة الأموي هشام ابن عبدالملك فأكرمه هشام لما يرى من إكرام الناس له وأجلسه على سرير ملكه ثم قال له يا أبامحمد سلني حاجتك قال يا أمير المؤمنين أهل الحرمين تعطيهم حقوقهم فقال هشام ياغلام أكتب لاهل الحرمين حقوقهم قال يا أبا محمد سلني حاجتك قال يا امير المؤمنين أهل الحجاز وأهل نجد مادة العرب وأصل الناس رد عليهم فضول أموالهم فقال يا غلام أكتب لأهل الحجاز وأهل نجد بأن ترد عليهم فضول أموالهم قال يا أبا محمد سلني حاجتك قال يا أمير المؤمنين أهل الثغور إنهم يصدون عنكم أهل الكفر وشرار الناس أعنهم على حياتهم فإن في أهلاكهم هلاك الناس قال يا غلام أكتب لأهل الثغور بأن يعطوا كذا وكذا قال يا أبا محمد سلني حاجتك قال يا أمير المؤمنين أهل الذمة لايكلفون مالايطيقون ولا تخفر فيهم ذمة محمد صلى الله عليه وسلم قال يا غلام أكتب ألايكلف أهل الذمة مالايطيقون فقال يا أبا محمد سلني حاجتك قال يا أمير المؤمنين أتقي الله في نفسك وأعلم أنك تموت وحدك وتبعث وحدك وليس معك مما ترى أحد فأنكب هشام على الأرض يبكي وهو ينكت الأرض بعود كان في يديه ثم خرج عطاء قال أهل العلم والله خرج من عنده وما شرب من قصر الخليفه قطرة ماء فلما وصل إلى خارج القصر تبعه حارس من حرس هشام بصرة فيها دنانير فقال إن أمير المؤمنين أهدى إليك هذا فوضعها في كف الحارس وقال هيهات ( وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين )
فهذا عالم رباني يضرب مثلاً لعلماء الأمه ولدعاتها ولأهل الجاه فيها كيف يكون دخولهم على الملوك والأمراء والسلاطين ويبين لهم كيف يشفعون للناس وكيف إذا طلبوا منهم أن يذكروا حوئجهم أن يذكروا يذكروا حوئج المستضعفين من الناس الذين غالباً لايستطيعون أن يصلوا بشؤنهم وأخبارهم وحوئجهم إلى الناس فهذا من شكر الله جل وعلى على نعمة العلم ونعمة الجاه كما أن من شكر نعمة العلم أن يسعى العبد بين الناس يعلمهم ويرشدهم ويدلهم على طريق الحق والصواب يرجون بذلك الله والدار الأخرة
نعمت الصحه والفراغ العباس ابن عبدالمطلب حبيب إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فهو عمه فلما قال له يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يسأل الله قال يا عماه سل الله العافيه وإنك يا أخي لن تدرك نعمة العافيه حتى ترى مريضاً قد أقعده المرض هناك تعلم عظم نعمة الله جل وعلى عليك فكم على تلك الأسره من أخوة مقعدين بعضهم لايستطيع أن يقضي حاجته وبعضهم لو سألته عن حاله لما أستطاع أن يجيبك أشار إليك إشارة بل بعضهم والله لايستطيع أن يشيرإليك حتى بيديه والله لقد زرت مستشفى العنايه التأهيليه فرأيت فيه والله مايشيب له الولدان والله رأيت مضغة من اللحم ليس فيها من معالم الخلق شي إلا أنها تتنفس فقط

في قسم الأطفال في ذلك المستشفى ورجال وشباب على الأسرة أسألهم عن حالهم والله لايردون جواباً لاترى فيهم إلا النفس يخرج ويدخل بل إنني رأيت فيها طفلة تبلغ من العمر إن لم أنسى قرابة ستة سنوات كأنها كان أثر مافيها من شأن كهربه أو ما شابه ذلك فكل ما فيها ذهب إلا النفس فهي نائمة على الفراش يتعامل معها الممرضون والأطباء كما نتعامل مع الآله يغسلونها ويمسحونها ويتركونها على ماهي عليه لاترى ولاتسمع ولاتتحرك لو أتيت وحركت إليها هكذا لعدت بعد سنين وجدت اليد كما هي ثم تردها أنت بنفسك هكذا فتتجاوب معك ولا ترى منها إلا النفس إلا أن الذي حرمها نعمة الحركه قادر على أن يحرمنا إياها ولكنه فضل الله جل وعلى علينا كما قال نبي الله سليمان
( قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر و من شكر فإنما يشكر لنفسه و من كفر فإن ربي غني كريم )

فحق لأقدام عافاها الله أن تسعى للمساجد بكرةً وعشيةً وحق لجباه عافاها الله أن تعفر وجهها لله ذلاً وإذعاناً تبارك وتعالى وحقاً ليدين عافاها الله أن تسأل الله جل وعلى ببطون أكفها بكرةً وعشيةً ومالها ذلك فإن نعمة العافيه نعمة عظيمه لايفقهها كثير من الناس ومع ذلك تجد الرجل متكئاً في بيته على وسادته ينظر إلى تلفازه ويخبر عن ملله وسأمته وطفشه سبحان الله ألا يقر أولئك بالموت ربنا جل وعلى يقول لنبيه
( فإذا فرغت فأنصب ) ماذا ( فإذا فرغت فأنصب ) أنصب بين يديه قائماً بين يدي الله جل وعلى تضرع إليه نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحه والفراغ فإذا كان الله جل وعلى أتاك متسع في الوقت وعافيه في البدن فحري بك أيها الأخ المؤمن وأيتها الأخت المؤمنه أن تجعلوها لله جل وعلى ( قل إنى صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )إذ كان أحد السلف يطوف الليل كله يردد أية واحده ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء مايحكمون) فإنه لابد من لقاء الله وهذا كله داخل في عموم شكر العبد لنعمة الصحه ونعمة العافيه

كذلك أيها المؤمن من النعم التي ينعم الله جل وعلى بها على عباده أن يأتيه الله جل وعلى كثرة في الولد فينعم عليه بالبنين والبنات ولاريب أن هذه النعمه قد حرمها البعض إبتلاء من الله لهم وأوتيها البعض فشكر هذه النعمه العظيمه يكون بتربية الأبناء والبنات على منهج الله جل وعلى لاتتركهم أمام أمر محرم وتقول كما يقول أهل الضلاله والتفاهه صغار ثم يكبروا جهلاء ثم يرشدوا وما إلى ذلك من العبارات كمن يضع راحلته أو دابته في الطريق فيقول على الله توكلت ولما يعقلها ولم يقم بالأسباب الدنيويه في حقها إنا نعمة الأبناءونعمة البنين من أعظم نعم الله على عباده ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين وأجعلنا للمتقين إماما أمدكم بأموال ) إلى غير ذلك مما يعدد الله فيه عظيم نعمه هذه الآيه فأول الأمران تختار له الإسم الحسن ثاني الأمران تحرص على أن تأدبه بأداب الشرع وهدي محمد صلى الله عليه وسلم وآداب الدين المطهر تجعل حب الله إليه أحب إليه من حب كل أحد وأن تجعله قريباً من ربه خذه معك إلى المساجد قربه من حلقات العلم قربه من الصحبه الصالحه إحرص على أن تبعده مما يكون مخالطتهم بعد عن الله وكفر به ومعصيه له جل جلاله إلى غير ذلك مما لايخفى على أحد مما لايتسع المقام إلى الإستطراد فيه فإني أئمي إيمائاً وأشير إشارة مراعاه للوقت بقي أن نبين أيها المؤمنون أن من شكر الله جل وعلى أن يحرص الإنسان على شكر الله فإن الإنسان إذا أُسدي إليه معروفاً حري به أن يكافئ صاحب ذلك المعروف فقد جأت السنه بهذا من صنع إليكم معروفاً فكافئوه ولقد كان العرب يميزون الحر من الناس اللئام بمقدار مايكافئون به من صنع إليهم صنيعاً أو معروفاً ونبينا صلى الله عليه وسلم قدوة في كل خير فإنه لما ذهب إلى الطائف يدعو قومها وكان ما كان من رد أهل الطائف له وعاد صلوات الله وسلامه عليه إلى مكه منعته قريش أن يدخل مكه فأرسل إلى الأخمس أبن عري فرفض ثم أرسل إلى سهيل ابن عمرو فأخبره أنه لايجير على كعب ابن لؤي فبعث صلى الله عليه وسلم إلى المطعم ابن عدي فلما بعث إليه لبى ندئه وإجابته وقال لمن بعثه صلى الله عليه وسلم قل له فليئت فبات صلوات الله وسلامه عليه كما أخبر أهل السير في بيت المطعم ابن عدي تلك الليله فلما أصبح غدى إلى البيت وطاف حوله والمطعم ابن عدي معه بنوه سته أو سبعه قد دفعوا سيوفهم يحيطون بنبينا صلى الله عليه وسلم حتى أتم طوافه وجاء أبو سفيان وكان يوم إذ مشرك فقال للمطعم ابن عدي أمجير أنت أم تابع قال بل مجير قال إذاً لانخطئ ذمتك فهذا معروف أسداه المطعم ابن عدي رغم أنه كان مشرك لرسولنا صلى الله عليه وسلم فلما كان بعد الهجره وأظهر الله دينه وأعز محمداً صلى الله عليه وصحبه في يوم بدر وكان من نتائج تلك المعركه أن وقع الأسرى في يدي المسلمين قال صلى الله عليه وسلم يخبر عن جميل المطعم ابن عدي وكان يوم إذ قد مات قال لو كان المطعم ابن عدي حياً وكلمني في هؤولاء القتلى لتركتهم له . يخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو كان المطعم حي وسأله فك هؤولاء الأسارى أو نحو ذلك للبى له طلبه رداً لصنيعه ومعروفه الذي قدمه له في الأولى ولذلك قالت العرب

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته **** وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

فمن صنع إليك المعروف وإن قل فكافئوه وأشكروه له فإن ذلك مندرج إن أنتم أخلصتم النيه في شكر الله جل وعلى وقد قال إن إحداء سادات العرب وكان يسمى كعب ابن سعدي كان سيداً في قومه فحسده أقرانه وذهبوا إلى حطيئه الشاعر فقالوا له أهجوا لنا كعب قال كيف أهجوا رجلاً ليس في بيتي إناءٌ إلا منه فذهبوا إلى رجل أخر وأعطوه مالاً على أن يهجوا لهم كعب فهجاه وتعرض لأم كعب وإسمها سعدى فبعث كعب في طلبه فرسانه من أهل قبيلته فأضحى ذلك الرجل يستجير بأحياء العرب كلما دخل على دار قالوا نجيرك إلا من كعب ابن سعدى فلمى قبض عليه وكانت أم كعب من النساء الاتي كن على فرط عظيم في الزكاة فقال يا أماه إن الذي هجاني وهجاك بين يدينا في أمرتي صلبناه أو فعلنا به ما شئتي قالت يابني إنه لايغسل ذمه إلامدحه فأرسله وأكرمه فأكرمه وأحسن وفادتهثم أرسله أي تركه فحلف ذلك الرجل ألا يمدح أحداً إلا كعب ابن سعدى فقال بيته الشهير

فما وطى الثرى مثل ابن سعدى **** ولا لبس النعال ولا أحتذاها

فحالاً إذا رزق العبد الفطنة الجيده وأنتخب في من يضع معروفه كان حرياً به ألايحرم من الخير

من يفعل الخيرِ لايعدم جوازيهُ **** لايذهب العرف بين الله والناس

ختاماً أيها المؤمنون:ـ
إننا في الوقتالذي نسأل الله أن يجعلنا وإياكم مِن من إذا أبتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا أذنب أستغفر فننبه أن الشكر رغم ما قلناه يحتاج إلى المزيد من القول فإن إبليس عليه لعائن الله لما أيس من رحمة الله أنبئ أنه لا هم له إلا أن يقطع ويحرم المؤمنين من الشكر ( ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) فهمه الأول والأخر ألا يجعل من عباد الله شاكرين لله تبارك وتعالى فلذالك حري بكل مؤمن ان يتقي الله جل وعلى في السر والعلن وأن يكون قلبه لله شاكراً ولسانه لله ذاكراً وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وألبسنا الله وإياكم لباس العافية والتقوى وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...

مريم العلي
17-08-2009, 11:46 AM
"الإسراء والمعراج"
"بسم الله الرحمن الرحيم"
الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا وصرفهم كيفما شاء عزة واقتدارا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
فهذا هو اللقاء الثاني من برنامجنا " مجمع البحرين " وموضوع حلقة اليوم " الإسراء والمعراج " ومعلوم لكل أحد أن هذا الحدث يرتبط بشخصية نبينا صلى الله عليه وسلم فهو جزء من سيرته العطرة وأيامه النظرة صلوات الله وسلامه عليه .
والإسراء والمعراج:
حادثة وقعت قبل الهجرة بثلاث سنوات إلا أنه لا يعلم صراحة بسند صحيح اليوم أو الليلة التي حدثت فيها وإن كان بعض العلماء يقول : إنها ليلة السابع والعشرين من شهر رجب لكن الاتفاق على أنها قبل الهجرة بثلاث سنوات أما تحديد ذلك ففيه خلاف بين العلماء لكن كما قلت رجح بعضهم أن يكون ليلة السابع والعشرين وهذا هو المستقر عند جماهير الناس ولذلك نرى في بعض الدول من يحتفل بليلة الإسراء والمعراج في ذلك الوقت بالتحديد ونحن وإن كنا لا نرى شرعية تلك الاحتفالات التعبدية إلا أننا نقول إن الذي جعله يستقر في الأذهان ويعظم ليلة سبع وعشرين من شهر رجب عند الناس أنها وافقة أحداث تاريخية مرتبطة بالمسجد الأقصى فمثلا صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى القائد المظفر المعروف فتح القدس بعد معركة حطين ودخل بيت المقدس في ليلة السابع والعشرين في شهر رجب فهذا أكد عند فئام من الناس أنها هي ليلة الإسراء والمعراج وكان ذلك عام ثلاثة وثمانين وخمسمائة من هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم وكان المسجد الأقصى بذلك قد مضى له إحدى وتسعين سنة وهو رهين الحروب الصليبية أو الأسر الصليبي عند النصارى . الذي يعنينا من هذا كله أن هذا التاريخ الزمني للإسراء والمعراج.
الإسراء والمعراج:
جاء في مرحلة أحوج ماكان النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يحتفي به ربه والأنبياء لهم عند الله المقام العظيم والمنزل الكريم وهو عليه الصلاة والسلام فقد خديجة بنت خويلد زوجته وفقد عمه أبوطالب ثم خرج إلى الطائف رده أهلها فجاءت رحلة الإسراء والمعراج بعد هذه الأحداث الثلاث التي أثرت شيئا ما على معنوياته عليه الصلاة والسلام لكنه في كنف الله في رحمة الله ورعايته فجاءت رحلة الإسراء والمعراج أسري به صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهذا جاء ثابت بنص القرآن وجاءت رحلة المعراج ثابتة في السنة متواترة تواتر لفظيا أو معنويا على أنه صلى الله عليه وسلم عرج به من المسجد الأقصى إلى السموات السبع غسل صدره عليه الصلاة والسلام بماء زمزم ربط دابته البراق عند الحائط صلى بالنبيين إماما عرج به إلى السماء السابعة قابل إخوانه من النبيين في السماء الأولى أباه آدم في السماء الثانية ابني خاله يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم في السماء الثالثة أخاه يوسف في الرابعة إدريس في الخامسة هارون في السادسة موسى في السابعة أباه إبراهيم هذا كله لا نفصل فيه لأنه معروف لكننا الحلقة أو البرنامج أصلا لا يعنى بالسرد التاريخي المحض وإنما يعنى بالفوائد التي تنجم عن هذه الأعيان التي نذكرها الزمانية والمكانية والتاريخية والأشخاص .
فنقول في الإسراء والمعراج ثمة فوائد جمة لا تكاد تحصى من أولها:
ـ فضل بيت المقدس , فضل المسجد الأقصى فإن الله جل وعلا جعل المحطة الأخيرة لنبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يعرج به إلى السماء جعله بيت المقدس جعله بالمسجد الأقصى فقال سبحانه : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} ومن المسجد الأقصى كان المعراج وهذا يدل على فضيلة بيت المقدس وقد دلت آثار كثيرة على هذا منها:
ـ أن نبي الله موسى عليه السلام قلنا مرارا في دروس عدة أنه مات وبنو إسرائيل في التيه قبل أن يدخل الأرض المقدسة فسأل الله جل وعلا أن يدنيه من بيت المقدس ولو رميت حجر حتى يكون قريبا من تلك الأرض المباركة عليه الصلاة والسلام.
ـ والله لما ذكر المسجد الأقصى قال : { بَارَكْنَا حَوْلَهُ} فعمت بركة الله جل وعلا على تلك الأرض لأنها مأوى الأنبياء ومثواهم ومنازلهم ومواطنهم أكثر أنبياء الله كانوا من أرض فلسطين.
ـ والصحابة رضي الله عنهم كانوا يعلمون ذلك كانوا يتدارسون فضل الصلاة في المسجد الأقصى ويوم ذاك لم يكن المسجد الأقصى قد دخل أصلا في حوزة المسلمين فكانوا يتدارسونه كما في حديث أبي ذر وهو حديث بسند صحيح عند الحاكم وعند غيره فخرج عليهم صلى الله عليه وسلم فسألوه أي الصلاة أفضل في المسجد النبوي أم في المسجد الأقصى ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : { صلاة في مسجدي هذا بأربع صلوات فيه ولنعم المصلى هو } ومن هنا يتبين لنا أن الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة خلافا للمشهور عند كثير من الناس أن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة نعم في هذا حديث لكن الحديث الوارد في أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة حديث ضعيف السند أما الحديث الذي ذكرناه آنفا حديث أبي ذر فهو حديث صحيح رواه الحاكم في مستدركه بسند صحيح فنقول إن الصلاة في المسجد الأقصى بمائتين وخمسين صلاة .
الصورة التاريخية المنقولة الآن عن المسجد الأقصى:
تظهر المسجد وتظهر في جواره مسجدا آخر عليه قبة ذهبية اللون هذا المسجد ليس المسجد الأقصى الذي عليه القبة هذا مسجد قبة الصخرة وهذه القبة الذي بناها عبدالملك بن مروان الخليفة الأموي المعروف لما كان في حروبه مع ابن الزبير فكان الناس يقدمون في الحج إلى الحجاز إلى مكة وكان الزبير في مكة فأراد عبدالملك أن يصرف وجوه الناس عن ابن الزبير فاعتنى ببيت المقدس وصنع القبة على الصخرة على مسجد الصخرة ووضع هذه القبة التي نراها الآن وقد جددت بعضه كثيرا وضع هذه القبة حتى يصرف الناس عن إتيان مكة ويأتون إلى بيت المقدس كل ذلك رغبة في إضعاف خصمه السياسي ألا وهو عبدالله بن الزبير هذا للتفريق في الصور التي نراها ونشاهدها الآن عن المسجد الأقصى بيت المقدس في كل آنٍ وحين في مكاتبنا ودورنا وغير ذلك و في الصحف والمجلات وأمثالها ،الذي يعنينا أن هذا المكان مكان مبارك صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إماما.
ـ لما صلى به النبي صلى الله عليه وسلم إماما ؟
يقول العلماء كلنا يعلم أن النبي علية الصلاة والسلام آخر الأنبياء عصرا آخرهم دهرا آخرهم مبعثا فصلوا وراءه حتى يبين الله لهم أي الأنبياء ولغيرهم من الناس مكانة هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه فهو وإن كان آخر الأنبياء عصرا إلا أنه أولهم وأرفعهم وأجلهم قدرا وذكرا صلوات الله وسلامه عليه .
في احتفاء الله جل وعلا بنبيه في السموات السبع وصعوده عليه الصلاة والسلام والعروج به من السماء إلى سماء هذا رد على أهل الأرض الذين ضيقوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعوته وكذلك كل أنبياء الله لا يتركهم الله جل وعلا لخصومهم وأعدائهم إنما يتولاهم الله ويرعاهم ويعوضهم خيرا وإن كان التعويض وولاية الله تتفاوت من شخص إلى شخص ومن عبد صالح إلى عبد صالح سنة الله في الذين خلوا من قبل لكن النبي صلى الله عليه وسلم يمثل الذروة العليا من عباد الله الصالحين فهو عليه الصلاة والسلام يقول لما ذكر الآذان قال:" سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة للجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد" ـ أي لا تحتمل اثنين ـ "وأرجوا أن أكون أنا هو" صلوات الله وسلامه عليه والمقصود من هذا أن حفاوة أهل السموات لنبينا صلى الله عليه وسلم دليل على رفيع مقامه و علو مكانته عند ربه صلوات الله وسلامه عليه وصل عليه الصلاة والسلام إلى أن تجاوز السدرة المنتهى،
وأهل العلم يقولون : إنها سميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها مايعرج من الأرض وظاهر الأمر أن هذه السدرة لا يتعداها أحد أي لا يتعدى مقامها أحد لا يتخطاها أحد فالنبي عليه الصلاة والسلام تجاوزها بقليل حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام وهناك كلمه ربه وناجاه وقربه وأدناه وأفاء عليه من نعمه وأعطاه الصلوات الخمس فرض عليه الصلوات الخمس لكنه لم يؤتي أوقاتها لم يبين له تفصيلا مواطن الصلوات فلما أسمع صلى الله عليه وسلم وبانت الشمس جاء جبريل من رب العالمين جل جلاله جاء بمواقيت الصلاة فصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال صلاة الظهر ثم أخذ يعلمه الصلوات في يومين متتابعين يصلي به في أول الأمر في أول الوقت ويصلي به في اليوم التالي في آخر الوقت ثم يقول له : " إن الصلاة مابين هذين " على هذا نقول إن صلاة الظهر هي أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم كفريضة في حياته أول صلاة فرضت على هذا الأمة إن صح التعبير.
ـ في رحلة الإسراء والمعراج يطالعنا ماء زمزم فإن النبي صلى الله عليه وسلم غسل قلبه بماء زمزم وقد جاء في حديث حسنه بعض العلماء { أن ماء زمزم لما شرب له} ولهذا كان سلف الأمة من العلماء والقواد وغيرهم يحرصون على الشرب من ماء زمزم بنية فعبدالله بن المبارك أمير المؤمنين في الحديث رحمة الله تعالى عليه الفقيه المعروف لما قدم مكة أخذ ماء زمزم ثم ذكر السند الموصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عليه الصلاة والسلام { ماء زمزم لما شرب له } فقال إن نبيك صلى الله عليه وسلم قال :{ ماء زمزم لما شرب له } اللهم إني أشربه لهول أو لعطش يوم القيامة فشربه . والشافعي رحمه الله كان في أول حياته قبل أن يتفرغ للعلم كان يحب الرمي فلما شرب ماء زمزم غلبت عليه طبيعته آنذاك فشربه رحمه الله للرمي أي حتى يوفق في الرمي فيقول بعدها أبوعبدالله أي الشافعي يقول : كنت إذا رميت عشرة أسهم أصيب في تسع فلربما أصبت في العشرة كلها إذا رميت عشرة أسهم أصيب في تسع منها ولربما أصبت في العشرة كلها . الخطيب البغدادي رحمه الله جاء مكة فشرب ماء زمزم وقال اللهم إني أشربه لثلاث فذكرها الرق يحدث بتاريخه فيها وكان يملي حديثه في جامع المنصور بأسوان ويدفن بجوار قبر بشر الحارث فحقق الله جل وعلا له هذه الثلاث كلها . قال العلماء : فحقق له الطلب العلمي الذي ذكره ثم دفن بجوار قبر بشر الحارث .الذي يعنينا من هذا كله أن ماء زمزم ماء لما شرب له وماء فضله الله جل وعلا فهو همزة جبريل وسقيا إسماعيل وماء أفاء الله به على أهل بيته وعلى أهل بلده الحرام وعلى حجاج كعبته كل ذلك فضل من الله ورحمه وبهذا خص الله جل وعلا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن يغسل قلبه بماء زمزم دون غيره من المياه.
كذلك أصبحت حادثة الإسراء والمعراج:
ماده خصبة في عالم المدائح النبوية وفي عالم الأدب والحق أن المدائح النبوية في أصلها الجواز بلاشك وإن كان المدح في عمومه جائز إن لم يكن فيه غلو ولاريب أنه لاأحد أولى ولا أحق بالمدح من رسولنا صلى الله عليه وسلم وقد بعض الشعراء عفا الله عنا وعنهم غلو في هذا غلوا ذميما لا يحسن أن نذكره لكن نقف عند بعض من وفق من الشعراء ونخص شوقي بالذكر في حديثه عن رحلة الإسراء والمعراج وقد تكلم شوقي رحمه الله عن الإسراء والمعراج في قصيدتين من شعره أولاهما في الميمية والأخرى في الهمزية وبكل وفق وقال خيرا ونستأنس ببعض قال رحمه الله في ميميته في مطلعها جزل عفيف رائع:
ريم على القــــــاع بين البان والعلم *** أحل سفك دمى في الأشــهر الحرم
رمى القضــــاء بعيني جؤذر أسدا *** يا ساكن القــاع، أدرك ساكن الأجم
لما رنا حدثتني النفــــــــــس قائلة *** يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي
جحدتها و كتمت الســــــر في كبدي *** جرح الأحبـــــة عندي غير ذي ألم
يا لائمي في هواه، والهــــوى قدر *** لو شفك الوجــــــد لم تعذل ولم تلم
ثم ذكر الإسراء والمعراج:
أسرى بك الله ليلا في الملائكة *** والرسل في المسجد الأقصى على قدم
لما رأوك به التفوا بسيدهم *** كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
صلى وراءك منهم كل ذي خطر *** ومن يفز بحبيب الله يأتمم
جبت السماوات أو ما فوقهن جداً *** على منورة درية اللجم
ركوبة لك من عز ومن شرف *** لا في الجياد ولا في الأينق الرسم
مشيئة الخالق الباري وصنعته *** وقدرة الله فوق الشك والتهم
هذا ماقاله شوقي رحمه الله في الميميه،أما ما قاله في الهمزيه :
يا أَيُّها المُسرَى به شرفاً إلى * ما لا تنال الشمسُ والجوْزاءُ

يتساءَلون وأنتَ أَطهرُ هيكل * بالروح أم بالـهيكل الإِسراءُ

بهما سَموْتَ مُطَهَّرَيْن كلاهما * روحٌ وريحانِيَّة وبهاءُ

تغشى الغُيوبَ من العوالم كلَّمــــــــــــــا* طُويَتْ سماءٌ قُلِّدَتْكَ سمـــــاءُ

أَنت الذي نَظمَ البريَّةَ دينُهُ * ماذا يَقول ويَنظم الشعراءُ

المُصلِحون أصابعٌ جُمِعت يــــــــــَداً * هي أَنت بَلْ أنت اليـــــــدُ البيضاءُ

صلى عليك اللـهُ ما صحِب الدُّجى * حادٍ وحَنَّت بالفلا وَجناءُ

واستقبل الرِّضْوانَ في غُرفاتِـــــــــــهم * بجِنان عَدْنٍ آلُك السُّمحَــــــــاءُ
صلوات الله وسلامه عليه بكرة وأصيلا . وإن كان لشوقي هفوات وزلات عظيمة جدا في باب العقيدة في بعض أشعاره لكن هذه الأبيات التي ذكرناها من جيد شعره وهي سلسلة في لفظها جيدة في معناها موفقة فيمن قيلت فيه وهل يحسن الشعر في أحد كما يحسن في نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
ـ تبقى مسألة فقهيه قليلا بعض العلماء يناقش قضية أيهما أفضل ليلة الإسراء والمعراج أم ليلة القدر؟
ونرى أنه لا ينبغي أن نجمع النقاش بين هاتين الليلتين لأن ليلة الإسراء والمعراج ليس للأمة علاقة بهما اللهم إلا من فرحهم لإكرام الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وهي ليست ليلة تعبديه لم يتعبدنا الله جل وعلا فيها بعمل ولذلك لم يقل الله عن وقتها لم يخبرنا الله عنها ولم يخبرنا في أي شهر هي ولم يتعبدنا بأن نسعى أن نترقبها بخلاف ليلة القدر فإن ليلة القدر أعطيت لنتدارك أنفسنا ونتوب إلى الله ونتقرب إلى الله بصالح أعمالنا جعلها الله جل وعلا ميزان الرحمة يتنافس فيه المصلحون ويتقرب فيه العابدون ويقوم فيه الصائمون وأمثال ذلك من طرائق الوصول إلى رضوان الله الذي هو قائم في أساسه كله على قيام تلك الليلة {من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقد من ذنبه } على هذا نقول إن ليلة الإسراء والمعراج بالنسبة لنبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر بلا شك لأنه في ليلة الإسراء والمعراج كلم ربه أما ليلة القدر بالنسبة لنا كأتباع لهذا النبي الكريم أفضل من ليلة الإسراء والمعراج لأن ليلة الإسراء والمعراج غاية الأمر فيها أن نفرح فيها لما كان من تعظيم الله وإكرام الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أما ليلة القدر فقد جعلها الله جل وعلا طريقا موصلا إلى رحمته وإلى جنانه وإلى غفران الذنوب وتعبدنا تبارك وتعالى في أن نسعى للاجتهاد التعبدي فيها وأن نترقبها وأن نتحراها كما دلت على ذلك الآثار الصحاح عن نبينا صلى الله عليه وسلم.
ـ بقي أن نقول معشر الأحبة أن بعض العلماء يناقشون قضية هل أسري بالجسد أو بالروح بالنبي صلى الله عليه وسلم؟
وهذا الأمر ظاهر بين كنت لا أحب أن أتكلم فيه لكنني أتكلم فيه من باب سد الذرائع أو قطع الباب وهو أن نقول لا يعقل أن يقال إن الإسراء كان بالروح فقط أن الإسراء والمعراج كان بالروح فقط وهو لو كان كذلك لما كبر وعظم على القرشيين ولما ردوه ولما عنفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله هذا ولا سخروا منه لأن كل إنسان يستطيع أن ينام فيرى ما يرى ويحلق به روحه فيما شاء من العوالم والأفلاك لكن الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح ولهذا قال الله جل وعلا {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ولفظ عبد يدخل فيه إذا أطلق الروح والجسد قطعا مجتمعتين والمقصود به هنا العبد النبي صلى الله عليه وسلم صلوات الله وسلامه عليه هذا ما تيسر إرادة وتهيأ إعداده عن ليلة الإسراء والمعراج قلناه على بينة من الأمر وقفنا في الأمور التي يغلب على الظن أنها غير مشتهرة أما غير ذلك من الفوائد فقد ضربنا عنه الذكر صفحا لاشتهاره وكنا قد بيناه في دروس شتى ومواطن متعددة والله المستعان وعليه البلاغ وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تم بحمد الله

مريم العلي
17-08-2009, 11:48 AM
][®][^][®][ نعيم الجنة ][®][^][®][
للشيخ صالح المغامسي

الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته .. ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته .. وأشهد أن لا آله إلا الله وحده لا شريك له ... في السماء عرشه و في كل مكان رحمته وسلطانه وسع الخلائق خيره و لم يسع الناس غيره ... و أشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله سهد الذئب بنبوته و شهد القمر برسالته وتفرق السحاب إكرام لإشارته بعثه الله جل وعلا على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين فصل الله وسلم وبارك وأنعم عليه كما وحد الله وعرف به ودعي إليه .. اللهم وعلى آله و أصحابه وعلى سائر من أقتفى أثره ومن أتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين ..

أم بعد ... أيها المؤمنون :
فإنه ما من معصية أبلغ ولا من أمر أعظم من قول الله (( يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد )) .. ثم أعلموا عباد الله أن نبيكم صلى الله عليه وسلم مر على رجل من أصحابة ومع نبيكم معاذ بن جبل رضي الله عنه فأخذوا يتذكرون الدعاء فكان من جملة ما قاله ذلك الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه : { أما و إني لا أحسن دندنك ولا دندنت معاذ ولكنني أسأل الله الجنة واستعيذ به من النار } .. فقال صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : { حولها ندندٍ } أي ما تسأله الله جل وعلا هو ما نسأله أنا ومعاذ إياه ..

أيها المؤمنون .. قد يظن البعض أن الحديث عن الجنة أمر تقليداً مكرراً تكاد تسأمه بعض النفوس ولا ريب أن هذا خلاف الفطرة وخلاف هدي محمد صلى الله عليه وسلم و أصحابة ... وهل أرق الصالحين وأقض مضاجع المتقين إلا أنهم يخافون أن يمنعوا من دخول الجنة .. وهل عاش الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأخيار عبر الدهور و العصور إلا وهم يسألون الله جل وعلا أن يدخلهم الجنة وهل خير صلى الله عليه وسلم عند موته حتى يتسنى له البقاء و الخلد بأعظم من ان يقال له الخلد في الدنيا ثم الجنة فختار صلى الله عليه وسلم لقاء ربه ثم الجنة ... وهل وعد الله جل وعلا عباده الأبرار وأتباعه الأخيار ممن آمن به من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة بعطاء هو أعظم أو أجل من الجنة (( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون )) وهل عاقب الله جل وعلا أحد ممن عصاه بأعظم من حرمانه من دخول الجنة أعاذنا الله و إياكم من الخذلان والحرمان ..


أيها المؤمنون : الجنة خلقها الله جل وعلا في ظاهر أقوال العلماء وظاهر القرآن خلقها جل وعلا بيده وهي الدار التي أعدها الله تبارك وتعالى لأوليائه وأهل طاعته وقد أختلف العلماء في الجنة التي أدخلها الله جل وعلا أبانا آدم يوم خلقه قال الله جل وعلا في سورة البقرة (( وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة )) فقال الكثير منهم إنها جنة المأوى .. جنة الخلد التي وعدها الله جل وعلا عبادة المتقين بعد بعثهم وقال آخرون من أهل العلم من أهل السنة وغيرهم قالوا : إنها ليست جنة الخلد وليست جنة المأوى التي وعدها الله عبادة بعد البعث ولكنها جنة إما في السماء و إما في الأرض ..واستبدلوا على ذلك بأمور منها أن الله أخرج آدم منها وقالوا : الأصل أن الجنة دار خلد فكيف أُخرج آدم منها وقالوا من ضمن أدلتهم أن الله جل وعلا كلف فيها آدم وابتلاه بأن لا يأكل من الشجرة و الجنة الأصل أنه لا تكليف ولا ابتلى فيها وقالوا إن الشيطان دخل إليها فوسوس إلى آدم والأصل أن الشيطان لا يدخل الجنة إلى جملة من الأدلة و البراهين عندهم ... والظاهر والله أعلم أن كل ذلك جرى بقدر الله ولا نجزم به والأظهر الذي دل عليه القرآن أنها جنة الخلد لأن الله قال (( وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة )) والألف والأم فيها للعهد وليس في عهد من يقرأ القرآن وذهنه إلا أنها جنة الخلد إذ لم يذكر القرآن جنة غيرها في كلام الله جل وعلا .. كما أن من جملة الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم في الصحيح أخبر أن أهل الموقف من أهل الجنة يوم القيامة من المؤمنين يأتون أباهم آدم فيقولون : يأبانا أستفتح لنا الجنة فيقول آدم عليه السلام : وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم ... مظاهر قوله عليه السلام وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم أنها جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عبادة وأين كان الأمر فإن المسلمين متفقون على أن الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين هي جنة المأوى وجنة الخلد في السماء السابعة وأنها مخلوقة موجودة الآن قدر الله لها أنها لا تبيد ولا تفنى ... أيها المؤمنون :
هذه الجنة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها قيعان وأن أعظم غرسها سبحان الله , الحمد لله , لا آله إلا الله , الله أكبر , فقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال : لما عرج بي لقيت خليل الله إبراهيم فأوصاني قائلاً : يا محمد { أقرأ مني أمتك السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان وأن غرسها سبحان الله و الحمد لله و لا آله إلا الله والله أكبر } هذه الجنة أيها المؤمنون عظم شوقها إلى عباد الله الصالحون قال صلى الله عليه وسلم كما في الخبر الصحيح قال : { إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة إلى علي و عمار و سلمان } رضوان الله تعالى عليهم .. ولا يعني ذلك ان الجنة لا تشتاق لغيرهم فإن الحديث في سياق الخبر وليس في سياق الحصر فلا ريب أن الجنة تشتاق لأبي بكر وعمر وغيرهما من عباد الله المؤمنين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر فقط عن ثلاثة ليبين مال هؤلاء الثلاثة من عظيم القدر و جليل المكانة عند ربنا تبارك وتعالى هذه الجنة يمنع عنها أقوام بالكلية فلا يدخلونها أبداً رغم ما فيها من الفضل و ما جعل الله فيها من الرحمة و ما فيها من نعيم الله الذي لا ينفذ وقرة العين التي لا تنقطع وهؤلاء والعياذ بالله هم أهل الكفر والإشراك قال الله جل وعلا (( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة )) فمن أشرك بالله أو كفر به جل وعلا فإن الجنة عليه حرام ... حراماً تحريماً مؤبداً فإن الله جل و علا أخبر أنه ما بعث الرسل ولا أنزل الكتب ولا خلق الجن والأنس ولا أقيم سوق العرض ولا خلقت السماوات و الأرض إلا ليوحد سبحانه ويعبد دون سواه فمن خالف هذا الأمر الرباني والإلهي الذي أجراه الله على الأمم كلها كان حرام عليه بقدر الله أن يدخل الجنة قال الله جل وعلا عن أهل معصيته بعد أن بين سبب عذابهم والنكال بهم وحرمانهم من نعمة الله قال (( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا آله إلا الله يستكبرون )) فمن ذلت عينه وقلبه وخشعت نفسه أمام هذه الكلمة وفق لكل خير ومن منعها ولم يجد لها مكاناًً أو مساقاً في قلبه فالجنة عليه حرام ...




بكلام رب العالمين جل جلاله .. جعلنا الله وإياكم ممن يؤمن به ويعبده وحده دون سواه ... هؤلاء من حرم الله عليهم الجنة تحريماً مؤبداً ومن الناس من ذل لهذه الكلمة لكنه عصى النبي صلى الله عليه وسلم .. عصى الشرع في أمور كثيرة فهؤلاء لا يمكن لهم أن يدخلوا الجنة ابتداءاً ولو ماتوا على التوحيد قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة عاق لوالديه } الجنة من أعظم المنازل ولا يدخلها إلا ذو قلب سليم وكيف تجتمع السلامة قلب مع عقوق لوالدة حملتك تسعة أشهر أو عقوق لوالد رباك ورعاك .. عقوق الوالدين من أعظم ما يمنع رحمة الله جل وعلا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة عاق لوالديه } ...

الخمر أم الخبائث حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم هي مظنة كل شر وسبب كل بلاء وقد قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة مدمن خمر } ول مات على لا إله إلا الله إلا أن يكون قد تاب قبل وفاته فإن الخمر والعياذ بالله حرمها الله وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببها عشراً من الناس ولم يرد في الشرع كله أن النبي لعن شيء معين عشراً من العباد إلا ما ورد في لعن الخمر وشاربها و بقية العشرة أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله .. قد يكون الإنسان جار ولكن ذلك الجار والعياذ بالله فيه الخلل و الزلل ما يجعلك لا تأمن أنت ولا زوجتك ولا أبنائك ولا بناتك ذلك الجار ... تخاف على أبنائك وبناتك إذا سافرت يؤذيك في كل شيء .. من موقف سيارتك إلى عرضك وأهل بيتك هذا الجار حرم الله على لسان رسوله أن يدخل الجنة قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه } أعاذنا الله وإياكم من سوء الجار.. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل الجنة أبتداءاً قاطع الرحم والإنسان والعياذ بالله إذا غلبت عليه الأنانية وحب الذات وحرم منه أقرباؤه حرم منه أعمامه وأخواله وعماته و خالاته الفقير البائس والمسكين وذو الحاجة منه حرموا من عطاءه إما بحجج واهية كاشتغال بطلب العلم أو بحضور محاضرات أو تجارة أو بأمثال ذلك من الحجج الواهية .. قال صلى الله عليه وسلم كما الخبر الصحيح : { لا يدخل الجنة قاطع } أي لا يدخل الجنة قاطع رحم لأن الرحم أشتق الله لها جل وعلا أسم من أسمه وقال أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ... فهؤلاء وأمثالهم ممن نص الشرع عليهم حرم الله عليهم دخول الجنة أبتداءاً كما حرم الله دخول الجنة أبتداءاً على من في قلوبهم كبر ومن عرف الله جل وعلا جليل منزلته وما له جل وعلا من رداء الكبرياء والعظمة امتنع أن يتكبر وتواضع للرب تبارك وتعالى وعرف للعباد حقوقهم التي أوجب جل وعلا عليهم قال صلى الله عليه وسلم : { لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر } ... وعلى النقيض من ذلك ثمة أقوال وأعمال صالحة تكون سبباً في دخول الجنة من أعظمها وأولها ما روى بعض الأئمة بسند حسن أن نبينا صلى الله عليه وسلم يكون أول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها فإذا أمرأة تزاحمه صلوات الله وسلامة عليه على دخول الجنة فيقول لها صلى الله عليه وسلم : ومن أنت ؟ { أي مالذي جعلك بهذه المكانة } فتقول له : يارسول الله أنا أمرأة كنت قائمة على أيتام لي .. فهذا لبؤسها و ضعفها وعجزها وتركها لشهوة نفسها رغبة في القيام بشؤون أبناءها من اليتامى جعلها الله جل وعلا تزاحم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بدخول الجنة ...

الوضوء إسباغه و الصلاة بعد من أعظم أسباب دخول الجنة فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أراه الله الجنة مراراً يدخلها صلوات الله وسلامة عليه [ وكلما دخل الجنة سمع صوت نعلي بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه وقال صلى الله عليه وسلم لبلال: { أخبرنا بأرجى عمل عملته في الإسلام فإنني ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشفت نعليك بين يدي } فقال : يا نبي الله أما وقد سألت فإني كنت لا أنقض وضوء فأسبغ فيه وضوء إلا صليت الليل جل وعلا في أي ساعة من ليل أو نهار ما كتب الله لي أن أصلي رضي الله عن بلال وألحقنا به في الصالحين .. كما أن الوضوء نفسه من غير صلاة قال صلى الله عليه وسلم : { من أسبغ الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله اللهم أجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء } كما أن من أعظم أسباب دخول الجنة وعلو المنازل فيها كفالة اليتيم قال صلى الله عليه وسلم : { من كفل يتيم كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وجمع وفرق صلى الله عليه وسلم بين أصبعيه السبابة والوسطى .. كل هذا عباد الله بعض مما دل الشرع عليه من أسباب دخول الجنة .. ومما ينبغي أن يعلمه كل عبد أن المؤمن إذا كتب الله جل وعلا له الجنة نسي كل بؤس كان عليه في الدنيا ظمأ الهواجر ... قيام الليل ... إنفاق المال ... عونك لأخيك ... كثرك لتسبيح ... صبرك على البلاء ... كل ذلك ينسى إذا أدخل الجنة .. أدخلنا الله جل وعلا وإياكم الجنة ... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (( ثم أورتنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم نفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخير بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب )) جعلنا الله وإياكم ممن يقول هذا يوم القيامة عند دخول الجنة بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فتستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ...



الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد ... عباد الله "
فإن القرآن لما حث أتباعه على المسارعة في الخيرات والمسابقة في الطاعات طمع في دخول جنات الرحمن ... ما أراد الله بذلك وما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسابق الإنسان إلى الموت وأن يسرع إلى التخلص من حياته فإن الأجل أمر لا يكلف العبد به هذا أمر قدري خارج عن التكليف والله يقول (( فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون )) ولم يرد في الشرع إلى أن يتمنى الموت إلا في حالات يذكر فيها دعاءاً مخصوص أما الأصل في المؤمن أنه يسارع في الخيرات ويسابق في الطاعات ويعمل العمل الصالح هذا الذي كلفنا الله به أخرج الأمام أحمد في المسند من حديث أبي أمامه رضي الله عنه وأرضاه قال :{ وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرققنا [ أي أثر فينا حديثه ] فبكى سعد رضي الله عنه وأرضاه فأكثر من البكاء ثم قال سعد [ أي سعد با أبي وقاص ] قال : ياليتني مت... فقال صلى الله عليه وسلم : يا سعد لا تقل هذا فإنك أن كنت قد خلقت للجنة فمهما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك } .. وهذا توصية نبوي كريم منه صلوات الله وسلامه عليه المؤمن مطالب أن يسارع في الخير ويعمل الصالح وليس مطالب بأن ينهي نفسه ويقتلها يظن أن وراء ذلك الجنة .. قال صلى الله عليه وسلم : { بادروا بالأعمال سبعاً فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غناً مطفياً أو مرضاً مفسداً أو هدماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشرها ابن نتظرأو الساعة فالساعة أهدى وأمر } فقوله صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال أي سارعوا في الأعمال الصالحة قبل أن يمنعكم عنها مانع ثم ذكر عليه الصلاة والسلام جملة من الموانع فالفقر ينسي لأن الإنسان إذا كان فقيراً أنشغل بقوته ورزقه ودفع دينه .. ومنعه ذلك بأن يعبد الله على الوجه الأكمل والنحو الأتم بالغالب وإذا كان غنياً طفي عليه غناه فنشغل بوقاراته وتجارته وأسهمه وأرباحه وشغله ذلك عن طاعة الرب تبارك وتعالى على الوجه الأكمل والنحو الأتم وإن كان مريضاً عجز عن الحج والعمرة والصيام وأمثال ذلك من الطاعات لمرضه وإن كان هرماً دخل .. في الخزف فلا يدري الليل من النهار .. فكيف سيصلي ويصوم ... إن كان الموت فهو مجهز قاضي عليه وبه تطوى صحائف الأعمال إلا ماستثناه الشارع منه والدجال لا فتنة أعظم منه والساعة نهاية الأمر وقيام الحساب وكل ذلك لا يحمل فيه فهذا جزء من التوصية النبوي الكريم بالمسارعة للخيرات وقد نقل الأخيار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل ما يبكيك يا صاحب رسول الله قال : أبكي على ظمأ الهواجر [ أي لا أستطيع أن أصوم بعد اليوم ] أبكي على قيام الليل الشتاء لأنني بعد موتي لا أستطيع أن أقوم بعد اليوم أبكى على مزاحمة العلماء بالركب لأن

حضور مجالس العلماء وحضور مجالس تدارس القرآن كل ذلك مما تغشى به السكينة وتنزل الملائكة ويعظم به الأجر فلم يتأسف معاذ رضي الله عنه على دينار ولا على درهم ولا على زوجة ولا على ولد ولكن تأسف على ما سيفوته من عمل صالح رغم أنه رضي الله عنه وأرضاه من أعظم الصحابة قدراً وأجلهم مكانة وأكثرهم علماً رضي الله عنه وعن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين ...
ألا وأعلموا عباد الله أنكم في يوم الجمعة سيد الأيام فصلوا فيه وسلموا على سيد الأنام (( إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )) اللهم صلي على محمد ماذكر الذاكرون الأبرار وصلى على محمد ما تعاقب الليل والنهار وأرض اللهم عن أصحاب محمد من المهاجرين والأنصار .. اللهم ورحمنا معهم بمنك وكرمك وعفوك يا عزيز يا غفار اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك ربنا من النار وما قرب إليها من قول

وعمل اللهم كما جمعتنا على هذا الفرش
أجمعنا برحتك في ظلال العرش
ياذا الجلال والإكرام ... اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك اللهم وفقه لهداك وجعل عمله في رضاك ... اللهم ودرأ عن أمة الإسلام غوائل الفتن وطوارق المحن وقها اللهم شر الكفار وكيد الفجار .. ياذا الجلال والإكرام
اللهم احفظ المؤمنين في فلسطين والعراق وفي سائر البلدان يارب العالمين .. اللهم انصر دينك و كتابك و أولياءك وعبادك الصالحين وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك و يهدى فيه أهل معصيتك ... ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ... ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار... عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان و إيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء و المنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ...

مريم العلي
17-08-2009, 11:49 AM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلن تجد له وليا مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشه أن سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد ......
فإن مما صح خبره من السيرة العطرة الأيام النظرة ، ممن طابت حياته ومماته صلوات الله وسلامه عليه ، حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال :" إن زاهرا كان رجلا من البادية ، وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من البادية هدية ، وكان النبي يعطيه قبل أن يذهب إلى البادية ويقول: "إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه " وكان زاهرا رجلا ذميما وكان صلى الله عليه وسلم يحبه ، فأتاه ذات يوم وزاهر يبيع متاعه في السوق ، فجاء صلى الله عليه وسلم إلى زاهر من خلفه ، وأخذ يضمه ويلصق ظهر زاهر بصدره صلوات الله وسلامه عليه ، وزاهر يقول : من هذا أرسلني أرسلني ، فالتفت فإذا نبي الأمة فعرفه صلوات الله وسلامه عليه ، فجعل زاهر لا يألو أن يلصق ظهره بصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال صلوات الله وسلامه عليه : " من يشتري مني هذا ؟؟" فقال زاهر : يا نبي الله ستجدني كاسدا " -أي لا يشتريني أحد- ، فقال صلى الله عليه وسلم : "بل لست بكاسد أنت عند الله غال".
أيها المؤمنون : هذه منزلة رجل من بادية أمة محمد فكيف بمنزلة محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه ؟؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) جعلني الله وإياكم ممن يقتدي بهديهم .
أيها المؤمنون: هذه قبسات وجوانب مضيئة وكل حياته صلوات الله وسلامه عليه مضيئة ، لكن من عظمة سيرته صلوات الله وسلامه عليه أنه يمكن أن تتناول بمختلف الطرق :
• يمكن أن تلقى كأخبار وقصص.
• ويمكن أن تدرس كاستنباط لما في طيات السنن من عظيم الآثار .
• ويمكن أن تتناول وتدرس بغير ذلك ، وهذا كله يدل على عظيم تلك الحياة ، التي عاشها نبينا صلى الله
عليه وسلم ، وخير ما يقدمه طالب العلم للناس أن يقدم إليهم محاولة جديدة في فهم سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم على غير ما يألفوه ، وإن كان لا يستطيع أن يحلق بعيدا عن ما ذكره الأخيار وسطره الأبرار من العلماء والمشايخ من طلبة العلم في الماضي والحاضر نفعني الله بنا وبهم الإسلام المسلمين .
أيها المؤمنون : أولى القبسات: أن القلوب هي الأوعية التي يحب فيها الله ويعظم ويجل ومن عظيم محبة الله جل وعلا: ومن خلال جليل محبة الله في قلوب أي عبد ينجم عنها العمل والقرب إلى الله بالطاعات والازدلاف إلى الله بالحسنات وينجم عن ذلك البعد عن الحسنات ، والفرار من الذنوب والإحجام عن الموبقات ، ونبيكم صلى الله عليه وسلم جعل الله جل وعلا قلبه له تبارك وتعالى ، فولد عليه الصلاة والسلام دون أن تكتحل عيناه برؤية أبيه فنشأ يتيم الأب منذ ولادته ، فتعلق بقلب أمه وشفقتها وحنانها ورقتها عليه ، فما أن أتم ست سنوات إلا وحجبت عنه رحمة الأم بأن ماتت أمه ، فأخذ ذلك الصبي صلوات الله وسلم عليه يوم ذاك يدب نحو جده ويتشبث به فما هي إلا سنتان ويموت ذلك الجد ، فيصبح ذلك النبي المنتظر الذي يختم الله به النبوات ، ويتم به الرسالات لا أب ولا أم ولا جد له ، لأن الله جل وعلا وحده تكفل به (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ولما بعث صلوات الله وسلامه عليه جعل الله له نصيرين: عمه أبا طالب ، وزوجته خديجة ، فلما تفاقمت عليه مصائب أعدائه ورموه عن قوس واحدة توفي العم وتوفيت الزوجة في أوقات متقاربة ، بل في شهر واحد حتى يطمئن صلى الله عليه وسلم أن الله وحده هو الذي سينجيه ويظهره ويعلي شأنه صلوات الله وسلامه عليه .
يهاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وكان قد مات ولداه القاسم وعبد الله قبل أن ينبأ ، فما بقي له إلا البنات فتعلق بهن صلوات الله وسلامه عليه مثله مثل أي أب.
ثم ما إن تعلق بعائشة رضي الله عنها وأرضاها وأحبها حتى رميت في عرضها رضي الله عنها وأرضاها .
ثم بشر صلى الله عليه وسلم بقدوم جعفر قال : " والله لا أدري بأيهما أسر ، بفتح خيبر م بقدوم جعفر " فما هي أعوام أو شهور معدودات ويموت جعفر ويبقى صلى الله عليه وسلم مع غير حبيبه جعفر .
ثم يملي الله وحشته بأن يرزق صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم فما أن يظهر الود في قلبه عليه الصلاة والسلام ويتردد إلى عوالي المدينة كي يرى إبراهيم كل يوم ويقبله ويرفعه ويشمه ثمانية عشر شهر فقط ويموت إبراهيم ، حتى لا يبقى في قلبه صلى الله عليه ولم أحد إلا الله ، ولهذا ما قضى صلى الله عليه وسلم عمره إلا في ما قضاه الأنبياء من قلبه إلا وهو التعريف بربهم جل وعلا .
وإن أعظم نصرة له صلوات الله وسلامه عليه:
أن يؤخذ عنه الدين أو أن يأخذ عنه في المقام الأول عظيم توحيده لربه تبارك وتعالى ، فإن القلوب لا يستحق أن يملأ على عرشها أحد تحبه وتوالي وتبغض فيه إلا الرب تبارك وتعالى ، ولهذا كانت أعظم آيات القرآن تترى في أمكنة متعددة ، وأزمنة متباينة كلها تبين هذا المنهج العظيم الذي بعث من أجله الرسل وأنزل الله جل وعلا من أجله الكتب .
جاءه العاص ابن وائل وهو بمكة صلوات الله وسلامه عليه وفي يد العاص عظام قد أرمت فنفخ فيها ، وقال : " يا محمد أتزعم أن ربك يحي هذه بعد موتها ." فأنزل الله قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ) الخُضرة لا تكون إلا من ماء ، والماء لا يتفق مع النار ، إذ هما خصمان ومع ذلك فإن الله جل وعلا يجعل من الشجر الأخضر نارا ولا يقدر على هذا إلا الله .
والمقصود: أن قلبه صلى الله عليه وسلم ملأ محبة وتوحيدا وإجلالا لله فنشأت دعوته كلها على هذا المبدأ العظيم الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب ، وهذا أعظم ما يمكن أن ينصر به العبد نبيه صلى الله عليه وسلم .
من القبسات المضيئة في سيرته العظيمة صلوات الله وسلامه عليه:
عظيم شفقته ، ورحمته بأمته ، ولهذا حق على كل مسلم أن يعرف لهذا النبي قدره، وعظيم حقه لعظيم ما كان صلى الله عليه وسلم يحمله من المحبة والشفقة والرأفة بأمته ، في رحلة الإسراء والمعراج ، فرض الله عليه في السموات السبع الصلوات الخمس، خمسون صلاة في اليوم والليلة ،فلما عاد صلى الله عليه وسلم لقي أخاه موسى فقال له موسى ارجع إلى ربك فسأله التخفيف فإني قد بلوت الناس قبلك ، وإن أمتك لن تطيق ذلك .
ومن هنا أخذ العلماء إلى أن العلم ينقسم إل قسمين :
• علم عار عن التجربة .
• وعلم مقرون بالتجربة .
والعلم المقرون بالتجربة مقدم على العلم العاري منها ، فإن موسى عليه السلام ليس بأفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم ، لكن التجربة علمته أن الأمم لا تطيق مثل هذا فرجع صلى الله عليه وسلم إلى ربه يسأله التخفيف ، وما زال يتردد صلوات الله وسلامه عليه بين ربه حتى عاد إلى موسى وأخبره ، أن الله جعلها خمس صلوات ، فقال له موسى كذلك : ارجع إلى ر بك ، فسأله التخفيف ، فقال صلى الله عليه وسلم يعذر إلى موسى إنني استحييت من كثرت مراجعتي إلى ربي . فلما حفظ صلى الله عليه وسلم مقام الله ، حفظ الله له جل وعلا مقام أمته التي أوكل إليه أن ينافح عنها فسمع مناديا يقول : "أن قد أمضيت فريضتي وأبقيت أجري" ، وأبقاها الله جل وعلا خمس صلوات بأجر خمسين صلاة ، في اليوم والليلة .
ومن هنا أخذ العلماء فائدة : أن من قدم حق الله على حق الغير أكرمه الله وأكرم الغير .
فإن نبينا صلى الله عليه وسلم في المرة الأخيرة ازدحم عنده أمران :
• حق أمته .
• وحق الله .
أدبه مع ربه ، وحق أمته بأن ينفح عنها ويخفف عنها كما طلب منه كليم الله موسى فاختار إلى أن يعتذر إلى موسى ويبقي حق الله تأدبا مع ربه ، فلما تأدب مع ربه صلوات الله وسلامه عليه أكرمه الله بأن جعلها خمس صلوات وجعل تجري على هذه الأمة أجر خمسين صلاة ، الحسنة بعشرة أمثلها ، وهذا من مقامه الرفيع صلوات الله وسلامه عليه ، في أدبه مع ربه تبارك وتعالى .
والمقصود منه : إخبار ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أدب تام ، وحرص عظيم على الشقة والرحمة بأمته في آن واحد .
من شفقته بأمته صلى الله عليه وسلم في الدنيا : أنه ضحى بكبشين أملحين أقرنين وسمى الله وكبر ، وقال في الأول "اللهم عن محمد وآل محمد" ، ثم قال في الآخر : "اللهم وهذا عمن لم يضحي من أمة محمد " شفقة بمن يأتي بعده صلوات الله وسلامه عليه .
ومن شفقته بأمته ، أمة إجابة عليه الصلاة والسلام أنه زار المقبرة فقال :" وددت لو أني رأيت إخواني ، قالوا :
يا رسول الله ألسنا إخوانك؟؟ قال: " بل أنتم أصحابي ، ولكن إخواني لم يأتوا بعد وأنا سابقهم إلى الحوض" ،
قالوا : يا رسول الله وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟، قال :" أريتم لو أن لأحدكم خيل غرا محجلة في خيل دهم بهم ، أفكان يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : "فإن إخواني يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض " جعلني الله وإياكم منهم .
هذا كله نماذج من شفقته وحدبه صلوات الله وسلامه على أمته .
كان يقوم الليل وهو عليه الصلاة والسلام ما قام الليل أحد أكرم على الله منه ، فلما تأسى به الناس ، وصلوا بصلاته في رمضان ، وهي قربة وفضيلة إلى الله ، ورفع درجات وتكفير خطايا لغيره ، اعتزلها وتركها وقال: " لقد علمت الذي صنعتم لكن خشيت أن تفرض عليكم"، فخوفه على الأمة أن يفرض عليها ما لا تطيق له حملا جعله صلى الله عليه وسلم يمتنع عن القيام جهرة في تلك الليالي ، وإلا فهو عليه الصلاة والسلام من عظيم قرباته وجليل مناقبه عند ربه عظم قيامه لليل بين يدي الله جل وعلا .
ومن أعظم أسباب التوفيق وأجل العطايا ، وأعظم المنح ، أن يختار الله عبدا من عباده يقف بين يديه ، في ظلمات الأسحار يسأل الله ويرجوه ، ويدعوه ويناجيه .
لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينمِ
الليل تسهره بالوحي تعمره وشيـبتك بهود آيـة استقم
صلوات الله وسلامه عليه .
تفقده عائشة ، تقول ظننته ذهب لبعض نسائه ، ووجدت في المسجد قد انتصبت قدماه، يقول في سجوده : " الهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك "
هذه الثلاث النماذج من دلائل شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته في الدنيا .
من شفقته على أمته في الآخرة : أن النار يحشرون عراه أحوج ما يكونون إلى الكسوة ، ويحشرون عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء ، ويحشرون ترجمهم الشمس أحوج ما يكونون إلى الظل وهناك يموج الخلق بعضهم في بعض يأتون أباهم آدم فيعتذر ، ويقول: " نفسي إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله ولا بعده مثله "، ثم يأتون إلى نوح يثنون عليه ، رجاء أن يستجيب لهم ، أنت أفضل رسل الله إلى أهل الأرض سماك الله في القرآن عبد شكورا ، فيقول : "نفسي نفسي" ويحيلهم إلى إبراهيم ، ويثنون على إبراهيم فيقول نفسي نفسي ، ثم يأتون موسى ، يثنون عليه يقول:" نفسي نفسي" ، يأتون عيسى ولا يذكرون ذنبا ، ولا يذكر ذنبا ، فيقول:" نفسي نفسي" فإذا أتوا إليه صلوات الله وسلامه عليه ، ماذا يقول ؟ والأنبياء كلهم يقولون:" نفسي نفسي "، هو يقول صلوات الله وسلامه عليه : "أمتي أمتي" ، جعلنا الله من من ينتفع بشفاعته يوم العرض الأكبر .
هذه نماذج من حدبه صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته ، أليس نبيا هذه صفاته ومحبته لنا وشفقته علينا ورحمته بنا جديرا بأن يحب وأن نتقرب إلى الله جل وعلا بحبه واتباع هديه ، واتباع أثره ، صلوات الله وسلامه عليه .
من الجوانب العطر والنضرة في سيرته صلى الله عليه وسلم:
ما أكرمه الله جل وعلا به من الدعوة إلى الله جل وعلا بالأسلوب الأمثل ، وكمال الحسن والرفق في الخطاب ، حتى يبين دين الله جل وعلا على الوجه الأمثل والطريق الأقوم ، ولا تبقى لأحد حجة على الله بعد بعثته ، صلوات الله وسلامه عليه .
وضع على ظهره سلى الجزور ، على كتفيه ، وهو يوم ذاك وإلى الآن ومازال صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق كرامة عند الله ، والاستنباط في القضية- والدرس علمي في المقام الأول-:
أن تعلم أن مقام العبد لا يعرف بوضعه عند الناس ، الناس لا يرون منك إلا الظاهر ، لكن الأمر العظيم مقامك عند ربك جل وعلا ، فهذا ساجد عند الكعبة ، وسلا الجزور على كتفيه ، وزعماء قريش ينظرون ، يسخرون ويتضاحكون ، وهو صلى الله عليه وسلم عند ربه في أعلا المقامات وأرفع الدرجات ، والدنيا لم يجعلها الله جل وعلا دار مكافئة ، ومن أعظم ما يدلك على حقارة الدنيا أن الله جل وعلا أذن قدرا أن يعصى فيها ،مما يدل على حقارة الدنيا أن الله جل وعلا أذن قدرا أن يعصى فيها ، وإلا لو كانت للدنيا كرامة عند الله لما أذن الله قدرا لأحد أن يعصيه فيها ، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة ، ومقامه عند ربه في أرفع الدرجات وأعلى المنازل وأرفع المقامات صلوات الله وسلامه عليه .
وهذا أمر ينبغي لكل من يحيى في هذه الحياة الدنيا أن يستصحبها في مكل شأن ، لأن الإنسان إذا كان ينتظر من الناس مدحا أو ثناءا أو رفيع قدر ، فسيتعب تعبا كبيرا ، لكن أول طرائق العظمة:
أن تبدأ بنفسك ، ولن تكون عظيما حتى تكون عظيم العبودية لله جل وعلا .
واعلم يا أخي:
• أن لله جل وعلا صفات وكلما ازددت عنها بعدا كنت من الله أقرب .
• ولله جل وعلا صفات كلما اتصفت بها كنت من الله أقرب .
وهذه الصفات لا تعرف برابط أو قاعدة وإنما تعرف بحيثيات الشرع ، فلا يوجد وضع يضعه ابن آدم فيه ذلة له أعظم من أن يضع جبهته على الأرض ، فهذا موضع ذلة بلا شك ولما كان هذا أعظم موضع ذلة يفعله ابن آدم ، وجب أن لا يصرف هذا الموضع إلا للرب تبارك وتعالى ، قال الله لنيه : (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فلما سجد صلى الله عليه وسلم حيث أمره الله ، كان أقرب إلى ربه جل وعلا ، فكلما ازددت عبودية للرب تبارك وتعالى وانكسارا بين يديه ، كنت إلى الله جل وعلا أقرب ، فإن العظمة من شأنه وحده جل وعلا ، لا ينازعه فيها .
والأمر الآخر: الكِْبر، فإن العظمة والكبرياء رداءان من راء الحق تبارك وتعالى ، فكلما تلبس الإنسان عياذا بالله من رداء الكبر كان من الله جل وعلا أبعد ، لأنه ينازع الرب تبارك وتعالى فيما هو من صفاته وخصائصه التي لا ينبغي أن ينازعه فيها أحد جل جلاله .
على العكس من ذلك فإن صفات الله جل وعلا الرحمة ، فمن كان رحيما بالخلق طمعا في أن يرحمه الله كان قريبا من رحمة الله جل وعلا قال الله جل وعلا : (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) وقال صلوات الله وسلامه عليه ، ( والشاة إن رحمتها يرحمك الله ) يقول لأحد أصحابه : ( والشاة إن رحمتها يرحمك الله ) ويقول : ( من لا يَرحم لا يُرحم ) وكلما كان الإنسان عفوا غفورا عمن حوله ممن يخطؤن عليه كان أدنى من عفو الله جل وعلا ورحمته وغفرانه ، وهذا الذي ينبغي أن تفهم فيه آيات الكتاب المبين ، وأخبار سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .
وعظيم القدر هذا كلما جحده الناس بينه الله جل وعلا بجلاء من حيث لا تشعر ، فنبينا صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية جرى الصلح بينه وبين القرشيين فأخذت الوفود تتفاوت بينه وبين قريش ، كل مرة تبعث قريش رجل منها حتى بعثت سهيل ابن عمرو فقال صلى الله عليه وسلم : ( لقد سهل أمركم ، لقد أراد القوم صلحا منذ أن بعثوا هذا الرجل ) فلما وضع الكتاب ليكتب واتفق الطرفان على الصلح وكان علي رضي الله عنه كاتب نبيا صلى الله عليه وسلم ، قال له صلى الله عليه وسلم : "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم " فاعترض سهيل وقال : " لا نعرف الرحمن ، ولا الرحيم ) اكتب كما نكتب باسمك اللهم ، صلى الله عليه وسلم ، وكتب باسمك اللهم ، ثم قال لعلي : " اكتب هذا ما قضى عليه محمد رسول الله سهيل ابن عمرو " فقال له سهيل : "لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ، لكن اكتب اسمك واسم أبيك "، فرض علي رضي الله عنه أن يمحو ما قد كتب ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أين موضع الكتابة ، أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة وعلم الله به الجن والإنس ، فبين له علي موضعها فمحاها صلى الله عليه وسلم بيده ، ثم أمر عليا أن يكتب هذا ما قاضى عليه محمد ابن عبد الله سهيل ابن عمرو ، من الذي جحد الرسالة هنا ؟ سهيل ابن عمرو فأنزل الله جل وعلا خاتمة سورة الفتح : (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) ثم قال : (وَالَّذِينَ مَعَهُ) ولهذا حذاق القراء من يريد أن يربط ما بين تدبر القرآن والآيات فليقرأ(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) لوحدها ، ثم يأتي بالواو استأنافية ، (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ) لأن في قول الله جل وعلا: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) رد على من أنكر رسالته ، بعثته صلوات الله وسلامه عليه . وفي الثانية: إخبار بأنصاره في الرسالة ، والمؤمنين الذين آووه ونصروه ، وجاهدوا معه وهاجروا ، من المهاجرين والأنصار ، وثناء الله جل وعلا عليهم من قبل في التوراة والإنجيل ، والغاية من هذا كله أن تعلم : أن الله جل وعلا لا يضيع عنده عمل عامل كائنا من كان ، وأن العبارة بمقامك عند الله جل وعلا وأنت ترى في طيات حياة نبيك صلى الله عليه وسلم ما يدلك على أن العبرة التامة برفيع مقامك عند الله ، ألا ترى أن الخضر وموسى عليهما السلام استطعما أهل قرية فقال الله : (فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا) فامتنع أهل القرية اللئام عن إطعام عبدين صالحين من عباد الله، لكن هذين العبدين لم يغير من ذلك من منزلتهما شيء عند ربهم جل وعلا ، وكيف تعرف قربك من ربك وعلو منزتك عنده ؟؟ هذا اعرض نفسك على كتاب الله يقول الله " (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) وكل امرئ حسيب نفسه .
من القبسات المضيئة في حياته صلى الله عليه وسلم : ما أجمله الصديق رضي الله عنه في خبر الوفاة ، فإن الأمة لن تفجع بأعظم من فجيعتها بوفاتها بنبيها صلوات الله وسلامه عليه ، وكان أبوبكر في السُنَح وهو عوالي المدينة ، والذي دفع أبا بكر أن يخرج إلى السنح رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شديد المرض ، أن النبي عليه الصلاة والسلام طل عليهم في ذلك اليوم ، لما أطل عليهم استبشر الناس خيرا ، فعمد أبو بكر إلى أن يذهب إلى أهله في السنح ، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وشاع ذلك في الناس ما بين مصدق ومكذب قدم أبوبكرمن بيته في السنح دخل على بيت عائشة بوصفها ابنته لا يحتاج إلى إذن ، فلما دخل على حجرة عائشة إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم مسجا على فراشة ، فلما كشف الفراش ، عرف أنه مت ، فقبله بين عينيه واغرورقت عيناه بالدموع رضي الله عنه وأرضاه وقال كلمة تختصر الكثير من العبارات ، قال " طبت حيا ومتا يا رسول الله " فهو عليه الصلاة والسلام طابت حياته وطابت مماته ، لأنه حياته وصلاته ونسكه ومماته كان لله رب العالمين ، كما أمره الله جل وعلا في آية الأنعام : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) صلوات الله وسلامه عليه .
أما طيب حياته صلى الله عليه وسلم فقد طاب خُلُقَاً ، وطابا خَلْقاً، طاب خَلْقا: بأن الله جعله في أتم هيئة في خلقه وقد كررنا مرارا وصفه الخَلقي ، فهو عليه الصلاة والسلام : كان سبط الشعر ، لا بالمسترسل ولا بالملتوي ، في جبهته عرق يدره الغضب إذا غضب في ذات الله ، أزج الحواجب أي دقيق الحواجب في قرن أي غير مقترنين ، أشم الأنف ، طويل أشفار العينين ، أبيض مشربا بحمرة ، كث اللحية ، الشيب فيه ندرة متفرق ، شيب في صدغه الأيمن ، شيب في صدغه الأيسر ،و شيب في شعره ، وأكثر شيبه أسفل علفقته السفلى ، وجملة ما فيه من الشيب لا يكاد يتجاوز عشرين شعرة ، كأن عنقه إبريق فضة ، من لبته الثغرة التي في النحر إلى أسفل سرته خيط ممتد شعر ممتد على هيئة خيط دقيق، عبر عنه الرواة بأنه دقيق المشربه ، ما بين كتفيه من الخلف شعيرات سود ، اجتمع بعضهن إلى بعض ناتئة عن الجسد قليلا كأنها بيضة حمامة ، عريض ما بين المنكبين ، سواء الصدر والبطن ، إذا أشار أشار بيده كله ، وإذا تعجب من شيء قلب كفيه وقال:" سبحان الله "، وعند البخاري في الأدب المفرد أنه إذا تعجب من شيء عض على شفتيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، إذا مشى مشى يتكفأ تكفأ كأنما ينحدر من مكان عال ، من رآه من بعيد أهابه ، ومن رآه من قريب أحبه ، يقول جابر ابن سمرة : صليت مع الني صلى الله عليه مسلم صلاته الأولى -أي صلاة الظهر- ، فطفق ولدان المدينة يسلمون عليه ، فصافحته فوجدت لكفه بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤمة عطار " صلوات الله وسلامه عليه ، وقال محمد ابن عمار لرُبَيِّع ابن معوذ : يا أماه صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت: يا بني لو رأيت لرأيت الشمس طالعا ، فقال جابر ابن سمرة خرجت في ليلة ادحيان-أي الليلة البدر فيها مكتمل- فرأيت القمر ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم عليه حلة حمراء ، فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فله عندي أجمل من القمر صلوات الله وسلامه عليه وطيبه صلوات الله وسلامه عليه .
وطيبه الخَلقي كان مقرونا بطيبه الخُلقي فلم يكن لعانا ولم يكن فحاشا ولا متفحشا ولا سبابا ، قال الله جل وعلا يزكي لسانه : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وزكى الله بصره (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) وزكى الله جل وعلا قلبه (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) وزكاه الله جل وعلا جملة (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) منّ الله جل وعلا عليه بأن جعله خاتم الأنبياء ، وسيد المرسلين ، وأخذ الله جل وعلا العهد والميثاق على الأنبياء من قبله أنه إذا بعث فيهم وهم حياء أن يتبعوه (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) وكما طابت حياته وطابت خَلقه وطاب خُلُقه طابت مماته صلوات الله وسلامه عليه ، فكان آخر عهد بالدنيا أن استاك ، حتى طيب فاه قبل أن يلقاه ربه جل وعلا ، وبقدر الله يدخل عبد الرحمن ابن أبي بكر إلى بيت عائشة ، وبقدر الله ينظر صلى الله عليه وسلم إلى السواك ، ولا يستطيع وهو نبي الأمة ورسول الملة وسيد الفصحاء أن يقول أعطوني المسواك، ثم تأخذ عائشة السواك من أخيها فتقضمه وتطيبه فيتطيب عليه الصلاة والسلام ، ثم يجري عليه ما يجري على الأنبياء قبله، وجميع الأنبياء تجري عليهم أحكام خمس :
1. أنهم يرعون الغنم.
2. وأنهم يخيرون عند الموت .
3. وأنهم يدفنون في الموضع الذي مات فيه.
4. وأن الأرض لا تأكل أجسادهم .
5. وأنه تنام أعيونهم ولا تنام قلوبهم .
، فجرى عليه الثالثة من هذه الأمور وهو أن الملك أخذ يخيره ما بين الخلد في الدنيا ثم الجنة ، وما بين لقاء الله ثم الجنة ،و قلب كقلب محمد صلى الله عليه وسلم لا يشتاق إلى شيء أعظم من شوقه إلى لقاء الله فلما خيره الملك ، سمعته عائشة وهو يقول : "مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ألئك رفيقا، اللهم اغفر لي ، بل الرفيق الأعلى" قالها ثلاثا ، فمالت يده وفاضت روحه صلى الله عليه وسلم إلى أعلا عليين في المحل الأسنى والملكوت الأعلى .
متى دفن ؟ توفي صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين ، ودفن ليلة الأربعاء ، بعد مغرب يوم الثلاثاء ومع ذلك لم يزدد بعد موته صلى الله وسلم بعد موته إلا طيبا ، عليه الصلاة والسلام ، ينظر إلى أصحابه قبيل وفاته في يوم مرضه يقولون تهلل وجهه كأنه ورقة مصحف وهذا ما عناه أبو بكر:" طبت حيا وميتا يا رسول الله " ، يغسلونه مراعاة لحرمته عليه الصلاة والسلام ، لا يحسرون عنه ثيابه ولا تكشف له عورة وإنما يباشر الغسل من فوق الثياب عليه الصلاة والسلام ،ثم من عظيم حرمته عند الله ولطيب مماته عليه الصلاة والسلام ، يلهم الله ألئك الأخيار أن لا يقدمون إماما يصلي بهم على نبيهم ، إنما حتى تصل صلاة كل أحد إليه مباشرة يشعر كل فرد أنه مباشرة الصلاة إلي النبي صلى الله عليه وسلم ، صلوا عليه أرسالا، فلا يقول أحدهم : صليت خلف أبا بكر على رسول الله ، وإنما يقول : صليت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ثم يكرمه الله بأن يدفن وهذا من خصائص الأنبياء في الموضع الذي مات فيه ، فدفن عليه الصلاة والسلام في حجرة عائشة في الجهة الجنوبية الغربية من الحجرة مكان فراشه ، صلوات الله وسلامه عليه ، في تلك الحجرة كان يناجي ربه ، في تلك الحجرة كان يقوم الليل ، في تلك الحجرة كان يتنزل عليه الوحي ، في تلك لحجرة كان جيب السائلين ، في تلك الحجرة كان يطعم الأضياف ، وفي تلك الروح أسلم الروح وفي تلك الحجرة دفن ، ومن تلك الحجرة يبعث ، صلوات الله وسلامه عليه ، وبقدر الله ترى عائشة قبل مماته أن ثلاثة أقمار تسقط في حجرها ، فتذهب إلى أبيها وهو من المعبرين تخبره بالرؤيا لكن ذهبت إلى الصديق أعلم الناس بنبينا صلى الله عليه وسلم وأكملهم أدبا فاستحيى أن يعبرها حتى لا يخبرها بقرب موت نبينا صلى الله عليه وسلم ، مع أن الموت حق ، فلما وقع ما وقع ومات رسول الله ودفن في الحجرة ، جاء الصديق رضي الله عنه إلى ابنته وقال : ( يا بنية هذا أول أقمارك ) والاثنان الآخران كان الصديق رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه وأرضاه ، وعمر رضي الله عنه وأرضاه في يوم موته كانت عائشة رضي الله عنها أحق الناس بالحجرة ، لأنها حجرتها ، وكان الناس يعلمون أنه لم يبقى إلا موطن قبر واحد ، فلما طعن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان لا يهمه إلا أمران : قال لابن عباس : " اذهب فانظر من طعنني ؟؟ فذهب ابن عباس أو ابنه عبد الله ، فعرف أن الطاعن أبو لؤلؤة المجوسي ، فقال : "يا أمير المؤمنين أبشر بالذي يسرك الطاعن أبو لؤلؤة المجوسي" ، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه " الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على رجل ممن سجد لله سجدة" .
إن المؤمن الذي يخشى الله حقا لا يحب أن يأثم أحد بسببه ، ولو كان ذلك الآثم فعلها عدوانا وظلما ، كما فعل عثمان رضي الله عنه ، لما منع الناس أن يحموه حتى لا يراق دم بسببه ، فعمر رضي الله عنه استبشر خيرا أن الذي طعنه لم يكن مؤمنا ، ثم قال لابنه عبد الله : اذهب إلى عائشة وقل لها : "أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه" . فذهب عبد الله واستأذن على عائشة فقالت وهي تبكي : " والله لقد كنت أدخره لنفسي -أي المكان- ولأثرن اليوم على نفسي " فذهب عبد الله فدخل على أبيه قائلا : يا أبتاه ابشر بالذي يسرك ، فخاف عمر أن تكون عائشة قد فعلت ذلك حياءًا لأنه حي ، فأوصى ابنه قائلا : يا بني إذا أنا مت وغسلتني وكفنتني فاحملني وقل عمر ابن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه ولا تقل أمير المؤمنين ، يستأذن أن يدفن مع صاحبيه فإني يوم ذاك لست بأمير ، وحتى إذا أرادت عائشة أن تعتذر تعتذر حتى يكون فعلها عن طيب نفس منها ، فحُمل بعد غسله ودفنه ، على أعناق الرجال ثم نودي أن عمر ابن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فأذنت ودفن ، ويقول بعض الرواة والعلم عند الله : أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعد أن دفن عمر في حجرتها بنت جدارا ، بينها وبين القبور ، حياءًا من عمر وهو ميت ، قالت : في الأول لم يكن إلا زوجي ووالدي ، أما الآن فزوجي ووالدي ورجل آخر ، تقصد عمر رضي الله عنه وأرضاه ، فإن صحت هذه الرواية وليست ببعيدة أن تصح وأيا كان الأمر فإن المرأة لا ترزق شيئا أعظم من أن ترزق الحياء مع غيرها من الرجال ، لا يمكن أن ترزق المرأة بخصيصة أعظم من خصيصة الحياء مع الرجال ، قال الله جل وعلا عن احدي ابنتي العبد الصالح : (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) .
والمقصود أيها المؤمنون في هذه الأخبار كلها رغم تشتت الحديث بيان كيف مات مماته صلوات الله وسلامه عليه ، ومن هذه الحجرة يخرج صلى الله عليه وسلم وهو أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة ، فيجد أخاه موسى آخذ بقوائم العرش فيجد أخاه موسى آخذا بقوائم العرش وانظر لعظيم تمسكه صلى الله عليه وسلم بالقرآن يقول له :
(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) فيطبقها عمليا فيقول : "إذا بموسى آخذ بقوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ، فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله وبدين الله وبالأخبار الشرعية كلها ،ويقول لا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ، صلوات الله وسلامه عليه .
مما يمكن أن يدرس في سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه :
أنه بيّن لأمته بلسان حاله ومقاله على أن يكون التراحم بينهم، وهذا قرره القرآن في الثناء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله جل وعلا : (رحماء بينهم )، التراحم بين المؤمنين من أعظم الغايات ، وأجل المطالب والمقاصد الشرعية التي جاء بها الدين ونزل بها القرآن ونطق بها رسول الله عليه وسلم ، وهذا المبدأ العظيم كان صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يغرسه في أمته بطرائق متعدد :
يدخل عليّ رضي الله عنه وأرضاه في مجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجلس ممتلئ بمن فيه ، فيتنحى الصديق قليلا وينادي علي ويقول:" هاهنا يا أبا الحسن" ، ويجلسه بجواره ، فيقول عليه الصلاة والسلام ليقرر مبدأ التراحم ومعرفة قدر الناس بينهم يقول : " إنما يعرف الفضل لألي الفضل ولوا الفضل " وهو ثناء على الصديق وثناء على علي ، وتعليم للأمة صلوات الله وسلامه عليه .
وهذه الرحمة تكون فيك أيها المحب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إن علمت قواعد شرعية :
• أعظمها أن الله جل وعلا يحب من عباده الرحماء .
• والأمر الثاني أن تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأنبياء قبله ، ثم قال : " وإني لأرجوا الله أن أكون
أكثرهم تابعا " فهو عليه الصلاة والسلام يجب أن يكثر سواد أمته ، وحتى يكثر سواد أمته ينبغي أن نحرص
على الدعوة في سبيل دينه صلوات الله وسلامه عليه ، وهذا من أعظم أسسه وأجل مقومات أن نتراحم فيما بيننا ، إن الإنسان إذا كان شفيقا رحيما بزوجته ، وأولاده وأبويه في المقام الأول ، وسائر المؤمنين ، كان قريبا من الله محققا لما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته ولما نشر فيها من الفضائل ، ولما دعاهم إليه صلوات الله وسلامه عليه ، من كريم الطباع وجميل الأخلاق أن يتراحم الناس بينهم ، فيما بعضهم البعض .
من الجوانب التي نحاول أن تأملها في هذا اللقاء المبارك : أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على أن يبين لأمته عظيم الموقف بين يدي الله جل وعلا، ومن أعظم ما يعين على الطاعة أن يستحضر العبد وقوفه بين يدي الله قال الله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ).
ذكر صلى الله عليه وسلم ذات يوم الميزان وأنه لا يغادر مثقال حبة من خردل إلا توزن فجاءه رجل فقال : " يا نبي الله إن لي أجراء يظلمونني وأظلمهم " فقال صلى الله عليه وسلم بين له أن الأمر يوم القيامة قصاص ، يؤخذ ما عليك وتعطى ما لك ، فقال الرجل بعد أن قرر أن يتخلص من هؤلاء الأجراء تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا : (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) بين صلوات الله وسلامه عليه أن الأمر يوم القيامة عظيم جليل الخطب ، يحتاج كل امرئ أن يتقي الله جل وعلا فيه .
هذا أيها الإخوة المؤمنون ما تيسر إيراده وتهيئ إعداده، وإن جاء على عجالة نسأل الله لنا ولكم من فضله العظيم .

مريم العلي
17-08-2009, 11:51 AM
( طبت حياً وميتاً : للشيخ صالح بن عواد المغامسي )


الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه ... كما يحب ربنا ويرضى ... واشهد ان لااله الا الله وحده لاشريك له ... شعار ودثار ولواء أهل التقوى .. واشهد ان سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله نبيُ سلم الحجر عليه ونبع الماء من بين إصبعيه وحن الجذع إليه .. فصلى الله وسلم وبارك وانعم عليه اللهم وعلى اله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان الى يوم الدين .. أما بعد...

أيها الاخوه المومنون ... فإن المتصدر لتدريس شخصيه ما وذكر أحوالها ومناقبها وما آلت إليه وما قدمته للناس يجعل النقد أول معاييره حتى يضع الناس على بينه من أمرهم في الصواب والخطاء والهداية والضلالة والسداد وعدم التوفيق .. لكن الذي يريد ان يتحدث عن سيد الأنبياء وإمام الأتقياء سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم فليس عليه الا ان يطاطاء رأسه ويخشع قلبه وتسكن جوارحه .. اذا انه يتحدث عن رحمه مهداه ونعمه مسداه عن سيد البشر وخيره خلق الله وصفوتهم عن رسول الهدى ونبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وينبغي ان يعلم في أول الأمر ان السيرة واحده لاتزويد ولا تنقص فلا يستطيع احد ان يزيد شيئاً لم يثبت فيها ولا يستطيع احد ان ينقص شيئاً مما ثبت فيها لكن المسلمين في استسقاهم من سيرته صلى الله عليه وسلم تختلف مواراتهم ومناهلهم ومصادرهم فمن سيرته صلى الله عليه وسلم يستسقي الواعظون وينهل القادة ويغترف السياسة وينال العلماء ويبحث الفقهاء وبجد كل مراء له حظا من سيرته صلى الله عليه وسلم والأمر كما قيل :-
وكلهم من رسول الله ملتمسُ
غرف من البحر أورشف من الديم
صلوات الله وسلامه عليه
ثم إني قلبت الأمور في الوجه الذي أريد ان تخرج به هذه المحاضرة على النحو الأتم والوجه الأكمل على مايسعى الإنسان ان ينال به رضوان الله ثم نفع إخوانه المسلمين فبدى لي والإنسان ناقص مهما سعى الى الكمال ان عرض السيرة إجمالاً من الميلاد الى الوفاة والوقوف بعد ذلك عند الفوائد والعظات والعبر الى فقه سيره رسولنا صلى الله عليه وسلم على الوجه الأكمل والنحو الأتم ... نبنا محمد صلى الله عليه وسلم نال الحفاوة الكاملة والاحتفاء التام من ربه جل جلاله وحفاوة الله بانبياءه سنه ماضيه قال الله جل وعلا في حق نبيه إبراهيم ( قال سلام عليك سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا ) وقال الله جل وعلا في حق موسى ( واصطنعتك لنفسي ) وقد نال رسولنا صلى الله عليه وسلم أكمل الحفاوة وأتمها من قبل ربه جل وعلا فلقد مهد الله جل وعلا لذلك من قبل يقول صلوات الله وسلامه عليه (إني لعند الله لخاتم النبيين ان ادم المجندل في طينته ) ثم لما بعث الأنبياء وبعث المرسلون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين اخذ الله جل وعلا الميثاق ان اذا بُعث رسولنا صلى الله عليه وسلم وهم أحياء يرزقون ان يصدقون ويؤمنوا به ( وإذا اخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمه ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ااقررتم واتخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ) ثم كانت دعوه ابيه إبراهيم عندما وقف عند البيت ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة انك أنت العزيز الحكيم ) ثم كانت بشارة عيسى ( ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدِ اسمه احمد ) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( انا دعوه أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى ورويا أمي حين رأت ان نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام ) وقال صلى الله عليه وسلم كما روى الترمذي وحسنه انه صلى الله عليه وسلم قال ( انا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب خلق الله الخلق فجعلني في خير فرقه ثم قسمهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقه , ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة , ثم جعلهم بيوتاً فجعلني خيرهم بيتاً , فانا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً ) صلوات الله وسلامه عليه

هذا كله قبل ولادته صلى الله عليه وسلم فلما أراد الله جل وعلا ان يولد في العام الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم كان في ذلك العام إرهاصات وأحداث عظام تدل على شيئاً ما سيقع وان حدث عظيم سيكون فكانت ولادته صلى الله عليه وسلم في نفس العام الذي غزء فيه ابرهه بيت الله العتيق وأب من ذلك الغزو خائباً خاسراً كما هو معروف ككل احد ..

ولد صلى الله عليه وسلم يتيم الأب اختلف العلماء هل مات قبل ولادته او بعده والأرجح الأول .. ثم ان الله جل وعلا أرد ان يبين لسائر الناس ان محمد بن عبد الله لم يكن يوماً تلميذا لشيخ ولا طالب في مدرسه ولا ربيباً لأبوين وانما تولته عناية الله في أصلاب الرجال وأرحام النساء ثم بعد الولادة الى يوم وفاته صلى الله عليه وسلم , ثم توفيت أمه وهو صغير لم يبلغ ست من الأعوام وعاش طفولته بعيداً عن أسرته في بادية بني سعد حتى لا يقولون بعد ذلك ان رجل او شخصيه ما تولت رعايته وكونت شخصيته وألهمته الدروس وأعطته العبر وعلمته الكتاب ( وما كنت تتلوا من قبله كتاب ولا تخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) فكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه كان عناية إلهيه وفضل رباني محض ليس لأحد من البشر كائن من كان فيه حظ او نصيب ....

عاش صلى الله عليه وسلم بعيداً عن أسرته , ثم عاد الى مكة فكفله جده عبد المطلب ثم مالبث ان توفي ذلك الجد ثم كفله عمه أبو طالب ولم يكن دور أبو طالب أكثر من راعي معيشي له صلى الله عليه وسلم , فلم يكن لدى أبي طالب حض من علم او أثره من كتاب يسقي من خلالهما او ينهل من خلالهما رسولنا صلى الله عليه وسلم حتى تكونت شخصيته فنشاء بعيداً عما عليه قومه ...

وكذلك العاقل اذا رأى مجتمعات الفساد وأوديه الظلاله ومنتجعات الغواة ... نأى بنفسه عنها ولو عاش وحيداً قال الله جل وعلا ( فلم اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبيا ) فالبعد عن أهل الغواية الفساد والشرور والآثام أول طرائق الفلاح .. أول طرائق النجاح ...
لكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بعيداً عن محافل الخير فشهد حلف الفضول وشهد غير ذلك من مآثر قومه في الجاهلية ثم بدأت إرهاصات البعثة تدريجيا شيئاً فشيئاً من غير ان يعلم صلى الله عليه وسلم فلم يحدث نفسه ذات يوم انه سيكون نبياً لأنه لاعلم له بذلك أصلاً , لكنه صلى الله عليه وسلم كان يرى رؤيا ... ولا يرى رؤيا الا واتى مثل فلق الصبح حاضرة ناصحه كما رآها في منامه حتى دنت البعثة فكان يمشي في طرقات مكة فيسلم عليه الحجارة :- سلام عليك يانبي الله , فيلتفت يمينا وشمالاً فلا يرى شخصاً ولا خيالاً فيسكت ويبقى على حاله حبب إليه الخلاء فكان يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد ثم انه صلى الله عليه وسلم في ليله الواحد والعشرين من شهر رمضان على الأرجح لما تم له أربعين عاما جاءه الملك بالنقلة التاريخية لشخصه والنقلة التاريخية لشخصه والنقلة التاريخية للكون كله إذ بعثه الله رحمه للعالمين .. رحمه من لدنه كما اخبر جل وعلا , جاءه الملك فلم يكن صلى الله عليه وسلم له عهد بالملك اصلاً فأصابه من الرعب والفزع مااصابه قال له الملك :- اقرأ 0 قال :- ماانا بقارئ- أي لا أجيد القراءة اصلاً .. فردد الملك :- اقرأ – ورسول الله باقي على جوابه ( ما انا بقارئ ) فضمه الملك ثم يتركه ويضمه ثم يتركه حتى يشعره في تلك اللحظات ان الملك خارج عن حديث النفس فليست تلك رؤيا يراها او حديثاً في نفس يريد ان يتأكد فكان الملك يضمه ثم يتركه حتى يبين له ان هذا الحدث منفك ظاهره منفكة عن حديث النفس منفكة عن رؤى الأحلام منفكة عن أحلام اليقضه ثم قال له :- (اقرأ بسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم *علم الإنسان مالم يعلم ) نزل صلى الله عليه وسلم خائفا وجلا الى زوجته خديجة .. خديجة ترك عندها صلى الله عليه وسلم عندها أبناءه وبناته فلم تحدث ماذا صنع البنين وماذا أصاب البنات لم تحدثه عن الجوع الذي قاسته وانما نسيت همومها في جانب همه صلى الله عليه وسلم .. آوته الى صدرها وضمته إليها ثم قال لها :- لقد خشيت على نفسي , فطمنته رضي الله عنها وأرضاها وجعل الجنة دارها ومثواها .. وقالت :- والله لن يخزيك الله ابداً ثم عددت مناقبه انك لتطعم الفقير , وتعين على نوائب الدهر وتقول الصدق وأخذت تسرد له مناقبه وفضائله صلى الله عليه وسلم ....

فقدمت بذلك أنموذج لما ينبغي ان تكون عليه المرأة مع زوجها ان من كثير من الناس قد يأتي إليك محمول بالهموم مثقل بالخطايا ليس من الصواب ان تسرد عليه أنت وترده وتصده ولكن ينبغي ان تنسى همومك بجانب همه اذا أردت له النفع والفائدة ...


ثم أخذت بيده الى ورقه بن نوفل ابن عمها وكان رجل له حظ من العلم واثر من كتاب فقال له :- ذلك الناموس الذي كان يأتي موسى .. فشتاق الرسول صلى الله عليه وسلم الى الوحي لأنه سمع القران لكن الوحي انقطع ولم يأتي حتى يذهب الرعب ويبقى الشوق الى كلام الله جل وعلا تربيه من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم تلك اللحظات قال أهل العلم انها بقيت ستة أشهر وهي مرحله فتور الوحي أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحزن ما لله به عليم حتى نقل الحافظ في الفتح عن الزهري ( ان النبي صلى الله عليه وسلم ربما يصعد الى شواهق الجبال يريد ان يتردى منها مما أصابه من حزن ومن شك في النفس عن الحادثة الأولى ) لكن بعض المحدثين من العلماء يقولون ان هذه الرواية على هيئه البلاغ وهي لا تصح وتنافي عصمه الأنبياء والله تعالى اعلم , وان كان نفيها اقرب الى الصحة أين كان الأمر عاش النبي صلى الله عليه وسلم فتره عصيبة وهي فتره انقطاع الوحي عنه حتى أصبح يشك في نفسه مما راءه في السابق , فلما أصبحت نفسه ذات شوق عظيم الى كلام الله اذا به صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري من حديث جابر يمشي في طرقات مكة فإذا الملك يناديه فيلتفت فإذا الملك على كرسي بين السماء والأرض قد سد مابين المشرق والمغرب يقول له ( ياايها المدثر * قم فانذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر ) ثم نزل الوحي فتتابع وحمي بأعظم من ذلك قال الله جل وعلا في إيه يبين فيها علو قدره صلى الله عليه وسلم عند ربه فاقسم الله بمخلوقاته إرضاء له صلى الله عليه وسلم ( والضحى * والليل اذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى ) هذا الإشعار الإلهي الذي جاء على هيئه أيه قرانيه فيه من الإثبات من مكانه العظمى لرسولنا صلى الله عليه وسلم مكانه لايرقى إليها احد من الخلق كائن من كان الا انها في نفس الوقت لاتعطيه صلى الله عليه وسلم أي حظ من الالوهيه او الربوبية فالالوهيه والربوبية كمالها وتمامها لله عز وجل وحده لاشريك له فيها ابداً ...

اخذ صلى الله عليه وسلم يقوم بواجب الدعوة شيئاً فشيئاً وهو ما عرف تاريخياً بالدعوة في مرحلتها السرية تغير وجه قريش له ونالوا منه صلى الله عليه وسلم وساموه وأصحابه سوء العذاب .. وهو صلى الله عليه وسلم صابر محتسب يدعو الى ربه بالحكمة والموعظة الحسنه يدعو الناس الى التوحيد فكان أبو جهل يحمل راية السوء ضده حتى انه بلغ من أذى أبو جهل لرسولنا صلى الله عليه وسلم كما أورد البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود :- ان جزوراً نحرث بالأمس فلما كان في الغد جاء صلى الله عليه وسلم عند الكعبة وصلى فقال أبو جهل وقريش في أنديتها :- أيكم يقوم الى جزور بني فلان فيصنع سلا الجزور على كتفي محمد صلى الله عليه وسلم فانبعث أشقى القوم عقبه بن أبي معيط فحمل الجزور فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فوضع سلا الجزور بين كتفيه الطاهرين صلى الله عليه وسلم قال ابن مسعود :- فلو كانت لي منعه لرفعته عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم انه ذهب إنسان الى فاطمة رضي الله عنها وأرضاها واخبرها الخبر فجاءت وهي جويريه يوم إذ فرفعت سلا الجزور عن كتفي نبينا صلى الله عليه وسلم فلما أتم صلاته دعى ثلاثاً وكان إذ دعى دعى ثلاثاً وسال الله ثلاثاً ثم قال ( اللهم عليك باابي جهل وعتبه بن أبي ربيعه وشيبه بن أبي ربيعه والوليد بن أبي عتبه وعقبه بن أبي معيط وأميه بن أبي خلف ) وسمى سبعه صلى الله عليه وسلم قال ابن مسعود فو الله لقد رأيت من سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى في القليب قليب بدر كما وعده الله صلى الله عليه وسلم ..


إن وقفنا عند هذا الحدث هناك ياأخي أعراف وتقاليد تتغير من مجتمع إلى آخر والعاقل من يستفيد من تلك التقاليد والاعتراف ولا يصادمها ابن مسعود كان يعلم ان الأعراف الجاهلية لاتسمح للضعفاء ولا عديم الظهر من ان يكون لهم حظ من الناس فكان يعلم انه لا يمكنه ان يصل الى النبي صلى الله عليه وسلم الا وهو ميت فبقي على نفسه ولم يأتي ليرفع سلا الجزور عن رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو من الإيمان والتقوى لا يعلمها الا الله وكانت الأعرف الجاهلية تنص عن حفظ المرأة وعدم العرض لها ولو بدأت بالأذى وكان موقف لفاطمة انها تقدمت بين صفوف الرجال وحملت سلا الجزور عن رسولنا صلى الله عليه وسلم دون ان يصيبها أذى فالعاقل من الدعاة والحكيم من أهل الاستقامة من يتعامل مع الأعراف والتقاليد الاجتماعية بما يتوافق معها وهذه التقاليد والأعراف لاتبقى في كل زمان على هيئه واحده وانما تتغير الأعراف والتقاليد من عصر الى عصر ومن مكان الى مكان والشاهد والمقصود ان يوظفها الإنسان لصاع الدعوة والصالح هداية الناس الى طريق الله المستقيم ...


عجزت قريش عن الأذى الجسدي الفردي فعمدوا الى الحصار العام فقدموا على أبي طالب فطلبوا منه ان يسلم إليهم ابن أخيه صلى الله عليه وسلم فأبى فقرر القرشيون مقاطعه بني هاشم لايناكحونهم ولا يبتاعون إليهم ولا يبتاعون منهم فآوى أبو طالب لبني هاشم وبني عبد المطلب في شعب لهن يقال له شعب بني هاشم ومكث الحصار ثلاث سنين والرسول صلى الله عليه وسلم وآله مؤمنهم وكافرهم ينالهم من الأذى ما الله به عليم ، بقي الحصار ثلاث سنين كان خلال مدة الحصار أبو طال على كفرة إذا هجع الناس وناموا يعمد على رسولنا صلى الله عليه وسلم فيأخذه لينام عنده ويأمر أحد بنيه أن ينام في مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لو همّا أحد بقتله يقتل أبنه بدل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ومع ذلك كله والله الحكمة البالغة لم يرزق أبو طالب الإيمان بالله جل وعلا ومات على الكفر ولذلك حكمة لايعلمها إلا الله جل وعل

قبل أن ينتهي الحصار لايخلو صراع بين الحق والباطل من نشؤ أقوام كما يسمى في عرف السياسيين اليوم دول عدم الانحياز كانت في عصرنا هذا على هيئة دول لكنها في العصر السابق على هيئة أفراد فينشأ في المجتمع قوم حياديون ليسوا مع قريش وليسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم تشاوروا فيما بينهم وعرفوا بطلان مادعى إليه رؤساء قريش وزعمائهم فتعاونوا على نقض المعاهدة ..

وهنا ينبغي للعاقل من الدعاة وغيرهم أن يروا أهل المرؤات الذين لايخلو منهم زمان ولا مكان فيستفيدوا منهم في عالم الصحوة وعالم الدعوة ويوظف طاقاتهم وقدراتهم في سبيل الدعوة إلى الله جل وعلا ولايصادمهم حتى لايخسر الدعوة سند وقوة له هؤلاء القوم لم يكونوا من أهل الإيمان لكن كان في قلوبهم رحمة وفي أنفسهم شهامة وخلال خصالهم مروءة وظفوها لنقض المعاهدة وتم لهم ما أرادوا ..

ونقضت الصحيفة وخرج بنو هاشم من الحصار ..بعد الخروج من الشعب من شعب بني هاشم مات أبو طالب وماتت خديجة في عام واحد وقيل بين موتهما ثلاثة أيام ..فبدا له صلى الله عليه وسلم أن يغير المكان لعل وعسى ...فخرج إلى الطائف فكانت أقرب الحواضر إلى مكة . خرج إلى الطائف فبدأ بسادات ثقيف يدعوهم إلى دين الله جل وعلا فلم يكونوا بأحسن حظاً من كفار قريش فسخروا منه وأمروا صبيانهم أن يرجموه فرموه بالحجارة حتى أدميت عقباه صلى الله عليه وسلم ولجأ على حائط في الطائف فلما لجأ إليه صلوات الله وسلامه عليه رق له بعض الكبراء فأرسلوا له غلام نصراني يقال له عداس ومعه قطف من عنب فلما وضع العنب بين يديه قال صلى الله عليه وسلم :بسم الله فقال الغلام : هذا شيء لايقوله مثل أهل هذه البلد فقال صلى الله عله وسلم : من أنت ومن من ؟ قال :أنا نصراني من أهل نينواء فقال صلى الله عليه وسلم :من بلدة النبي الصالح يونس بن متى قال الغلام : وما يدريك ما يونس أبن متى قال هو نبي وأنا نبي . فأكب الغلام على رسولنا صلى الله عليه وسلم يقبله حتى لامه سادة ثقيف يوم إذ .


ثم نزل صلى الله عليه وسلم وحيداً ليس معه إلا غلامه زيد بن حارثة فإذا انقطعت أسباب الأرض لجأ صلى الله عله وسلم إلى ربه فورد عنه أنه صلى الله عليه وسلم بث إلى الله شكواه ورفع إلى الله نجواه وهو يعلم انه نبي مرسل لكن البلاء فيمن يستمع إليه فناجى ربه قائلاً (اللهم إليك اشكوا ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ارحم الراحمين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري أن لم يكن بك عليّ سخط فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي ,أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت منه الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولاحول ولاقوه إلا بك )
فتحت لهذا الدعوات أبواب السماء فما كان صلى الله عليه وسلم ينزل من الطائف من وادي نخلة حتى بعث الله إليه نفر من الجن مؤمنين به حتى تطمئن نفسه ويسكن قلبه ويعلم أن العاقبة له ( وإذا صرفنا إليك نفر من الجن القرآن ) فطمئنت نفسه شيئاً فشيئا صلوات الله وسلامه عليه ثم بعث إلى الملأ من قريش يخبرهم في رغبته في دخول مكة ويريد أن يدخل في حلف أحدهم فرده ثلاثة منهم ثم قبل المطعم بن عدي أن يدخل في جواره فدخل صلى الله عليه وسلم بجوار المطعم بن عدي رغم أنه مشرك استبقاء للمسلمين حتى لا يتعرضوا لأذى ثم بعد رحلة الطائف منّ الله عليه برحلة الإسراء والمعراج فجاءه جبرائيل وهو نائم في الحجر فشق صدره وغسل قلبه بماء في طست من ذهب ثم أفرغ في قلبه الطاهر إناء مليء إيمان وحكمة ثم قدم له البراق ثم اسري به صلى الله عليه وسلم إلى البيت المقدس حيث المسجد الأقصى وربط دابته في مربط الأنبياء هناك ، ثم عرج به على سدرة المنتهى لما صدّ أهل الأرض أبوابهم أمامه فتح الله له أبواب السماء فستقبله هنالك سادات الأنبياء بدأ بآدم ثم ابني الخالة يحي بن زكريا وعيسى بن مريم ثم يوسف بن يعقوب عليهم السلام ثم إدريس ثم هارون ثم موسى ثم أبوه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ثم وصل صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى ورأى جبرائيل مرة أخرى على هيئته التي خلقها الله عليها ..


أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكته * والرسل في المسجد الأقصى على قدم
لما رأوك التفوا بسيدهم * * كا الشهد بالبدر أوكالجلد بالعــــــلـــم
صلى ورأك منهم كل ذي خطر* ومن يفوز بحبيب الله يأتــــــــمـــــــم
ركوب لك من عز ومن شرف ** مافي الجياد ولافي الأينق الرســـم
مشيئة الخالق الباري وصنعته** وقدرت الله فوق الشك والتهــــــــم


ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى مضجعه الشريف ، ثم توالت الأحداث فلتقاء صلى الله عليه وسلم برهط من الأنصار فكانت بيعة العقبة الأولى ثم إلتقى برهط آخرين فكانت بيعه العقبة الثانية ثم أذن الله له بالهجرة إلى هذه المدينة مدينته صلوات الله وسلامه عليه .


هاجرت قبله جمع من أصحابه ثم تأمرت قريش وقررت قتله في مؤامرة مشهورة معروفة ثم أخرجه الله جل وعلا من بين أظهرهم دون أن يروه وهو يتلو (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا وأغشيناهم فهم لايبصرون ) ثم إلتحق بصاحبه أبي بكر وأوى إلى غار في جبل ثور عرف بغار حراء ومكث في الغار والطلب والرصد تبع له مرة بعد مرة ورسولنا صلى الله عليه وسلم في الغار

أمرغ في حراء أديم خدي *** دوام في الغداة وفي العشي
لعل ان أنال بحر وجهي *** تراب مسه قدم النبـــــــــــــي

مكث صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام وقريش تبعث الطلب والرصد فيه فوقفوا على مقربه من الغار وأبو بكر يقول :يارسول الله لو أن احدهم نظر أسفل قدميه لرآنا فيقول : يا أبا بكر ما بالك بثنين الله ثالثهما ) هذا نصر الله جل وعلا على هيئة كتمان آتاه الله جل وعلا نبيه فلما سكن الرصد وقل الطلب خرج صلى الله عليه وسلم من الغار وصاحبه متوجهاً نحو هذه المدينة المباركة كانت الأنصار قد بلغهم خروجه صلى الله عليه وسلم فيخرجون كل يوم ينتظرون آوبته ينتظرون قدومه حتى إذا أشتد عليهم وهج الشمس رجعوا إلى دورهم فلما كان اليوم الذي وصل فيه صلى الله عليه وسلم خرج رجل من اليهود على آطام من آطام المدينة فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه عرفهم فنادى بأعلى صوته :يابني قيله ـ وهو جد يجتمع فيه الأوس الخزرج ـ هذا جدكم الذي تنتظرون فسمع في المدينة التكبير وأبتدر القوم إلى السيوف وخرجوا يستقبلون نبيهم صلى الله عليه وسلم .

بالأمس خرج من مكة شريداً طريداً في ظلمة الليل ثم مالبث أن نصره الله فدخل المدينة كأعظم مايدخلها الملوك والأنصار من حوله كلما مر على ملاْ قالوا هلّم إلى العدد العدة هلّم على العز والمنعة يارسول الله وهو يقول : خلوا سبيلها فإنه مأمورة حتى بركت الناقة في موطن مسجده اليوم صلوات الله وسلامة عليه على مقربة من بيت أبي أيوب فعند أبو أيوب إلى متاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخله في بيته وقال له عليه الصلاة والسلام المرء مع رحلة بنى مسجده وبدا يضع النواة الأولى لدولة الإسلام صلوات الله وسلامة عليه ثم جاءت الغزوات فكانت غزوه بدر وهي حدث عظيم ولكن من أعظم مايلفت النظر فيها انه صلى الله عليه وسلم بعد ان اخذ بالأسباب المادية وجهز الجيش واعد العدة لجاء الى ربه ...


فاللجوء الى الله جل وعلا لايستغني عنه احد كائن من كان مهما عظمت قدرتنا وبلغ حولنا مابلغ وزادت قوتنا وحاجتنا الى الله حاجه ابديه ملحه لأننا فقراء الى الله جل وعلا مهما بلغنا ...

مكث صلى الله عليه وسلم في العريش يناجي ربه حتى سقط رداءه عن منكبيه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأتيه من خلفه ويضمه ويقول :- بعض مانشدت ربك يارسول الله, فانزل الله ( اذا تستغيثون بربكم فستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) فكان النصر له صلى الله عليه وسلم ..

فلما قّّر الله عينيه بالنصر ووضع القتلى في قليب بدر نظر إليهم صلى الله عليه وسلم واخذ يقول :-يافلان ابن فلان , يافلان ابن فلان واخذ يناديهم بأسماهم هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً فاني وجدت ماوعدني ربي حقاً فتعجب أصحابه وقالوا :- يارسول الله تكلم قوماً قد جيفوا ؟ قال :-ياعمر والله ماانتم بما اسمع بما أقول منهم ولكنهم لايملكون جواباً .. وعاد صلى الله عليه وسلم كان هذا النصر أعظم مايكون المسلمون في حاجه إليه حتى تطمئن أنفسهم ويثقوا بنصر الله لأنها أول نزال بين أهل الكفر وأهل الإيمان بعد ان إذن الله للقتال ثم كانت احد وما أدراك ما احد فيها من العظات الشيء الكثير لكن فيها ان وجهه صلى الله عليه وسلم كان نوراً يتلالاء كأنه فلقت قمر ومع ذلك يريد الله ان يثبت ان الكمال المطلق لله وحده سبحانه فيشاع في ارض المعركة انه صلى الله عليه وسلم قتل فيشج رأسه وتكسر رباعيته ويسيل الدم على وجهه الشرف ثم يمسح صلى الله عليه وسلم وجهه الطاهر بيديه ويقول ( كيف يفلح قوم خفضوا وجه نبيهم وهو يدعوهم للإسلام ) فينزل الله جل وعلا عليه قوله ( ليس لكم من الأمر شيء او يتوب عليه او يعذبهم فإنهم ظالمين ) فالأمر كله لله جل وعلا وحده ..
وليت بني قومي اليوم اذا سمعوا بهلاك احد او بموت احد لايشغلوا أنفسهم هل هو من أهل الجنة أم من أهل النار فهذه أمور لله تبارك وتعالى وحده ولم يكلفنا الله تبارك وتعالى بان ندخل من نشاء الى الجنة او نحرم من نشاء فيها او ان ندخل من نشاء الى النار او ان نمنع من نشاء فيها الجنة والنار بيد الله العزيز الغفار والله جل وعلا اعلم بخلقه واعلم بما تكنه صدورهم هو تبارك وتعالى أسرع الحاسبين وقد قال بعض الصالحين لابنه ينصحه ( يابني ان الله يسألك لما لم تلعن فرعون مع ان فرعون ملعون في كتاب الله لكن المؤمن العاقل مثل هذه الأمور لايلقي لها بال ولا يشغل بها نفسه فالجنة والنار بيد أسرع الحاسبين وبيد رب العالمين وبيد ارحم الراحمين ولن يسألنا الله منهم أهل الجنة ومنهم أهل النار لكننا لأنفسنا نسال الله الجنة ونستجير بالله تعالى من النار وفي مسند البزار ( ان لا اله الا الله كلمه كريمه على الله من قالها في الدنيا صادقاً دخل الجنة ومن قالها في الدنيا كاذباً حقنت دمه وحسابه على الله جل وعلا فالعاقل لايشغل نفسه بما لايعنيه لكنه في حوادث الدهر يحكم فيهن ما أمر الله فيه ورسوله أما الحوادث الأخروية فلسنا مسؤلون عنها لان علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي ولا ينسى ....


في غزوه احد أراد الله جل وعلا ان يربي المسلمين على ان القادة العظماء والزعماء الأفذاذ لايربون الناس بالتعلق بذواتهم وعلى حبهم والمبالغة في الغلو بهم ولكنهم يربون الناس على التعلق بالله جل وعلا فلما أصاب المسلمين مااصابهم يوم احد قال الله جل وعلا معاتباً أهل الإيمان ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افإن مات او قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقيبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) ( وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله كتابا موجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤتيه منها ومن يرد ثواب الآخرة نوتيه منها وسيجزي الله الشاكرين ) فالعاقل لايربي الناس على التعلق به وانما يربيهم على التعلق باله الكون وحده فلا اله الا الله تعني ان الكمال المطلق والحب المطلق والتوحيد المطلق والتكبير المطلق لا يكون الا لله جل وعلا وحده فإذا كان سيد الخلق وجوده رحمه وعدمه لا يضر المسلمين شيئاً اذا اعتصموا بما جاء به كان غيره أولى وأجدر ان تطبق عليه القاعدة فكان صلى الله عليه وسلم حيه الدين حي الدين الذي جاء به أما هو صلى الله عليه وسلم فيجري عليه قم القضاء ( انك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) فهذه أعظم ما خرج المسلمون منه يوم احد من تربيه إلهيه لهم , ثم كانت غزوه الأحزاب تجمعت قريش ثم قدموا الى رسولنا صلى الله عليه وسلم في مدينته فستشار الناس فأشار عليه سلمان الفارسي ان يحفر الخندق والخندق وسيله حربيه مجوسية أخذها سلمان من أهل فارس لم يكن للعرب عهد بها او علم ان ذلك ...

وهنا نأتي بما عرف بعصرنا بصراع الحضارات ينبغي أهل التقوى مابين التقارب الديني وما بين التقارب الحضاري الدين ياأخي صنع الهي لا يمكن لأحد ان يزيد فيه او ينقص والحضارة صنع إنساني قابله بالزيادة والنقصان قابله لأخذوا العظمى قابله للتلاقح بين الأمم اذا تقاربت وتنافست ..

فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مشورة سلمان وعمل بالخندق لما رأى فيه مصلحه يقوم به صلاح أمته ولم يقل حينها صلى الله عليه وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم ) من تشبه بقوم فهو منهم محول على من تشبه بهم في أمور الدين أما الصناعات الانسانيه فليس ملكاً لأحد ولقد كانت العرب لا تأتي المرأة وهي مرضع خوفاً على ان يؤثر الإتيان على الرضيع فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ان فارس والروم تصنع ذلك ولا يضر أبناءها شيء لم ينهى أمته عنه كما روى مسلم في الصحيح عن حديث جابر رضي الله عنه .


فالحضارات حق مفتوح وأمر مشاع يجوز للامه ان تأخذ منه اذا رأته ان في ذلك مصلحه والحكمة ضالة المؤمن ان وجدها أخذها , أما الدين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ما عندنا من الدين يمنعنا ان نأخذ ولو قطره من سقى من أي دين او مله على وجه الأرض لان الله يقول ( ومن يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )


ثم توالت الأمور حتى كانت السنة السادسة فعزم صلى الله عليه وسلم على التوجه الى مكة معتمراً واخذ معه رهطاً من أصحابه معهم السيوف في رقابها , فلما دنو من البيت العتيق منعتهم قريش ان يدخلوها فجرى وأجرى من التفاوض تريد قريش ان تطمئن ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتي للقتال فكان ان بعث صلى الله عليه وسلم عثمان لأنه كان منيعاً عزيزاً في بني أميه وكان أكثرهم مشركاً حين ذاك ثم أشيع ان عثمان قد قتل فبايع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم نبينا صلى الله عليه وسلم على الموت تحت ظل شجره مثمره والذين بايعوه ألف وأربع مائه رجل كلهم الا الجد ابن قيس كان رجل منافق لم يحضر البيعة قال النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء انتم خير أهل الأرض وقال لهم :- لا يدخل النار بايع تحت الشجرة , ثم انه صلى الله عليه وسلم بسط يمينه وقال هذه عن عثمان ثم بسط يساره يبايع نفسه بنفسه قال العلماء ( وكانت يد رسول الله لعثمان خير من يد عثمان لعثمان نفسه ) بعد هذه البيعة وبعد مداولات اقر الصلح بين المسلمين والكفار والصلح ظاهر ان فيه إجحاف بحق المؤمنين فباطنه الرحمة اذا وضعت الحرب وألقت أوزرها وخمدت الناس واخذ ذوي العقول يفكرون في الطرائق المثلى للحصول الى الإيمان ..

ان هناك أناس يرزقهم الله جل وعلا عقولاً ويمنعهم من الاستفادة منها حجب التقليد التي يضعونها أمامهن ..


أبو جهل كان يعلم ان محمد صلى الله عليه وسلم على الحق ورأى من الآيات ما يشهد له بذلك لكن الحسد والتقليد الأعمى منعه وكان سبباً في حرمانه عن دخوله الإيمان أما سرقه بن مالك لما تبع النبي صلى الله عليه وسلم ورأى الايه لما ساخت قوائم فرسه او من ان النبي صلى الله عليه وسلم حق وعرف الايه ونبذ التقلد رأى ظهره خلال هذه الفترة بعد الصلح رجع عقلاء الناس الى أنفسهم واخذوا يناقشونها ويحاسبونها ودخل كثير من الناس أفواج في دين الله فانقلب ذلك العدد من ألف أربع مائه الى عشره آلاف يوم فتح مكة كما سيأتي ثم عاد صلى الله عليه وسلم الى المدينة وفي العام الذي بعده كانت عمره القضاء ثم انه صلى الله عليه وسلم غزى خيبر ثم لما كان العام الثامن كانت من بين شروط صلح الحديبية أن شاء أن يدخل في حلف محمد دخل ومن شاء ان يدخل في حلف قريش دخل فدخلت بني بكر في حلف قريش ودخلت خزاعة في حلف النبي فأعانت قريش بكراً على خزاعة فقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة يستنصر بالرسول صلى الله عليه وسلم فقال له : نُصرت ياعمرو بن سالم ثم جهز صلى الله عليه وسلم جيشه وقدم على مكة في عشرة آلاف من أصحابه ودخلها صلى الله عليه وسلم دخول عظيم أظهره الله عز وجل فيه دخلها من أعلاها من كداء وعلى يمينه أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه يحمل اللواء لكنه صلى الله عليه وسلم طوال دعوته وجهاده لم يكن يطلب حظاً لنفسه وإنما كان يريد أن يبلغ رسالة ربه فلما أظهره الله دخل صلى الله عليه وسلم مكة مطأطأ رأسه حتى أن لحيته الشريفة كانت تمس وسط راحلته تواضع لله عز وجل حتى يعلم الخلق أن التواضع لله أعظم أسباب النصر فدخل صلى الله عليه وسلم وهو مطأطا رأسه متواضع لربه على بغلته طاف بالبيت العتيق سبعاً وأشار إلى الأصنام في عود بيده وهو يردد (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )ثم سال عن عثمان بن أبي طلحة وكانت الحجابة البيت عندهم يوم إذ ومازالت وفتح له باب الكعبة ودخل بها صلى الله عليه وسلم ووجد فيها صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فخرجت ثم كبر في نواحي البيت وصلى ركعتين ثم خرج فلما خرج بادرة علي رضي الله عنه قائلاً : يارسول الله أجمع لنا السقاية والحجابة فقال صلى الله عليه وسلم : - أين عثمان بن أبي طلحة ؟ قال : أنا يارسول الله فأعطاه مفتاح الكعبة وقال : اليوم يوم بر ووفاء خذوها يا بني شيبة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم فإلى اليوم مفتاح الكعبة بيد بني شيبة يفتحون البيت متى شاءوا (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) ثم إنه صلى الله عليه وسلم أمّر على مكة عتاب بن أُسيد قبل أن يدخلها أسلم أبو سفيان جيئا به إليه فقيل له يارسول الله ان أبا سفيان رجل يحب الفخر فقال صلى الله عليه وسلم :- ومن دخل دار أبو سفيان فهو امن ...



الزعماء من الناس الذين تربوا على القيادة من الصعب ان تسلبهم حقهم بالكلية فان ذلك يحدث تغير في أنفسهم ونحن مابعثنا لنخاصم الناس في دنياهم إنما بعثنا كدعاة علماء لان تنقذ الناس من الضلالة فترك للناس دنياهم يتركوا لك دينك ..


قال صلى الله عليه وسلم ( من دخل دار ابوسفيان فهو امن ومعلوم ان دار أبو سفيان لا تحمل أكثر من عشره نفر ولكن عندما يعلن في الملا وفي بيوت مكة من دخل دار أبو سفيان فهو امن يصيب أبا سفيان من الرضى مايصيبه ويناله من الفخر مايناله دون ان يضر الإسلام شيئا ثم عرج صلى الله عليه وسلم على هوازن وعلى ثقيف فكانت غزوه حنين وغزوه الطائف غر كثير من المسلمين ماهم فيه من كثره العدد ثم ثبت الله نبيه صلى الله عليه وسلم وال الأمر الى نصره صلى الله عليه وسلم وعند منقلبة من الطائف بدأ له ان يقسم الغنائم فأعطى أربعه من روساء الناس يوم إذ ممن اسلم حديثاً ألف بعير لكل واحد وقسم كثير من الغنائم على عدد بلغ الستين عند جمهره المورخين ولم يعطي الأنصار شيئاً صلى الله عليه وسلم فحز ذلك في انسفهم وتغيرت بعض قلوبهم فقال حدثاء الأسنان منهم :- ( يغفر الله لرسول الله يعطي قومه وان سيوفنا لتقطر من دماءهم ) فبلغ ذلك القول رسولنا صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم من العلم والقدوة بمكان عظيم لايرتقي إليه احد ...


ياأخي القادة العظماء لايتركون الحزازات في النفوس لكل إنسان مشاعر وأحاسيس وأراء لو أننا كبتناها لنقلبوا علينا لكن لا يمكن ان ينجح أمير في بلدته ولا زعيم في دولته ولا أب في بيته ولا معلم في فصله ولا مربي في حلقته اذا كان لايستمع الى مشاعر وأحاسيس من هم تحته فالله جل وعلا كلم موسى واستمع إليه وهو مخلوق من مخلوقاته ( قال ربي إني قتلت منهم نفساً فاخف ان يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فارساه معي رداء يصدقني ان اخف ان تكذبون ) والله يعلم كل ذلك من قبل ان يخل موسى ومع ذلك استمع إليه فهو الله جل وعلا ولله المثل الأعلى ...


فجمع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في قبة ثم قال لهم في معالجه تربويه تقصر عنها بيان البلغاء قال ( مامقوله بلغتني عنكم الم تكونوا إضلالا فهداكم الله الم تكونوا عاله فأغناكم الله الم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا :- بلى يارسول الله , لله ورسوله المنة والفضل . فقال :- الا تجيبوني ؟ قالوا :- بما نجيب يارسول الله فتولى الاجابه عنهم وقال ( إنكم لشئتم لقلتم فلتصدقتم ولصدقتم أتيتنا طريداً فآويناك وعائلاً فاسيناك ومخذولاً فنصرناك ثم قال صلى الله عليه وسلم يا معشر الأنصار :أوجدتم في أنفسكم عليّ في لعاعة من الدنيا أسلمتها إلى قوم حديثو عهد بإسلام وأوكلتكم إلى ما جعل الله في قلوبكم من الإسلام يامعشر الأنصار أما ترضون أن يعود الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم ) فبكى القوم رضي الله عنهم وأرضاهم وقالوا : رضينا بالله ربا وبرسول الله قسماً وحظا فقال صلى الله عليه وسلم : (اللهم أغفر للأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ) فانقلبوا راجعينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إن حاجتنا الملحة لأن نستمع إلى الغير وإن من أعظم الأخطاء في التربية والدعوة أن يجعل الإنسان من نفسه سلطان على الغير يفكر بدل منهم ويشعر بدل منهم ويرى ماحولهم بدل منهم ذلك أسلوب فرعوني نقله القرآن قال فرعون (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) وقد قيل :
زمان الفرد يافرعون ولى * * * ودالت دولة المتجبرين
وأصبحت الرعاة بكل أرض * * * على حكم الرعية نازلين

قصر الرسول صلى الله عليه وسلم عائداً إلى المدينة ،وفي ذلك العام كان عام الوفود فبدأت وفود العرب تقدم إلية صلوات الله وسلامه عليه وكانت من الوفود التي قدمت وفد جيزان وكان وفد جيزان مسيحي يعبدون المسيح عيسى أبن مريم فلما قدموا عليه صلوات الله وسلامه عليه أخذوا يجادلونه ويقولون له كيف نتبعك وأنت تنتقص صاحبنا وتقول إنه عبد الله ورسوله قال :نعم عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله فقالوا :كيف يكون عبداً لله ورسوله أرأيت ولداً ولد من غير أب فأنزل الله جل وعلا قوله (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين ) فلأن كان عيسى ولد من غير أب فإن آدم خلق من غير أب وأم فجاءوا بالغريب فجاءهم الله بما هو أغرب رد على حجتهم فلما قال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك أبوأ أن يسلموا له فدعاهم إلى المباهلة فدعي علي والحسن والحسين وفاطمة وقال :إن أنا دعوت فأمنوا وأنزل الله قوله ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعوا أبنائنا وأبنائكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) فعرفوا أنه النبي الله حقا لكنهم لم يؤمنوا وخشيوا من المباهلته ثم إنهم صالحوه على ألف حلة تؤدى له صلى الله عليه وسلم مرتين في العام وأشياء أخر.


وفي عصرنا هذا نشأ مايسمى بتقارب الأديان وبحوار الأديان فأما حوار الأديان فلا حرج فيه شرعاً إذا أراد المحاور المسلم أن يثبت صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأن الله جل وعلا رب لارب غيره ولاشريك معه أما تقارب الأديان فأمر مرفوض لأنه لايمكن أن تلتقي الأديان في شيء واحد فإن ذلك فيه تنازل عقدي والمسلمون أمرهم الله أن يقولوا ( قل يأيها الكافرون لاأعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد )فالمسلم على ملة حنيفية بيضاء لاينبغي أن يحيد عنها مثقال ذرة وليس هناك مصلحة ترقى على مصلحة التوحيد ولامفسدة أعظم من مفسدة الشرك وما يسمى بتقارب الأديان يفضي إلى ترك التوحيد وإلى القرب من الشرك وقد قال الله جل وعلا ( ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) .


ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فكان العام العاشر فأعلن لناس عزمه على الحج فلما أعلن عزمه على الحج صلوات الله وسلامه عليه تسارع الناس لذلك وقدموا إلية حتى يأتموا به فخرج صلى الله عليه وسلم بعد أن أحرم من ذي الحليفة مهللاً مكبراً حتى وصل مكة وطاف في البيت سبعاً ثم رقى الصفا وقال أبدأ بما بدأ الله به ثم أتم نسكه صلى الله عليه وسلم حتى أتى يوم الثالث عشر فنزل بعد أن رمى الجمرات الثلاث في اليوم الثالث عشر ثم نزل في حيف بنى كنانة صلوات الله وسلامه عليه وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم أضطجع ثم لما كانت صلاة الفجر نزل إلى الحرم قبل صلاة الفجر ثم طاف طواف الوداع ثم صلى بالناس صلاة الفجر ثم قفل راجع إلى المدينة يكبر على كل شرف من الأرض لما دنى منها ويقول :آئبون تائبون عابدون ولربنا حامدون ) صلوات الله وسلامه عليه .

ثم أشتكى الوجع وبدأ يشعر بتغير حالة واشتدت عليه الحمى فلما شعر بدنو أجله خرج صلى الله عليه وسلم إلى البقيع فستغفر لأهله ثم خرج إلى أحد فشهد لشهداء معه ثم تصدق صلى الله عليه وسلم بدنانير كانت عنده وأعتق غلمانه ثم إن صلوات الله وسلامه عليه مكث ينتظر أجل ربه يوماً بعد يوم والحمى تشتد عليه حتى كان صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على الأظهر والأصح من ربيع الأول فكان صبيحتها اطل من ستار بيته فرأى أصحابه يصلون صلاة الفجر مأتمين بابي بكر فقرت عينه وسكنت نفسه بعد أن رآهم مجتمعين على إمام واحد خاشعين لربهم وبذلك أرسل ولذلك دعي ثم إنه صلوات الله وسلامه عليه عاد على فراشه واشتدت عليه وطئت الحمى ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي فمه سواك ثم أستاك صلوات الله وسلامه عليه ثم مازال يردد : بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى .ثلاثاً ثم فاضت روحه وأنتقل إلى رحمة خالقة ومولاه ،خير من أرسل وأجل من بعث صلوات الله وسلامه عليه بعد إن أدى الأمانة ونصح وبلغ الرسالة ونصح الأمة وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك.


ولاينبغي لمن يقف مع السيرة وينظر في مسيرتها أن يغفل عن شيء مهم وهو انه صلى الله عليه وسلم كان له من كريم الصفات وجميل النعوت ما تحبب الناس إليه وأجتمع عليه صلوات الله وسلامه عليه وكان في كل حينه منقطع إلى ربه دائم الصمت عليه من السمت والوقار ماعليه حتى إنه صلى الله عليه وسلم تفقده عائشة ذات ليلة فإذا هو في المسجد منتصبة قدماه يقول في سجوده ( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)
أيها المؤمنون هذه قطوف من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم منّ الله علينا وعليكم وأبحرنا خلالها من خلال ساعة كاملة وإننا مهما قلنا مقصرون ومهما تحدثنا لن نبلغ الصواب كله ولن نبلغ الكمال كله لكن إن كان من وصية أختم بها فإن الله جل وعلا شرفنا بأن جعلنا من أمه محمد صلى الله عليه وسلم وفي عصرنا هذا من أسباب الفجور وأسباب البعد عن الله ما لايخفى على أحد والبعد عن أسباب الفجور والسلامة منه

إن السلامة من سلمى وجارتها * * * أن لاتمر على سلمى وواديها

ويحتاج الأمر هذا كله إلى صبر على هدي محمد صلى الله عليه وسلم فليوطن أحدنا نفسه على الصبر وليؤطنها على إتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعلم أن هذه الفتن التي تتابع شررها وتفاقم خطرها إنما هي بلاء وفتنة يصف الله جل وعلا به من يشاء فمن أخلص لله نيته وصلح قلبه واستقامة سريرته ووفق للصواب وهدي إلى سبيل الرشاد وهذا والله تعالى أعز وأعلم وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين .

مريم العلي
17-08-2009, 11:55 AM
الجزاء من جنس العمل
شريط:من معين القرآن الكريم.
للشيخ :صالح المغامسي....
مما دل عليه القرآن أيها المؤمنون " أن الجزاء من جنس العمل " قال الله جل وعلا (هَلْ جَزَآءُ الإحْسَان إلا الإحْسَانُ ) فإن من قواعد سنن الله في خلقه اللتي لاتتبدل ولا تتغير أن الجزاء من جنس العمل إن كان سيئة سيئه من جنسها وإن كان حسنة كانت حسنة من جنسها بينه قد يقع ذلك حتى في الحياة الدنيا قبل أن يقوم الأشهاد ويحشر العباد بين يديَّ ربهم جل وعلا وسنذكر نماذج جاء بها القرآن أو دلت عليه السنه تبرهن على صدق هذه الدلاله من أعظمها أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام نقل أنه كان من أعظم عباد الله خوفا من الله جل وعلا وخشية من ربه فكلما أمره الله بأمر بادر إليه دون أن يسأل ( إذ قَالَ لهُ ربُّهُ أسْلِمْ قَالَ أسْلمْتُ لِرَبِّ العَالمِينَ * وَوَصَّى بهَآ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنتُم مُّسْلِمُونَ ) هذا الخوف من الله جل وعلا الذي كان في قلب إبراهيم في الدنيا قال صلى الله عليه وسلم كما في المسند بسند صحيح ( يحشر الناس يوم القيامه حفاة......فيكون أول من يكسى من الخلائق إبراهيم عليه الصلاة والسلام ) فلما كان شديد الخوف من الله في الدنيا ويحشر الناس خائفين وجلين من رهبة الحساب والعذاب يطمئنه ربه فيكون عليه الصلاة والسلام أول من يكسى في عرصات يوم القيامه ولا يعني هذا أنه أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن قد يكون في النهر كما يقول العلماء مالا يكون في البحر كذلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنى لله الكعبه بنى لله بيته بوادي غير ذي زرع فلما عرج برسولنا صلى الله عليه وسلم أخبر صلوات الله وسلامه عليه أنه رأى إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور فكما بنى لله جل وعلا بيتا في الدنيا مكنه الله أن يسند ظهره إلى أعظم البيوت إلى البيت المعمور في السماء السابعه فالجزاء من جنس العمل.
ـ جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان أحد قادة المسلمين في معركة مؤته وكان يحمل الرايه بيده اليمنى فلما بترت أخذها بشماله فلما بترت شماله أخذ يجمع الراية بين عضديه ما استطاع حتى أستشهد رضي الله عنه وأرضاه والجزاء من جنس العمل يقول صلى الله عليه وسلم كما رواه الطبراني بسند صحيح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال دخلت الجنه البارحه فإذا جعفر يطير مع الملائكه بجناحيه وإذا حمزة متكأ على ..... ) فلما فقد يديه من أجل الله تبارك وتعالى كان الجزاء من جنس العمل فعوضه الله جل وعلا بجناحين يطير بهما مع الملائكة في جنات النعيم.
ـ موسى عليه الصلاة والسلام أحد أولوا العزم من الرسل سأل الله جل وعلا مقام الرؤيا بعد أن أعطي مقام التكليم فلما تجلى ربه للجبل كما دل عليه القرآن صعق موسى قال الله جل وعلا ( وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّآ أفاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأنَا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ ) قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين وغيرهما ( لا تخيروني بين الأنبياء فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فأرى موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) فجعل الله جل وعلا في ظاهر قول نبينا صلى الله عليه وسلم جعل مكافئة موسى عندما صعق عندما تجلى ربه للجبل جعله عليه الصلاة والسلام أول من يفيق ويأخذ بقوائم العرش إتماما لما دل عليه القرآن وبرهانا للسنة الربانية أن الجزاء من جنس العمل.
ـ الذين يشربون الخمر في الدنيا أعاذنا الله وإياكم منها يلجأون إليها فرارا من الهموم ويحتسونها رغم أنهم يعلمون أن فيها معصية للحي القيوم فينهل بعضهم منها بلا رويه وكل ذلك حرام فهؤلاء يوم القيامه لأنهم أسرفوا على أنفسهم في هذه المعصيه وشربوا من الخمر يقول صلى الله عليه وسلم كما روى ابن ماجه بسند صحيح ( من شرب الخمر في الدنيا لم يقبل الله منه صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه وإن مات أدخله الله النار فإن عاد وشربها لم يقبل الله منه صلاة أربعين صباحا فإن مات أدخله الله النار وإن تاب تاب الله عليه ثم قال صلى الله عليه وسلم في الرابعه فإن عاد فشربها فسكر كان حقا على الله أن يسقيه من رغدة الخبال قالوا يارسول الله وما رغدة الخبال قال عصارة أهل النار ) أعاذنا الله وإياكم منها فالجزاء من جنس العمل
ـ من الناس أعاذنا الله وإياكم من طبع في قلوبهم الكبر يودون أن يختالوا على الناس ويرون أنهم أرفع مقاما وأعظم حسبا وأكرم نسبا ولا يتكئون على شئ من الطاعات في حديثهم... في خطابهم... في قولهم... يلحظ من يكلمهم ماهم فيه من استكبار وعلو يوم القيامه يقول صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي بسند حسن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ( يحشر المتكبرون يوم القيامه كأمثال الذر في صور الرجال يحيط بهم الذل من كل مكان جزاء وفاقا من رب العالمين جل جلاله ) كانوا في الدنيا متعالين متكبرين يظنون أنهم أرفع قدرا أو أعلى مكانا فإذا كان في عرصات يوم القيامه وكان أحوج مايكونوا إلى أن يرفعوا رؤوسهم حشروا أذله كأمثال الذر في صور الرجال جزاء وفاقا من الله أسرع الحاسبين.
ـ المجاهدون في سبيل الله يقاتلون في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله فيرون الموت عيانا يرونه من غير ريبه وكان بإمكانهم أن يمكثوا في بيوتهم ويقعدوا كغيرهم كان بإمكانهم إذا رأوا الموت عيانا أن يفروا فيمكثون باقين محتسبين عند الله فإذا أدخلوا قبورهم لم يفتنوا ولا يسألهم الملكان كما يسألون غيرهم من العباد روى النسائي بسند صحيح ( أن رجلا قال يا رسول الله ما بال الناس يفتنون في قبورهم إلا الشهداء فقال صلى الله عليه وسلم كفا ببارقة السيوف على رأسهم فتنه كفا ببارقة السيوف على رأسهم فتنه ) وقوله صلى الله عليه وسلم ببارقة السيوف إخبار بأسلحة ذلك العصر وإلا فالأمر مطرد كل سلاح عصر يعتبر فتنة للمقاتل في سبيل الله جل وعلا فإذا صبر واحتسب حتى يلقى الله شهيدا في أرض المعركه كان حقا على الله أن ينجيه من فتنة القبر لأنه لم يعد في حاجة أن يسأل عن ربه ودينه ونبيه لأنه لو أراد أن يتذكر وأراد أن يفر لكان بإمكانه أن يفعل ذلك في الحياة الدنيا فلما صبر في الأولى ثبته الله جل وعلا في الأخره وفي حرب الشيشان الأخيره فقد المسلمون الكثير من شباب الأمه مما لا نزكيهم على الله ولكننا نحسبهم أنهم ماخرجوا إلا ابتغاء رضوان الله والشهادة في سبيله فنسأل الله جل وعلا أن يغفر لهم ويرحمهم وأن ينزلهم في أعلى المنازل وأن يمن على من بقي منهم بالعافيه والسلامه...
ـ الجزاء من جنس العمل قد يكون دنيويا قبل الأخره فإن عثمان رضي الله تعالى عنه دخل عليه الخوارج في بيته وهو أفضل أهل زمانه رضي الله عنه وأرضاه ولرحمة في قلبه منع الناس من المهاجرين والأنصار أن ينصروه ولم يأذن لأحد أن يحمل سلاحه على الخارجين عليه فدخل عليه أولئك المنافقون حتى قتلوه ثم وجدوا في بيته صندوقا مختوم ففتحوه فوجدوا فيه هذه وصية عثمان
بسم الله الرحمن الرحيم
"عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن النبيين حق وأن الجنة حق وأن النار حق عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث إن شاء الله تعالى "
وجه الشاهد:ـ أن هؤلاء قتلوا عثمان فأخبر الصحابه بما كان من هؤلاء الخوارج فلما بلغ سعدا رضي الله تعالى عنه ذلك قال رضي الله عنه وأرضاه تلى الآيه (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) ثم قال اللهم اندمهم ثم خذهم أي أورثهم الندم ثم خذهم قال بعض السلف: والله الذي لا إله غيره مامات أحد من قتلت عثمان إلا مقتولا فكل من شارك في قتل عثمان أدركه القتل على غير يدي عثمان ومات مقتولا جزاء وفاقا والجزاء من جنس العمل .
ـ من الناس جعلنا الله وإياكم منهم من يسمع الأذان للصلاة الفجر فيخرج في الظلمات ولا عبرة بالأضواء لأن العبره بحقيقة الوقت فيخرج في الظلمات إما على قدميه أو على دابته لا يبتغي إلا الأجر من الله يحتسب عند الله جل وعلا صلاة الفجر حتى يكون صباحه مقرونا بالخير لسجدة لله جل وعلا ويمشي إلى صلاة العشاء في الظلمات فهؤلاء الجزاء من جنس العمل يقول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق والمصدوق ( بشر المشائين بالظلم بالنور التام يوم القيامه ) وما أحوج الناس يوم يقوم الأشهاد ويحشر العباد إلى نور يستعينون به في عرصات يوم القيامه فإن الغدو والرواح والمشي والذهاب في عرصات يوم القيامه لا يعتمد على قوة الأبصار وإنما يعتمد على ما يعطيه الله جل وعلا عباده من نور ( يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَالْفَوْزَ الْعَظِيمُ ) هذه أيها المؤمنون بعض النماذج الداله على أن الجزاء من جنس العمل.
ـ فإذا تبينت هذه الدلالة القرآنيه لنا كان حقا علينا أن نتقي الله في غدونا ورواحنا وأن ينظر أحدنا في مسالكه وتعامله مع العباد فإن الأيام دول والدهر ذو عبر ولا بد من وقوف بين يدي الله جل وعلا فلا يغرنك يا أخي غناك أن تستكبر على من كان أفقر منك ولا يغرنك يا أخي منصبك وجاهك على أن تستضعف من هو دونك ولكن العاقل يعلم أن الله جل وعلا لايضيع شيئا عنده .
ازرع جميلا ولو في غير موضعه
إن الجميل جميل حيث مازرع
إن الجميل ولو طال الزمان به
فليس يحصده إلا الذي زرعه
ـ يروى أن البرامكه كما تعلمون كان لهم شأن عظيم في دولة بني العباس وقرب الرشيد آل برمك حتى أصبحوا أثراء لديه فنجم عن ذلك غناهم وعلوا كعبهم وطاعت الناس لهم وكان أحدهم رجلا صالحا يملك بستانا يفئ إليه فدخل الرشيد ذات يوم ومعه وزيره جعفر البرمكي دخل القصر يمضيان فيه سحابة يومهما فلفت نظرهما ثمرة في شجرة عاليه فقال الرشيد لجعفر إرقى على كتفي وأتنا بتلك الثمره قال بل أنت يا أمير المؤمنين إرقى على كتفي فقال الرشيد لا بل إفعل ما أمرك به فارتقى جعفر على كتف الرشيد والرشيد أمير المؤمنين وقطف الثمره وصاحب المزرعه ينظر إليهما متعجبا مما يراه فلما خرجا قال الرشيد لصاحب البستان إنني أمضيت في هذا اليوم سحابة في مزرعتك هذه سحابة يومي فاطلب مني ماشئت فقال ياأمير المؤمنين إعفني قال عزمت عليك أن تفعل فقال ياأمير المؤمنين أكتب لي كتابا فيه أنني برئ من البرامكه بخط يدك فتعجب الرشيد وتعجب جعفر لكن الرشيد مع إلحاح الرجل كتب للرجل ما أراد ثم مضى فماهي إلا يومان أو ثلاثه ونسي ماكتب لأنه أمير المؤمنين مشغول بغير ذلك مضت الأيام توالت الأعوام ثم تغير الرشيد على البرامكه كما يعرف تاريخيا "بنكبة البرامكه" فأمر بقتل بعضهم وحبس آل برمك أجمعين فذهب الحرس والجنود إلى ذلك الرجل فقتادوه فقال أدخلوني على أمير المؤمنين فلما أدخلوه أخرج الورقه من جيبه وقال يا أمير المؤمنين لقد كتبت لي عهدا بخط يدك أنني بريء من البرامكه فتعجب الرشيد منه وقال ياهذا ماحملك على ما صنعت قال يا أمير المؤمنين والله مارأيت جعفرا قد وصل إلى أن يرقى على كتفك إلا علمت أنه سيسقط لا محاله.
ـ فكلما على شأن الإنسان وبلغ ذروة الإستغناء البشري دل ذلك على قرب زواله إن كان ذلك بموت أو كان ذلك بحادث يزيله عن مقامه ولذلك قال الله جل وعلا (حَتَّى إذَآ أَخَذَتِ الأرْضَ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ) فالعاقل يعلم أن الله جل وعلا مطلع عليه وأن الأيام دول بين الناس ولا يقدم إلا ما يسعده أن يراه في آخرته ولا يتعامل مع الناس إلا بما يحب أن يعاملوه الناس به وإذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا لا إله إلا هو يحكم مايشاء ويفعل مايريد .

مريم العلي
17-08-2009, 11:57 AM
** أهل الله وخاصته ..للشيخ صالح بن عواد المغامسي **


الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات واشهد ان لاإله إلا الله وحده لاشريك له يعرج الملائكه والروح إليه في يوم كان مقداره ألف سنةٍ مماتعدون خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى ، واشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله نبيٌ شرح الله له صدره ورفع الله له ذكره ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ، صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه كما عرّف بالله ووحده ودعى إليه وعلى صحابته ومن تبع منهجه إلى يوم الدين 000

اما بعد 00

( إن الذين كفروا بالذكرِ لما جاءهم * وإنه لكتابٌ عزيز * لايأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد ) 00
مانزل كتابٌ من السماء على نبي من الانبياء أعظم ولا اجل من القران العظيم الذي انزله الله على قلب محمد صلى الله عليه ، فمابين دفتي المصحف ممايرى المؤمن اليوم ويقرأه هو كلام رب العزة والجلال جل جلاله ، نزل به أمين السماء جبريل على قلب أمين اهل الارض محمد صلى الله عليه وسلم في خير ليله هي ليلة القدر وفي خير شهر هو شهر رمضان انزله الرب تبارك وتعالى ولم يكل إلى احد من الخلق حفظه وإنما أوكل جل وعلا حفظه على ذاته العليه ، فقال سبحانه ( إنا نحنُ نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وكتابٌ بهذه المنزله حريٌ بإن يكون من يحفظه ويتدبره ويعلمه ويقرأه ويقوم بما فيه ويؤمن بمتشابهه ويعمل بحكمه حريٌ أن يكون

مــــــــــــن أهـــــل الــــلـــه وخــــاصــــتـــه ، جعل الله لإهل القران في الدنيا صدور المجالس وجعل لهم في المساجد صدور المحاريب وجعل لهم في حياة البرزخ أول القبر وجعل لهم يوم القيامه أهل الله وخاصته

جاء النبيون بالآيات فنصرموا ......وجئتنا بحكيمٍ غير منصرمِ
آياته كلما طال المدا جددٌ ...... يزينهن جلال العتقِ والقدمِ

ولقد عرف التاريخ الإسلامي منذ ان جمع القرأن في عهد ابي بكر إلى يومنا هذا عرف افذاذاً من الرجال وأئمة من الأخيار أفنوا أعمارهم وقضوا إيام حياتهم في كلام ربهم تبارك وتعالى إما يتلونه وإما يعلمونه وإما يتدبرونه وإما يفسرونه وفي ذلك كله كانوا يعملون به لإنهم يعلمون أن ليس بين الله وبين احدٍ من خلقه نسب إلا العمل الصالح ، إستفتح الشيخ الإمين الشنقيطي رحمه الله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، استفتحها ليفسرها في الحرم بعد صلاة المغرب فمكث رحمه الله يبكي لايقدرعلى ان يفسرها ، يُتصور ان يفسد أحدٌ في الأرض بعد ان أصلحها الله ، فمكث رحمه الله يبكي حتى أذن المؤذن لصلاة العشاء ولم يفسر آيةص واحده ، وفسر قول الله جل وعلا ( إهبطوا مصر ) في أربع ساعات دون ان يكرر كلامه او ان يخرج عن معنى هذه الآيه رحمه الله وعفى عنه ،
وغاية المقصود من هذا كله هو ان تتأمل آيات متفرقات من كلام الرب جل وعلا أحياناً نتاملها تامل علمي محض واحياناً نتاملها تأمل وعظي محض واحياناً نحاول ان نجمع بين العلم والوعظ ماستطعنا لذلك سبيلا

~ ~ الــــــو قــــفـــــه الاولـــــى ~ ~



قول الله جل وعلا ( ولما جاءهم رسولٌ من عند الله مصدقٌ لمامعهم نبذ فريقٌ من الذين أُتوا الكتاب كتاب الله وراى ظهورهم كأنهم لايعلمون * واتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان * وماكفر سليمان ولكن الشياطين كفروا * يعلمون الناس السحر وماانزل على الملكين ببابل هاروت وماروت * ومايعلمان من احدٍ حتى يقولا إنما نحنُ فتنةٌ فلا تكفر * فيتعلمون منهما مايفرقون به بين المرء وزوجه * وماهم بضارين به من أحدٍ إلا بإذن الله *ويتعلمون مايضرهم ولاينفعهم * ولقد علموا لمن إشتراه ماله في الآخرة من خلاق * ولبأس ماشرو به انفسهم لو كانوا يعلمون )

موضع الإشكال قول الله جل وعلا ( وماأنزل على الملكين ببابل ) ذلك انها تحتمل ان تكون نافيه ، وتحتمل حسب اللغه أن تكن موصوله ،لكن سأبدا في تفسير الآيات من أولها 00
الآيات جاءت في سورةالبقره في ذكر اليهود والله هنا يقول ( ولما جاءهم رسولٌ من عندالله مصدقٌ لما معهم )
هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والذين معهم هي التوراة وفي التوراة وصف لنبينا صلوات الله وسلامه عليه ، ذلك ان الله جل وعلا وصف محمد واصحابه في التوراة والإنجيل ثم أبتعثه من اعز قبيل وفي أكرم جيل وأمثل رعيل ، صلوات الله وسلامه عليه، ولما قيل لعبدالله بن سلام اليهودي أتعرف ان النبي صلى الله عليه وسلم هو هو بعينه قال نعم ولا أشك في ذلك أعرفه أكثر مما أعرف ابني ، ثم بين قال أعرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ان الرب جل وعلا أعطى موسى التوراة فأخبره بوصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أما أبني فلا ادري ماكان من شأن امه أكذبت علي أو صدقت ، ام النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء وصفه في التوراة والتوراة أعطاها الله موسى من غير وسيط 0
غاية الأمر ان الله هنا يقول ( ولما جاءهم رسولٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم نبذ فريقٌ من الذين أُوتوا الكتاب ) وهو أسلوب القرأن العظيم في التحرز من تعميم الأحكام قال الله جل وعلا ( فريق ) ولم يقل أمة اليهود بإكملها ذلك أن كل أمه فيها الأخيار وفيها دون ذلك ، وهذا يشهد له الواقع فالإسلام دين الفطره ، ومازال الناس من يهود ومجوس ونصارى ووثنيين وغيرهم يدخلون في دين الإسلام تباعاً حتى أن آخر يهودي أسلم ، أسلم قبل أيام
وهذا كله يدل على التحرز القرأني في كلام الرب جل وعلا 0

( واتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان ) عد الله الفعل تتلوا هنا بحرف الجر ( على ) وهذا يحتمل ان المقصود من الآيه أن اليهود تركوا الحق والامر المبين الواضح الذي أنزله الله جل وعلا عليهم ولجئوا إلى الكذب والآيه تُفهم من سياقها التاريخي ذلك ان سليمان عليه الصلاة والسلام أعطاه الله جل وعلا أموراً عظام يقول الله ( فسخرنا له الريح تجري بإمره رخاءً حيث أصاب * والشياطين كل بناءٍ وغواص * وأخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطائنا فامنن أو امسك بغير حساب ) قبل أن يموت سليمان دفن السحر الذي جاءت به الشياطين ولما مات أخرجته الشياطين وأخرجه اليهود ونسبوا إلى سليمان لم يكن معجزةً من الله بزعمهم وإنما كان سحراً ولهذا قال الله جل وعلا ( وماكفر سليمان ) رغم ان اليهود لم ينسبوا إلى سليمانرالكفر وإنما قال الله ( وماكفر سليمان ) لأنهم نسبوا إلى سليمان السحر والسحر هو الكفرأو قرين الكفر او بتعبير أوضح السحر من الكفر ولايوجد بين العلماء خلاف كبير في معنى اللآيه 0
قال الله في الآيه التي بعدها ( وماأُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) قال فريق من العلماء إن (ما) هنا نافيه والآيه عندهم في تقديم وتأخير ومعنى الآيه ( وماكفر سليمان ) أي نافيه نفى الله الكفر عن سليمان ، ويقولون الأصل في الآيه (وماأُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) أي أن الله ينفي أن يكون قد أنزل على الملكين أي شيئ من السحر ، هذا معنى اللآيه عند بعض العلماء واختاره القرطبي وأيده الشوكاني من المتأخرين
لكن هذا القول لايستقيم مع الآيه أبداً ، لإن الله قال بعدها ( ومايعلمان من احدٍ حتى يقولا إنما نحنُ فتنةٌ فلا تكفر فيتعلمون منهما ) فجاء الله بألف التثنيه في يقولا ومنهما ويتعلمان ، ممايدل على أنها تعود على الملكين هاروت وماروت ، فعلى هذا يبطل هذا القول في ظننا 0
القول الثاني أختاره الإمام إبن حزم رحمه الله وحجته أن الواو للعطف ،والعطف يقتضي المغايره وفق قواعد اللغه ، فمعنى الآيه عند إبن حزم ، أي ان الذي انزل على الملكين غير السحر لإن الواو عاطفه والعطف يقتضي المغايره ، الذي دفع العلماء إلى هذا القول ماروي عن إبن عمر بإسانيد مرفوعه وموقوفه ، عن الله جل وعلا أنزل الملكين هاروت وماروت وابتلاهما بالكوكب المعروف ( الزهرة ) تمثلة لهم كأنها أمرأه ففتن بها الملكين فردها الله فجعلها كوكباً ، هذا الذي جعل بعض العلماء يحيد عن معنى الآيه 0

والحق إن شاء الله تعالى هو مايلي 00

اما القول بإن الملكين أبتوليا بالزهرة فهذا القول باطل ولايمكن ان يثبت ، وإنما مجمل الآيه أن الله جل وعلا لاملزم له ولا معقب لحكمه ، فلما فشى في ذلك الزمان السحر حتى أختلط على الناس ماهو السحر وماهي المعجزات الأنبياء أرسل الله جل وعلا وبعث هذين الملكين هاروت وماروت بعثهما جل وعلا فتنه للناس يبنون للناس ماهو السحر فإذا عرف الناس ماهو السحر ، عرفوا كيف يفرقون بينه وبين معجزات الانبياء ، ولاذي يدل على صحة هذا المعنى قول الله ( ومايعلمان من احدٍ حتى يقولا إنما تحنُ فتنةٌ فلا تكفر ) أي يبينا للناس ، وهذا على ان السحر كفر ، ( فيتعلمون منهما ) أي شرار الناس من الملكين ، ( مايفرقون به بين المرء وزوجه ) وهذا أحد انواع السحر المنصوص عليها في كتاب الله 00
( وماهم بضارين به من احدٍ إلا بإذن الله ) فقد يقع الضرر وقد لايقع وسواءً وقع أو لم يقع كل ذلك لايمكن أن يتم أويكون إلا بمشيئة الله تبارك وتعالى

~ ~ الـــــــو قــــفـــــه الـــــثــــانــــيـــــه ~ ~


معنى قول الله تبارك وتعالى في سورة الكهف
( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثوابً وخيرٌ أملا ) قال صلى الله عليه وسلم ( من امسى معافاً في بدنه آمناً في سربه عنده قوت يومه ، فكأنما جمعت له الدنيا بحذافيرها ) هذه الحياة ظروريات وفيها زينة زائده على الظروريات ، فالظروريات وفق الشرع ثلاث 00
أن يكون الإنسان معافً في بدنه
ان يملك قوت يومه
ان يكون الإنسان يجد أمن ليعبد الله فيه
ومازاد عن ذلك فهو زينة الدنيا ولذلك قال الله (المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) أي ليس من الضروريا ، فالإنسان يمكن ان يعيش دون ان يكون له ولد ويمكن ان يعيش دون ان يكون له مال مدخر ، لكن لاينغص العيش إلا عدم وجود قوت اليوم او السقم في البدن او الخوف وعدم الامن عياذاً بالله من هذه الثلاث ، ثمة مركات يجب ان ينتبه لها المسلم وهو يتأمل وتدبر هذه الأيه الكريمه ، قبل ان نشرع في هذه المردكات نبين إن العلماء أختلفوا في الباقيات الصالحات فمنهم من حصرها في ( سبحان الله والحمدلله ولاإله إلا الله والله اكبر ولاحول ولاقوة إلا بالله ) ولاريب ان هذه من الباقيات الصالحات لكنها لاتستوعب الباقيات الصالحات كلها وإنما الباقيات الصالحات الاصل والصواب ان يقال كل عمل صالح اريد به وجه الله جل وعلا فهو من الباقيات الصالحات أم التامل في هذه الأيات تعمقاً فإني أقول ان الله يبين من هذه الآيه ان الحياة زهرةٌ حائله ونعمةٌ زائله لابد ان تنقضي وماأدخره الإنسان في حياته الدنيا يتلاشى ويذهب إلا ماأريد به وجه الله جل وعلا فإنه يبقى مدخر له يوم القيامه والواقع اعظم الشهود عندما يموت بني آدم وعندما يموت الرجل أو المرأه أول مايترك منه أسمه فإن الناس إذا مات الميت وجاءو يسألون عنه قبل أن يغسل لايقولون أين فلان ولكن يقولون أين الجثه 0
الأمر الثاني 00



ان تعلم ان الباقيات الصالحات توفيق من الله وان الهدايه جملةً نور من الله يضعه الله جل وعلا في قلب من يشاء لا يناله احداً بعلمه ولابجهده ولابسعيه ولا بغدوه ولابرواحه قال الحق تبارك وتعالى ( ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور ) ولقد شبه الله قلب المؤمن بالكوه التي في الجدار على النافذه الغير المطله التي في الجدار التي فيها مصباح فالكوه هي قلب المؤمن والمصباح الذي فيها يضيئ من خلال زيت فجتمع فيه سببان لان يضئ ، فاجتمع في الكوه سببان المصباح وهذا المصباح متكئ على سبب آخر هو الزيت تفسيره الفطره التي جعلها الله جل وعلا في قلوب الناس والمصباح هي الآيات البينات التي أنزلها الله على قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الفطره تكاد تهدي صاحبها من غير دليل كما أن الزيت يضئ من غير أن توقد به نار ، فتشع هذه الفطره مع آيات الله البينات في قلب المؤمن والكوه مقوي محفوظ والشعاع فيه يبقى ظاهراً ممتلئ وكذلك قلب المؤمن يشع بنورين نور الفطره التي فطره الله جل وعلا عليها ونور الآيات البينات التي استفاد منها وجعلها الله جل وعلا في قلبه ولاسبيل إلى الفطره ولاسبيل إلى اللآيات البيناتإلا بالله تبارك وتعالى قال العز إبن عبدالسلام رحمه الله ( والله لن يصلوا إلى شيئ بغير الله فكيف يوصل إلى الله بغير الله ) قال تباركت أسماءه وجل ثناءه ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجه الزجاجه كأنه كوكب دري يوقد من شجرةٍ مباركةٍ لازيتونةً لاشرقيه ولاغربيه يكاد زيتها يضيئ ولم تمسسه نار نورٌ على نور يهدي الله لنوره من يشاء
الأمر الثالث 00



من المدركات من الباقيات الصالحات ان تعلم ان الله جل وعلا وحده من يعلم الغيب كله فكم من إنسان يسعى لأمر يأمل خيره ويلقى ضده وكم ممن يأمل غير ذلك يلقيه الله جل وعلا بالخير ومن علم أن الغيب كله لله اطمأنت تفسه وسكن قلبه ولم يركن إلى إلى امر من الدنيا إتكئ عليه

وشدد يديك بحبل الله معتصمِ 00 فإنه الركن إن خانتك أركانُ


~ ~ الـــــوقـــــفـــــه الـــــثــــالــــــثــــه ~ ~


مع قول الله جل وعلا ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا * خالدين فيها لايبغون عنها حولا ) هذه الآيه ختم الله به بعدها بآيه سورة الكهف والمقصود من بيان هذا الأمر أمور عدة الناس يسمون الخطيب الذي يتحدث كثيراً عن الجنة بإنة يطرق موضوع تقليدي ويتناسون أنه لابغية للمؤمن أعظم من الجنة لأنه من دخل الجنة ماالذي يظيرة من مصائب الدنيا ومن أدخل النار ماالذي أفادة من عطايا الدنيا ، الجنة درجة عالية والدخول إليها لابد أن يكون صاحبها ذا قلب سليم 00قال الله عزوجل على لسان خليلة ( يوم لاينفع مالٌ ولابنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ) ونبيكم صلى الله عليه وسلم مر على إعرابي يدعوا فقال الإعرابي يانبي الله ومعه معاذ أما واني لاأحسن دندنتك ولادندنت معاذ ولكن أسأل الله الجنه واستجير به من النار فقال الرسول صلى الله عليه وسلم حولها ندندٍ أي لابغية لنا ولا مطلب لنا في دعائنا إلا ان نزحزح عن النار وندخل الجنه ، والجنه ذكرها الله جل وعلا مرات عديده في كتابه قال الله جل وعلا عن ابينا آدم ( وقلنا ياآدم أسكن انت وزوجك الجنه ) فختلف العلماء هنا في الجنه التي أمر الله آدم وزوجته ان يدخلها فقال فريق منهم إنها جنة المأوى التي وعدها الله جل وعلا عباده وحجتهم في هذا ان الألف واللام للمعهود الذهني لإن ذكر الجنه لم يمر من قبل فننتقل معهود اللفظي ولايمكن ان تكون للإستغراق لإنه لايوجد إلا جنةٌ في السماء ، فقالوا لم يبقى إلا المعهود الذهني ومن حججهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنه إذا أرادوا أن يدخلوها يجدوها مغلقة الأبواب فيأتون أباهم آدم فيقولون ياآدم إستفتح لنا الجنه فيقول عليه السلام وهل أخرجكم من الجنه إلا خطيئة أبيكم إذهبوا إلى محمد قالوا إنها ذلاله على أنها جنة المأوى ، وقال آخرون من العلماء انها ليست الجنه التي وعدها الله لعباده ومن حججهم انه أبليس وسوس لآدم وأن آدم كلف فيها قالوا والجنه لاسبيل لإبليس عليها ولاتكليف فيها وغن آدم أخرج منها والذي يدخل الجنه يخلد ولايخرج ولكن جماهير العلماء وهذه إطلاله علميه على الآيه 00
نعود للجنه 00
قوم لايدخلونها بالكليه وقوم يمنعون منها إبتداءً وقوم يدخلونا من غير حساب ولاعذاب وأما الذين منعوا عناه بالكليه فهم اهل الإشراك فمن مات على غير ملة الإسلام فقد حرم من الجنه ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنه ) والفريق الآخر الذين لايدخلونها إبتداءً ومن هؤلاء العاق للوالديه قال صلى الله عليه وسلم لايدخل الجنه عاق ، فقمن مات وهو عاق للوادليه لم يدخل الجنه إبتداءً ولو كان من اهل التوحيد ومالحافظين على الصلوات لإن الله جل وعلا لم يعطي حق لأحد من الخلق بعد حق نبيه صلى الله عليه وسلم أعظم من حق الوالدين فإذا وجد عبد نبذ هذا الحق الذي وضعه الله وراء ظهره وقدم عليه غيره وعامل الإحسان بالعقوق كان حقاً على الله أن لايدخله الجنه إبتداءً إلا ان يشاء الله ، الامر الثالث ممايتعلق بالجنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نسب إلى الجنه الشوق قال عليه الصلاة والسلام ( إن الجنه لتشتاق إلى ثلاثه ، إلى علي وعمار وسلمان ) رضوان الله تبارك وتعالى عليهم أجمعين


~ ~ الـــــوقــــفـــــه الأخـــــيــــــره ~ ~

مع قول الله جل وعلا لكليمه موسى ( والقيت عليك محبةً مني ) الله جل وعلا يحكم مايشاء ويعمل مايريد ويبتلي بالمن كمايبتلي بالعطاء ، ونبي الله موسى القته امه في اليم خوفاً عليه وهو من حيث العقل لايستقيم لكنه أمر الله فلما حملة الامواج موسى ورأته أسيا بنت مزاحم ألقى الله محبة موسى في قلبها فكان ذلك أحد الأسباب في بقاءه وأستمرار حياته بقدر الله جل وعلا ، قال الله جل وعلا ( والقيت عليك محبةً مني ) فلا يرى موسى عبد ذو إنصاف إلا واحبه مماألقى الله جل وعلا عليه وهذا مطلب عظيم يطليه عباد الله وأوليائه، لقد ذكر الله جل وعلا شرطه قال الله تعالى في سورة مريم ( أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وودا) فالود فسر ممايجده الإنسان في قلوب المؤمنين من محبةٍ له وودٍ له وهذا لاينال إلا بالإيمان


والعمل الصالح وقلوب العباد ليست لهم حتى يهبوك أياها فمن وصل مابنه وبين الله تكفل الله جل وعلا بكل غاياته ورغباته ، والغايه من ذلك ان تعلم ان من اعظم العطايا واجزل الهبات أن يمن الله عليك بمحبة الناس ولاسبيل إلى ذلك كما بينا إلى بالإيمان والعمل الصالح وهذا يسوقنا إلى بعض الذين كان يحبهم النبي صلى الله عليه وسلم 00
جملةً النبي صلى الله عليه وسلم يحب الصحابه كلهم لمن بعضهم ألقى الله عليه محبه ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ويؤثره على غيره ويأتي في مقدمة هؤلاء أسامه إبن زيد رضي الله عنه ، غلام اسودٌ افطس خفيف البدن ، ذكر الذهبي في الأعلام خبراً عن عائشه أن مخاطهرضي الله عنه نزل فبادر النبي صلى الله عليه وسلم ليمسحه عنه فقالت عائشه رضي الله عنها يانبي الله أنا أمسحه عنك فقال ياعائشه إني أحبه فأحبيه 00
ولما جاء دفنه قال عمر رضي الله عنه يوم دفن أسامه عجلوا في دفن حبي نبي الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تغرب الشمس 00
احب نبينا صلى الله عليه وسلم خديجه بنت خويلد وكان يذيح الصدقات ويرسلها لقرائب خديجه ، ودخلت عليه هائله أخت خديجه تستأذنه فلما دخلت تمنى ان تكون هائله قبل أن يعلم انها هائله قال اللهم اجعلها هائله ودخلت ، حتى يتذكر خديجه رضي الله عنها وهي أول هذه الامه اسلاماً بلاريب ولاشك ولم يسبقها إلى الإسلام احد من الامه 00
هؤلاء طائفه ممن أحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم 00
أحب نبيكم جبل أحد ،، وهذا كله ممايدل على أن هناك أشياء حوله صلى الله عليه وسلم كان يحبها ، والمؤمن اليوم إذا وفق للسنه وفق لهدي النبوه يصنع الشيئ وربما لايوافق جبلته لكن يصنعه تقرباً إلى الله لإنه يحب كما يحب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 00
هذا زمن الصيف جمع نبيكم في زمن الصيف مابين البطيخ الأصفر ومابين الرطب فكان يأكل الرطب ويأكل البطيخ الأصفر ويقول نكسر حر هذا ببرد هذا ونكسر برد هذا بحر هذا ، تأمل رجلٌ يدخل مع أبناءه ومعه رطب وبطيخ أصفر فيضع ابناءه ثم يقسم بينهم البطيخ والرطب ويقول أحبوا ماأحبه نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وهذا ممايغرس الإيمان في القلوب ويكسب الرق في القلب ويجعل الإنسان على بينه من أمره ، وهذه القلوب آنيه واوعيه وأعظمها ماكان ممتلئً بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم 00
لو وكلنا إلى اعمالنا لم ندخل الجنه قط ولكنها رحمة الله يصيبها الله جل وعلا لمن يشاء ورحمته تطلب منه بكرةً وعشيا ، تارةً بالدعاء وتارةً بالنوايا وتارةً بالعمل الجامع للنوايا الحسنه بكل شيئ ، وماعجزنا منه لانتركه نأخذ بعضاً منه نتقرب إلى الله بما يحبه ويحبه رسولنا صلى الله عليه وسلم 00

مريم العلي
17-08-2009, 12:00 PM
محبه الرسول صلى الله عليخ وسلم
الشيخ صالح المغامسي

إن الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، لا رب غيره ولا إله سواه ، خلق فسوى، وقدر فهدى ، وأخرج المرعى فجعله غثاءا أحوى ،خلق خلقه أطوارا ، وصرفهم كيفما شاء عزة واقتدارا ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ،وصفيه وأمينه على وحيه ، أكرم به عبدا وسيدا ، وأعظم به حبيبا مؤيدا ، فما أزكاه أصلا و محتدى ، وما أطهره مضجعا ومولدا ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة خالدا وسلاما مؤبدا ، أما بعد ..
أيها المؤمنون : فإن من المحاضرات ما يحتاج قائلوها إلى انتقاء في الألفاظ ، وصياغة في العبارات ، وبحث في المعاجم ، حتى يسدوا به خللا في المعاني ، وقصورا في الغايات ، وما يصاحب ذلك من المطالب التي تفقدها تلك المحاضرات ، إلا أن الحديث ، عن محبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حديثا تزهو به العبارات ، وتجمل به الصياغة ، فإذا كان قد ثبت أن النياق وهن نياق تسابقن إلى يديه الشريفتين صلى الله عليه وسلم أيهن يبدأ بها لتُنحر ، فإن الكلمات تتسابق أيضا إلى أفواه قائليها ، إذا كان الحديث حديث عن محمد ابن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ..
سـلوا قلبـي غداةَ سـلى وثاب لعل على الجمال لـه عتـابا
ويسأل في الحوادث ذو صـواب فهل ترك الجمال لـه صوابا

ولـي بين الضـلـوع دم ولحم هما الوادي الذي كفل الشباب
وكل بساط عيش سوف يطوى وإن طـال الزمان به وطاب
فــمـن يغـتر بالدنـيا فإني لبثت بـها فأبليت الـثيـاب
لـها ضـحك القِـيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تـغابا

جـنيت بروضـها وردا وشوكا وذقت بكأسها شهدا وصـابا
فلـم أرى مـثل حكم الله حكما ولم أرى دون باب الله بابا
أبا الزهـراء قد جاوزت قدري بمدحك بيد أن لي انتـسابا

فمـا عرف البـلاغة ذو بيان إذا لـم يتـخذك له كـتابا

مدحـت المـالكـين فزد قدرا فلما مدحتك اجتزت السحاب
صلى الله وسلم وبارك وأنعم عليه .
أيها المؤمنون : إن نبيكم أشار إلى القمر فانفلق ليكون شاهد على نبوته ، وأشار إلى الغمام فتفرق بأمر الله جل وعلا إكراما لإشارته ، وصعد أحد فارتجف فرحا به وبأصحابه ، وترك الجذع حينا فحن الجذع إليه ، وإلى كلماته وعظات ، صلوات الله وسلامه عليه ، فإذا كان هذا حال غيرنا معه فما الذي ينبغي علي المؤمنين من أمته به، لاريب أن المؤمنين به صلوات الله وسلامه عليه أولى بمحبته ، وأجدر بطاعته ، وأحق باتباعه ، وما أكرمه من حديث مصطفى ، وعبد مجتبى ورسول مرتضى، منّ الله جل وعلا عليه بأن جعله إلينا من الخلق أحب حبيب ، وأكمل قريب ، أرسله الله جل وعلا رحمة للخلائق، فقال سبحانه وتعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) وهدى به لأمثل الطرائق فقال سبحانه : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الشورى).
ومحبته صلى الله عليه وسلم حق من حقوقه على أممته دل عليها العقل والنقل وجاءت بها الأخبار والآثار ، وتلبث بها السابقون الأولون من المؤمنين الأخيار فقاموا بها حق قيام ، وأدوها على نحو أتم ووجه أكمل .

يقسم العلماء دوما المحبة :
• محبة ينتابها الإشفاق ، كمحبة الوالد لولده .
• ومحبة ينتابها الإجلال : كمحبة الولد لوالده .
• ومحبة يعتريها المشاكلة والاستحسان ، كمحبة الناس بعضهم لبعض ، ممن يكمل في عينيك ويرتفع قدره عندك
• أما محبة المؤمنين لنبيهم صلى الله عليه وسلم فإنها في مجملها محبة شرعية أوجبها الله جل وعلا علينا له
صلوات الله وسلامه عليه ، دل عليها الكتاب ، ودلت عليها أقواله صلوات الله وسلامه عليه : (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ) فجعل الله جل وعلا أنه لا ينبغي لأحد أن يقدم شيئا من متاع الدنيا ولا حتى النفس على محبة الله ، ثم على محبة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقد تبين لكل أحد مما نص عليه العلماء كما نص عليه القرطبي وغيره : "أنه ما من أحد يؤمن بالله تبارك وتعالى وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إلا وفي قلبه محبة راجحة لنبينا عليه الصلاة والسلام ، لكن هذه المحبة يختلف الناس فيها ويتفاوتون فيما بينهم في تحقيقها ، فمنهم من ينال منها النصيب الأوفى ومنهم والعياذ بالله من يرضى بالحظ الأدنى ، وكلما طغت الغفلة والشهوات نأى الإنسان بمحبته لرسول الله صلى عليه وسلم عنه ، وكلما عظم ذكر الله والاتباع والطاعة -كما سيأتي- علت تلك المحبة في النفوس وسمت في الأفئدة وارتقت في القلوب ، من يقارب بعد ذلك إلى ربنا علام الغيوب ".
وإذا كان المؤمن ذا إنصاف فإن أول ما ينبغي عليه أن يتأسى بالأخيار،ولا جيل أمثل ولا رعيل أكمل من أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه ، ثم التابعون لهم بإحسان من أهل القرون المفضلة ، وقد ضرب ألئك الأخيار المثل العليا ، في محبتهم لنبينا صلى الله عليه وسلم ، محبتهم له حال حياته ومحبتهم له بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه ، ولا يمكن لأحد أن يستشهد لأحد قبل سيد المسلمين أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فلقد كان لأبي بكر النصيب الأعلى والحظ الأوفر في كل خير في الأمة ، لأن إيمانه كما نص الشرع عليه يعدل إيمان الأمة كلها ، قدم ماله ، ونفسه في الجهاد ، وما ملكته يداه ، وجاهه إجلالا لله ومحبة في رسوله صلى الله عليه وسلم .
فتأتي حادثة الهجرة وينال أبوبكر شرف الصحبة ، فيمضي مع نبينا عليه الصلاة والسلام ، في الطريق فيرى منه النبي عجبا ، فتارة يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يأتي عن اليمين ، وأخرى عن الشمال ، فيقول له صلى الله عليه وسلم : "ما هذا يا أبا بكر ؟". فيقول " يا نبي الله أذكر الرفث فأمشي أمامك ، وأخاف عليك الطلب فأمشي خلفك ، وأتوجس من الكمين فأكون تارة عن يمينك وتارة عن شمالك ".
ثم يدخل صلى الله عليه وسلم المدينة ليضرب أهلها مثلا أعلى أخر في حبهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم فيخرجون زرافات ووحدانة رجالا ونساء شيبا وشبانا ويكبرون ويقول بعضهم لبعض " الله أكبر جاء محمد ، جاء محمد " وترتقي على أسطح المنازل بنات وولائد من بني النجار ويضربن على الدف ويقلن :
يا حبذا محمد من جار ** نحن بنات من بني النجاري
يا حبذا محمد من جار ******
وورد أنه صلى الله عليه وسلم التفت إليهن وقال: " أتحببنني ؟ " قلن : نعم يا رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم "وأنا كذلك أحبكم" .
ثم يتتابع حال القوم من محبتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، والمحبة: شيء في القلوب لكنه يعبر الإنسان عنه بما يقتضيه الحال وما يمليه المقام .
ففي ساحات الحروب كانوا يحيطون به ، دفاعا عنه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك ما تمليه المحبة وقتها ، فإذا كان بين أظهرهم وجلسوا معه في مجلسه ، حَفُّوا به وغضوا أبصارهم عنه وهابوا أن يتكلموا بين يديه ، واستحيوا أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله ، فإذا أصابهم الأذى وعرضت عليهم الدنيا ، لم يقبلوها رجاء أن يرضى الله عنهم ورسوله صلى الله عليهم ورسول الله .
يقدم خبيب رضي الله عنه ليصلب وليقتل فيقول له قاتلوه من مشركي قريش آن ذاك : "أيسرك أنك في بيتك معافا وأن محمدا مقامك ؟؟ " فيقول رضي الله عنه وأرضاه: " لا والله ما يسرني ذلك، ولا أن يشاك محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة .
وهم مع ذلك رضي الله عنهم يعلمون أنه صلوات الله وسلامه عليه بشر أكرمه الله بالنبوة ، وختم به الرسالة ، فيأخذون عنه الدين ، ويأخذون عنه العلم ويتعلمون منه ما يقربهم إلى الله جل وعلا زلفى .
فلما توفي صلوات الله وسلامه عليه تذكر من كان حيا بعده أيامه صلوات الله وسلامه عليه ، جاء أبوبكر إلى المنبر وكان أبوبكر يعلم أن هذا المنبر طالما جلس وقام عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستحيى أن يجلس في المكان الذي كان يجلس فيه صلى الله عليه وسلم يجلس فيه ، ونزل درجة على المنبر ، ثم خطب في الناس قائلا : ( أما إنكم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قام مقامي هذا فقال – فغلبته عيناه ، ولم يستطع أن يكمل ثم أعاد العبارة ، فغلبته عيناه فلم يستطع أن يكمل ، ثم أعادها ثالثا فغلبته عيناه فقال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال " إن الله ما أعطى أحدا شيء أعظم من العفو والعافية ، فاسلوها الله عزوجل "، ثم أتم حديثه رضي الله عنه وأرضاه .
فإذا قدر لأحدهم أن تدنوا ساعة رحيله فطاف به حوله أقربوه في ساعة الاحتضار ، كان كثيرا منهم رضي الله عنهم وأرضاهم يقول: " غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه " صلوات الله وسلامه عليه .
فيقدم بلال بين الحين والآخر من الشام إلى المدينة فإذا قدر له أن يرفع الآذان ومر على قوله :"أشهد أن محمدا رسول الله " ارتجت المدينة بالبكاء لأن أذان بلال ذكرهم بالحبيب صلوات الله وسلامه عليه .
وما كان لهؤلاء القوم من عظيم المحبة لنبينهم صلى الله عليه وسلم حفظهم الله ، أو قل حفظ بعضا منهم لمحبته لنبيه عليه الصلاة والسلام ، كان سفينة مولى لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، ولقب بسفينة واسمه " مهران " وكنيته " أبو عبد الرحمن " لأنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر ، فثقل على القوم متاعهم فبسط كسائه فحمل متاع القوم فيه ، فورد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له : " أنت سفينة " ، كان سفينة موالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحب له ، فلما جاءت ساعات الجهاد وأذن بالفتوحات وانتقل كثير من الصحابة من المدينة إلى غيرها طمعا في أجر الشهادة ، قدر لسفينة أن يأتي بلاد الروم مجاهدا ، فظل الطريق ، وانتهى به الأمر إلى غابة كثيرة الكثبان ، فداهمه فيها أسد ، فلما قرب الأسد منه ، وكنية الأسد عند العرب "أبا الحارث " قال سفينة للأسد : " يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم " فطأطـأ الأسد رأسه ، وقرب من سفينة وأخذ يمشي معه حتى أخرجه من الغابة ، قال محمد ابن المنكد – رحمه الله رواية عن سفينة – قال سفينة : "فلما أصلني إلى غايتي طأطأ رأسه وهمهم بكلام كأنه يودعني" ، انظر إلى هذا السبع الكاسر والوحش النادر كيف أصابه من الرقة والشفقة لما علم أن خصمه مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وما حضي به الصحابة من محبة لنبينا صلى الله عليه وسلم ورثه عنهم تابعون من هذه الأمة قال مالك رحمه الله – وهو إمام دار الهجرة في عصره – قال : "ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب السختياني أفضل ذكرى ". ثم ذكر مالك السبب الذي جعله يُجل أيوب ويأخذ عنه ، فقال – رحمه الله - : " لقد صحبته وقد حج أيوب حجتين ، ورمقته من بعيد ولم أسمع منه ، فكنت أرى أيوب إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى يقوم عنه أصحابه شفقة ورحمة به ، فلما رأيت محبته و أجلال للنبي صلى الله عليه وسلم أخذت عنه وكتبت عنه الحديث" .
ثم إن مالكا نفسه أخذ يبكي كلما أكثر من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعجب منه أصحابه ، فقال رحمه الله لتلاميذه :" ولو رأيتم ما رأيت لما تعجبتم ، لقد أدركت محمد ابن المنكدر- وهو شيخ مالك- ، لقد أدركته ما يحدث بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا ويبكي إجلالا لنبي صلى الله عليه وسلم ، فنقوم عنه رحمة به وشفقة عليه "، ثم قال:" وأدركت عبد الرحمن ابن القاسم ابن محمد ابن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، قال:" أدركته إذا حدث وذكر النبي صلى الله عليه وسلم جف لسانه في فمه ، وكاد دمه أن ينزف ، محبة وإجلالا لنبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه .
فهذه صور مشرقة وصفحات مضيئة من حياة سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان في محبتهم لنبينا صلوات الله وسلامه عليه .
فإذا أدرك المؤمن هذا ، عرف أن الله جل وعلا لم يكتب لنا أن نسعد بصحبته ولم تكتحل أعيننا برؤيته لكن الله جل وعلا لم يحرمنا من الإيمان به واتباعه صلوات الله وسلامه عليه ، واعلموا أنه صلى الله وسلم صح عنه أنه قال : " إن من أشد أمتي لي حبا قوم يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله " اللهم برحمتك وسلطانك اجعلنا منهم
هؤلاء المحبين لنبينا صلى الله عليه وسلم أدركوا أن محبته صلى الله عليه وسلم من أعظم الواجبات ، وأجل القربات ، قال عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " وفي البخاري من حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له :" والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ، ووالده والناس أجمعين " فقال عمر يا رسول الله : "إلا من نفسي " فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" حتى من نفسك ، يا عمر " فقال عمر : "الآن يا رسول الله أنت أحب إلي من نفسي " فقال صلى الله عليه وسلم "الآن يا عمر " أي الآن يا عمر كمل إيمانك يا عمر . فلن يكمل إيمان عبد حتى يكون محبا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، وهذه المحبة لا حاجة لأن يطنب الإنسان و يتحدث في أسبابها وموجباتها لأن ذلك لا يمكن أن يخفى على أحد ، فنحن نحبه صلى الله عليه وسلم :
• اندراجا في محبتنا لربنا جل وعلا ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه ، حبيب الله وخليله وصفيه ونبيه ونجيه فكان بدهيا أن نحب من أحبه الله جل وعلا .
• وبه هدانا الله جل وعلا إلى صراطه المستقيم ، فهو عليه الصلاة والسلام حظنا من النبيين ، ونحن حظه من الأمم ، كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه .
• نحب لما كان في قلبه صلوات الله وسلامه عليه من شفقة ورحمة بالأمة ، كما نعته الله في كتابه : (لَقَدْ جَاءكُمْ
رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) إذا كان في يوم عيده وصلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين أملحين أقرنين فيسمي الله ويكبر في أحدهما ويقول : "اللهم هذا عن محمد وآل محمد" ، ثم يضحي بالأخر ويقول : " اللهم وهذا عن من لم يضحي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ".
يستعجل الأنبياء قبله دعواتهم .
وهلك قومه في الأرض نوح بدعة لا تذر أحد فأفنى
ودعوة أحمد رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون كما علمنا
فيدخر صلى الله عليه وسلم ما أفاء الله به عليه ، من دعوة مستجابة يدخرها ليوم يقوم فيه الأشهاد ، ويحشر فيه العباد ، إكراما لأمته ، وأتباعه صلوات الله وسلامه عليه . وفي ذلك المقام العظيم ، يناجي ربه ويناديه ويسأله قائلا : "ربي أمتي ، أمتي " فهذا وأمثاله كله حري بأن تنصرف محبتنا بعد محبتنا لربنا عزوجل إليه صلوات الله وسلامه عليه .
ونحن في حديثنا اليوم إنما نذكر دلالات المحبة ، وأحوال المحبين، وكل امرئ بعد ذلك يحاسب نفه على ما يسمع
أعظم أحوال محبي محمد صلى الله عليه وسلم وأجل الدلالات على حبه صلوات الله وسلامه عليه :
• توحيد الله وإجلال الله ومحبة الله ، وبين ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ما أرسل وما أنزل عليه الكتاب إلا
ليدعو الناس إلى توحيد الله جل وعلا ، فقد قضى عمره الطاهر الشريف كله يذكر بالله ، ويحبب فيه ، ويدعو إليه ، ويطلب من العباد أن يوحد ربهم ويعظموه ويجلوه ، فإذا حاد الإنسان عن طريق التوحيد فقد حاد عن المنهج الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس هذا من دلالة حبه صلوات الله وسلامه عليه ، إن محبة الله جل وعلا هي المنزلة التي يشمر إليها العاملون ويتنافس فيها المتنافسون ، وهي الحياة التي من فقدها فهو من جملة الأموات وهي النور التي من حرمه فهو في بحار الظلمات ، ولا يعدل توحيد الله وإجلاله ومحبته شيء ، تبارك وتعالى ، فالله جل وعلا خالق وما سواه مخلوق، والله رب وما سواه مربوب ، والله رازق وما سواه مرزوق ، وما محمد إلا عبد لله ورسول من لدنه ، عَرّف بربه ودعا إليه ، وقضى حياته كلها موحدا له سبحانه وتعالى ، فأعظم دلائل محبته ، الأخذ بما جاء به ، فإن سك الإنسان مسالك أهل التوحيد، وعظم الله جل وعلا ووحده ، فذلك أعظم القرائن ، وأصدق أحوال من يحب محمدا صلى الله عليه وسلم.
• ثم يعقب ذلك ، وليس ببعيد عنه ولا منفك منه ، إتباع هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه ، وقد
جرت الأعراف العقلية والنقلية ، أن المحب لمن يحب مطيع ، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمر بأمر ونهى عن نهي ، وكان له هدي يعلمه كل من اطلع على سيرته وسنته ، فدلالة محبته إتباع هديه ، واقتفاء أثره بالإيمان والعمل الصالح والجهاد من أجل تحقيق تلك الغايات .
كان ذو البجادين رضي الله عنه وأرضاه نشأ يتيما ، فكفله عم له في ديار على مقربة من المدينة ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انتظر ذو البجادين أن يسلم عمه، فمرت سنين دون أن يتغير حال عمه ، فلما أخبر ذو البجادين عمه بالأمر قال له عمه – وكان قد أغدق عليه وجعله ذا يسر بعد أن كان ذا فقر- قال له :
" إن اتبعت محمدا سلبت منك كل ما أعطيتك حتى ثوبيك " فقال : "لا أقبل باتباع محمد صلى الله عليه وسلم شيء " فسلبه عمه كل ما أعطاه ، فَقَدِم على أمه ، فأعطته بجادا فشطره شطرين ، فأتزر بأحدهما ، وارتدى الآخر وقد أتى المدينة ليلا فاضطجع في المسجد فلما كان صلاة الصبح وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته وتفرس في وجوه الناس فرأى ذو البجادين ولم يكن قد عرفه ، فقال له من أنت . فتسمى له وانتسب ، فقال له : "بل أنت عبد الله ذو البجادين ، ولكن كن قريبا مني حتى أكرمك مع أضيافي " فمكث رضي الله عنه وأرضاه يحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويحفظ القرآن ، حتى كانت غزوة تبوك ، فلما كانت غزوة تبوك ، خرج مجاهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بنفسه وماله ، فأدركه المرض فمات والمسلمون في معسكره في تبوك ، فحفر له قبر في الليل ، فنزل صلى الله عليه وسلم فيه ، وطلب من أبي بكر وعمر قائلا أدليا إلي أخاكما " ووضعه صلى الله عليه وسلم في قبره ، لما فرغ من دفنه ، قال عليه الصلاة والسلام:
( اللهم إنني أمسيت راضيا عنه فارض عنه ) هذا الحال عن هذا الصحابي نموذج فذ لاجتماع المحبة والعمل والتباع والاقتفاء ، في شخصية واحدة هي شخصية عبد الله ذي البجادين ، رضي الله عنه وأرضاه ، وهذا حال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جميعا لأنه صلوات الله وسلامه عليه كانت له تأصيلا سنتان :
• سنة يفعلها على سبيل التقرب والتعبد لله جل وعلا ، فهذا لا يسع أحد من الأمة أن يتركها، وقوامها قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه " .
• وسنة يفعلها صلى الله عليه وسلم على سبيل الجبلة ، على سبيل الجلة، على سبيل ما فطره الله جل وعلا من
ذاته وحاله وشخصيته وبيئته ، صلوات الله وسلامه عليه .
فأما الأول: أن الأمة جميعا مأمورة بها.
وأما الآخر: فهي منازل يتسابق فيها الأخيار ويتنافس فيها الأبرار ، وهي تدل في معظمها على محبته صلوات الله وسلامه عليه ، هذا الصنف الآخر من اتباع هديه صلوات الله وسلامه عليه وهو في الأمور الجبلي كان الصحابة قد تجاوزوا مرحلة ن يأتمروا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأن ينتهوا عند نهيه ، فلا تجد أحد منهم مقيما على المعاصي ، مصرا على الخطايا ، وإن كان لا يخلوا أحد من معصية وخطيئة ، لكن أنفسهم سمت حتى للجانب الآخر ، فكانوا يرون ما الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم جبليا فيصنعوه .
قدم رهط مزينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم قرة المزني – رضي الله عنه وأرضاه – فلما قدم وجد النبي عليه الصلاة والسلام مطلق الأزرار ، أي أنه لم يزر قميصه صلى الله عليه وسلم ، فتأمله قُرَة ثم قرب منه ثم أدخل يده في قميص النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى استطاع أن يلمس خاتم النبوة من الخلف ، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم للقميص مطلقا أمر قد لا يعرف فقهه ، لكن الثابت سندا وصحة أن قرة وابنه معاوية رضي الله عنهما لم يشاهدا في لا صيف ولا في شتاء وقد أغلقا أزرارهما ، فيمضيان دهرهما كله إلى أن ماتا وقبرا وهما مطلقا الأزرار تأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم .
مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها ، ولم يدعو إليها ، لكن النفوس إذا أرادت أن تربي نفسها على المعالي لما رأت النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الحال ولا يتعرض السنة عموما من قدح آن ذاك ، في مجتمعهم وبيئتهم ، تأسوا بالنبي صلى الله عليه وسلم به .
فالمقصود من هذا كله : أن اتباعه عليه الصلاة والسلام فرقان في دلال كمال المحبة على أنه ينبغي أن يعلم أنه قد يكون الرجل ُمصِرًا على المعاصي ، ومحبا للنبي عليه الصلاة والسلام فإن المعصية لا تنزع المحبة بالكلية ، لكن لا يمكن أن يجتمع كمال المحبة مع عدم إتباعه صلوات الله وسلامه عليه ، فالعاقل من يكون قلبه مليئا بالمحبة لرسول الهدى ونبي الرحمة ، وفي حياته اليومية يتأسى به ويعمل بوصاياه ، ويأتي أمره ، ويجتنب نهيه صلوات الله وسلامه عليه .
ومن تعظيمه صلوات الله وسلامه عليه ودلالة محبته : تعظيم سننه عليه الصلاة والسلام ، والسنة باب مشهور يعلم الناس منه أشياء ، ويخفى عليهم أشياء ، لكننا إذا أردنا أن نحيي سنن الميتة ، فمن أشهرها :
أنه صلى الله عليه وسلم لما سئلت عائشة من رهط من التابعين عن وتره صلوات الله وسلامه عليه ، أجابت بأن وتره صلى الله عليه وسلم انتهى في آخر عمره إلى أنه كان يصلي ثمان ركعات سردا من غير جلوس ، ثم يجلس في الثامنة ، فيتشهد ويدعوا ، ثم يقوم ويأتي بركعة تاسعة ثم يجلس فيتشهد ويسلم صلوات الله وسلامه عليه ،
قالت: " فلما كبر وأسن وحمل اللحم عليه الصلاة والسلام نقص عن ذلك ركعتين فكان يصلي ست متعاقبات يجلس في السادسة ، ثم يقوم يأتي بالسابعة فيتشهد ويدعوا الله كثيرا ثم يسلم ، ثم إذا فرغ من صلاته صلى ركعتين وهو جالس صلوات الله وسلامه عليه ، والسنة فيهما أن يجلس الإنسان حال القيام متربعا ، وحال التشهد كجلسته المعتادة بين السجدتين ، فكان صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين وهو جالس بعد وتره ، ويسلم تسليما يسمع به أهله ، وهذه سنة قد تكون غير معلومة ، أو تكون معلومة مهجورة ، لكن من أراد أن يحي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فعليه بها ففيها من الأجل العظيم والثواب الكريم لأنها مندرجة عموما في قيام ليله صلوات الله وسلامه عليه .
ومنها ما تراه أن أحاد الناس والمطلع على حقيقة سنته صلوات الله وسلامه عليه، المحب له الذي يريد أن يحيى كما كان صلى الله عليه وسلم يحيى ، إذا دخل ضيفا على أحد ، وقُدم له تمر يتمنى أن صاحب البيت لم يأتي بإناء يوضع فيه التمر، وذلك أنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن مسلم رضي الله عنه أنه قال : " نزل النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا على أبي فقد له طعاما ، ثم قدم له تمرا ، قال : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل التمر ويضع النواة بين أصبعيه لبين السبابة والوسطى ، ثم يلقيها صلوات الله وسلامه عليه ". فكره صلوات الله وسلامه عليه أن يرد النواة في موطن التمر ، فوضع النواة بين أصبعيه ، بين السبابة والوسطى، ونحن نعلم يقينا أن هذه المسألة مسألة جبلية هي إلى البيئة أقرب ولا يترتب على تركها إثم ، لكن المُحب للنبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ في حبه أن يتأسى بكل أفعاله ، وأقواله صلوات الله وسلامه عليه ،فإن ذلك برهان على المحبة ، ودليل على صدقها لأن كمال المحبة ، يلزم منه كمال الطاعة وكمال الاتباع واقتفاء الأثر وهديه صلوات الله وسلامه عليه ,
ومن أحوال المحبين ودلالات حبه صلوات الله وسلامه عليه محبة ما يحبه ، فإن الإنسان إذا أحب شيئا أحب ما يتعلق به ، وهذه المسألة يندرج فيها مسائل :
أما تأكيدها فإن النبي كما رواه البخاري من حديث أنس دعاه خياط لطعام صنعه فقرب إليه ثريدا ومرقا فيه من خبز من شعير ، مرقا فيه دباء قال أنس :" فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ، يتتبع أثر الدباء في القصعة" ، ثم قال رضي الله عنه وأرضاه- : "فما زلت أحب الدباء منذ ذلك اليوم ، لني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحبه" ، وفي صحيح مسلم عنه رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول : فما قدر لي أن يصنع لي أهلي طعاما واستطعت أن أجعل معه دباءا إلا فعلته "، وورد عن الترمذي بسند فيه ضعف ولكنه يجبر في فضائل الأعمال : أن أنس كان إذا مر على شجرة اليقطين يمسكها ويقول : "يا لك من شجرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبك ، فأنا حبك لمحبة النبي صلى الله عليه وسيلم لك " فمن أحب شيئا أحب ما يحبه ، أحب ما يتعلق به ، وهذا ظاهر لكل من قرأ الأحاديث والأخبار الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم .
أم حبيبة رضي الله عنها وأرضاها قدم عليها أوبها أبو سفيان قبل أن يسلم فلما هم أن يجلس على الفراش ، طوت الفارش عنه ، فقال لها أبوها متعجبا : "يا بني والله لا أدري أترغبين بي عنه ، أم ترغبين بي عن الفراش" ، فقالت له رضي الله عنها وأرضاها : "إنه فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت مشرك نجس ، فما أحببت أن تجلس عليه ".
وهذا أبو دجانة رضي الله عنه وأرضاه يحظى بسيف النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد ، ويختال به بين الصفوف فلما حانت المعركة ، ودنت ساعة القتال والتحم الجيشان وأخذ أبو دجانة يضرب بسيف رسول الله ميمنة وميسرة ، هم بأن يضرب به شخصا ، فلما ولولت عرف أنها امرأة فقال :" فرفعت السف عنها ، إكراما لسف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة ".
فمحبة ما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم دين وذلة وقربة .
ومن محبة ما يحبه صلى الله عليه وسلم ، محبة آل بيته ، وتعظيم حالهم ، اقتفاء بأثره و إكراما له صلوات الله وسلامه عليه ،فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو رأس المسلمين وسيدهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، كما روى البخاري ثابتا عنه أنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان يقول :" والله لأن أصل قربة النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أصل قرابتي" ، ويقول رضي الله عنه في البخاري أيضا ،" ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته "، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم ، كما في الصحيح من حديث زيد ابن الأرقم رضي الله عنه ، أنه لما سؤل عن أيامه مع النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن نبي الله قام فينا خطيبا في غدير يقال له
، بين مكة والمدينة ، فقال أيها الناس إنما أنا بشر الله يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإنني تركت فيكم ثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور ، فاستمسكوا به واستعصموا" ، ثم قال :" وأذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي " فقال أصحاب زيد لزيد : يا زيد أنساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته ؟ قال : "نعم ولكن آل بيته من حرم الصدقة بعده " فقال له من حوله: " من حرم الصدقة بعده يا زيد ؟ . قال : "آل جعفر ، وآل عباس ، وآل علي ، وآل عقيل ".
ولقد فقه سلف الأمة زرافات ووحدانا أن إكرام آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إكرام لشخصه صلوات الله وسلامه عليه ، لقد ذكر رواة الأدب ومصنفوها التاريخ " أن هشام ابن عبد الملك حجة في خلافة أبيه عبد الله ابن مروان ، فلما هم أن يطوف بالبيت ، وأنم يقبل الحجر عجز أن يصل إليه لازدحام الناس للحجر ، فتنحى جانبا وأتي له بكرسي جلس عليه ، فلما قدم زين العابدين " علي ابن الحسين ابن علي" رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم لما قدم ليقبل الحجر ، عرف الناس زين العابدين ، ومنزلته في العباد وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنحوا عن الحجر فاستلمه زيد دون أن يزاحمه الناس عليه ، فأراد هشام أن يصرف وجوه الناس عن زيد فقال متهكما لمن حوله : من هذا ؟ قبل أن يسأله أهل الشان ، فقال له الفرزدق وكان شاعرا حاضرا قال :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته و البيت يعرفه والحـل والحـرم

هذا ابن خير عبـاد الله كلـهم هذا التقي النقي الطـاهر العـلم

وليـس قولك مـَن هذا بضائره العُرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتـا يديـه غيـاث عم نفعهما تستوكـفان ولا يعروهمـا عدم

هذا ابن فاطـمة إن كنت تجهله بـجده أنبـياء الله قد ختمـوا

مـا قال لا قط إلا فـي تشهده لولا التشـهد لكانت لاؤه نـعم

والقصيدة طويلة ، وما قيل منها من شواهد يكفي .
والمقصود: أن من إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم إكرام أهل بيته ، فلا يدفعن أحد حقد ولا حسد ولا غير ذلك إلى بغضهم وصلى الله على نبيه وعلى آله ومن تبعهم بإحسان .
ولقد شكى العباس- رضي الله عنه - قوم من قريش يجفون بني هاشم لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلوات الله وسلامه عليه : "والله لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي " . فالمحبة في الله يشترك فيها جميع المؤمنين ، أما لمحبة في قرابته صلى الله عليه وسلم فهي خاصة بأهل بيته صلوات الله وسلامه عليه .
ومن محبته صلى الله عليه وسلم محبة أصاحبة رضي الله عنهم وأرضاهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما بعثه ربه من أعز قبيل فإن الله ابتعثه في أشرف جيل وأكرم رعيل رضي الله عنهم وأرضاه ، أحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إحاطة محبة ، إحاطة السوار بالمعصم ، فدوه بالمهج وبالأموال وبالبنين وبالآباء والأبناء رضي الله عنهم وأرضاهم ، وشهد الله جل وعلا لهم ، بالعدل والصدق: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ولقد ذهب العلامة ابن حزم رحمه الله إلى :"أن الصحابة جميعا في الجنة ، وقال : هذا ما يقتضيه ظاهر الكتاب ، ظاهر السنة " وذهب أكثر العلماء:" إلى أن الشهادة بالجنة محصورة في مجملها على من شهد بيعة الرضوان ، ومن سمى النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه " وأيا كان الأمر فمحبتهم رضي الله عنهم وأرضاهم ، ونشر مناقبهم وذكر فضائلهم والتحدث بأيامهم ، وغض الطرف عما كان بينهم ، رضي الله عنهم وأرضاهم ، ديدن أهل السنة ومسلك أهل الجماعة وهو من محبتنا لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه .
أيها المؤمنون : ومن الدلائل ما نحن ما نكون حاجة إليه ألا وهو الاشتياق إلى رؤيته صلى الله عليه وسلم ، فلئن اكتحلت أعين أصحابه رؤيته صلوات اله وسلامه عليه ، فإن الأمر كما أسلفت وقدمت ، قد حرمنا منه بقدر الله ، لكن الله جل وعلا أخبر على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : "أن المرء مع من أحب" ، فإن رجلا قدم عليه الصلاة واللام فقال يا رسول الله : "متى الساعة ؟ " قال :" وما أعددت لها ؟" قال : "ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله " ، فقال صلى الله عليه وسلم :"أنت مع من أحببت " والمحبون بصدق لنبينا صلى الله عليه وسلم والمقتفون لأثره على علم وبينة وهدى سيكون معه بإذن الله ، صلوات الله وسلامه عليه في جنات النعيم ، ولقد كان هذا الهم ، قد شغل الصحابة من قبل رغم أنهم رأوه في الدنيا رضوان الله عنهم وأرضاهم ، فقد كان ثوبان مولى لنبينا صلى الله عليه وسلم فرأى النبي صلوات الله عليه الصلاة السلام يوما صفرة وتغيرا فيه، فقال :" ما بك يا ثوبان ؟ أبك من مرض" . قال : لا يا رسول الله ، ولكنني إذ مر علي يوم لم أرك فيه ، بحثت عنك في بيوتاتك وبين أصحابك ، وفي مجلسك ، فأجدك وألقاك ، فتذكرت الآخرة ، فعرفت أنني إن دخلت النار ، فلن أراك أبدا ، وإن دخلت الجنة فإن منازل النبيين ليست كمنازل عامة المؤمنين ، فسكت عنه صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله جل وعلا قوله : (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً) وأنتم سلك الله بنا وبكم سبيل الهدى منّ الله علينا وعليكم بأن جعلنا جيرانا له في داره صلوات الله وسلامه عليه ، وإنها لفأل حسن، ويمنٌ مقدم أن يجعلها الله جل وعلا مقدمة خير لنا ، أن نكون له جيران له صلوات الله وسلامه عليه في جنات النعيم ، وقبل ذلك أن نرد حوضه ، فإن الناس يخرجون من قبورهم أشد ما يكونون إلى ظل يأويهم ، وإلى ماء يرويهم ، ولا ظل يومئذ إلا ظل عرش الرحمن ، ولا ماء يومئذ في ساحات العرض أعذب من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم مع أنه لكل نبي حوضا ، ولكن حوضه صلى الله عليه وسلم أعذب مورد ، وأكمل نقاءا وصفاءا ، أوردنا الله وإياكم حوض نبينه صلى الله عليه وسلم .
والاشتياق إلى رؤيته عليه الصلاة والسلام أمر قلبي يتذكر المؤمن ما فاه فيتحسر على أنه لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يحظى بالكلام معه ، ولم ينصره في معركة ، ولم يكن ذات يوم يتلقى العلم عنه ، فلم يحف به في مجلس ، ولم يزره في بيته فإذا غلبه الشوق وغلب عليه الحنين ، لجأ إلى أقواله وأفعال ، وأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فيتأسى بها وملأ قلبه محبة لنبيه عليه الصلاة والسلام حتى يكون يوم غد قريب من جواره لوات الله وسلامه عليه في جنات النعيم .
ومن دلائل محبته صلى الله عليه وسلم عدم التقدم بين يديه ، فالدين أيها المؤمنون كامل ، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) فمن أحب محمدا صلى الله عليه وسلم فليقتدي أثره وليتبع منهجه ، ولْيَسعْه ما وسع محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فليسعه ما وسع محمد صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، ووالله لن يأتي أحد لعده بعمل أزكى ولا أفضل ولا أجل من أعماله في دلائل محبتهم
لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، ومثل هذا طريق قد تزل فيه أقدام ، وقد تحتار فيه أفهام ، لكن العاقل البصير يعلم أن الله جل وعلا نهى على أن يتقدم أحد بين يدي الله ورسوله ، فيقف عند ما أوقفه النبي صلى الله عليه وسلم ويكتفي بهدي أصحابه صلى الله عليه وسلم ، بالتعبير عن محبتهم لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه .
هذه أيها المؤمنون على وجه الإجمال دلالات المحبين وأحوالهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم .
بقي أن نعلم ما ثمار هذه المحبة وما الذي نجنيه من محبتنا لرسولنا صلى الله عليه وسلم ؟؟
• أعظم ما يجنيه العبد من محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، محبة الله جل وعلا له ، لأن الله جل وعلا إذا
أحب عبدا أحب جبرائيل لمحبة الله جل وعلا له ، فإن نحن أحببنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أحبنا الله جل وعلا لأن الله هو الذي أختاره واصطفاه هو الذي قربه وناجاه ، وهو الذي شرح له صدره ورفع له ذكره ، ووضع عنه وزره ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره ، وهو الذي بعثه بين يدي الساعة هاديا ومبشرا ونذيرا ، وهو الذي أرسله رحمة للخلائق، وهداية للطرائق ، فمحبته صلى الله عليه وسلم يظفر الإنسان من خلالها لمحبة الله جل وعلا ، بل إن الأصل أننا نحب نبينا عليه الصلاة والسلام ، لأن الله جل وعلا أمرنا بحبه ، صلوات الله وسلامه عليه .
ثم إن الإنسان إذا اجتمعت فيه هاتان المحبتان ولا انفكاك بينهما أبدا محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد في نفسه لذة الإيمان ، ومن المؤسف أن هذه الصحوة الإسلامية المباركة في شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه ، كان التيار الفقهي فيها أعلى من التيار الإيماني ، وهذا لا ريب أنه خلل في المُرتقى ، وغير سليم في الوصول إلى طاعة الله جل وعلا لأنه يجب أن يقترن العمل بمحبة الله ومحبة رسول صلى الله عليه وسلم ، فكثير من الناس يؤدي الصلوات والزكوات ويصوم رمضان ويحج البيت لكنه يجد في نفسه جفاءً في المهج وقسوة في القلوب ، وعدم لذة في الطاعة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ) وجعل في أولها ومقدمها ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) فمحبة الله ورسوله ، تورث في النفوس غرسة الإيمان وتشعر المؤمن بالقرب من الرب جل وعلا والعمل الصاح إذا اقترن بمحبة الله جل وعلا واستحضار ثوابه وتقديم الإنكسار بين يدي الله جل وعلا فيه ، أورث ذلك كله قبولا عند الله جل وعلا .

• كما أن ما يجنيه العبد من محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم معيته صلوات الله وسلامه عليه في الجنان ،
ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه مر على أعرابي فأكرمه في عزوة له، فقال له عليه الصلاة والسلام : " إذا قدمت المدينة فأتنا " فلما قدم المدينة عليه الصلاة والسلام جاءه أعرابي ذات مرة فقال له عليه الصلاة والسلام : " سلني حاجتك " فقال : "يا رسول الله أسألك ناقة وأعنزا يحلبها أهلي " فقال عليه الصلاة والسلام :" عجز هذا الأعرابي أن يكون كعجوز بني إسرائيل " قالوا : " يا رسول الله وما عجوز بني إسرائيل ؟ ، قال : إن موسى عليه الصلاة والسلام لما هم بأن يفارق أرض مصر ، أخبره علماء بنو إسرائيل أن يوسف أخذ عليهم عهدا أن لا يرحلوا من مصر إلا ويأخذوه معهم ، فقال : من يدلني على قبر يوسف ، فقالوا لا يعرفه إلا عجوزا في بني إسرائيل ، فلما قدم موسى بين يديها ، قالت : "لا أدلك حتى تأتيني سؤلي وحاجتي" ، قال : وما حاجتك ؟ قالت : "أن أكون رفيقتك في الجنة " .
فالأنفس العلية والقلوب المتعلقة بالله جل وعلا إنما ترقب المنازل العلا ، ولا ريب أن من أعطو المنازل ، مرافقة الأنبياء في جنات النعيم .
وقد كان ربيعة ابن كعب الأسلمي – رضي الله عنه – يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فلما همّ بتقديم الوضوء لرسول الله كما عند مسلم في الصحيح ، قال له : يا ربيعة سلني حاجتك ، قال : يا رسول الله أسألك مرفقتك في الجنة ، قال : أو غير ذلك يا ربيعة ؟ ، قال :هو ذاك ، قال :" يا ربيعة فأعني على نفسك بكثرة السجود " أي بكثرة الصلاة لله تبارك وتعالى .
وقصار الأمر ونهايته:أن في محبة الله جل وعلا ومحبه صلى الله عليه وسلم تطمئن القلوب وترتوي القلوب ، ويختصر المؤمن الطريق ، ويحظى بالتوفيق ، فيكون قريبا من الله قريب من رسوله صلى الله عليه وسلم .
وما بيناه من منهج ظاهر اختصر من كتاب الله وسنة نبيه صلى اله عليه وسلم حري بالمؤمن أن يعض عليه بالنواجذ لا لقائله وإنما لمصدره لأنه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، واعلموا أن المرء أحوج ما يكون إلى ثلاثة أمور :
• معرفة الهدى والحق والرشاد .
• ثم العزيمة والتوفيق لأدائها .
• ثم الثبات عليها .
فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة وفق الإنسان في الحياتين ، وسعد في الدارين ، وقد يعرف الإنسان مواطن الحق وأماكن الرشاد لكنه تقصر به الهمة على تحقيقه ، وقد يحققها لكنه يخالفه التوفيق في أن يبقى ثابتا عليها .
كان ميمون ابن قيس الملقب بالأعشى شاعرا جاهليا مرموقا حتى كان يعرف بصناجة العرب لأنه كان بشعره يرفع الخامل ويضع النبيه ، لما شاعر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في العرب قدم الأعشى من ديار قومه يريد أن يقدم على المدينة حتى يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام ، لأن الحق تبين له أمره ، فتعرض له القرشيون في الطريق ، وقالوا: له ما وراءك فأخبرهم بغايته ، وأنه أعد قصيدة يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : بعضهم لبعض لئن آمن الأعشى ومدح النبي عليه الصلاة والسلام فإن أمر محمد سيشيع وليدخلن الدين كل بيت ، فردوه ، فأخذوا يغرونه بالمال ، حتى اتفقوا معه على أن يعود من عامه هذا وقد أعطوه من النوق ما أعطوه ، فرجع والعياذ بالله فوق من ناقته وهو في طريقه ، فدق عنقه فمات على كفره وضلاله أعاذنا الله وإياكم .
وكان قد أعد شعرا وآمن في قلبه لكن حرم التوفيق بقضاء الله جل وعلا وقدره ، كان من ما قاله :
ألم تغتمض عيناك ليلت أرمـد وبت كما بات الكريم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنمـا تناسيت قبل اليوم خُلّك مهددا
فأرثيت لا أرثي لها من كـلالـة ولا منحة حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم تُراحيْ وتلقي من فضائله ندى
نبي يرى مـا لا يرون وذكـره أغـار في البـلاد وأنـجدا
ختام الأمر أيها المؤمنون قبل أن ندعو إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان شفيقا رحيما رفيقا بكل من حوله ، حتى إنه ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام لها فقالوا : يا رسول الله هذه جنازة يهودي ،
فقال:" سبحان الله أليست نفسا منفوسا " ...فأين ما يسطره دعاة حقوق من إنسانية مما تركه نبينا صلى الله عليه وسلم من قيم عدل ؟ .
والمقصود من هذه الالتفاتة: كونوا رحماء بعضكم إلى بعض ، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم جامع لأن تأتلف عليه القلوب ، لا أن نتناحر ونتخاصم ، فيكفر بعضنا بعضا ، أو يفسق بعضنا بعضا ، أو يرمي بعضنا بعضا في بدع والزيغ عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، إن هذه الأمة أمة مرحومة وكلما كان قول الإنسان وكلامه يجمع بين الناس أكثر مما يفرق ، كان أقرب هديا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عضوا عن الزلل، غاضوا عن العورات ، لا يكون أحدنا يشغل همه وحديثه في أعراض المؤمنين ، من سلطان أو علماء أو دعاة أو عباد أو زهاد المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، يقول أحد الصحابة لنبينا صلى الله عليه وسلم إني أهم بأن أذبح الشاة فأرحمها فيقول صلى الله عليه وسلم مقرا لهم : " والشاة إن رحمتها يرحمك الله " فكونوا محبين لله محبين لرسوله صلى الله عليه وسلم ، رحماء كما وصف الله أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك أكمل الهدي وأفضل الطريق وأقومه .
اللهم أنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القوم الذي لم يلد ولم يولد ، وبأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواسع العليم ، أسألك اللهم بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك ، وبقدرتك التي قدرت بها على الخلق ، وبرحمتك التي وسعت كل شيء ، أنت تصلي على محمد وعلى آل محمد ، وأن تبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد وأن تزقنا اللهم في هذه الحياة الدنيا الحياة على سنته ، والوفاة على ملته ، وأن تقبضنا اللهم على هديه واتباعه واقتفاء أثره ، اللهم أوردنا في عرصات يوم القيامة حوضه ، اللهم ارزقنا من شفاعته ، وأوردنا اللهم حوضه ، واحشرنا تحت زمرته ، اللهم ارزقنا جواره في جنات النعيم ، على الوجه الذي يرضيك عنا ، إنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم ، اللهم إن من إخواننا من أصابهم من المرض والبلاء ما أنت به عليم ، فاللهم جنبهم ما يخافون ، وأمنهم من ما يحذرون ، اللهم ارفع عنهم الضر والبأس يا حي يا قيوم ، اللهم اجعلنا مؤمنين بك ، مصدقين لرسولك صلى الله عليه وسلم ، محبين له مقيمين بسنته ، متبعين لهديه وطاعته وأثره يا رب العالمين ، اللهم أحينا حياة من تحب بقاءه ، وتوفنا وفات من تحب لقاءه ، اللهم أكرمنا وأهلينا وأزواجنا و ذرياتنا ، بدخول جنتك وسكنى ديار رحمتك يا حي يا قيوم ، اللهم أنانسألك نحبك وحب من يحبك ، وحب كل عمل يقرب إلى حبك ، اللهم إنا نعوذ بك من الضلالة بعد الهدى ، ومن الزيغ بعد الرشاد ونعوذ بك ربنا من الحور بعد الكور ونعوذ بك اللهم من كل عمل لا يراد به وجهك ، ولا يتقى به سخطك ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين

مريم العلي
17-08-2009, 12:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم)

لمسة وفاء

خطبة الشيخ:

صالح المغامسي.


الحمد لله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وهو على كل شئ شهيد ، يعلم مايلج في الأرض وما يخرج منها ، وهو الولي الحميد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرته من خلقه وصفوته من رسله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة ، حتى تركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلى الله وملائكته والصالحون من خلقه عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثرهم واتبع نهجهم وسلك مسلكهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المؤمنون فأوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن فإن تقوى الله أزين ما أظهرتم وأكرم ما ادخرتم وأفضل ما أسررتم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ((ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحده وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساؤلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)).
ثم اعلموا عباد الله أن من سنن الله الماضيه وحكمته البالغه ومشيئته النافذه أنه جعل الدار الآخرة دار محاسبة وجزاء وجعل هذه الدار دار الحياة الدنيا جعلها دار عمل واختبار وبلاء ...جعلها تبارك وتعالى داراً يبتلي فيها عباده ويختبر فيها خلقه ألا وإن الصبر أزين ما تزين به المؤمنون فهو الذي أمر الله به خير خلقه وصفوة رسله (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) وأخبر الله تبارك وتعالى أنه يجزي علية جزاء لا منتهى له (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) ولما كانت هذه الدار دار ابتلاء كان لابد للمؤمن أن يتجمل برداء الصبر وإن رداء الصبر وانتظار فرج رب الأرض والسماء لهو رداء عظيم طال ما تزين به الأنبياء واكتسى به الأصفياء والأولياء على مر الدهور وكر العصور... صح عنه صلى الله عليه وسلم كما أخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قلت يارسول الله" أي الناس أشد بلاء ؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد عليه بلاءه وإن كان في دينه رقه ابتلى على حسب دينه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ومايزال البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة "
أيها المؤمنون:إن طرق البلاء تتباين وأنواعه تختلف من شخص إلى آخر وهي على كل حال تظهر مدى صبر العبد ومدى يقينه بفرج رب الأرض والسماء ومدى إيمانه بقضاء الله وقدرة خيره وشره لا إله إلا الله سبحان الله وبحمده .
كم من زوجين كريمين صالحين مرت عليهم سنين عديده في الزواج وهما يطمعان في ولد تقر به الأعين وتزال به الوحشه وتملأ به الغبطه لطالما اشتروا دواء بعد داواء... ولطالما طرقوا أبواب الأطباء ...ومع ذلك لم ينالوا شيئاً ولحظا.
أيها الزواجان الكريمان: إن انتظار فرج رب الأرباب جل جلاله والصبر على البلاء مما أمركم الله به وإن لكما في نبي الله زكريا عليه الصلاة السلام أسوة حسنه بعد أن بلغ من الكبر عتياً فلما رأى آيات الله القاهره وأعطياته المجزلة على مريم ابنة عمران طمع ذلك النبي والعبد الصالح في فرج أرحم الراحمين جل جلاله فدعا الله بقلب نقي وصوت خفي في مكان خلي( رب هب لي من لدنك ولياً يرثي ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا )توسل إلى الله بضعفه وعجزه ووخط الشيب في رأسه تبرأ من حوله وقوته ولجأ إلى حول وقوة رب العالمين جل جلاله( قال ربي إني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعاك ربي شقيا) توسل إلى الله الذي أنعم عليه سابقا أن ينعم عليه لاحقا
أيها المؤمنون: إن التوسل إلى الله بإظهار العبد لفقره وتبرئه من حوله وقوته وطوله واستناده إلى حول وقوة جبار السموات والأرض جل جلاله لهو من أعظم الوسائل عند الله جلا وعلى فإن ذلك مما يرزق الله به العباد ويفرج الله تبارك وتعالى به الشدائد واعلموا أن مايدفع الله أعظم وأن ماعند الله من خير هو وأبر وأتقى وأكرم. سبحان الله وبحمده كم من أب رزق مولود قرت به عينه حتى إذا زالت به الوحشة واطمأنت إليه النفس وتمنى عليه الأماني وازدادت فيه الرغبات فجع بموته وأخبر بفقده.أيها المؤمن: تعز بهذا البشارة العظيمه عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فقد "أخرج الإمام الحاكم في مستدركه بسند صحيح من حديث قرة بن إياس بن معاويه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل ذات يوم ومعه ابن له فقال عليه الصلاةوالسلام لذلك الرجل :أتحبه فقال الرجل: يارسول الله أحبك الله كما أحبه" يبين من شدة حبه لولده ثم فقده صلى الله عليه وسلم أياماً فسأل أصحابه قال: مافعل فلان قالوا: يارسول الله مات ابنه فلما صادفه صلى الله عليه وسلم قال له: أما يسرك أن لا تأتي باباً من أبواب الجنه إلا وجدته أمامك، فقال الصحابة: يارسول الله أله خاصة أم لنا كلنا فقال صلى الله عليه وسلم ـ وهو المخبر عن ربه ـ قال: بل لكم كلكم "إن في هذا أعظم العزاء لمن ابتلي بفقد الولد وإن لله جل وعلا ما أعطى ولله ماأخذ فالله الله في الصبر وانتظار فرج رب الأرض والسماء لا إله إلا الله كم من مؤمن قعيد فراشه أسير بيته قد يئس منه الأطباء أقعده المرض وأشفق عليه الأحبه إن له في قول رسول الله صلى عليه وسلم "إن الرجل لتكتب له عند الله المنزله فلا يبلغها بعمله فما يزال الله يبتليه حتى يبلغ به منتهاه وله في أيوب عيه الصلاة والسلام وما فرج الله عنه وماحكا الله عنه في كتابه أجزل القدوة وأعظم الأسوة وله في أبي بكر رضي الله تعالىعنه يوم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله :كيف الصلاح في الأمه وقد أنزل الله جل وعلا قوله (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به) فقال صلى الله عليه وسلم :يا أبا بكر ألست تحزن ألست تمرض ألست يصيبك الأواء فذلك ماتجزون به" إن في هذا تفريج كبير لمن ابتلي بكرب أو مرض من المؤمنين على أنه ينبغي للعبد أن لايقنط من رحمة الله وأن لاييأس من عفوه وفرجه فليسأل كاشف الغم وفارج الهم مجيب دعوة المضطرين أن يرحمه فإن الله أرحم من سؤل وأكرم من أعطى لا إله إلا الله كم من مؤمن كثير العيال قليل المال رقيق الحال تحتبس الدمعة في عينه إذا رأى منظر أولاده مع أولاد الجبران لما يرى من فرق بينهما لكنه لا يملك حول ولا قوة.
أيها المؤمن:إن الله بنى هذه الدنيا على غنا وفقر ...على شدة ورخاء... على عسر ويسر...
واعلم أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاماً و لك أيها المؤمن في قول صلى الله عليه وسلم :لما ذكر أهل الجنة قال أهل الجنة ثلاثة: وقال في آخرهم وعفيف متعفف ذو عيال .
أيها المؤمنون :إن الصبر على المكاره وانتظار فرج الله تبارك وتعالى منقبة عظيمه وخصلة حميدة واعلموا أنه لا يتم إيمان عبد بقضاء الله وقدره خيره وشره حتى يتم له الإيمان بأصول أربعة أولها:
علم الله جل وعلا علم الله للمعدوم والموجود وعلم الله للممكن والمستحيل وأن الله علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:(وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً).
وثانيها :الإيمان بأن الله كتب كل شي قبل أن يخلق الخلائق .كما أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر وبن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنه" فما من مصيبة تقع إلا وقد كتبها الله أزلا في اللوح المحفوظ.
وثالث ذلك:الإيمان بمشيئة الله الشاملة وقدرته النافذة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:(وماتشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين) .
أما خاتمها :فهو الإيمان بأن الله خالق كل شيء أوجده وكونه وصيره على هيئته (الله خالق كل شيئ وهو على كل شيء وكيل ) .
وصفوة القول/ أن الصبر رداءُُُُ جميل تزينوا به في العسر واليسر تزينوا به في السراء والضراء جعلني الله وإياكم ممن إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:(ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق الخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الأيات والذكر الحكيم... أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروة إنه هو الغفور الرحيم .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه ومن اقتفى أثرهم واتبع سنتهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد ...
أيها المؤمنين :فإن أعظم ما يمكن أن تصاب به الأمة أن تفقد خيار رجالاتها وأهل العلم والمروءة الكاملة فيها ولقد فجع الأمة عامه وأهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة بفقد رجل طالما وقف في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا إلى الله على بصيرة كذلك نحسبه ولا نزكي على الله أحدا فجعت أمة المسلمين بوفاة شيخنا الشيخ: عبد العزيز بن صالح رحمة الله تعالى عليه.
وإن في الموت لعبرة لمن يعتبر ذلك أن ذلك الشيخ طالما وقف في المحراب يصلي على أموت المسلمين ويدعو لهم بالمعفره والرحمه وقبل أيام معدودة يقدمه الناس فيصلون عليه ويدعون لهم بالمغفرة و الرحمه إنها سنة الله الماضية في الخلق فسبحان الحي الذي لا يموت سبحان من يفنا خلقه ويبقى وجه ،رحل ذلك الشيخ بعد أن ترك مآثر خالده وترك معالم بينه بعد أن دوب في محراب رسول الله عليه وسلم أكثر من أربعين عاماً يتلوا كتاب الله جل وعلا.
بلد الرسول قباؤه وعقيقه
قبر أبر على عظامك حاني
بلد الرسول قباؤه وعقيقه
قبر أبر على عظامك حاني
يبكيك فيه شيوخه ورجاله
عند الصلاة وحين كل أذان
يبكيك فيه منائر وأهلة
والمنبر الشرقي ذو الأركان
أنا لست أبكي فيك شخصا غائبا
بل أبكي فيك معاقل الإيمان
أبكي الإمامة والخاطبة والتقى
أبكي القضاء ونبرة القرآن
في ذمة الله الكريم وحفظه
وظللا خلد وارف وآمان
آلا وصلوا وسلموا على أعظم من أصبتم بفقده على نبي الهدى ورسول الرحمه فقد أمركم الله بذلك في كتابهك" إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما"
اللهم صلي وسلم على صفيك من خلقك وخليك من عبادك اللهم وارض عن أصحاب نبيك أجمعين بلا استثناء وخص اللهم منهم الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي اللهم وأرضى عن هذا الجمع المبارك معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عنا اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عنا اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم اللهم واغسلهم بالماء والثلج والبرد ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم وخص شيخنا بمزيد من الرحمة يا حي ياقيوم اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين،وابرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك،فيؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر...
عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

مريم العلي
17-08-2009, 12:05 PM
اذا وقعت الواقعه
الشيخ صالح بن عواد المغامسي

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين ..
ونقول كما قالت الملائكة بين يدي ربها سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ونقول كما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً }طه114) ونقول كما قال ربنا ({أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}الزمر9)
على هذا كله إن من أعظم نعم الله جل وعلى على عباده أن يصرفهم إلى تدبر كتابه الكريم فإن كلام الله جل وعلا كلام لا يعدله كلام (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ{192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ{193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ{194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ{195} الشعراء )
وفي هذا اللقاء المبارك سنعرج معكم أيها المباركون على [سورة الواقعة ] نقف فيها مع مواعظ ما أشد أثرها ومع لطائف يحسن أن ندونها ومع أقوال لأهل هذا الشأن جميل أن نحفظها.
سورة الواقعة أيها المؤمنون سورة مكية قال الله جل وعلا في أولها وهو أصدق القائلين: ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3) ) ثم قال جل شأنه: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً (7) )
أما قول الله جل وعلا (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) فالواقعة اسم من أسماء يوم القيامة دل على هذا هذه الآيات وقول الله جل وعلى (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً *فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة : 15]"
وقول ربنا جل وعلا:(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في معنى كاذبة في هذه الآية: فقال فريق منهم:
1/ إن كاذبة مصدر جاء على هيئة اسم الفاعل كقول العرب عافية بمعنى مُعافاة وقولهم عاقبة بمعنى عُقبى على هذا التحرير يُصبح المعنى ليس لوقعتها كاذبة أي ليس لوقعتها كذب أي أن وقعتها حق لا مرية فيه وهذا القول قول أئمة أهل الشأن يؤيده قول الله جل وعلا:( اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً ) النساء ..
و يؤيده قول الله جل وعلا حكاية عن الصالحين من خلقه:( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران : 9]"

2/ القول الثاني أن قول الله جل وعلا (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ):
أن كذب هنا صفة بموصوف محذوف والتقدير إذا كان يوم القيامة(يوم الواقعة) لا تكون هناك نفسٌ كاذبة لما ترى أي لا توجد نفس تـُكذب ما ترى ويؤيده قول الله جل وعلا ( فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس : 88]"
لكن الأول أظهر والعلم عند الله.

( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3))
:الاتفاق على أن خافضة رافعة يعود على يوم القيامة إذ أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره [هي خافضة رافعة] ، لكن الإشكال في من الذي يـُخفض أو ما الذي يـُخفض ومن الذي يـُرفع وما الذي يـُرفع ,الجواب لهذا عن أهل العلم رحمة الله عليهم في هذا ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أنها تخفض أهل الكفر إلى النار ويؤيده قول الله جل وعلا :( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) النساء 145" وترفع أهل الطاعات لأعالي الجنان ويؤيده قول الله جل وعلا :" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ) طه 75 ..
والقول الأخر:
إنها تخفض من كان مرتفعا بطغيانه في الدنيا وهو قريب من القول الأول وترفع من كان الناس يحتقرون منه في الدنيا لإيمانه ، وأصحاب هذا القول يؤيدهم قول الله جل وعلا : ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ*وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ *عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) المطففين ..

القول الثالث ـ وهو أرجحه عندي والعلم عند الله ـ
أن المعنى: أن هناك أجرام تكون خافضة فيرفعها الله وهناك أجرام تكون مرتفعة فيخفضها الله لشدة أهوال يوم القيامة قال الله جل وعلا :(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) التكوير : وقال ربُنا:"وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ) التكوير : وقال ربُنا:( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ )النمل 88"
فهذه أقوال أئمة أهل الشأن في هذه الآية وأرجحها كما قلنا والعلم عند الله أنه يتعلق بالأجرام الكونية وكيف أن يوم القيامة يوم عظيم ينجمُ عنه ما ذكرناه وذكره الله حل وعلا من قبل في كتابه خافضة رافعة.

ثم ذكر الله جل وعلا بعض أهوالها فقال :( إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً{4} وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً{5})ممكن أن يكون "البس" هنا بمعنى سيرت وقد جاء القرآن به قال الله جل وعلا: "{وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ }التكوير3 وجمهور أهل العلم من المفسرين على أن معنى قول الله جل وعلا : ( إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً{4} وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً{5}) على أن البس هنا أنها تصبح كالعهن المنفوش وقد ذكره الله جل وعلا في آيات أخر ..
فإذا أردنا أن نُنيخ المطايا هنا عند الجبال فالجبال خلقٌ من خلق الله يتعجب منها رائيها وقد صح في الخبر الصحيح :
أن الله لما خلق الأرض جعل تميل ثم خلق جل وعلا الجبال عليها رواسي فتعجبت الملائكة من ذلك فقالت أي رب أفي خلقك شيئا أعظم من الجبال قال الله نعم الحديد ، فقالت الملائكة أي رب أفي خلقك شيئا أعظم من الحديد قال الله تبارك وتعالى نعم النار ، قالت الملائكة أي رب أفي خلقك شيئا أعظم من النار قال الله تبارك وتعالى نعم الماء ، فقالت الملائكة أي رب أفي خلقك شيئا أعظم من الماء قال الله جل وعلا نعم الريح ـ لأن الريح تحمل الماء ـ قالت الملائكة أي رب أفي خلقك شيئا أعظم من الريح قال الله جل وعلا ابن أدم يتصدق بصدقة فيخفيها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
ولما كانت الجبال تـُرى كان بدهيا أن يسأل عنها الناس قال الله جل وعلا :( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً (107) طه" لكن نسفها أخر المطاف وإنما تمر بأحوال وأطوار قبل أن تـُنسف قال الله جل وعلا كما مر معنا :"وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً" وقال :"" وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ " فتمر بمراحل وأطوار حتى تصل إلى أن يذهب بالكلية لكن الله جل وعلا أرشد إلى أن الجبال لها وضع أخر كونها من أعظم مخلوقاته فإن النصارى ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ـ نسبت إلى الله الولد فرية وبهتانا وكفرا وما عرفوا قدر ربهم جل وعلا فاخبر الله جل وعلا على أن الجبال على عظيم خلقتها تستنكر هذا الأمر وتستعظمه ولا يمكن أن تقرّ به قال الله جل وعلا في مريم :"وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً *وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً *إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم 89: 93]"
ولما أراد الله جل وعلا أن يُبين لكليمه موسى ضعفه وعجزه في الدنيا من أن يرى الله قال الله جل وعلا :"فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف : 143]" وذكر الله جل وعلا نبيه وعبده الصالح داود عليه السلام وذكر ربُنا أنه آتاه صوتا رخيما ثم لما كان يتلو الزبور ويذكر الله جل وعلا كانت الجبال على عظيم خلقتها تتجاوب معه قال ربنا جل شأنه :(يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) [سبأ : 10]" وقال جل وعلا في سورة أخرى :(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ *وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ) [صـ 18: 19]"
ولا أعلم حديثا ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الجبال في الجنة إلا حديثا واحدا أنه صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أطفال المسلمين في جبل في الجنة في كفالة إبراهيم وسارة يردوهم يوم القيامة إلى آبائهم" هذه الذي أستحضره الساعة من السنة في ذكر الجبال في جنات عدن رزقكنا الله وإياكم إياها ..

نعود لسورة الواقعة :: قال الله جل وعلا :"إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً (7)
ثم ذكر الله جل وعلا أولئك الأزواج وكلمة زوج في اللغة كل فرد إنضم إلى غيره يسمى زوجا و لو كان فردا .

قال الله جل وعلا :( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً ) ثم فصل :" فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)
فبدأ جل وعلا بأصحاب الميمنة حتى يرغب فيهم الراغب ، ثم قال وأصحاب المشأمة حتى يرهب الناس أن يكونا مثلهم ثم قال جل شأنه: السابقون السابقون حتى يطمع أصحاب الميمنة إلى أن يرتقوا بأنفسهم إلى السابقين السابقين قال الله جل وعلا : "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ" وتأمل أيها المبارك لُطف الله جل وعلا بعباده وفضله وإحسانه جل ذكره على خلقه قال تبارك وتعالى:" وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ" ولم يقل المتقربون حتى يُفهم أن ما هم فيه فضل من الله تبارك وتعالى وليس شيئا حصلوا عليه بأنفسهم وإن كان عملهم الصالح وإيمانهم إنما هو في أول الأمر وآخره فضل من الرب تبارك وتعالى.

قال ربنا:"وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ "
ثم ذكر بعض نعيمهم ونعيمهم جاء مفرقا في آيات أُخر لكن مما يعنيننا هنا أن الله قال:" وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14)عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ (18)"

(بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ )جمع جل وعلا الأكواب وأباريق وأفرد الكأس لأن العرب كان في سننها وأعرافها إذا شربت الخمر تشربه على ثلاث أحوال :
إما أن تضعه في أكواب وهو ما لا عروة له ولا خرطوم الإناء الذي لا عروة له ولا خرطوم ويكون كبيرا يسمى كوب فجمعه جل وعلا لأنهم كانوا يضعون فيه الخمرة .
ثم قال جل وعلا (وَأَبَارِيقَ ) وهو ما له عروة وله خرطوم فهذا يسمى إبريق ويجمع على أباريق وقد كانوا يضعون فيه الخمر .
ثم قال جل وعلا( وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ) أفردها لأن العرب كانت تشرب في كأس واحد يتناولها الأول و الأخر بعده هكذا في مجلسهم ومجلس شرابهم لكن شتان ما بين مجالس أهل الدنيا ومجالس أهل الأخرة وخمر الدنيا ينغصها أمران :الأول:أنها تنفذ تنتهي والأمر الثاني وهو أجل أن ينغصها أنها تذهب العقل فإذا ذهب العقل حدث من الإنسان الإفتراء والتطاول على ربه والتضييع لدينه ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا أم الخبائث لكن خمر الآخرة
قال الله جل وعلا ( لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ ) أي أنها لا تنفذ وهذا معنى قوله لا ينذفون ولا يسكرون منه وهذا معنى قوله جل شأنه لا يصدعون عنها ولا ينزفون .

ثم قال تباركت أسمائه: "( وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ )" وأردف قائلا "( َلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ )" قدم الفاكهة على اللحم ومعروف أن سنن الناس في طعامها أنهم يقدمون اللحم على الفاكهة لكن الفرق بين الحالين أن أهل الدنيا إنما يأكلون في الأصل لسد الجوع أما في جنات النعيم فإن أهل الجنة لا يأكلون لسد الجوع وإنما يأكلون للتلذذ لأن الجنة لا جوع فيها فلا يأكلون لسد الجوع وإنما يأكلون للتفكهه والتلذذ فلما كان أكلهم أن الأصل فيه أنه للتلذذ والتفكه جعل الله جل وعلا الفاكهة مقدمة على عين الطعام قال تباركت أسمائه وجل ثناءه : " َفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ{20} وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ{21} " ونصّ ربُنا وخص لحم الطير دون غيره لأن الناس جرت أعرافهم وتقاليدهم على أنهم يأكلون من بهيمة الأنعام ولحم الطير عزيز لا يناله كل أحد إنما يحصل للملوك غالبا إذا نفروا أو ذهبوا للصيد فاخبر الله جل وعلا أن ذلك الشيء الممتنع في الدنيا عند البعض إنما هو متاح للكل لمن دخل الجنة رزقني الله وإياكم الجنة.

قال الله جل وعلا :( وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) وَحُورٌ عِينٌ )
(حُورٌ) جمع حوراء وهي المرأة البيضاء جسداً و( عِينٌ) جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العينين مع سواد فيها (وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)".

ثم قال الله جل وعلا مما يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم قال جل شانه:" لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً (25) إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً (26)" ثم أردف جل وعلا في ذكر أصحاب اليمين فقال:" وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30)"
وهي آيات ظاهرة المعنى فالسدر" في جنات النعيم لاشوك فيه والطلح المنضود هو شجر الموز وذكر الله جل وعلا بعض من النعم التي ينعم بها جل شأنه على أهل طاعته من أهل اليمين إلى أن قال.

قال الله جل وعلا :"وَمَاء مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34)" ثم قال:" إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38)"
لا خلاف بين العلماء أن قول الرب جل شأنه إن : ( إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء) عائد على النساء لكن السؤال هل هذا المذكور يعود إلى شيء قد ذ ُكر من قبل أو لم يـُذكر على قولين لأهل العلم :
1/ من حمل قول الله جل وعلا "وفُرش" بمعنى النساء أصبح المعنى عنده قول الله جل وعلا :" إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ " يعود على النساء المذكورين في قوله جل شأنه "وفُرش" فيصبح معنى قول الله تعالى ( وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ )أي مرفوعة قدراً مرفوعة مكانةً مرفوعة منزلةً على أن الفرش هنا بمعنى النساء وهذا معروف في لغة العربي وسنن كلامها .

2/ قال آخرون :إنه لا يعود إلى مذكور لكن القرائن والمقام يدل عليه فإن "الفرش " إنما توضع يتفكه به المرء مع زوجته ويتكيء عليها معها فقول الله جل وعلا: " إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء" لا يعود إلى مذكور لكن هناك قرينة تدل على أنه يعود على النساء وهو قول الله جل وعلا :"وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ" لأن الفراش يُطلق على فراش الزوجية في الغالب.

ثم قال الله جل وعلا :( إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ ) الأصل أن الفعل جعل هنا بمعنى صير فإذا قلنا أنه معنى صير خلافاً للمعتزلة "فجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً" لا يمكن أن يـُطلق إلى الحور العين المخلوقات في الجنة لأن المرأة على أصل خلقتها تكون بكرا فلا يصبح معنى أن يقول الله جل وعلا فصيرنهن أبكارا وهن أصلا أبكار لكن قول الله جل وعلا: "فجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً" يعود على النساء المؤمنات اللواتي دخلن الجنة وهن ثيبات فقول الله جل وعلا "فجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً" أي صيرناهن نقلناهن من حالة كون إحداهن ثيبا إلى كونها بكرا .

"فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً" عربا أي محببات إلى أزواجهن وأتراب جمع تِرب والمعنى أنهن لدات ذوات أسنان يعني كلهن على سن واحد قال جمهور العلماء ويؤيده بعض الآثار إن المعنى أنهن في سن 33 ـ والعلم عند الله ـ وهذا المعنى القرآني هو الذي سلّه جرير في قوله:
أتصحُ أم فؤادك غير صاحي *** عشية هم صحبُك بالروحِ
تقول العاذلات علاك شيبٌ *** أهذا الشيب يمنعني فراحِ
يُكلفني فؤادي من هواهُ *** ظعائن يجتزعن على رماحِ
عراباً لم يلن مع النصارى *** ولم يأكلن من سمك القراحِ

فقول الله جل وعلا (عُرُباً أَتْرَاباً) هذا وصف لما أعده الله جل وعلا لأهل طاعته ، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق دخل على 11 إمرأة لم يكن منهن بكر إلا عائشة والباقيات رضوان الله تعالى عليهن كانت كل واحدة منهن ثيبا ومات صلى الله عليه وسلم عن تسع فمات إثنتان من زوجاته صلى الله عليه وسلم في حياته خديجة بنت خويلد ولم يكن قد تزوج عليها أحد وزينب الهلالية رضي الله عنها وأرضاها ماتت بعد زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها بثمانية أشهر فبقين تسع هؤلاء التسع هن اللواتي نزل في حقهن آية التخيير وهن الذين مات النبي صلى الله عليه وسلم عنهن وآية التخيير وهن الذين مات النبي صلى الله عليه وسلم عنهن . وآية التخيير ذكرها الله جل وعلا في سورة الأحزاب " -( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً{28} وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً{29}) [الأحزاب28/29] " فبدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة وكانت أحب نسائه إليه وقال :" يا عائشة إنني سأخبرك بأمر فلا تستعجلي حتى تستأمري أبويك " فقالت يا رسول الله أفيك هذا أستأمر أبوي , ؟ ثم تلا عليها صلى الله عليه وسلم آية التخيير فأختارت الله ورسوله والدار الأخرة ـ لكنها طمعت في أن تنفرد به صلى الله عليه وسلم ولا تثريب عليها ـ قالت لا تخبر أحدا من زوجاتك بما أجبتك به فقال صلى الله عليه وسلم : "إن الله بعثني معلما ميسرا ولم يبعثني معنتا ولا منتعنتا لا تسألني إحداهن عن جوابك إلا أخبرتها " فأخبرهن صلى الله عليه وسلم واخترنَ جميعا رضوان الله تعالى عليهن النبي صلى الله عليه وسلم والله من قبل والدار الأخرة كما جاء نص القرآن وهؤلاء التسع منهن خمس قرشيات وأربع غير قرشيات تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم :عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وجويرية بنت الحارث وهذه من بني المستلق ليست من قريش وصفية بنت حيي بن أخطب من بني النظير هارونية من ذرية هارون ابن عمران عليه الصلاة والسلام وغيرهن كأم حبيب بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة رضوان الله عليهن أجمعين وليس هذا مقام التفصيل فيه وسيأتي إن شاء الله في سورة الأحزاب .
قال الله جل وعلا :"إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (40)
قال الله جل وعلا يذكرُ الصنف الثالث :" وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45)) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47)

أما قول ربنا "لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ " فإن العرب كما ذكر الطبري في تفسيره في جريان كلامها تأتي في النفي بلفظ كريم فتقول هذه الدار لا واسعة ولا كريمة ، ويقولون هذا اللحم لا سمين ولا كريم ، فكلما نفوا صفة معينة متعلقة بالموصوف أردفوها بقولهم كريم فجاء القرآن على سننهم ونسقهم في الكلام، قال الله جل وعلا ( لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ) ثم قال ربنا:( إِنَّهُمْ )أي أصحاب الشمال:( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً)
وطالب العلم إذا تأمل هذه الآيات مقارنة بالأولين يجد فرقا وما الفرق ؟ أن الله جلا وعلا لم يذكر أسباب تكريم السابقين ولم يذكر أسباب تقريب أهل اليمين ولكنه لما ذكر أصحاب الشمال ذكر أسباب تعذيبهم لما ذكر أصحاب اليمين ذكر النعمة عليهم ولم يذكر لأي سبب أنعم عليهم ولما قال قبلهم عن السابقين ذكر النعمى والفضل عليهم ولم يذكر أسباب حصولهم على ذلك النعيم لكنه عندما تكلم جل شأنه وتبارك اسمه عن أصحاب الشمال عدد الأسباب قال:( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45)) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47)
والجواب عن هذا أن يُقال جرت سنة القرآن أن يذكر أسباب العقاب ولا يذكر أسباب الثواب لأن الثواب فضل لا يمكن أن يتوهم القدح في المتفضل به وأما العقاب فمقام عجب لابد أن يـُوضح فيه الأسباب حتى لا يُظن بالحاكم والقائم على الأمر ظلم ـ وأظن أن المعنى تحرر في هذا ـ .
قال الله جل وعلا (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) وليس هذا سبب رئيسي في تعذيبهم لأن الترف لوحده قد لا يصلُ إلى حد الكفر لكن الله قال بعدها (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وهو الشرك ثم قال الله وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ )وما أجمله الله هنا بينه في مقامٍ أوسع في سورة الإسراء فإن أهل الإشراك كانوا يستبعدون البعث والنشور ويجعلونه أمرا لا يمكن أن يقع بحال
-( أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ{77} وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ{78} قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ{79})- [يس]
لكن هذا كله يدور حول التراب قال الله جل وعلا عنهم في سورة الإسراء أنهم استبعدوا أن إذا كانوا عظاما أن يـُبعثوا أو إذا كانوا ترابا أن يـُُبعثوا ومعلوم أن بني أدم مخلوقون من تراب فليس لهم شأن أن يستبعدوا أن الله جل وعلا يُعيدهم من التراب الذي خلقهم منه لكن الله جل وعلا يـُظهر لهم كمال قدرته وجليل عظمته ومُنتهى حكمته قال لهم: " قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (52) " فلو كنتم حجارة أو حديدا أو أي خلق يمكن أن يخطر لكم على بال لأحياكم الله جل وعلا منه فكيف وأنتم تعودون إلى تراب أي إلى عين ما خلقكم الله جل وعلا منه والأمر كله على الله جل وعلا هين.

قال الله جل وعلا : " أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) " قال الله مجيبا لهم: "قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ (52) "
وهذه الشجرة في النار ومعلومٌ نقلا وعقلا أن النار لا يُمكن أن ينبت فيها شجر لأن الأصل أن النار تحرق الشجر لكن الله جل وعلا قال في الصافات: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ) ـ أي الزقوم ـ (تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) وأخبر الله جل وعلا أنه أراد بذلك إختبار العباد في مدى يقينهم وإيمانهم بقدرة الله أو عدم إيمانهم ويقينهم بقدرة ربهم قال الله جل وعلا ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ [ 63]إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) الصافات :64 "
فمن علم عظيم جلال الله وكمال قدرته يعلم أن الله قادر على أن يمنع النار من أن تصل إلى الشجرة ، والتحريم أيها المبارك في القرآن على نوعين : تحريم شرع وتحريم منع.
فالثواب والعقاب يتعلق بتحريم الشرع ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) "( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ )" هذا ما يدخل فيه الثواب والعقاب.
أما تحريم المنع فلا ثواب ولا عقاب عليه لأنه أمر كوني قدري ليس أمرا شرعيا قال الله جل وعلا "( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ )" أي منعنا شفتيه من أن تقبل أثداء النساء فالمعنى هنا تحريم منع ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :قالوا يا نبي الله كيف نصلي عليك وقد أرمت قال :" إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " أي منع الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وليس معنى حرم بمعنى شرع لأن الأرض غير مكلفة بالإتفاق لكن المقصود أن الله جل وعلا منعها أن تصل إلى أجساد الأنبياء ، ومنه أيضا أن الله جل وعلا حرّم على النار أن تأكل من ابن أدم مواضع السجود رغم أنها تتسلط على بدنه كله لكن النار تتسلط على بدنه كله بقدر الله وتمتنع عن أعضاء السجود بقدر الله لأن النار كلها مخلوقةٌ من مخلوقات الله لا يمكن لها ولا لغيرها من المخلوقات أن يخرج عن مشيئته وقدرته جلا وعلا طرفة عين ولا أقل من ذلك.
قال الله جل وعلا " لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ (52) فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) )
أما قوله تعالى :( فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ) هذا إجمال فسره قول الله جل وعلا ( فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) والهيم يـُطلق ويراد بها أحد أمرين إما أن يكون المراد الأرض الرملية التي مهما سـُقيت لا يظهر عليها أثر وقال بهذا القول ابن كيسان وأهل العلم الأكثرون منهم أو جمهور أهل العلم من المفسرين على ان المعنى أن الهيام داء يصيب الإبل فتعطش فإذا عطشت واشتد عطاشها لجأت إلى الماء لترتوي فمهما سـقيت لتشرب لا يمكن لها أن ترتوي فتمكث على هذا الحال حتى تسقم سـُقما شديدا أو تهلك هذا الذي عليه أكثر المفسرين والهيامٌ داء معروف للإبل كما بينا وقدكانت العرب تنقله حتى إلى الرجال وينقلون عن قيس ابن الملوح الذي فـُتن بليلى أنه قال :
وقد خبروني أن تيماء منزل بليلى *** إذا ما الليل ألقى المراسيَ
فهذه شهور الصيف عنا قد انقضت *** فما لنوى ترمي بليلى المراميَ
إلى أن قال ـ وهو موضع الشاهد ـ :
يُقالُ به داءُ الهيامُ أصابهُ *** وقد علمت نفسي مكان شفائها
فقول قيس :
يُقال به داء الهيام أصابه
هو موضع الشاهد أن الهيام العرب نقلته من إصابة الإبل إلى إصابة أفراد الرجال .

قال الله جل وعلا :( فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا )الذي ذكرناه وبيناه وحررناه (نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ) والنزل أول ما يـُستقبل به الضيف ، قال بعض العلماء رحمة الله تعالى عليهم من أهل الشام قالوا إذا كان هذا هو نـُزلهم فماذا سيكون حالهم ـ عياذا بالله ـ بعد أن يستقر بهم القرار في النار لاريب أنه أنكى وأشد وأعظم ـ عافانا الله وإياكم من ذلك كله ـ .

قال ربنا :" هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ" ثم أخبر الله جلا وعلا يـُخبر بآيات متعاقبات عن عظيم قدرته: أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61)وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ (62) "
أي لا يفوتنا فائت ولا يعجزنا شيء "عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ" أي هيئات أخر غير التي أنتم عليها.

ثم ذكر الله جلا وعلا الزرع وما أعده الله جل وعلا للمسافرين : ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ (73)"أي للمسافرين ،" فذكر الله جلا وعلا الزرع وإنباته والمطر وإنزاله وذكر الله جل وعلا النار وإيقادها وأخبر أن ذلك كله لا يتم إلا بعظيم قدرته وجلال حكمته وليس هذا المقام مقاما مناسبا للتفصيل فيها .

ثم قال ربنا تبارك وتعالى في خاتمة السورة :( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)"
ما مواقع النجوم ؟
لأهل العلم فيها قولان :
1/ قول يقول إن مواقع النجوم مطالعها ومساقطها وأكثر من يتوجه للتفسير والإعجاز العلمي في عصرنا يذهب إلى هذا لكن هذا القول لا يعضده قول الله جل وعلا بعدها:( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) لعلمنا أن كل ما أقسم الله جل وعلا به أو عليه فهو عظيم فلابد أن يكون في قول الله جل وعلا( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)كبير فائدة لم توجد فيما أقسم الله به قبل من مخلوقاته ، فيكون قول الله جل وعلا على القول الثاني (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) ليس قسما بالمخلوق لأن القرآن غير مخلوق وإنما قسم
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم ) أي أن القرآن نزل منجما فلما نزل القرآن منجما أقسم الله جل وعلا بمواقع نزوله فيصبح القسم هنا عند طائفة من أهل العلم ويروى هذاعن ابن عباس رضوان الله تعالى عليهما ومال عليها الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في أول تفسير سورة النجم إلى القول بأن القرآن نزل منجما وهو المعني بقول الله ({وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى }النجم1) وما قاله الإمام الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه قوي إلا أننا لا نحفظ في اللغة أن كلمة هوى تأتي بمعنى أنزل وإنما تأتي بمعنى سقط لكن نعود إلى الأية في الواقعة الله جل وعلا ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ )حجة هؤلاء أن الله قال (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) وجواب القسم (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) فيصبح المعنى أن الله ذكر أن هذا القسم عظيم لأن الله أقسم بالقرآن على القرآن وهذا مرتقى صعب في الفهم ليس في فهمه في إدراكه لكن في أن يستنبطه الإنسان أولاً وقد قال به القفاز رحمة الله تعالى عليه أحد علماء الشافعية وهو أن معنى الآية أن الله أقسم بالقرآن على القرآن فلما أقسم الله بالقرآن على القرآن كان حرياً أن يُقال بينهما ( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)
أما اللطيفة في معنى قول الله جل وعلا (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) فإن أي كلام يكرر و يردد يذهب رونقه ومن علم الأدب في مخاطبة الملوك يستحيي أن يجعل كلامه عند الملوك مكرر ويبحث لهم في كل يومٍ عن فائدة جديدة لكن كلام الله يـُتلى في المحاريب من أربعة عشرة قرنا ومع ذلك لم يذهب من رونقه شيء لأنه كلام الله ، ولو كان هذا الذي يتلى في المحاريب منذ أربعة عشرة قرنا يسمعه الناس ويرددونه لو كان هذا كلام بشر لملته الأنفس ولسئمته الأذن لكن لما كان هذا الكلام كلام رب العالمين جل جلاله لم يكن لمؤمن أبداً أن يسئم أو يمل من كلام ربه تبارك وتعالى وهذا معنى قول الله جل وعلا (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) أي باق على ما هو فيه من صونٍ ورونقٍ وعظمةٍ وبهاءٍ وهدايةٍ وإجلال لأنه كلام رب العالمين جل جلاله .

قال الله:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80)"

ثم أخبر الله جل وعلا في آية خبرية وليست إنشائية قال:( لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ )هذه الآية مسوقة في سياق الخبر لا بسياق الإنشاء يعني لا يأتي أحد ويقول لا يجوز لك أن تمس القرآن إلا وأنت طاهر لأن الله يقول : ( لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) لكن يجوز لنا أن نقول هذا قول جمهور العلماء لا يجوز لك أن تمس القرآن إلا وأنت طاهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :كمافي حديث عمرو بن حزم :" قال لا يمس القرآن إلا طاهر" فالاستدلال بالحديث لا بالآية فإن اللام في قول الله جل وعلا ( لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) لا نافية وليست لا الناهية ولا الناهية هي التي يـُراد بها الإنشاء والتكليف والطلب أما لا النافية إنما تسوق خبرا لكن قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله إنما يـُفهم من الآية إشارة لا من التصريح أن ما دام أهل السماء لا يمس القرآن منهم إلا طاهر وكلهم مُطهرون فينبغي على أهل الأرض ألا يمس القرآن إلا وهم طاهرون وهذا قول جمهور العلماء وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن يمس المصحف من لم يكن متوضئا لأنهم لا يرون صحة حديث عمرو بن حزم لكن كما قلت ذهب مالك وجمهور العلماء معه على أنه لا يجوز أن يمس القرآن أحد إلا أن يكون طاهرا من الحدثين الأصغر والأصغر .

قال الله جل وعلا :"لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ" ثم قال الله تبارك وتعالى :" أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) "
هذه "رزقكم" تحتمل معنيين :
المعنى الأول: أن تكون بمعنى الشكر وهذا وارد في كلام العرب ويصبح المعنى: وتجعلون شكركم لما أفاء الله عليكم من نعم أنكم تُكذبون بهذا القرآن وهذا قول جيد في السياق لكن الأحاديث وردت في خلافه .

والقول الثاني: وهو الذي تؤيده الأحاديث أن المعنى :( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أَي ما يمطر وينزل عليكم من السماء من مطر ويؤيده حديث مسلم:" مُطرنا بنوء كذا وكذا وآخرون قالوا مُطرنا بفضل الله ورحمته فقال صلى الله عليه وسلم يقول : " الله جل وعلا أصبح من عبادي بي مؤمن وكافر من قال مُطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكواكب ومن قال مُطرنا بنوء كذا و كذا فهو كافر بي مؤمن بالكواكب" على هذا حمل أكثر المفسرين معنى الآية والعلم عند الله (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ).

ثم قال ربنا " فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) )
لم يرد ذكر النفس هنا فقول الله جل وعلا :( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) لم يُذكر الفاعل للفعل بلغ لكن العلماء متفقون على أنها عائدةٌ على النفس وهذا فصل في لغة العرب أنها تأتي بالكريم ولو لم يكن له ذكر من قبل قال حاتم طي:
أماوي أن المال غاد ورائح *** ويبقى من المال الأحايث والذكر
أماوي أني لا أقول لسائل *** إذا جاء يوما حلّ في مالي النزرُ
إلى أن قال ـ وهو موضع الشاهد ـ :
لعمرك ما يـُغني الثراء عن الفتى*** إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدرُ
والنفس لم يكن لها كلام ولا قول في قصيدة حاتم وإنما ردهم إلى شيء غير مذكور وهناك شواهد أُخر وقد عقد له أبن خالوية رحمة الله تعالى عليه في كتابه فقه اللغة وسلو العربية فصلا منفصلا .
الذي يعنينا هنا أن قول الله جل وعلا ( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) بإجماع العلماء يعود على الروح (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وأنتم) أي من حول الميت (حِينَئِذٍ) أي حين تبلغ الروح الحلقوم (وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ) تنظرون إلى من؟ إلى الميت (وَنَحْنُ) هذا قُرب الله بملائكته( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ) أي إلى الميت (ولكن) حرف إستدراك (ولكن لَّا تُبْصِرُونَ) أي أن من حول الميت لا يـُبصر الملائكة و هي تنزع الروح من الميت (ولكن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (87)
(فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) أي لا تـُدانوا ولا تـُهلكوا ولا تـُستعبدوا ما تزعمون ولا لأحد سلطان عليكم كما تقولون ( فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) هذا قول وهو قول الجمهور
وقول أخر وهو أنكم غير مـُجازين أيا كان السياق.

(فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا) أي الروح (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) والروح إذا اتصلت بالبدن يقال لها نفس قال الله جل وعلا "ونفس وما سواها" وإذا خرجت من البدن يقال لها روح قال صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان بن مضعون "إن الروح إذا صعد يتبعه البصر" فقال ربنا هنا ( فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِين) ولا يستطيع أحد أن يعيد إلى ميت حياة.

قال الله جل وعلا :" تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62){الأنعام}
ثم بعد أن بين الله جلا وعلا هذا كله ذكر المآل الجميع بعد أن قسمهم إلى ثلاثة أصناف قال ربنا :( فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) والمقصود بالمقربين هنا والعلم عند الله فيما يظهر أنهم من يدخلون الجنة بغير حساب وهؤلاء هم المنادون أولاً بقول الله: ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ* لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ) [الأنبياء :-101 102]

(فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ )أي يستريحون من عناء الدنيا و الله جل وعلا خلق الدنيا مطبوعة على الكدر " {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 " فهذا نبي الأمة ورسول الملة صلى الله عليه وسلم يرزق بسبع بنين وبنات يموت منهم ست أمام عينيه صلى الله عليه وسلم ولا يبقى أحد يحي بعده إلا فاطمة رضوان الله تعالى على أبناء وبنات رسولنا صلى الله عليه وسلم أجمعين فرأى صلى الله عليه وسلم أبنائه وبناته يمتن ويموتون وهو حي يرزق ولم يبقى له إلا فاطمة و ماتت بعده بستة أشهر، وشج رأسه يوم أحد وكسرت رباعيته ولما أتم الله له الدين وأظهر له النعمة وقال له :( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) جاءته الآيات تخبره بقرب أجله ودنو رحيله صلى الله عليه وسلم "َاذا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3) {النصر}
فإذا لقي المؤمن ربه جلا وعلا وجد الراحة الكبرى قال الإمام أحمد رحمه الله :لاراحة للمؤمن دون لقاء الله .. ومن يرجو راحة قبل لقاء الله فإنما يبحث عن شيء غير موجود اللهم إلا أن تكون راحته ـ وهذا الذي ينبغي ـ في أنه يرضى بقدر الله قال ربنا " فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً " والحياة الطيبة أن يرضى الإنسان بقدر الله.

(فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ) فأجمل ربنا هنا قال: ( فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) لأنهم يحيون في دار سلام فبدهي أن ينطقوا بالسلام.

ثم ذكر الله جل وعلا العصاة المتمردين على ربهم والخارجين عن طاعته فقال جل شأنه :وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) .
وحتى لا يرتاب مرتاب ولا يشك شاك قال أصدق القائلين جلا جلاله:(إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ )ثم ختم الله جل وعلا هذه الأيات بالوصية العظيمة ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) والمعنى نزه ربك جلا وعلاعما لا يليق به ..
وغاية ما قال آئمة أهل الشأن في هذا الباب أن يقال :
إن الله غني عن طاعة كل أحد فإذا نزّهت ربك عما لا يليق به جل شأنه أنت الذي يشعر بالطهر والنقاء والصفاء وإلا ربُنا جل جلاله لا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية عاصٍ .
هذا مجمل ما دلت عليه هذه السورة المباركة سورة الواقعة وقفنا معها وقفة إجمالية حاولنا أن نصل بها معكم إلى ما يمكن أن يعيننا على طاعة الله جل وعلا.

نُجمل أيها المباركون من قول الله جل وعلا:( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ)
تصعد الروح إما أن تـُنادى بأحسن الأسماء أو بأقبح الأسماء تعود إلى صاحبها تدُب الروح في البدن فيسمع صوت النعال ثم يـُقعد فيـُسأل عن ربه ونبيه ودينه يوفقُ الله من يشاء من عباده للإجابة ويُخذل من عباد الله من شاء عن الإجابة ثم يمكث الإنسان في قبره حياة برزخ قال ربنا:( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون100 " هل تنفصل الروح أو تبقى متصلة العلم عند الله لكن غالب الظن إنها تنفصل حين وتتصل أحيانا في حياة لا نعلم كُونها قال الله عنها : "وبصرك اليوم حديد" ثم يأمر الله ملك يـُقال له إسرافيل أن ينفخ فينفخ فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم يمكث الناس أربعين ثم يأمر الله الملك نفسه أن ينفخ فينفخ فتخرج أرواح المؤمنين من عليين إلى أجساد الناس لا تـُخطيء روح جسد خرجت منه وأرواح أهل الكفر من سجين فلا تـخطيء روح جسد خرجت منه تدبُ الحياة في الأجساد فيخرج الناس كأنما يقومون من نومهم قال الله "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ*قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ"[يس : 52-51]
يـُحشر الناس على أرض بيضاء نقية يـُعطى كل أحد نورا فينقسمون إلى ثلاثة أقسام :
منهم أقوام يـُطفأ نورهم من حين أن يستلموه وهم أهل الكفر ، ويبقى طائفتان يبقى معهم نورهم حتى إذا جائوا على الصراط أُطفيئت أنوار أهل الكفر أهل النفاق قال الله جل وعلا عنهم أنهم ينادون أهل الإيمان:( انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) ويجيبون هم:" ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً" ويمضي أهل الإيمان يجتازون بنورهم على قدر أعمالهم الصراط ثم ينقسمون إلى قسمين قسم يؤذن لهم بدخول الجنة وقسم يـُحبسون على الأعراف وإذا حـُبسوا على الأعراف رأوا أهل الجنة وهم يدخلونها قال الله جل وعلا :"أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [الأعراف : 47-46] ثم ظاهر القرآن والعلم عند الله أنهم يـُؤذن لهم في الجنة ثم ينادي منادي بعد أن يؤتى بالموت على صورة كبش أملح قالوا يا أهل الجنة أتعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت ويقال يا أهل النار هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيـُنحر بين الجنة والنار ويذبح ويـُقال يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت قال الله جل وعلا "وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ *إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ" [مريم : 40]

هذا ما تيسر إيراده وتهيء إعداده وأعانا العلي الكبير على قوله وما لم نجمله أو نقله أو لم نبينه في قولنا هذا لعل الله جل وعلا يكتب لنا أن نبينه في الإجابة على أسئلتكم هذا والعلم عند الله و صلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين .

مريم العلي
17-08-2009, 12:09 PM
رحمــــــــــــــاء بينهم
الحمد لله الذي له الملك والملكوت وله العزة والجبروت وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي الذي لا يموت
وسع كل شيء رحمة وعلماَ وقهر كل مخلوق عزة وحكماَ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماَ ..
وأشهد أن محمداَ عبده ورسوله صفيه من خلقه وخيرته من رسله بعثه على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب فهدى به من الضلالة وعلم من الجهالة أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياَ عن أمته
وصلى وسلم عليه وعلى آله أصحابه ومن سلك مسلكهم وأقتفى أثرهم وأتبع نهجهم بإحسان إلى يوم الدين :

أما بــــــــــــــــعد

أيها المؤمنون ففي هذا اليوم الثالث عشر من الشهر العاشر لعام خمسة عشر وأربعمائة وألف من هجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يتجدد لقاء كان قد أنقطع لأمر لابد منه ألا و هو انشغال المؤمنين بالتعبد والتلاوة في شهر رمضان المبارك أسأل الله أن لا يخلي أيامنا وأيامكم من عمل بار ٍ مرفوع إليه ولا من دعاء مسموع لديه
ونحن إذ نجدد اللقاء في هذه الليلة لنبين أن دروس التفسير فيما سلف كانت تنصب على وقفات مع سور بأجملها أما المرحلة الثانية من هذه الدروس والمبدوءة من مساء هذا اليوم فإنها تنصب على آيات معنية من كتاب ربنا جل وعلا يحسن الحدث عنها ويجمل الذكر بها وهذا اليوم مع درس قول ربنا جل وعلا
" رحماء بينهم "
وهذا الجزء من الآية حكاه الله جل وعلا في القرآن منبأ بأنه وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ذلكم الجيل الأمثل و الرعيل الأول الذين أيد الله بهم دينه ونشر الله بهم ذكرهم في الأرض وآثر بهم العرب خير الأنبياء والمرسلين محمدا ً صلى الله عليه وسلم فقال ربنا وأخبر أنه أثنى عليه في كتابين من قبل القرآن من التوراة والإنجيل فقال جل جلاله
" محمد رسول الله والذين معهم أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ً سجدا ً يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانا ً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا ً عظيما "

وهذا الوصف الرباني والنعت الإلهي الذي وصف الله به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نحن مقتفون على أثارهم وملزمون بهدي محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبع هديه من أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .. لذلك فإن الحديث عن الرحمة وأساليب الرحمة بين المؤمنين ترى والله تعالى أعلم من الأمور التي توجب نشرها للناس وتعليمها للعامة و الخاصة وإلا كيف لنا أن نقتدي بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ونقتدي بأصحابه ونحن نجهل أقوالهم ولا ندري عن أفعالهم فأن التشبه بالصالحين يقرب منهم والمؤمنين إنما يتعبدون الله جل وعلا بما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم كذلكم هو الدين الذي أمر الله عباده بأن على محمد يتبعوه وأن يتعبده به .. والحديث عن الرحمة أيها المؤمنون لا يمكن أن يتحدث به أحد دون أن يتكلم فيه عن أمرين جليلين عظيمين
الأول الحديث عن سعة رحمة ربنا جل جلاله .
والثاني الحديث عن سعة وما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم من رحمة فطره الله عليها وجبله الله تبارك وتعالى عليها.
أما الحديث عن رحمة أرحم الراحمين جل جلاله .. فإنه ما رحم أحد أحداً إلا بفضل من الله ورحمة و إن الله جل وعلا خلق الرحمة مائة كما صح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فأثبت ربنا تسعة وتسعين جزءاً عنده وأنزل جزءاً واحداً يتراحم به الخلائق قال صلى الله عليه وسلم " حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه " من ضمن هذه الرحمة التي أنزلها الله جل وعلا للخلق يتراحمون بها فيما بينهم والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله تبارك وتعالى كتب في كتاب فهو عنده تحت العرش " أن رحمتي تغلب غضبي "
" قل لله ما في السموات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون "
فأخبر جل وعلا أنه كتب على نفسه الرحمة .. بل أخبر جل جلاله أن رحمته لا يليق بها شيء أبداً قال عذابي أصيب بها من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء " ولذلك قال الصالحون من قبلنا في دعائهم اللهم إن لم تكن أهل لأن ترحمنا فإن رحمتك أهل لأن تسعنا " وقد صدقوا فيما قالوه فإن رحمة الله كما أنبأه وسعت كل شيء شملني الله وإياكم برحمته الواسعة ..
أيها المؤمنون مظاهر رحمة الله قد تنقسم إلى قسمين رحمة شملت المؤمنين والكفار الأبرار والفجار الخلائق أجمعين إنساً وجناً وحيواناً وطيراً وما إلى ذلك .. فهذه رحمته تبارك وتعالى الشاملة ومن أعظم الدلائل عليها خلق الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر وجريان الفلك في البحر بأمر الله تبارك وتعالى .. تسخيراً لعباده وإنزال المطر ليحيا به الخلائق كل ذلك من رحمة الله الشاملة للعباد أجمعين " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً * ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيرا *وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشورا ً* لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاما ً وأناسي كثيرا ً "

فهذا من مظاهر رحمته تبارك وتعالى الواسعة لجميع خلقه .. أما رحمته تبارك وتعالى بالمؤمنين فإن أعظم رحمة منّ الله بها على عباده المؤمنين أن هداهم للإيمان فلا يعدل الأيمان أي نعمة لأن نعمة الإيمان هو القسيم بين أهل الجنة وأهل النار فمن منّ الله جل وعلا عليه بالهداية للدين فقد رحمه الله جل وعلا رحمة عظيمة من عنده ونحن أيها المؤمنون شملنا الله برحمة أخف ألا وهي أنه جعلنا برحمة منه وفضل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورحم الله من قال :

ومما زادني شرفاً تيهاً
وكدت بأخمصي أطاء الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صيرت لي أحمد نبياً

فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حظنا من النبيين ونحن حظه من الأمم صلوات اله وسلامه عليه بكرة وأصيلاً فمن رحمة الله جل وعلا لعباده المؤمنين أن هداهم للإيمان وأن وفقهم للعمل الصالح وأن تقبل منهم إذا تقبل ذلك العمل الذي يرفع إليه تبارك وتعالى
" إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه "
على أن رحمة الله لعباده المؤمنين إنما ينال المؤمنون منتهاها إذا زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة قال ربنا " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " فهذا هو الفوز العظيم ..
ورحمة الله تبارك وتعالى إنما تتجلى أعظم في يوم الفزع الأكبر وفي عرسات يوم القيامة عندما يقف الخلائق أجمعين بين يدي رب العالمين جل جلاله .
وهناك حديث طويل أخرجه الشيخان في صحيحهما وأخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة والطوارفي في مسنده وغيره عنه صلى الله عليه وسلم ولعظم هذا الحديث فإن إيراده بطوله أمر نرى أنه أقهر أنه مسألة حتمية لأن فيه ما بين للعباد أن التوحيد أجل ما تعبد الله به الخلائق وهو السبب الأعظم والأجّل في رحمة الله تبارك وتعالى قال البخاري حدثنا يحيى بن مكير حدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي العمري عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : (( قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة . قال هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانا صحوا قلنا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما .. ثم قام كل قوم إلى ما كانوا يعبدون فمنهم أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات
من أهل الكتاب ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب فيقال لليهود ما كنتم تعبدون قالوا : كنا نعبد عزيراً بن الله فيقال : كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد
فما تريدون قالوا نريد أن تسقينا فيقال أشربوا فيتساقطون في جهنم
ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد المسيح أبن الله ..
فيقال كذبتم لم يكن لله صاحبة ولا ولد ..
فما تريدون قالوا : نريد أن تسقينا فيقال أشربوا .. فيتساقطون في جهنم
حتى يبقى من كان يعبد الله من براً أو فاجر فيقال لهم ما يحبسكم وقد ذهب الناس فيقولون فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم وإنا سمعنا منادياً ينادي ليلحق به قومه بما كانوا يعبدون وإنـــا ننتظر ربنا
قال فيأتيهم الجبار في صورة غي صورته رأوه أول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا
فلا يكلمه إلا الأنبياء
فيقولون هل بينكم وبينه آية تعرفونها ..فيقولون الساق فيكشف عن فيكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعة فيذهب كيما يسجد ويعود ظهره طبق واحدا ً ثم يؤتى بالجسر
فيجعل بين ظهرانّي جهنم قلنا يا رسول الله وما الجسر قال : مضحدة مزلة
عليها خطاطيف كلاليب و حصفة لها شوكة عطيفة يقال لها السعدان
فالمؤمن عليه كالبرق والطرف وكالريح وأجاود الخيل والركاب فناجي مسلم وناجي مخدش و ومكدوس في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحباً فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار و إذا رأوا أنهم قد نجوا في أخواتهم يقلون ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا و يصومون معنا ويعملون معنا فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدهم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ..
فيحرم الله صورهم على النار فيأتي لبعضهم وقد غاب في النار إلى قدمـــه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا ثم يعودون فيقول أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فقرؤوا ((إنا الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ..)) فيشفع النبيين والملائكة والمؤمنين فيقول الجبار بقيت شفاعة
فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوام قد امتحشوا
فيلقون بنهر أفواه أنهار الجنة يقال له نهر الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الجبة في حميل السيل
قد رأيتها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة
فما كان من الشمس منها أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون فيقول لأهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلوا الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما أريتم ومثله معه ))..
خرجاه في الصحيحين وخرجاه غيرهما
أيها المؤمنين إن هذا حديث منبئ من سعة رحمة ربنا جل وجلاله وإنه حري بعبد يتحدث عن الرحمة
أن لا يغفل ذكر هذا الحديث ..
كما أننا نبين ما كان عليه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم من رحمة فإن الله جل وعلا نعته بقوله " بالمؤمنين رءوف رحيم " فوصف رسالته كلها بقوله " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " ووصفه تبارك وتعالى بقوله " وإنك لعلى خلق عظيم " ومن عرف ما هو الخلق العظيم عرف أن من أعظم جوانب الخلق أن يكون الإنسان رحيماً ورءوفا بمن حوله ونبينا صلى الله عليه وسلما رحيما بأزواجه رحيماً بأهل بيته قطع خطبته من أجل الحسن والحسين حمل أمامة بنت أبي العاص وهو يصلي ويحملها إذا قام ويضعها إذا ركع وسجد صلوات الله وسلامه عليه .. كان يزور الأنصار في دورهم ويمسح على رؤوس أطفالهم يداعب بعضهم .
بل إن الموتى في قبورهم كان صلى الله عليه وسلم يأتي إلى بقيع الغرقد فيدعو الله لأهله ويستغفر الله لهم .. فعل ذلك مراراً وتكراراً ..
فلما كان في أخريات حياته صلوات الله وسلامه عليه زار حتى الشهداء الذين كانوا قد شهدوا أحداً واستشهدوا فيها فزار قبر حمزة بن عبد المطلب عمه صلى الله عليه وسلم وزار إخوانه من الشهداء الذين قبروا جواره فرحمته صلى الله عليه وسلم شملت القريب والبعيد والعدو والصديق بل شملت الإنس أجمعين والحيوان والطير
نهى صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الطير غرضاً وأخبر أن امرأة أدخلت النار بسبب هرة عذبتها حبستها فلا هي بالتي أطعمتها ولا بالتي تركتها تأكل من خشاش الأرض فمن تأمل سيرته العطرة صلوات الله وسلامه عليه وجد هذه الأمر التي ذكرناها إجمالا وجدها مفصلة مبينه تنبئ عما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه من رحمة بالخلق بل كان صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق وأنصح الناس بالناس , ثم أيها المؤمنون إننا نقول إن الله جل وعلا أراد من المؤمنين أن يكونوا متوادين متراحمين يحب بعضهم بعضاً فلما .. كان الله لم يترك عباده سدى ولم يخلقهم عبثاً شرع لهم من الحدود والطرائق والأساليب ما يعينهم على تطبيق هذا الأمر وما يجعلهم متوادين متراحمين وهذا هو لب درس هذه الليلة ..
ومن تلك الطرائق وتلك الأساليب الشرعية صلة الرحم وإطعام الطعام ورعاية اليتيم والعفو عند المقدرة وقضاء حوائج المساكين والمقعدين وعيادة المرضى وما إلى ذلك مما حول هذا الأمر من الطرائق جعل الله جل وعلا مناط وطريقاً إلى التواد والتراحم بين عباده
أما صلة الرحم فقد جاءت الآيات الصريحة في بيان أنها من أعظم ما أمر الله به أن يوصل والرحم جامع لمن كان يجمعهم في رحم واحدة من ذوي القرابة قال الله تبارك وتعالى في وصف عباده الخلص " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل " وقد أجمع أهل العلم على أن أعظم ما أمر الله به أن يوصل صلة الرحم وقد بين أهل العلم جمعهم الله أن الإنسان في هذا الأمر واحد من ثلاث : أن يصل الإنسان قوم قطعوه وهذا في منزلة العالية من الصلة
الأمر الثاني أن يصل الإنسان قوماً من رحمه وصلوه فهذا في منزلة المكافئ
والمرحلة الثالثة أن يقطع الإنسان قوماً قطعوه فهذا آثم ..
هناك مسألة رابعة أشد إثماً وهو أن يقطع الإنسان رحم أقوام وصلوه وهذا والعياذ بالله في منزلة الأقل وفي الإثم الأعظم
والإنسان إذا تأمل حال المسلمين اليوم وجد أنهم فرطوا في هذا الأمر أيما تفريط .. بل أن لو خطيباً من الخطباء وإماماً من الأئمة متحدثاً بعد الصلاة تكلم في هذا الأمر لظن الناس أنه تكلم في مسائل عفا عليها الزمن وأنها لا تناسب لغة العصر .. ولا مستجدات الفكر وأن دين الله جل وعلا الذين أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم إن الذي تعبد الله به نحن اليوم وهو الذي تعبد به الخلائق إلى قيام الساعة بل الله جل وعلا أخبر أن قطيعة الرحم فساد في الأرض فلذلك قال صلى الله عليه وسلم (( أن الله لما فرغ من الخلق قالت الرحم .. فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال لها ربنا جل جلاله نعم .. أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت نعم قال فهذا لك ..))
قال صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين اقرؤوا إن شئتم
" فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم .. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم "
يبقى سؤال يطرحهم الناس كثيراً .. ما الميزان الذي نربط في صلة الرحم فتقول والله تعالى أعظم لا تحفظ فيما نحفظ ميزاناً دقيقاً لهذا الأمر لكن أهل العلم قالوا إن أقل الكلام والسلام والتحدث على أنه ينبغي أن يعلم أن ذوي قرابتك يتفاوتون فيما بينهم فإذا كان لك ذوي قرابة في يسر من العيش وكثرة من الولد وأمن من الحياة فإن صلتهم تكون المواسم والأعياد وما بين ذلك أما إن كان لك ذوي قرابة فيهم من الفقر المغدق والحاجة إلى العون والنأي قي السكن وما إلى ذلك فإن الصلة هنا تتأكد في حقهم .. فينبغي على المؤمن أن يكون أرحامه وأقربائه أولى الناس به فيسعى في قضاء حوائجهم والقيام بشؤونهم وتفقد أمورهم وكثرة السلام عليهم وزيارتهم الاطمئنان عليهم يرتجي بذلك رحمة الله وفضله وخوفاً أن يدرج فيمن قطعوا أرحامهم
وإنه حري بالشباب الخلص الذين اصطفاهم الله جل وعلا ومن عليهم بالاستقامة والالتزام على شرعه أن يعطوا هذا الأمر الأهمية فإنه الانشغال بطلب العلم وحضور الدروس وتحفيظ القرآن وما إلى ذلك أمر أثنى الله على فاعله .. ولكن الدين يؤخذ جملة ولا يؤخذ جزء منه .. وإن طالب العلم ينظر الناس إليه نظرة قدوة وأسوة
فإذا كان طالب العلم والقائم بشرائع الله التعبدية المحضة كالصلوات والصيام وما إلى ذلك يغفل عن هذا الأمر ..فإن اقتداء الناس به يضعف ونظرة الناس إليه لا تكون نظرة مقبولة تنبئ عن نظرة كاملة إليه فبذلك حي بالمؤمنين عامة وبمن مـّن الله عليهم بالعلم الشرعي خاصة أن يعنوا بهذا الأمر و أن يعرفوا حقه وأن يتفقدوا ذوي قراباتهم وأن يسألوا عنهم عملا ً بما أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم ..
كذلك من الأساليب الشرعية التي يكون به المؤمنون متراحمون
إرشاد الناس وتعليمهم ..وقد يظن البعض أن إيراد إرشاد وتعليمه في قضية الرحمة إيراد متكلف وهذا خلاف الصحيح لأنك لا يمكن أن تهدي أحدا من الناس أمرا ا خيرا من أن تدله على شرع الله ولا يمكن أن تهدي لأخيك هدية أعظم من أن تكون سبباً في أن يترك منكرا ً كان عليه
يقول صلى الله عليه وسلم لابن عمه علي رضي الله تعالى عنه قال
( لئن يهدي بك الله رجلا ً واحدا ً خيراً لك من حمر نعم)

ولما سأل معاذ رضي الله تعالى عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم
دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار
قال له صلى الله عليه وسلم : لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه
فسـّم النبي صلى الله عليه وسلم الفوز بالجنة والنجاة من النار سماه أمر عظيم وإن المؤمن إذا حرص على تعليم الناس و إرشادهم إلى طرق الحق والصواب دخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند الطبراني وغيره بسند صحيح قال عليه الصلاة والسلام
(( إن الله وملائكته و أهل سماواته وحتى النملة في جحرها والحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير ))
وليس تعليم الناس الخير مقتصر على المحاضرات والدروس المعلنة بل هذا قد يمـّن الله به على فئة من الناس ولكن طرق الخير لم تكن يوما ً من الدهر مقصورة على أحد فإن الكلام الموجز بعد الصلوات والرسائل الكتابية الخاصة وتكليم الناس مشافهة فرادى و جماعات وإهداء شيء من الأشرطة و الكتيبات النافعة للمؤمنين كل ذلك داخل في عموم تعليم الناس وإرشادهم ..فقد يكون الإنسان غير قادر على أن يبين للناس علة عنده قد يعطي الكتابة أكثر مما يعطي في الحديث فيكتب لمن حوله وقد يعطي في المال ما يعينه على أن يهدي بالمال أمورا ً نافعة تعينهم على أمور دينهم ودنياهم على أن هناك لباسا ً يجب أن يتحلى به من تصدى لتعليم الناس وإرشادهم ألا وهو الرفق
يقول صلى الله عليه وسلم وقد مر عليه ملأ من اليهود فقالوا السـام عليك أي "المـوت"
فقال صلى الله عليه وسلم : وعليكم !!
فغضبت أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكانت حاضرة فقالت : وعليكم اللعنة أو كلمة نحوها
فقال صلى الله عليه وسلم لعائشة كان غير هذا أولى بك ..
ثم قالت أما سمعت ما قالوا ؟!
قال : أما سمعت ِ ما قلتْ ؟!
ثم قال :
إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه .

وإن كثيرا من إخواننا الذين مـّن الله عليهم بالتعليم في المباني الحكومية و الخاصة وجعل الله تعالى بين أيديهم طلاب فإنه حري بالمعلم أن يكون ذا شخصية قوية وهيبة حتى يقبل الناس منه ..لكن لا بد أن يخالط شخصيته نوع من الرفق ونوع من الرحمة ادع هم إلى الله جل وعلا وأنت تتحلى بزينة الرفق حتى يقبل الناس منك لأن من بغضك وكرهك لا يمكن إن يقبل منك ألا نسمع قول ربنا في نعت محمد صلى الله عليه وسلم " فيما رحمة من الله لنت لهم .. ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك " فإن الناس لا تجتمع قلوبهم ولا تجتمع أرواحهم على شخص يكثر من السخرية بهم والاستهزاء بهم ويكثر من تحقيرهم وتقليل ما يصنعون فإنه حري بالمؤمن المتصدر بتعليم الناس أن يكون دأبه الرفق فيمن يعملونهم ..

كذلك من الطرائق والأساليب التي جاءت من الشرع المطهر لكي يكون المجتمع مجتمعا راحماً " العفو عند المقدرة " الإنسان أيها المؤمنون في هذه يعيش وحوله أعداء وحوله فساق وحوله أصحاب وحوله أحباب وخلان وحوله من سائر الناس ما لا يمكن إحصاء عددهم .. فيحدث بينه وبينهم شيء من العداوة لا نظن أن مجتمعاً يخلو منه ..
ولكن أرباب الهمم العالية والذين يتطلعون إلى الملكوت الأعلى والذين يطمعون في أجر الله جل وعلا
يترفعون على أن يجاروا السفهاء في صنيعهم ويترفعون على أن يعاملوا أهل السفاهة بالمثل :

إذا جاروك في خلق دنيئاً
فأنت ومن تجارية سواء
رأيت الحر يجتنب المخازي
ويمنعه من الغدر الوفاء

فإن الطبقة العليا من الناس لا ينزلون إلى من يكثر التربص بهم والحقد عليهم واتهامهم بما ليس فيهم ..
وهنا ندخل إلى القول " العفو عند المقدرة " فقد يمكنك الله جل وعلا ذات يوم ممن آليت فإن رددت عليه بالمثل فما تجاوزت قال الله جل وعلا " وجزاء سيئة.. سيئة مثلها " ولكنك إن عفوت عنهم كنت الله أقرب ولأجر الله قال الله جل وعلا " وجزاء سيئة.. سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله "
والله جل وعلا لم يحدد الأجر في الآية قال أهل العلم إن إبهام الأجر في هذه الآية يدل على عظمته لأنه أضيف إلى الله جل وعلا ..
ولا ريب أن الإنسان يطمع في كثير من عفو الله جل وعلا ..
ولهذا شواهد كثر فنبي الله يوسف آذوه أخوته آذوه وهو في كنف أبيه ثم تآمروا عليه وألقوه في غيابة الجب ثم لما زاروه في أرض مصر دون أن يعرفوه اتهموه بالسرعة " قال أن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " يعنون يوسف ثم الله جل وعلا أظهر عزته عليهم فمكنه من أخوته فلما سقط في أيديهم وظنوا وعلموا أنهم أخطئوا في حقه قال "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم "
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم آذاه الملأ من قريش عشرين عاماً أخرجوه من بيته ووضعوه على رأسه الشريف سلا الجزور تربصوا به تآمروا على قتله .. دخلوا عليه حتى في مدينته جمعوا عليه الأحزاب اتهموه بالجنون .. وما إلى ذلك مما لا يخفى على أحد من أصناف العداوة التي رموا بها رسول الله صلى اله عليه وسلم ..
فأظهره الله وأعزه من قبل وبعد ودخل صلى الله عليه وسلم على رأسه المعطف معززاً مكرماً وجعل الله جل وعلا كل أولئك الملأ بين يديه وفي قبضته قال يا معشر قريش " ما ترون أني فاعل بكم "
قالوا : "أخ كريم وابن أخ كريم" ..
وقد أحسنوا فيها..
فقال صلى الله عليه وسلم وهو أحلم الناس " لا تثريب عليكم اليوم .. اذهبوا فأنتم الطلقاء "
فعفا عنهم صلوات الله وسلامه عليه و إنه حري بالمؤمن أن يكون كذلك .. وإن آذاك أحد أو حسدك حاسد فليكن لسان حالك ومقالك :

وما أشكو تلون أهل ودي
ولو أجدت شكايتهم شكوت
إذا جرحت مساؤهم فؤادي
صبرت على الإساءة وانطويت
ورحت إليهم طلق المحيا
كأني ما سمعت ولا رأيت
ولا والله ما أضمرت غدراً
كما قد أضمروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدو
صحيفة ما جنوه وجنيت

بذلك تغلب على خصومك وأعدائك وهذا
الأمر أو العفو عند المقدرة قد يتأكد عند الملوك والأمراء والولاة والسلاطين وذوي الجاه أكثر مما يتأكد عند العامة .. لأنه الله مكن لهم في الأرض وآتهم من المادية المحسوسة ما يعينهم على البطش ولذلك ذكر أن المعتصم الخليفة العباسي الثامن المعروف قدم إليه برجل يقال له تميم الأوسي والظاهر أن تميماً قد أجرم جرماً في حق المعتصم ربما خرج عليه أو اتهمه بشيء أو ما إلى ذلك .. فكان المعتصم قد بيت النية في نفسه أن يقتله فأمر حراسه وجنوده أن يأتوا بالنطع أي الجلد و السيف وأظهره على الملأ وأتى بتميم الأوسي ووضعه على ليضرب عنقه ثم أراد أن يختبر أن جلاله فقال يا تميم كيف أنت الساعة .. فقال ذلك الرجل وقد كان فصيحاً ثابت الجنان . قال :
أرى الموت السيف والنطع كامنا
يلاحظني من حيث ما أتلفتُ
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
وأي امرئ مما قضى الله يفلتُ
يعز على الأوس بن تغلب موقف
يسل علي السيف فيه واسقط
وما جزعي من أن أموت وإنني
لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلقي صبية قد تركته
و أكبادهم من حسرة تتفتتُ
كأني أراهم حين أنعى إليهم
وقد خمشوا تلك الوجوه وفوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة
أذود الردى عنهم وأن مت مُيتوا

فرق المعتصم لحاله وقال قد تركناك لله أولاً .. ثم للصبية
على أنه أحسب مما قلناه كله قول ربنا جل وعلا " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميد وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه السميع العليم""
قال العلماء عدو الرجل الواحد من اثنين إما إنسي إما جني وقد بينهما الله في الآيات التي قد سمعتم فإن كان إنسي فادفع بالتي هي أحسن فينقلب ذلك صديقاً حميماً لك اللهم إلا أن يكون تكون عداوته الحسد فإن من عاداك بالحسد غالب الظن أن لا ترجى مودته أبداً فتنقلب عداوته إلى صداقة ومحبة فيكون ولياً حميماً
وإن كان جنياً أي من الشياطين فاستعذ بالله جل وعلا منه ..
"وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون "
فهذا حال الرجل المؤمن أمام خصومه وأعدائه على أن هناك نقطة مهمة ينبغي أن تلاحظ لأن الأمر ليس على إطلاقه قد يكون من عاداك عدواً لله عدواً لرسوله فليس الذي هو أحسن إكرامه بل الذي هو يحسن إهانته
وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم .. أسر أحد مشركي قريش في معركة بدر على ما أحفظ الساعة ثم عفا عنه صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله رجل كبير لي صبية وما إلى ذلك فعفا عنه صلى الله عليه وسلم فأخذ يمشي لهم طرقات مكة ويمسح عارضيه ويقول سخرت من محمد صلى الله عليه وسلم ثم لما قبض عليه في معركة أخرى قال يا رسول الله أن ورائي صبية ورائي ووارئي و قال لمن الصبية يا محمد؟! .. فقال صلى الله عليه وسلم لهم النار .
فالرد كان حازماً محكماً .. لأن ليس كل شخص ينفع معه الأمر الحسن .. لكن قدم الحسن في الأول وثانياً . ثالثاً ولكن أخر الداء الكي .. وهذا يكون مع أعداء الله وخصومه ومن يناهضون شريعة الله .. فإن غالب الظن أن لا تجدي معهم الرحمة إلا إن غلب على الظن أنه الرحمة مجدية معهم فإن لكل حال تصرف خاص به
كذلك أيها المؤمنون من الطرائق التي يكون فيها تواد المؤمنين وتراحمهم
الإحسان إلى اليتامى واليتيم في الاصطلاح من فقد أباه وهو صغير هذا معناه الاصطلاحي والعرفي والله علم حال هؤلاء اليتامى وعلم حاجتهم إلى الرفق لأن قضيتهم قضية إجبارية فلا يوجد يتيم فقد أباه بطوع منه واختبار فلذلك أمر الله عباده أن يحسنوا إلى اليتامى قال الله جل وعلا
" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم أن الله عزيز حكيم "
وقد تواترت الأحاديث عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في أم الإحسان إلى اليتامى منقبة عظيمة من ذلك وهو أرفعها مقاماً أن يكفل العبد المؤمن يتماً في بيته فيطعمه ويسقيه ويقوم بقضاء شؤونه وحوائجه ويحرص على تعليمه وإرشادهم وهذا في المنزلة الأعلى قال صلى الله عليه وسلم " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار إلى أصبعيه السبابة والوسطى وفرج بينهما "
وأي امرئ يأنف ويستكبر ويرغب أن لا يكون جاراً لمحمد صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم بل إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن منزلة أدنى على أن الإنسان قد لا يكون في بيته يتيم ولكن قد يمر به
أو يرى يتماً في الطرقات فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه من مسح بيده على رأس يتيم له بكل شعرة لمستها يده حسنة كما في مسند أحمد
بل إن رجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة قلبه فقال صلى الله عليه وسلم له أمسح على رأس اليتيم وصل رحمك " فجعل المسح على رأس يتيم مما ترقق به القلوب وتذرف به العيون ويقرب به العبد من رضوان الله جل وعلا .. ويحفظ اليتيم في الإسلام حذر الله الأوصياء على أموال اليتامى أن يقربوا تلك الأموال .. ثم خفف الله عن الأمر فسمح الله للأوصياء أن يأكلوا من أموال اليتامى بالمعروف إن كانوا فقراء وأن يصرفوا عليهم المال مختلط إلا أن الله جل وعلا حذر الأوصياء على أموال اليتامى من الأمرين
الأول / أن يأكلوا من أموال اليتامى بغير وجه حق قال جل ذكره " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم نارا ً ولا سيصلون سعيرا ً"
والأمر الثاني/ حذرهم الله من أن يبدلوا أموالهم الخبيثة بأموال اليتامى الطيبة قال الله جل وعلا (( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا ً كبيرا ً))
فمسألة الوصاية على مال اليتامى مسألة عظيمة بل إن أهل العلم اختلفوا في الزكاة الشرعية لأموال اليتيم فذهب جماهير أهل العلم إلى أن الزكاة واجبة .. واجبة في حق اليتيم وأن لم يبلغ!!
والذي أدين به والله تعالى أعلم أن الزكاة في مال اليتيم غير واجبة خلافاً لما قاله الجمهور وعملا ً بما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وإن كانت المسألة مسألة فقهية ليس هذا مورد إيرادها ولكننا أوردناها لبيان أن اختلف أهل العلم في وجوب الزكاة الشرعية في مال اليتيم يدل دلالة صريحة على أن غير الزكاة الشرعية من باب أولى أحرى أن لا يقرب من أموال اليتامى في هذا المجتمع المسلم المترابط لا يعدم المؤمن أن يجد يتيما ً يحسن إليه على أن كثيرا ً من ذوي الجاه و المال والثراء يشرعون في الإحسان إلى اليتامى في خارج هذه بلاد هذا الأمر وإن كان أمرا ً حسناً عظيما مقبولا ً جاءت به الشريعة إلا أنه حري بالمرء أن يتفقد اليتامى من ذوي قرابته أولى ..

قال الله جل وعلا (( وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ))
وقال جل وعلا :" الأقربون أولى بالمعروف "
والإنسان إذا تجاوز قرابته وجيرانه وأرحامه إلى أمور بعيدة خلت القرابة والجيران والأرحام ممن يحسن إليهم لأن الناس يظنون أن هذه مسؤولية قرابات مسؤولية جيران فحري بالمؤمن أن يجمع المحسنين فإن لم يتمكن إحسانه إلى ذوي قرابته من اليتامى مقدم على اليتيم البعيد عنه وفي كل خير
**
كذلك أيها المؤمنون من الأمور التي تعين على الترابط والتواد بين المؤمنين الإحسان إلى الجار
أغفلته المدينة الحضارية الحديثة ونظام السكن في العصر الحاضر كان سببا كبيرا في قضية إغفال المؤمنين لهذه المسألة المهمة وهي مسألة الجار رغم أن الله جل وعلا وصى بها في كتابه ((و الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ))
إلى غير ذلك من الأحاديث والآيات المستفيضة يقول صلى الله عليه وسلم
( والله لا يؤمن والله لا يؤمن و الله لا يؤمن !!
قال الصحابة على وله وشغف: من يا رسول الله ؟!
قال: من لا يأمن جاره بوائقه .. قالوا وما بوائقه يا رسول الله ؟!! قال : شره ))
فإن كثيرا ً من الناس قد يجاورك لكنك وتذهب تخرج من بيتك وأنت على خوف ووجل قد ينالك شر ..
وإن المدنية المعاصرة كما بينا أغلقت الكثير من مسألة حقوق الجار وإن المتأمل لسيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من ترابط وحدوي وتآلف في جيرانهم وبين قلوبهم صدورهم وأفئدتهم ..
بكى حسرة ودمعا ً على حال المؤمنين اليوم :
فليست عشيات الحمى برواجع
عليك ولكن خل عيناك تدمعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها
عن الجهل بعد الشيب أسبلتا معا


ولكن ما زال في الأمة بقية من خير و إن الإحسان إلى الجار يتمثل في أمور عدة
الأول أن تشاركه في طعامه قال صلى الله عليه وسلم يوصي أبا ذر رضي الله تعالى عنه يا أبا ذر إذا طبخت مرقها فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك .
الأمر الثاني :
أن لا ينال جارك منك شر وأذى
الأمـر الثالث أن تحرص على الإهداء له
الأمر الذي بعده أن تحرص على أن تتفقد جارك بين الحين والآخر فإن رأيت فيه في بيته أو على بعض أهله شيئا من النكرات فإنه حري بك أن تتقي الله في دينه فتذهب إليه وتنصحه في فسقه وتذكره الله والدار الآخرة
وتقدم له الدلائل القرآنية و السنة النبوية ما يعينه على ترك الأمر فإن أصر على معصيته فحاول مرارا وتكرارا فإن بقي على حاله فسقه وعصيانه فإن ذلك لا يفسد حق جواره

قال أهل العلم :
الجار له ثلاثة حقوق
إن كان مسلما قريبا فله حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة
وله حقان إن كان مسلماً له حق الجوار وحق الإسلام وإن جاراً كافراً فيسقط عنه الإسلام وحق القرابة ويبقى له حق الجوار ..

وقد النبي صلى الله عليه وسلم غلاماً يهودياً وكان ذلك الغلام في سكرات الموت فأخذ صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام .. فكان والد الغلام واقفاً على رأس الصبي فقال والد الغلام للصبي يا بني أطع أبا القاسم فقال الرجل الغلام أي الصبي أسلم .. فقال صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي أنقذني به من النار ..

وقد بوب البخاري في صحيحه " باب زيارة الجار الكافر " ولأن كثيراًُ من الناس الآن قد يكون جار تارك للصلاة أو يكون له جار على غير مذهب أهل السنة أو يكون له جار يكون فيه من العصيان ما فيه .. فيقـاومه ويحاربه ويعاديه وهذا خلاف ما أمر الله به ورسوله .. تعبد الله أيها المؤمنون بالشرائع ولا تعبدوه بالوقائع .. وإن الإحسان إليه عملاً بحقوق الجار ودعوته إلى الله بإلحاح وبيان طرق الحق له أمر حتمي وواجب عليك حتى تبرأ الذمة منه .. و إعذاراً الله جل وعلا في التقصير من أداء حقوقه
**
كذلك أيها المؤمنون والأمر مترابط بعضه في بعض في الأمور التي يكون فيها والتواد والترحم بإطعام الطعام والإحسان إلى الفقراء والمساكين .
الله جل وعلا هذه الحياة والدنيا فيها الأبرار وفيها الفجار فيها الغني المترف وفيها الفقير لمعدم فيها المسكين وذوي الحاجة وفيها بين ذلك من الناس وفيه بعض الثراء الفاحش والله لم يخلق يبتلي الفقير وينتظر إلى الغني يصير أو لا يصير والغني ينظر إلى حال الفقير يعطيه ويتصدق عليه قد لا يعطيه ولا يتصدق عليه " وجعلنا بعضكم لبعض فتنه أتصبرون وكان ربك بصيراً " إن إطعام الطعام والإحسان إلى الفقراء والمساكين أمْـر أمَر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم لأن في هؤلاء والفقراء والمساكين الأجر العظيم من الله جل وعلا
أما إطعام الطعام فقد كلن العرب في الجاهلية على كفرهم و عبادتهم للأوثان يعظمون هذا الأمر أيما تعظيم .. كان عبد الله بن جدعان في الجاهلية له ما يسمى بالجفنات توضع فيها فكان له جفنات عالية بأكل منها الراكب جفنات أدنى بأكل منها الماشي جفان أدنى بأكل منها القاعد .. ويذبح في يوم عرفة ألف تعبير يطعم فيها الناس .. لكنه لما لم يكن موحداً كان كل هذا العمل كله هباً منثوراً قالت عائشة رضي الله تعالى عنها .. أبنفعه عمله ذلك قال إنه يا عائشة لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين .
ولما جاء الإسلام حث المؤمنين على إطعام الطعام
قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب الأنصاري لما أطعام أبو أيوب وزوجه ذلك الضيف قال لهما عليه الصلاة والسلام .. لقد عجب الله من صنيعكما لضيفكما الليلة .
أما إطعام الفقراء والمساكين وتفقد أحوالهم .. فإن ذلك بيناً فيه أجر عظيم وحتى يكون الأمر عملياً فإنك لن تعلم في حي جاراً فقيراً تحرص على طعام
كذلك كلنا يعلم أن هناك أربطه فيها من الفقراء والمساكين ما لا يعلم حالهم إلا الله ماذا يشغل يا أخي لو خرجت يوماً من الدهر واشتريت وثلاثة من أخوانك ممن يعينونك على الطاعة .. ثم وقفت أمام ذلك البيت أو ذلك الرابط لا يعرفكم أحد .. فلا يعرف أسمائكم أحد تقربون به إلى الله فأطعموهم قد يجلس الوالد والوالدة والأبناء على الطعام ويدعون الله لكم بظهر الغيب وأي خير يرجى لكم أعظم من هذا
يقول صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة " ورجل تصدق بصدقه فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه "
قال جل وعلا " فلقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة "
ثم بين الله جل وعلا قال وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة إطعام من ؟ يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة
ذا مقربة أي ذا قرابة ذا متربة أي التصق بالتراب لشدة فقره وعوزه وحاجته للمال وذلك فإن من المبشرات في هذه البلاد أن تدفع بها الجمعيات الخيرية وجمعيات البر والمؤسسات الخيرية . فإن مثل هذه يجب دعمها ودعاء الله جل وعلا بالتوفيق لمن قام عليها .. كذلك مما يغبط ويحمد أن نرى كثيراً من الأفراد من الشباب يكونون مجموعات تحص على إطعام الناس في رمضان وفي غيره ومنظر الإطعام في شهر رمضان في الحرمين وما كان عليه كثيراً من الشباب مد السفر للمؤمنين الصائمين كل ذلك من جلائل الأعمال فإن إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس ينام قربات عظيمة
أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنها من أسباب دخول المؤمن الجنة ومن أسباب رضوان الله تبارك وتعالى على عباده
**
كذلك أيها المؤمنون من جملة ما يكون عوناً على تواد المؤمنين وتراحمهم قضاء حاجات ذوي الحوائج كلنا يعلم أن هناك طائفة من الناس ليس لهم واسطة لا يعرفون أحداً ولا يعرفهم أحد .. أرمله في بيتها حولها بنوها لا تتعدى حدود معرفتها البيتين أو الثلاثة التي حولها لا تسمع بأحد ولا يسمع بها أحد
رجل قدم من البوادي سكن في ناحية نائية من المدينة لا يعرفه أحد ولا يعرف أحد رجلاً غريباً ليس من أصل هذه البلاد استوطنها وسكنها رغبة في الأجر كثير من الناس فقراء مساكين لكنهم حاجتهم إلى الشفاعة المعنوية أعظم من حاجتهم إلى الشفاعة المالية هؤلاء لهم أبناء لهم حاجات لهم معاملات في الدوائر الحكومية لهم ملفات وأمور عند الأمراء وعند السلاطين وقد تكون عند الملك وقد تكون عند دونه من المسؤولين في الأمانة أو في الزراعة أو في غيرها من الذي يقوم بحوائجهم السلطان أو ولي الأمر من المستحيل أن يعرف كل الناس هذا مما لم يقيم به أحداً أبدا أنبياء الله ورسله لم يكونوا يعلمون جميع من حولهم فضلاً عن الملوك من البشر
لكن هذا يقع كهلاً على أهل الجاه على أهل المكانة على أهل المعرفة على المسؤولين المشهورين المتصدرين من الناس إنه كما أن للمال زكاة مادية فإن للجاه والمعرفة زكاة معنوية يجب على كل مؤمن أن يقوم بها تفقد جيرانك ابن من أبناء جيرانك – أمه توفي زوجها منذ أمد بعيد تريد أن تدخل أبنها المدرسة لكنها لا تعرف أيبن بوابة المدرسة فضلاً عن أن تعرف الشروط وطلبات القبول ماذا يضيرك لو أخذت ذلك الملف وقمت بذلك الأمر وتقربت إلى الله جل وعلا وهو مستو على عرشه فوق سبع سموات بذلك العمل إن ربك ليرضي عنك
فإنه حري بالمؤمن ذوي الجاه ذوي الثراء أن يكون قائماً بشؤون المؤمنين ممن أقعدهم الفقر وأقعدتهم المسكنة وأقعدهم العوز وإن الشفاعة في كل هذه الأمور قال عنها صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين وغيرهما " اشفعوا تأجروا " ويقضي الله على لسان رسوله ما يشاء فقال الله جل علا في صحيح المسند " من يشفع شفاعة حسنة يكون له كفل منها " وقد يظن البعض أن الواسطة في هذا الأمر أمر محرم ..
إن الشفاعة إذا اصطلح الناس على بالواسطة يكون حراماً إذا كان فيه بخس غيره من المؤمنين حقه أما إن لم يكن فيه بخساً لحقوق فلا حرج فيه ..بل فيه خير العميم والفضل من الله جل وعلا فاحرصوا أيها المؤمنون كباراً وصغاراً وذوي الجاه وذوي المعرفة منكم أن يقوم بهذا الأمر على أكمل وجه ..
ويتأكد هذا الأمر في حق الموظفين القاعدين على مكاتبهم وفي حق رؤساء الدوائر الموظفين ذي المناصب العالية إذا راجعهم من يغلب على الظن أنه مسكين أو فقير أو لا يستطيع أن يعود أو يعود مرة أخرى يتأكد في حفهم أن يساعدوه إنه من الجرم في حق يأتيك من مكان بعيد ولا يملك سيارة يأتي بها ويعلم الله من وقف في حر الشمس حتى وجد من يوصله إليك ثم تقول له وأنت متكئ على أريكتك وبين يديك ما تحتسيه من الشاي وغيره ائتنا غداً أو بعد غد أو هذه الورقة تحت إلى تصوير وماذا يضيرك لو قمت من مكانك وصورتها له إن كثيراً من الناس يظن أن النظام يمنع هذا .. والله أننا نعرف الأنظمة أولها وآخرها .. ليس فيها ما يمنع ذلك ..
ولكن الناس فطروا غالبهم وحاشاكم أن تكونوا منهم فطر غالبهم على أنهم يحبوا شيئاً من السلطة ويحبوا شيئاً من الكبر ويرى أنه لو دخل المعاملة للمؤمنين لما أصبح مشهوراً ولا أصبح لم يأتي لأحد عنده .. إنه ربما خرج من عندك ذلك المراجع وهو قريب من الله فدعا الله جل وعلا لك أن ييسر أمرك إن تيسر أمور المؤمنين واجب على ولي الأمر وواجب على من هو دونه من المسؤولين وواجب على عموم موظفي الدولة وواجب على كل من بوأه الله مكاناً سواء كان مكاناً حكومياً أو مكاناً خاصاً فإن الرحمة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمر واجب في حق الجميع
أيها المؤمنون إن الطرائق والأساليب الشرعية في هذه الأمر قد يضيق بها الوقت وهي أمور متعددة وأرجو أن يكون فيما قلناه النفع والفائدة ..
لكن يبقي أن تقول ماذا يجني الإنسان من هذا كله ..
وما الذي يناله الإنسان إذا حرص على هذا الأمر فبذل فيه طاقته وجهده .. يكفيك أن تعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال "أرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "
وأن نبيناً صلى الله عليه وسلم قال" لا يرحم من لا يرحم "
وقال صلى الله عليه وسلم لما قال الأقرع بن حابس أتقبلون أبناءكم ؟!
قال : نعم !!
فقال الأقرع : أن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً قط
فقال صلى الله عليه وسلم : أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلوبكم"
إننا جميعاً فقراء إلى رحمة الله جل وعلا وأن من الأسباب الموجبة لرحمة الله تبارك وتعالى فضله أن يكون العبد حريصاً على رحمة إخوانه المؤمنين قائماً بشئونهم متفقداً لأحوالهم يهمه ما أهمهم يحرص على منافعهم وإن العبد إذا وقف في عرسات يوم القيامة شاهداً بين يدي الله جل وعلا ..
وجد ذلك العمل شاهداً له بين يدي الله جل وعلا فينجيه الله تبارك وتعالى بفضله ورحمته
أسأل الله جل وعلا في ختام المحاضرة أن ينفعنا وإياكم بما علّمنا وأن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا وأن يجعلنا جميعاً مؤمنين متراحمين متوادين نقوم بالرحمة ونعمل بها

ونسأله تبارك وتعالى أن يغفر لنا مواطن الزلل وأن يلبسنا من الأيمان الحلل سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين


***
تم بتوفيق من الله وعون
تفريغ محاضرة رفقاء بينهم
للشيخ صالح بن عواد المغامسي
سدده الله

مريم العلي
17-08-2009, 12:13 PM
علماء المدينة
للشيخ صالح بن عواد المغامسي

الحمد لله الذي أحسن كل شئ خلقة وبدأ خلق الإنسان من طين وأشهد أن لااله إلا الله وحده لاشريك له إله الأولين وإله الآخرين وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين .....
أما بعد
فإن الله جل وعلا اصطفى أنبيائه من سائر خلقه قال جل ذكره وعلا اسمه ((الله أعلم حيث يجعل رسالته )) وقال عنهم (( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده )) وختم الله جل وعلا أولئك الصفوة ببعثة سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى " ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما " فلما تعلقت النفوس بذلك الهدي الذي علمه الله جل وعلا أنبيائه قال صلوات الله وسلامه عليه " العلماء ورثة الأنبياء " فمن أراد أن يكون على منهجهم ويسير على طريقهم لزمه أن يطلب العلم الشرعي فيزدلف بذلك إلى ركب الأنبياء وسِير الأخيار من المرسلين وكلهم ذو خير...
أيها المؤمنون
بعض المحاضرات الترتيب الأكاديمي فيها يذهب بهجتها ويضيع البغية منها،، فحديثنا اليوم قد لايكون ذو ترتيب أكاديمي صرف رغم انه يخاطب وينادي في المقام الأول طلبة العلم والمحبين للعلم والمحبين للعلماء فنقول والله المستعان يجب أن يحرر أولا أن العلم فضل من الله ليس محصورا في احد ولا قبيلة ولا مدينه ولا عنصرا ، وجد في الأمة علماء من العرب ووجد في الأمة علماء من الموالي ووجد في الأمة علماء من جزيرة العرب ووجد في الأمة علماء من غيرها فعرف الناس الإمام البخاري ومسلم وغيرهم وبعض العلماء عرف نسبه العربي بل بعضهم هاشمي وبعضهم مطلبي كالشافعي رحمة الله لكن العلم مع ذلك ليس محصورا في احد كائن من كان وإنما هو فضل من الله جل وعلا يؤتيه من يشاء والرب تبارك وتعالى لايخص به احد دون سواه لفضلٍ في ذاته على هذا ساحة العلم مفتوحة لكل احد ليست محصورة في مدينة ولا قرية عن قرية لكن المحاضرة التي نحن بصددها اليوم الترتيب لها قُدّر أن يكون عن علماء مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يقيننا وعلمنا إن العلم ليس محصورا في هذه المدينة المباركة رغم أنها مدينة سيد الخلق وأشرفهم صلوات الله وسلامه عليه 0
الأمر الثاني إن سير العلماء إذا أراد الإنسان أن يتأملها فإن أهل التحقيق يقولون إن هناك ثلاث جهات للنّظر في حياة العلماء هذا النظر ينقسم إلى ثلاث جهات :
الوجهة الأولى : وجهة سيرهم وأخلاقهم وتعاملهم مع الناس .
الجهة الثانية :جهة المنهج العلمي الذي اتبعوه.
الجهة الثالثة :التراث العلمي الذي تركوه .
فمن أراد أن ينظر في سير الأمة الكبار والعلماء الأفذاذ فلينظر من هذه الثلاث فلينظر من سيرهم وأخلاقهم ولينظر في منهجهم ثم لينظر فيما تركوه من تراث علمي والمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام اختارها الله مُهاجرا لخير خلقه وصفوة رسله دخلها صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الاثنين وكان قد هاجر من مكة يوم الاثنين ومكث في الطريق أسبوعين ثم بعد ذلك يوم الجمعة من نفس الأسبوع على الصحيح دخلها بلدةً لأنه كان قد أناخ مطاياه أول الأمر بقباء فبنى مسجده عليه الصلاة والسلام فالمسجد النبوي هو المُنطلق الأول لعلماء المدينة عبر القرون كلها ، هذا المسجد أول من درس فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم وسيبقى بإذن الله شامخا يُتلقى العلم فيه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، هذا المسجد شهد الصحابة وهم يتحلقون حول نبينا عليه الصلاة والسلام والنبي عليه السلام يعلمهم ويحث على العلم ويرغب فيه ويدل الأمة عليه ويقول " أما الأول فأقبل فأقبل الله عليه وأما الثاني فاستحيى فاستحيى الله منه وأما الثالث فأعرض فاعرض الله عنه " لما ذكر الثلاثة الذين رأو حلقته صلوات الله وسلامه علية .
ولهذا كان الإمام عبد العزيزبن باز رحمة الله عليه أيام ماكان عندنا في المدينة قبل أن يذهب إلى دوامه في مكتبة في الجامعة الإسلامية كان يصلي في الصف الأول من الحرم فإذا خرج وبدأت حلقات العلم كان يمُر رحمه الله على كل حلقه حتى يخرج من عهدة حديث " وأما هذا فاعرض فاعرض الله عنه " ثم ينطلق رحمه الله إلى عمله في الجامعة .
هذا المسجد شهد منارات شامخة هذه المنارات الشامخة العلمية هم أحد فريقين :
إما رجلٌ أصلاً من أهل المدينة مولده ووفاته .
وإما رجل قدم إليها ثم سكنها وجاور فيها ونشر ما أفاء الله عليه من علم بها .
وهذا من حيث الإطلالة العامة 00000

التاريخ الإسلامي إذا ذكر والأئمة الأربعة إذا دون تاريخهم لا يمكن أن يهجر أو يترك مالك رحمه الله ومالك رحمة الله قطعا ليس من المعاصرين والمحاضرة عن المعاصرين لكن نبدأ به رحمة الله لأنه عالم المدينة الأول من حيث الشهرة ولذلك يسمى بإمام دار الهجرة وإلا شهدت المدينة من الصحابة ومن غيرهم علماء أعظم من مالك علما لكن مالك ارتبط اسمه بالمدينة لأنه ما تركها وكان يدرس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أحيانا البيئة والمكان يساعد المتكلم كثيرا فمالك يقول عن العلماء ما منّا إلا واردٌ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر ويشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر لا يتأتى لأحد إلا إذا كان يدرس في الروضة التي كان يدرس فيها مالك رحمه الله أو ينقل قول مالك على سبيل الحكاية لكن لايستطيع احدٌ في أقصى الأرض أن يقول مامنا إلا وارد ومردود عليه علاما يشير وإلى ما يرفع يده لكن مالك رحمة الله كان قريبا من قبر نبينا صلى الله عليه وسلم .
موضع الشاهد من ذلك إن مالك يقول الشافعي رحمة الله إذا ذكر العلماء فمالك النجم شرح مالك رحمة الله في المدينة الموطأ ومنه أي من المدينة انتشر الموطأ في أصقاع الأرض وكان أبو جعفر المنصور رحمة الله قد قال لمالك [ وطأ لناس كتابا تجنب فيه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس ] وطالب
العلم الحق المؤصل يفقه هذه الوصية جيدا [ وطأ لناس كتابا تجنب فيه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس ] ومنذ أن كان الناس كان هناك علماء يحملون طابع الشدة في الله ، وهناك علماء يحملون طابع الرخص في الله على بينه على علم ولا يقال لفريق انه متنطّع ولا يقال للأخر انه قد ميع الدين .
لكن الناس في زماننا بعضهم عفـــــا الله عنّـــــــــا وعنهم إذا غلبت عليه الشدة قال فلان ضيع الدين وإذا غلب عليه الأخذ بما يمكن أن يسمى بالرخص تجوّزاً - ليس بالرخص ذات البعد الآخر - يقول فلان تنطّع وعقد الدين.
لكن منذ إن كان الناس كان الاختلاف موجود إما اختلاف تنوع أو اختلاف على حسب فهمهم للنصوص وكلما كان الإنسان في بيئة علميه زاخرة كان الإنكار العلمي عنده قليل جداً وإنما يُكثر من الإنكار العلمي من كان قليل البضاعة في العلم أو كان في بيئة غير مليئة بالعلم لأنه لا يسمعُ إلا رأياً واحدا ، أما المسجد النبوي كان زاخرا بالعلماء مع تنوع رؤيتهم للإحداث وللنصوص فلهذا نشأ القبول من طرف لطرف كما في عهد التابعين والعهد الذي عاش فيه مالك رحمة الله تعالى عليه .
ومالك رحمه الله وطأ للناس كتابا خالف فيه غيره وخالفه غيره لكن كانت الساحة الإسلامية العلمية تتسعُ الجميع لأنه ليس قول فلان بأولى من قول فلان إنما هي نظرات علميه وقد حرر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه {رفع الملام عن أئمة الأعلام } الأسباب التي من اجلها اختلف العلماء وليس هذا موطن ذكرها لكن المقصود بيان البيئة العلمية في المدينة آنذاك ولهذا الطلب العلمي يحتاج إلى نفس ذات روي تخطو خطوةً خطوة لا تُعالج أمورها باندفاع والإنسان كلما كثرُ علمه قلّ إنكاره قل إنكاره للمسائل ذات طابع الخلاف ليست المسائل المقطوع بنُكرانها التي حرمها العلماء مثل الغناء وما أشبه ذلك هذه قضية أخرى أنا أتكلم عن القضايا العلمية التي اتسعت فيها أراء المذاهب الاسلاميه منذ القدم..
فمثلا حلي الزكاة المستعمل هذا منذ أن كان الناس والخلاف فيه مشهور.
ومثلا الجلوس لتشهد الأخير وكيفيته .
هذا في المذاهب الأربعة فيه أربعة أقوال كل إمام استبان فيه قول فهذه المسائل واضرابها لايمكن لمن طلب العلم حقا أن يكثر من الإنكار فيها وإنما في ساحة العلماء يحصل البحث والمناظرة والاستقصاء رفعاً للخلاف و علواً بالهمم وكسباً في المعارف وهذا الذي كان مؤصلا في مجتمع المدينة آنذاك لمل قال أبو جعفر لمالك [ احمل الناس على كتابك قال يأمير المؤمنين لاتفعل فإن أصحاب محمد علية الصلاة والسلام ورضي الله عنهم تفرقوا في الأمصار] ولكل رأيه ودليله ولايمكن جمع الناس إليه ولذلك بعض العلماء لايخوض في الأفضل لان الأفضل كل بحسب رؤيته .
وشيخنا الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى عليه حج مفردا فلما حج مفردا ناقشه سماحة المفتي محمد بن إبراهيم رحمة الله تعالى عليه لماذا تفعل هذا قال أنا لا افعله لأنه الأفضل لان الأفضل مسألة لا تُناقش كل عالم يرى أن الأفضل من وجه ولكنني فعلته عمدا لأرد على من يقول انه يجب أن يتحلل الإنسان من عمرته ولهذا كما قلت انه كلما قل الزاد العلمي كثر الإنكار وترى أحدا يتصدر في مجلس أو على منبر أو على خطبة فيبطل شئ مضى عليه فعل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا يُعقل أن يكون فهمك أعظم من فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
والمقصود من هذا عندما يطرح الإنسان هذا يكون دل على قلة البضاعة في العلم نحن لا نقول انه يجب أن تأخذ برأي زيد أو عمر لا لكن ليس من حق احد أن يفرض على الناس رأياً يعتقد أنه الصواب ويعتقد أن الحق محصورا فيه بل كان الأكابر من العلماء يخشون من هذا وهذا المعنى الحقيقي لقول الأمة الأربعة [ إذا خالف مذهبي قول الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط].
المقصود من هذا تحرير الأمر أول قبل الخوض في ذكر سير علماء المدينة وتحرير مسائل علمية يجب أن يتنبه لها من يطلب العلم .
العلمُ كذلك يحتاج إلى نقل وعقل يحتاجُ إلى نقل صحيح والى فهم وإدراك لهذا النقل قال صلى الله عليه وسلم " رب حامل فقه لمن هو افقه منه " ومالك رحمه الله - ونحن ما زلنا في الحديث عن مالك - أشار إلى سوار المسجد وقال والله أدركت في هذا المسجد أكثر من سبعين والله يستسقى بوجههم الغمام يعني قوم صالحون لا يفارقون المسجد وإن منهم لو أؤتمن على بيت مال المسلمين لوجدته أمينا ولم أأخذ عنهم حديثا واحدا قالوا له لما يا عبد الله قال إنهم ليسوا من أصحاب هذا الشأن يعني عُباد لا يعرفون كيف ينقلون العلم قد يُغرر بهم فكل مجال خلقه الله جل وعلا في فنون الحياة خلق له رجال يحسنونه فليس من الصواب أن يطلب من الأمة كلها أن تكون علماء لان العلماء في الأمة هم الرؤس هم الأكابر ولا يُعقل أن الأمة كلها تصبح على مستوى واحد .
بل قال الله جل وعلا في الجهاد وهو ذروة سنام دينها قال ((وما كان المؤمنون لينفروا كافه )) فالله جل وعلا وزع القدرات فيجب أن يستصحب الإنسان هذا قبل أن يقدُم هو على العلم أو قبل أن يُشير عليه به فليس كل احد يصلح أن يطلب العلم وليس كل احد يجد في نفسه الرغبة والتأهل إلية وإن كان العلم منزلة ذات شرف لا يُضاهى ومجد لا يُبارى ...
نعود فنقول بدأنا بمالك كتوطئة قبل الخوض في علماء أهل المدينة كان شيخنا الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه يقول إن استنباط مالك يوافق الكتاب بل أكثره مأخوذ من كلام الله جل وعلا ولذلك شدد مالك على الرافضة وقال [ ليس لهم في الإسلام شيء من الفيء] محتجا بأن الله ذكر في القران الفيء للمهاجرين ثم قال (( والذين تبوءُ الدار والإيمان )) ثم لما ذكر الفيء في هاذين الفريقين قال جل ذكره بعدهما قال ((والذين جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن )) فمن لم يترضى عليهم ولم يستغفر لهم فليس داخلاً في عمُوم المسلمين الذين يُعطون من الفيء ..
وهذا المنهج في الفهم أخذه الأمين الشنقيطي كما سيأتي في الحديث عن سيرته رحمة الله تعالى . المقصود هذه المدينة كأجواء في عهد مالك رحمة الله والله جل وعلا إذا أراد شيئا هيأ أسبابه فإذا أراد أن ينشر علم احد هيأ أحدا أو غير ذلك مما يساعد على نشر ذلك العلم بشتى الطرائق .
لكن ينبغي أن يعلم انه وإن عرفة الأمة عُلماء مشاهير إلا إن العلم ليس محصورا في فقط في من اشتهر فكم من عالم جليل القدر لايعرفه الناس ولايعني ذلك قدحا في النيات وهذا من الأخطاء الشائعة إن الناس يظنون أن الشهرة مبنية على صلاح النية وان عدم الشهرة مبنية على فساد النية وهذا ليس من الصواب في شيء النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إنما الأعمال بالنيات " أي اجر النية على اجر العمل أما إفادة الناس من العمل فليس معلقا شرطا بالنية.

وحتى تتضح المسألة وبضرب الأمثال يتضح المقال :
لو إن إنسانا عنده مال ثريا جدا وقال أريد أن ابني مسجدا يقول في نفسه فقدرته المالية جعلته يتخذ طريقا أو مكان أو قطعة ارض في كثافة سكانية كبرى ثم بنى فيها المسجد وهو يقول في نفسه بل ربما قال لأقرانه إنا لا أُريدُ بهذا وجه الله إنا أُريد الشهره فكتب على المسجد مسجد فلان بن فلان عمداً قد يكتبها رجل لله ، وقد يكتبها رجل لغير الله وبقدرته المالية جعل مواقف للسيارات وداراً لتحفيظ وأتى بأئمة يحرصُ الناس على الصلاة ورائهم وأتى بمحاضرين يحبهم الناس وأتى بموظفين وانفق عليهم أمولا فحيي المسجد .
فالناس الأمام يرغبون في القراءة ورائه والمسجد مخدوم من حيث المواقف وغيرها وحلقات التحفيظ تعطي مكآفات وهناك سيارات وتقدم وتُؤخّر للمسجد فالناس انتفعوا وإن كان صاحب المسجد لم ينتفع لأنه ما أراد به وجه الله .
وقد يأتي إنسان أراد بعمله وجه الله لكنه لم يوفق للمكان ولم يعان في أمور عدّة فلم يأتي احد مسجده.
فهذه أمور لا ينبغي أن من رأيناه مشهوراً ظاهراً حكمنا عليه جزما بأنه صالح النية نعم نرجو الله أن يكون صالح النية لكن لا يحكم عليه ،، ومن رأيناه مغمورا لا يعرفه احد نُشكك في نيته فهذا كله تطاول وأمور لاسبيل لنا عليها والله تعالى يقول (يوم تبلى السرائر )ولنا من الناس ظاهرهم .
هذا كله ساقنا إلى قضية إن مالك أراد الله أن ينشر علمه وكان من أسباب انتشار علمه أمور عدة لعل من أشهرها:
أن يحيى ابن يحيى الذي قدم إليه من بلاد الأندلس بلاد المغرب طلب العلم أدرك مالك في آخر حياته وكان يحيى هذا منصرفا للعلم وحده وذات يوم جاء فيلٌ في المدينة والفيل حيوان غير مألوف في جزيرة العرب رؤية فانصرف الناس خرجوا من المسجد يشاهدون الفيل يتسامعون ويتناقلون هناك فيل ومالك كان ذا سمت ووقار وهيبة في مجلسه يقال عنه كما في مقدمة الموطأ 00
يأتي الجواب فلا يراجع هيبة والسألون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المهاب وليس ذا سلطان
فخرج كل من في المسجد إلا مالك ويحيى ابن يحيى رحمة الله بين يديه قال يُبني علاما لا تخرج إلى ما خرج إليه الناس قال إنني قدمت من بلادي لأراك واخذ عنك العلم ما قدمت لأرى الفيل فأُعجب به مالك فصار يدخله بيته فأخذ علما عن مالك وقُدّر له أن يرى الليث ابن سعد قرين مالك لكنه سكن مصر وكان الليث على دابته فقام يحيى هذا وهو يومئذ شاب فقاد الدابة لليث وهو لا يعرفه - أي الليث لا يعرف يحيى - فدعا له - ولعلها وافقت ساعة إجابة - قال له يا بُني أُنظر دعاء العلماء قال [ يا بُني خدمك العلم] - هو الآن قدم عالما - قال[ يا بني خدمك العلم] فلمّا توفي مالك وفرغ يحيى ابن يحيى من رحلته عاد راجعا إلى بلاد المغرب وفي الطريق مرّ على بغداد فجلس يحدث بها مأخذه عن مالك فأخذ مسلم ابن الحجاج كثيرا من علم يحيى ولهذا جلّكم قرأ في الصحيح ترى أن مسلم يقول حدثنا يحيى ابن يحيى ثم يسوق السند عن مالك مثلا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رجع إلى المغرب أي إلى الأندلس - تُسمّى المغرب آنذاك - وسكنها يحيى ابن يحيى كان رجلا محبوبا فحصلت له بعض القضايا مع السُلطان فقربة السلطان فأصبح السلطان لا يعين أحدا في قضاء إلا بتزكية من مــن ؟ إلا بتزكيةٍ من يحيى ابن يحيى فيضطر الطلاب أن يدرسوا عند يحيى ابن يحيى وهو يدرسهم علم مالك فانتشر علم مالك في المغرب إلى اليوم وظهر هناك ابن عبد البر رحمة الله تعلى عليه أعظم من خدم المذهب المالكي كما في التمهيد.
الذي يعنينا هذه جملة عن الأحداث التأصيليه عن رجلٍ ولد في المدينة وتوفي بها هو مالك رحمه الله تعالى رحمة واسعة وهو مدفون بالبقيع رحمه الله تعالى رحمة واسعة .....

أما المعاصرون من العلماء فلا ريب إن الله جل وعلا منّ على جزيرة العرب بلّم شملها على يد الملك عبد العزيز غفر الله له ورحمه والأمن السياسي إذا وُجد أعظم ما يعين على طلب العلم لأن الناس إذا خافوا أو جاعوا انصرفوا إلى ما يزيل خوفهم أو إلى ما يزيل جوعهم فيقّل شغف الطلاب بالعلم .
من ابرز العلماء:
الإمام الشنقيطي رحمة الله تعالى علية وهذا الرجل أصله من بلاد شنقيط وموريتانيا كبلد يسكنها عرب وعجم يخدمون العرب واللغة العربية لكلا الفريقين وفيها قبائل بعضها انشغل بالإغارة على عادة القبائل والتنافس بينها والتنازع ،، وبعضها انشغل بالتجارة مع طلب العلم ،، ومن القبائل التي في موريتانيا التي انشغل أبنائها بطلب العلم الجكنيون الذين منهم الشيخ وأصولهم من حمير من اليمن.
هذا الرجل رحمة الله تعالى علية ولد هناك ثم حفظ القران بعد أن عاش يتيما وعهدة به أُمة وعنيت به عناية عظيمة وهي رسالة للآباء والأمهات أول من يغرس طلب العلم في الأبناء هم الآباء والأمهات بالتشجيع فلمّا حفظ القران رحمه الله فرحت به أُمة فرحا شديدا ثم بعثته يأخذ بعض الفنون فهو يقول رحمه الله تعالى زودتني بمتاعين أو مركبين : مركب فيه كتبي ومركب فيه زادي ومتاعي وجعلت معه خادما معه بقرات وأرسلته إلى القرى والمدن التي فيها العلماء آنذاك في شنقيط فحصل على علم جمّ فرحت به امة و أخواله وكان له خال عالم يُعلمه والإنسان أحيانا يبغض من يحسن إليه دون أن يشعر لان أي إنسان يمر بمراحل زمنية فالشيخ رحمة الله ذات يوم مرض خالة فارتاح قليلا من عناء الطلب فمر على خاله وهو مريض فأضحى يقول متى يموت حتى ارتاح من الطلب ثم برئ الخال وأكمل المهمة ،المهم أخذ العلم عن غيره .
أعظم ما عني به الشيخ وهذا لُب الحديث في اللقاء كله أن الله وفقه لأن يعرف قدر القران فكانت عنايته التامة بكلام الله جل وعلا ومن أراد الله به خيرا جعله يفقه كلام ربه تبارك وتعالى إذ أن أعظم مقصود من العلم هو العلم بالله جل وعلا ولايمكن أن يعرف الله إلا بكتابه إذ لا أ حد أعلم من الله ولا أحد أعلم بالله من الله .
فالسبيل الأول الذي كل سبيل مندرج فيه هو معرفة ايآت الكتاب حتى تدلك على الملك الغلاب جل جلاله فعُني الشيخ رحمه الله برجز كان لعلاّمة شنقيطي اسمه العلامة محمد يعرف بالبحر هذا الرجز ذكر فيه العالم ذلك منظومة في قضية الآيات المتشابهة في القران رسماً أو تلاوة لفظا أو تلاوة التي يتكرر أكثر من مرة فعُني بها وهو شاب فلما أكملها مالم يتعرض له العالم دوّنه الشيخ وتبع العالم البحر على نفس منواله وزاد عليها رحمة الله تعالى عليه .
فمثلا قال الله جل وعلا في سورة سبأ ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل ) فكلمة أشياع تكررت في سوره القمر ( ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مّدكر ) في سورة القمر جاءت بضمير المخاطب (أشياعكم ) وجاءت منصوبة لأنها مفعول لأهلك ،
وفي سورة سبا جاءت للغيبة (كما فعل بأشياعهم ) وجاءت مجرورة لأنها مسبوقة بالباء فالشيخ رحمة الله زيادة على تلك المنظومة التي عني بها قال رحمه الله

في سورة القمر خاطب وانصبَ وجُرهُ وغيبنهُ في سورة سبأ

أي أن هذا الفظ في سورة القمر خاطب به وانصبه وفي سورة سبأ اجعله على ضمير الغيب وجرة كما هو صريح القران .
المقصود بدأت العناية بالقران ثم منّ الله عليه بعلم التفسير ثم قرر أن يقدم إلى الحجاز حاجاً وإذا أراد الله بأحد خيراً أعطاه فوق ما يؤمل بلقيس خرجت من اليمن إلى بلاد فلسطين تبحث عن ماذا ؟ كيف تحافظ على مُلكها تطمئن سليمان أنها لا تنازعه فردّها الله وقد أسلمت أعطاها الله فوق ماتؤمل ،،،
وبعدها الكليم موسى عليه السلام ذهب يبحث عن جذوة من النار فعاد وهو كليم الواحد القهار فالله جل وعلا ذو منة وفضل على عباده فهذا الرجل خرج من بلاد شنقيط كل الذي يريد أن يحج ويعود فقُدّر له أن يحج فلما حج في منىً بقدر الله تكون خيمته بجوار خيمة الأمير خالد السد يري وعبد الرحمن السديري وفي أيام منى حصلت مناقشات علميه حول الأبيات فسمعهم قد اختلفوا فأستأذنهم أن يدلو بدلوه فأذنوا فلما اذنوا وجدوا علما جمّا وبحراً لا ساحل له فقرّبوه وعُرض أمره على الملك عبد العزيز رحمة الله تعالى فأمر له بالجنسية له ولمن في كفالته ومن قرابته ثقةً في الشيخ وإكراماً له فكانت سببا في أن يستوطن الحجاز ثم منّ الله جل وعلا بعد ذلك لمّا لم تكن في ارض موريتانيا الكتب منتشرة كانتشارها ها هنا وليست مطبوعة متداولة في كثير من الأمور لم يقع على يد الشيخ المغني لأبن قدامه وهو هناك وأهدي له من قبل إمام الحرم آنذاك الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمة الله تعالى عليه فكان نظره في تفنن المذاهب زاد على حصيلته التي حصل عليها في موريتانيا فأسهمت في إيجاد حصيلة علمية له رحمة الله تعالى عليه.
هذا من حيت الإجمال وسنقف وقفات مُعينه مع سيرته أعظم السير ، أعظم ما جاء في سيرته رحمه الله عنايته بالقران كان يقول السنة كُلها في أية واحدة (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوه ) درّس في الرياض ها هنا وحاضر مرة في مسجد وممن حضر المحاضرة الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله فشرح العقيدة شرحاً علميا مؤصلاً فلمّا فرغ والعلماء يعرفون بعضهم بعضا قال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ رحمه الله جزى الله عنا الشيخ محمد الأمين خير الجزاء - ثم ماذا قال ؟- قال الجاهل عرف العقيدة يعني من حضر المجلس وهو ليس معدوداً من العلماء الآن عرف العقيدة الجاهل تعلم العقيدة طبعاً الشيخ عبد اللطيف عالم لا يستطيع أن يقول والعلماء تعلموا العقيدة كيف صاروا علماء وهم لا يعرفون العقيدة قال رحمه الله والعالم تعلم الطريقة والأسلوب أي التي يُعلم بها الناس لكن هذا مبني على حرص الشيخ على علم الآلة لا يمكن لأحد أن يطير قبل أن يُريش هناك طرائق وأساليب حتى تصل إلى غايتك لكن الإغراق في علوم الآلة يُضيع الهدف فإذا علم الآلة أخذ شطر عمرك ماذا بقي للهدف وإن لم يأخذ علم الآلة من جهدك شيئا مُحال أن تصل إلى هدفك لابد الإنسان أن يجمع ما بين علم الآلة في التقديم الأول يؤصل نفسه ثم بعد ذلك ينتقل إلى العلم الشرعي محال أن يتصدر الإنسان وهو لايعرف شيئا عن لُغة العرب ولاعن شعرهم ولا عن آدابهم ولا أسلوب كلامهم هذا محال ولا أن يعرج على شيئا عن تاريخهم الشيخ الأمين قبل البلوغ له أقران يتنافسون فألف منظومة في النسب في نسب بني عدنان وسماها {خالص الجمان } فلما بلغ وجرى عليه قلم التكليف أخذها وحرقها ودفنها فلامه مشايخ عصره فقال رحمه الله إنني لم أدونها لله دونتها لمنافسة الأقران فلذلك أخفيتها فقال له العلماء يمكن تحسين النية لكنه رفض وبقيت مخفيه إلى يومنا هذا لأنه عندما صنعها كان يغلب عليه انه كان ينافس أقرانه في الطلب 0

أقول العلم بالقران قبله العلم بالآلة والعلم بالقران مفتوح يقول على رضي الله عنه وأرضاه "إلا فهما يؤتيه الله من يشاء في كتابه " فباب العلم في القران مفتوح لان الله جل وعلا كتابه اجّل من أن يحوي فهمه صدر رجل واحد لكنه يبقى على مر العصور ينهل منه العلماء فهو كلام رب العزة والجلال .
نقول عني الشيخ عناية عظيمة بالقران تأصيلاً وشرحاً ويستطرد كثيراً حتى يستفيد الطلاب من شتى الفنون ويجعل القرآن هو المرجع وقد خاطبه الشيخ عطية سالم رحمة الله تعالى عليه وهو تلميذه النجيب الأول فقال إن القرآن هو جامع العلوم ومنه انطلق إلى شتى فنون العلوم إذا أردت أن اشرح فأتكلم في الفقه وأتكلم في الأصول وأتكلم في التاريخ وأتكلم في الحديث وأتكلم في اللغة وكلٌ يأخذ منا بطرف وهذا يحتاج إلى رجل ذي سعة في العلم كما كان الشيخ الأمين رحمة الله تعالى عليه.
هذه العناية بالقران هي التي فيما يغلب على الظن ولا نزكي على الله أحدا أسهمت في وصول الشيخ إلى تلك المنزلة العلمية العظيمة التي وصلها في عصره مع هذا كله كان الرجل يتقي الله في الفتوى تقوىً عظيمة بل في أخريات حياته كان يتحرج من الفتوى وكان يقول إن الفتوى نوع من البلاء والعاقل يكون من البلاء في عافية.
وقد قلت في محاضرات عدة إن وفد من الكويت حضر إليه رحمه الله في أخر أيامه يسألونه عن مسألة أظنها كانت عن البرلمانات فلما دخلوا علية يسألوه وهم قد شدو إلى علمه الرحال اعتذر عن الإجابة فلما أكثروا علية كان مضطجعاً كما يقول ابنه الشيخ عبد الله وهو حاضر وهوالذى أخبرنا بهذا يقول فأصلح جلسته ثم قال أُجيبكم فيها بكلام الله فكأنهم فرحوا فقال قال الله قال الله تعالى (ولا تقف ماليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل اؤلئك كان عنه مسؤلا) فلما أكثروا عليه وهذه الكلمة لازمته في آخر حياته قال قال العلماء كذا وقال فلان كذا ويضع أصبعه على رقبته ويقول أما أنا فلا أُحمّل ذمتي من كلام الناس شيئا لا ادري.
وأنت ترى اليوم من يبحث عن من يسأله ومن يتجرأ على السؤال ومن يكون لديه قدره على المجابهة لكن ليس لديه قدره على أن يرجح وحتى أن وصل إلى أن يرجح تجده يسُفه أقوال غيره.
يقول أحد أعضاء هيئة كبار العلماء حججت معه لقيته في الحج مرة يقول درسنا الشيخ في الرياض في كلية الشريعة فذكر قول لأبي حنيفة فكأنة أطال فأعترض أحد الطلاب وأراد أن تمضى المسألة قال يا شيخ وان قال أبو حنيفة فغضب الأمين رحمة الله تعالى عليه يقول وضرب اللوح بيده مراراً وقال للطالب أنت لا توازي شراك نعل أبو حنيفة أبو حنيفة أمام رضيت أو لم ترضى ثم قال بعد أن هدأ روعه وخف غضبه قال يابنى أبو حنيفة إمام وليس لزاماً أن نأخذ بقوله لكن عليك أن تحترم رأيه فالأمة شهدت له بالعلم والقبول وشهد لهُ أفذاذ من العلماء ليس أنت عندهم بشيء والعاقل ما يهدم شيئا قد تم ولا يجابه شيئاً أُجمع عليه ولا يواجه تيار صعب فكيف يضع نفسه أمام هذه القمم الشامخة يُسّفهها ويُقلّل من علمها ويُقلّل من علو منازلها التي أعطاها الله جلا وعلا إياها .
والحرص على احترام من سبقك من العلماء أو من عاصرك من أعظم الدلالة على تأصُل العلم فيك ، رُزق الرجل مع هذا العلم تقوى من الله عجيبة كان يقول قدمت من بلادنا بكنز لا أريد افقده أو أن أضيعه وهو القناعة ولذلك لم يُقدم يوما طلباً في زيادة مرتبة ولا في رفع درجته ولم يسأل يوما أحدا مالا وما أعطي من مال من غير سؤال أخذه وقبله ثم يوزعه ومات ولم يورّث شيئا وقد كنت اسكن على مقربة تامة من داره وعندما مات كنت تقريبا في الثاني عشر أو الحادي عشر من العمر آنذاك غفر الله له ورحمه .

الذي يعنينا الآن قضية حياة العلماء وهي قضية الاتصال بالله تبارك وتعالى
والعظيم من يستشعر الأمر قبل أن يقوله للناس جلس مرة والله في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يُريد أن يفسر قول الله (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وكان من طريقته إن هناك تالي للقران يتلو القران ثم الشيخ يفسر فردد الشيخ الآية (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وأخذ يبكي حتى أذن المؤذن لصلاة العشاء لم يفسر أية واحدة .
إن من أعظم ما يرزقه العالم القناعة أو العلم التام بما يقول لكن إذا كان الرجل يتكلم من لسانه حتى ولو انتفع به الناس لا ينتفع هو بأجر علمه فقد يكون هناك لبيب خاشع خاضع في المجلس ينفعه الله جل وعلا بما قلت لكن أيُ كرامة هذه عند الله ضائعة إذا كنت ينتفع الناس بما تعلم ولا تنتفع أنت به بين يدي ربك.
والله جل وعلا لما أراد من أنبيائه العظام أن يقول شيئا على علم به حقا قال في حق إبراهيم (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ) .
ولما أراد أن يتم نعمته على نبينا صلى الله عليه وسلم عرج به إلى سدرة المنتهى فرأى صلى الله عليه وسلم الجنة والنار حقاً حتى إذا حدّث عن الجنة وعن النار أصبح صلى الله علية وسلم يُحدث عن علم صلوات الله وسلامه عليه.
ليس العلم أن يأتي المحاضر أو الداعية أو الخطيب أو الموفق إلى كلمات يقرأها يحضرها قبل المحاضرة ثم يقولها للناس ، العلم الحق أن يستشعر بها في نفسه وأن يعمل بها بينه وبين الله حتى إذا قالها للناس خرجت من قلبه قبل لسانه فالإمام أحمد رحمه الله لما كتب المسند مر على حديث أن النبي إحتجم وأعطى الحجام كذا درهم فذهب واحتجم وأعطى الحجام مثل ما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثم كتبه في مسنده رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة

معشر القراء يا ملح البلد من يصلح الناس إذا الملح فسد

والله جل وعلا يقول (( واتلوا عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها )) ثم قال جل وعلى يضرب مثلا لعالم السوء الذي عنده علم ولم يعمل به قال الله (( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث )) قال بعض أهل العلم والعلم عند الله في بيان هذا أن الله جل وعلا لما أهبط آدم إلى الأرض أمر إبليس نزغ في السباع أن تؤذي آدم فكان الكلب يوم إذاٍ سبع كاسر فجاء جبريل وأوصى آدم أن يمسح على رأس الكلب حتى يتقي شره فمسح آدم على رأس الكلب فمات قلبه أي مات قلب الكلب فخرجت منهُ السبعيه التي أوجدها الله فيه ولهذا الكلب الآن إذا غلبت عليه مسحة أدم يحرسك وإذا غلبت عليه نزغات الشيطان يفترسك فيقع منه النفع ويقع منه الأذى ولا يوجد هذا إلا في الكلب .
أما الحيوانات بعضها أليف وبعضها سبع وفوارس كاسرة مؤذية إلا الكلب يجمع مابين كونه سبعي ومابين كونه أليف ولهذا أباح الله جل وعلا صيده فهو ميت القلب لا يركن إلى طبع فجعل الله جل وعلا عياذاً بالله عالم السوء كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .
وهذا العلم الذي يحفظه العلماء في صدورهم إما أن يكون لهم بين يدي الله حجه لهم يؤجرون على ما قالوه أو أن يكون عياذ بالله حُجه عليهم وقد قال الله جل وعلا (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) لكن الناس يقرؤن هذه الآية من آخرها ويعلقونها في الفصول والمدارس والكليات والسيارات ولا تُقرأ هكذا إنما يقرأ أولها وهذه الآية جاءت تذييل ولم تأتي تأسيس فمن الذين يعلمون الذين قال الله إنهم لا يستوون مع الذين لا يعلمون ليس الذين يحفظون المتون ويتكلمون ارتجالا أو ما أشبه ذالك قد يكونون منهم لكن العالم الحق من وقف يبن يدي الله عز وجلا في ظلمات السحر يسأل ربه ويرجوه ويدعوه ويتوسل إليه كما كان شأن محمد صلوات الله وسلامه عليه.......

فبادره وخذ بالجد فيه فإن أتاكه الله انتفعت
فإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس انك قد رؤست
فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملت

نعود فنقول هذه العناية الأولى ...
والعناية بلغة العرب وهي مبنية على الأول وقد تكلمنا عنها استطراداً في إن الشيخ رحمه الله كانت له عناية كبيرة بلغة العرب لأنها الطريق إلى القران وقد ذكر في سيرته انه لما مرّ على السودان سأله بعض طلبة العلم عن أخر كتاب قرأه فقال أخر كتاب قرأته{ ديوان عُمر ابن أبي ربيعه} فأغتاظ الناسُ غضبا لأن ديوان عمر ابن أبي ربيعه في الغزل وهو لا يُظن به أن يقرأ في مثل هذا فقال رحمه الله مجيباً استعين به على فهم كلام ربي فالعلم بما دونه الشعراء العرب خاصة في عصر التدوين الأول الذي يُستشهد به يُعين المرء على فهم كلام الله تبارك وتعالى .
الشيخ رحمه الله توفي في مكة المكرمة كان معه سائقه في ليلة مزدلفة قال له السائق أو في صبيحة العيد إنني رأيت رؤيا رأيت النبي قد مات فتوقف الشيخ قليلا فقال السائق إنني رأيت النبي قد مات لكنه ليس النبي كأن الشيخ غضب قليلا قال ما أدراك انه ليس النبي قال عندما نظرت لم يكن هيئة النبي صلى الله عليه وسلم فتغير وجهه فأحس السائق الذي قص الرؤيا انه أحرج الشيخ فقال لعلها ليست رؤيا لعلها أضغاث أحلام قال لا لا هي رؤيا ويقضي الله ما شاء خيرا إن شاء الله ثم مات بعدها بثلاث ليالي أو أربع.
وتعبيرها أن العلماء ورثة الأنبياء والشيخ كان يعلم من نفسه انه اعلم أهل زمانه وان كان لا يدّعي هو بنفسه فلما اخبر أن النبي قد مات أي أن عالم هذه الأمة آنذاك سيموت خاصة إن الرائي قال لم أرى هيئة النبي صلى الله عليه وسلم لكن وقع في نفسي انه نبي فمات رحمه الله في مكة المكرمة وبها دفن وترك علماً جمّا ونحن لا ندعي لا له ولا لغيره العصمة لكن نذكر رجلاً علما نحسبه عند الله كذلك والله اعلم بسريرته نسأل الله لنا وله غفران الذنوب وهذا واحداً من أشهر علماء المدينة في هذا العصر .

ومن علماء المدينة في هذا العصر علماء آخرون لكننا نذكر إجمالا عن بعض ماقدموه منهم الشيخ صالح الزغيبي وهذا كان إماما في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُضرب به المثل في قضية المحافظة على الإمامة صلّى في مسجد رسول الله 25 سنه لم يغب فرضاً واحداً وكان يصلى الفروض الخمسة كلها وذات يوم جرت عادته أنهُ يدخل المسجد قبل الآذان الأول فيُوتر ثم بين الآذان والإقامة ينتظر الإقامة ثم يصلى ووضع وقتا محدد يعرفه الناس متى يقيم الصلاة فلما قام ليتوضأ بين الآذان والإقامة لدغته عقرب فشعر فلما توضأ أخذ يتصبر حتى يصلي بالناس وعجز أن يبعث أحداً إلى الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله الذي أخذا الإمامة بعده إلى أن يصلى بالناس ولم يُرد أن يقدم إقامة الصلاة حتى لا يتضرر من تعود على وقت الإقامة ثم صلى بالناس فلما فرغ من الصلاة خارت قواه وسقط ثم أُسعف رحمة الله تعالى عليه .
ويقولون عنه خلال 25 سنة انه لم يسهو قط في صلاته ولم يُنقل عنه انه سها مرة واحدة وهو يصلي بالناس الفروض الخمسة 25 سنة و زاره ذات مرة إمام الحرم المكي في زمانه وقال أنا ارغب أن أصلى فرض واحداً هنا حتى اشعر إنني صليت في الحرمين إماماً فمنعة وقال لا يُقدم ولا أوثر بهذا المكان احد حتى ضعف في أخر أيامه.

فصلى بعده الشيخ عبد العزيز بن صالح رحمه الله وقد صليت ويمكن بعض منكم كثيرا صلى وراءه وهو توفي تقريبا قبل حوالي عشر سنوات والشيخ عبد العزيز رحمه الله صلى في حرم رسول الله 45 سنه وهو أكثر أهل زماننا وأكثر أندادنا وأقراننا صلى وراءه وهذا الرجل يقول عنه الشيخ عبدالله آل بسام في ترجمته لعلماء نجد انه رجل غلبت شخصيته على علمه كان قوي الشخصية جدا ًوهذه بين قوسين تحملوها ( كان أحب خلق الله إليّ إلى يومنا هذا)، وأنا نشأت متأثرا ًبه إلى ابعد درجه رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة .
وكان فيه قوة شخصيه لا يمكن أن تراها في أحد وله في ذلك أخبار وقصص ليس هذا موردُها لكن منّ كان عالماً عارفاً ببعض الأمور الخاصة يعرُفها عنه رحمةُ الله تعالى عليه رحمةً واسعة كان رجُلاً مُهاباً بشيءٍ لا يكاد يتصورهُ أحد ، إلا أنّ أعظم مزيةٍ فيهِ يقول الشيخ إبراهيم الأخضر القارىء المعروف يقول لو أنّ هُناك جسد خُلي من الحسد لكان الشيخ عبد العزيز بن صالح .
الإنسان جبلّة يا أُخي لا يُحب يحب أن ينافسه احد في شيء عُرف به وهذا الرجل كان إماما في حرم رسول الله فالذي أذن لكثير من المشايخ أن يدرسوا رغم اختلاف أعراقهم وبعدهم بعضهم ليس من السعودية أصلا وسعى في تمكينهم هو الشيخ عبد العزيز بن صالح .
صلى ذات مرة في مسجد قباء وكان الشيخ على الحذيفي حفظه الله الإمام الآن يصلي إماما في قباء فأعجبه أداء الشيخ وصوته فلما فرغ يقول الشيخ علي نفسه يقول قُمت أسلم عليه فلمّا سلّمت قال لي يا بُني إن شاء الله نجيبك في الحرم ثم يقول بعد مدة اتصل بي وقال ترى كلمنا المسؤلين ووافقوا تعال صلي في الحرم .
العادة أن الأئمة من جهة ثانيه يُكلفون بالحرم فإن يأتي إنسان مسئول عن الحرم يأتي بأئمة لا حرج لكن إمام الحرم نفسه يبحث عن أئمة حسن الصوت قوي الأداء متقن هذا قليل ثم في عام 1411 هـ أو 1410هـ الشيخ محمد أيوب لم يكن يعرفه أحداً من الناس إلا أهل المدينة في المساجد والشيخ يوم ذاك كان يصلى بالناس التراويح فقال له احد أبنائه إن الشيخ محمد أيوب شيخٌ حسنُ الصوت وهو لا يعرفه قال يا بني اسمعني صوته هذا الكلام 28 شعبان حتى تعرف القوة فلمّا سمعه ارتاح لقرأته قال لابنه أأتني بالشيخ محمد أيوب يقول الشيخ محمد أيوب فاستدعاني يوم 28 شعبان وأنا انتظر التكليف أن أصلي إماما في مسجد القبلتين قال يا بني إن شاء الله تصلي معانا بكره ليلة رمضان تصلي بالناس فأنظر شخص يناديك طبعا أنت تعرف إمامة الحرم هذه تمر بوزارات في الدولة معروفه ويحتاج إلى إذن لكن الشيخ كان من قوتهِ وسلطانة ونفوذ كلمته في البلد واحترام ولاة الأمر له ، له شأن عجيب ولأجل ذلك قلنا لم ترى أعيننا كلنا أهل المدينة رجل في مثل شخصيته قال إن شاء الله بكره تأتي تصلي في الحرم إمام فجاء الشيخ لما نودي برؤية الهلال قدمه يصلي فجاءت بصراحة كذا بعض الاعتذارات من ضعفاء الإيمان أو ضعفاء العلم فأبقاه حتى نهاية الشهر قال له يا بني من صلّى هو الذي يُختّم وهو يستطيع أن يُختّم الشيخ فدعاه لأن يختم القران ويختم بنا وصلينا وراءه تلك العام رحمة الله تعالى عليه ..
وهذه الأمور تدل على عظمه في النفس وجلاله في القدر وحب الخير للناس وأنا ذكرتُ شيئا مما يُستساغُ نشره و إلا ثمّة أمور كثيرة تُبين علو قدر الرجُل وهيبة لا يعلمها إلا الرب تبارك وتعالى في ذلك العبد الصالح وكان الناس يحبونه حبا جمّا لقدرته على تغيير المنكر ولنفوذ أمرة وقوة سلطانه رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة ...

من علماء المدينة كذلك الشيخ محمد المختار الشنقيطي رحمه الله والد الشيخ محمد المختار المعاصر الفقية الواعظ هذا والده توفي عام 1405هـ وكان يدرس السُنن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن رحمة الله به وهي ذُريه بعضُها من بعض أن الشيخ محمد المختار الآن الأبن يدرس في حرم رسول الله صلى الله علية وسلم .

الشيخ أبو بكر الجزائري حفظه الله تعالى ومتع به وختم له بخير له قرابة 50 عام يدرس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رجل عليه نور الإيمان ولا نُزكي على الله أحدا وله فضل واسع خاصة في وعظه للعامة وله أثرٌ كبير في كل من يحضر دروسه تُرقق القلوب وتُذرف العيون في درسه وقد منّ الله علية بان هدى الله جل وعلا على يديه خلقاً جمّاً رحمه الله تعالى رحمه واسعة....

هذه نتف وشذرات من هنا وهناك عن بعض علماء مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نُريد أن نصل أليه ختاماً أننا لا نريد أن نذكر أقوالا أو تواريخ لكن نقول لكل من يطلب العلم يكون حريصاً في أخلاقه وسيره مع الناس لا يتشوّث بالمال فان المال من أعظم مُهلكات طالب العلم ،، وفي نفس الوقت يحرص على ألا يكون يبتغي الشهرة ولا يلتمسها على أن التأصيل العلمي الذي دوناه في الأول ينفع كذلك هذا ماتيسر إيراده وتهيئ إعداده وأعان الله على قوله..

مريم العلي
17-08-2009, 12:24 PM
لقاء الشيخ صالح المغامسي في معكم على الهواء بتاريخ 15 /3 /1428 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ رب العالمين والصلاةُ والسلام على نبينا مُحمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين
أخوة الإيمان في كُل مكان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
ليس شيءٌ أنفع للعبد في معاشهِ و معادة وأقرب إلى نجاتهِ وسعادتهِ من تدبُر القرآن وإطالة النظر فيهِ وجمع الفكر على معاني آياتهِ فإنها تُطلعُ العبد على معاني الخير والشر وعلى حال أهلها وتُريهِ صورة الدُنيا في قلبهِ وتحضُرهِ بين الأمم وتُريهِ أيام الله فيهم فيرى غرق قوم نوح ويعلم صاعقة عاد وثمود ويعرف غرق فرعون وخسف قارون ، بتدبُر القرآن يعيشُ المرءُ مع الآخرة حتى كأنها فيها ويغيبُ عن الدُنيا حتى كأنهُ خارجٌ عنها فيصيرُ في شأن والناسُ في شأنٍ آخر ((وإذا تُليت عليهم آياتهُ زادتهُم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون )) لقد أنزل الله القرآن من فوق سبع سماوات لتدبُر والتعقُل لا لمُجرد تلاوتهِ والقلبُ لاهِ غافل (( كتابٌ أنزلناهُ إليك مُباركٌ ليتدبرُوا ءاياتهِ وليتذكر أُولي الألباب ))
أخوة الإيمان مع القرآن الكريم الذي نسأل الله العلي القدير أن يجعلهُ ربيع قُلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا { آيـــــــــــــــاتٌ وعظــــــــــــــــات } هذا هو عنوان حلقة هذا اليوم من برنامج معكم على الهـــواء في حلقةٍ على الهواء مُباشرةً من إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية نُرحبُ كثيراً بضيفنا الكريم فضيلة الشيخ صـــالح بن عواد المغامسي عضو هيئة التدريس في كُلية المُعلمين في طيبة الطيبة وإمــام وخطيب مسجد قباء في المدينة المنورة أهلاً وسهلاً فضيلة الشيخ صـــالح .


حياكم الله شيخ خالد وحي الله الأخوة المُستمعين والأخوات المُستمعات وأسأل الله لــي ولكُم التوفيق والسداد

اللهُم آميـــن ونسأل الله العلي القدير أن ينفع بكم وأن يجعل ذالك في موازين حسناتكُم كما نسألهُ عز وجل أن يجعل القرآن ربيع قُلوبنا نور صدورنا وجلاء همومنا وذهاب أحزاننا .
اللهم آميـــــــن
فضيلة الشيخ صــالح مرةً أُخرى يتجدد الترحيب بكُم وأهلاً بكُم في إذاعة القرآن الكريم وشُكراً لكم على قبول دعوة البرنامج ونسألهُ عز و جل أن ينفعنا دائماً بما نقول ونسمع إنهُ على كُل شيءٌ قدير ..
حفظكم الله { آيــــــاتٌ وعظــــــات } هذا هو عنوان هذا الأسبوع من برنامج معكم على الهواء يتساءل البعض عن كيفية الإجابة عن الأشكال الظاهرة من قولهِ تعالى عن نبيهِ شُعيب (( وإلى مدين أخاهُم شُعيبا )) بينما قال سُبحانهُ في سورة الشعراء (( كذّب أصحابُ الأيكة المُرسليِن * إذ قال لهُم شُعيبٌ ألا تتقون ))

فضيلة الشيخ صــالح وجه الإشكال لمّا قال في سورة هود ((أخاهُم )) ولم يقُل ذالك في آية الشُعراء نبدأ بهذهِ الوقفة حفظكُم الله ثم يتدرج الحديث معكُم عن باقي الآيات وباقي العضات في هذهِ الحلقة المُبــــــــاركة ؟؟؟

الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مُباركاً فيهِ كما يُحبُ ربُنا ويرضى وأشهدُ أن لا إله إلا الله شعارٌ ودثارُ ولواءُ أهل التقوى وأشهدُ أ، سيدنا ونبينا مُحمدٌ عبدهُ ورسولهُ صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وأصحابهِ وعلى سائر من أقتفى أثرهُ واتبع منهجهُ بإحسانٍ على يوم الدين أما بعد ....
فما ذكرتمُوه من الإشكال الظاهر في قول الله جل وعلا (( وإلى مدين أخاهُم شُعيبا )) مع قوله سُبحانهُ وتعالى (( كذّب أصحابُ الأيكة المُرسليِن * إذ قال لهُم شُعيبٌ ألا تتقون )) فلم يذكُر الله نسبتهُ إلى الأخوة والجـــــــــواب عن هذا الإشكال :
أن الله جل وعلى في الآية الأولى والتي هي في سورة هود نسبهُم الله جل وعلا إلى القبيلة أو إلى المكان فكلمة مدين تُعنى بالقبيلة التي ينتسبُ إليها شُعيب وقومهُ وتُطلق كذالك على المكان الذي هُم فيهِ ونُسبتُها إلى القبيلة أقوى إذاً مدين هذا رجُل تنتسبُ إليهِ أُمة من الأُمم ولا يخلوا شُعيبٌ أن يكون واحدٌ من أبناء أحفاد مدين فهو يجمعهُ مع قومهِ أُخوة النسب فلمّا نسب الله جل وعلا قوم شُعيبٍ إلى جدهم ذكر بأن شُعيباً أخاهُم فقال (( وإلى مدين أخاهُم شُعيبا )) والتقدير واذكُر إذ أرسلنا إلى مدين أخاهُم شُعيباً .
أمّا في سورة الشُعراء فقد نسب اللهُ أُولئك القوم إلى المُعتقد الذي يعبدُونهُ وهي تلك الشجرة التي أتخذُها من دون الله فلمّا نسبهم الله جل وعلا إلى الأيكة وعبّر عنها هُنا بالأيكة نسبهُم إليها نفى عنهُ جل وعلا عن نبيهِ الأخوة فقال ((إذ قال لهُم شُعيبٌ )) لأنهُ لو قال هنا أخوهم لفُهم أنهُ أخوهُم في العقيدة وهذا مُنتفي وعلى هذا يترتب أن على المؤمن أن يكون على مُباينه ومُفاصلة ظاهرة عن أهل الباطل وعن أهل الكفر وأن مُعتقد الإنسان أعظم ما يملكُهُ فينؤ بنفسهِ على أن يشوب مُعتقدهُ أيُ شائب وهذا من بلاغة القرآن والتدقيق اللفظي فيهِ وعلى أنهُ حقٌ مُنزلٌ من لدُن حكيمٍ خبير وبهذا كما هو ظاهر يزول الإشكال ..


نعم فضيلة الشيخ صـــالح بن عواد المغامسي أيضاً قبل قليل وردت هذهِ الآية ((أصحابُ الأيكةُ )) هنا وهُناك في آيةٍ أُخرى ( الأيكة ) هل هُناك ؟؟؟

ليس هُناك فرق إنّما هذا لفظاً يُطلق على اثنين والمُراد بها الشجرة الكبيرة التي كانوا يعبدُنها من دون الله .

أجدها مُناسبة طيبة وأنتُم تستعرضون هذهِ الآية وتتحدثون عن هذهِ الإشكالية والفروق الحديث أيضاً عن بني الله شُعيب ؟؟؟

نبيُ الله شُعيب عليهِ الصلاة والسلام هو أحدُ أنبياء عرب ومعلومٌ أن أنبياء الله جل وعلا أكثروا من مئة ألف وهؤلاء المُباركون لم يكُن منهُم من أُمة العرب إلا أربعة " هود ، وشُعيب ، وصالح ، ونبيُنا صلى الله عليه وسلم " وكُلهم بُعثوا في جزيرة ..

شُعيبٌ يُعرف عند جمهرةِ أهل العلم بأنهُ خطيب الأنبياء لأنهُ كان قد أُوتي بياناً واضحا وحُجةً بالغة وكذالك الرُسل أئمةُ بيانٍ وفصاحةُ لسانٍ وبلاغة يبلغُون عن الله رسالاتهِ وينصحون لهُ في برياتهِ لكن كان في شُعيبٍ عليهِ الصلاةُ والسلام حضٌ أكبر من البيان كما قال الله تبارك وتعالى عنهُ (( واستغفروا ربكُم ثم تُوبوا إليهِ إنّ ربي رحيمٌ ودود * قال يا شُعيبُ ما نفقهُ كثيراً مما تقول وإنّا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطُك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز )) فكان جوابهُ كما حكى الله عنه (( قال يا قومِ أرهطي أعزُ عليكم من الله و أتخذتُمُوهُ وراءكُم ظهرياً إنّ ربِي بما تعملون مُحيط ))
إلى غير ذالك مّما ذكرهُ الله جل وعلا ممّا فيهِ من الدلائل الظاهرة والبراهين الواضحة على قُدرة بيان هذا النبي الكريم صلواتُ الله وسلامهُ عليه .
ويظهر كذالك ــ بما أن الحديث عن شُعيب ــ أن أنبياء الله كانوا يجمعون الفقه في الدعوة فيبدأون بمسالة العقيدة فيدعون إلى توحيد الله والخوف من لقاء الله ويُحذّرون أُممهُم من اليوم الآخر ثم إنّ كُل نبيٍ يتحدث عن الخطيئة الكُبرى التي تلبس بها قومه فلمّا كان التطفيف في الكيل والميزان الخطيئة التي تلبس بها قومٌ مدين قدّمها شُعيبٌ عليهِ الصلاةُ والسلام ولمّا كان جريمةُ إتيان الذُكران من العالمين هي الجريمة التي باء بها قوم لوط قدّمها لوطٌ عليهِ الصلاةُ والسلام وعلى هذا فإنّ كُل إنسانٍ يبدأُ أولاً بمسالة العقيدة ثم ينتقل بعد ذالك للُمنكر الظاهر البيّن فشاداً في قومهِ فيبدأ بالأعظم والأجلّ ..
هذهِ الطريقةُ المُثلى التي كان أنبياءُ الله جلاّ وعلا يدعون على منوالها ومنهاجها .


نعم بارك الله فيكم فضيلة الشيخ صــالح وكيف يزرع المُؤمن المُسلم هذهِ العقيدة في قلبهِ وهو يعني مُعرّ لبعض الفتن ؟؟؟

المُؤمن يُدرك انهُ لن يقوم بأي عملٍ على الوجه الأكمل حتى يحسُن إيمانهُ ويعظُم بذالك الأمر فالإنسانُ إن لم يكُن على قناعةٍ تامة وعلى علمٍ جليل بما يدعُو إليهِ جاءت دعوتهُ هشة من أراد أن يدعُ الناس على هذهِ العقيدة العظيمة لابُد أن يكون هو أولاً على يقينٍ من توحيدِ ربهِ تبارك وتعالى ،،
ثم يأتي بعد ذالك استثمار ما حولهُ يبدأُ أولاً بكلام الله جل وعلا فقد بيّن الله جل وعلا فيهِ الأهمية الكُبرى لمسألة التوحيد ثم يأتي لكلام سيد الخلق صلى الله عليهِ وسلم وما فيهِ من عظاتٍ بالغة " ما حقُ اللهِ على العباد ؟ أن يعبُدُوهُ ولا يُشركوا بهِ شيئاً " كما في حديث مُعاذ ثم يأتي في كلام أهل العلم من السلف والخلف رحمةُ الله تعالى عليهم ،،
ثم بعد ذالك ينظُر في هذا الكتاب المنثور بين أيدينا الذي خلقهُ الله جل وعلا كما انهُ هناك كتاباً مسطوراً وهو القرآن فإنّ هناك كتاب منثور وهو الكون وما فيهِ من آيات ودلائل تدلُ على قُدرة الجبّــار جلّ جلالهُ وعلى أنهُ تبارك وتعالى أحقُ من عُبد وأجّلُ من شُكر وأنهُ لا ينبغي أن تُصرف العبادةُ إلى غيرهِ :

تأمل في نبات الأرض وأنظُر
إلى آثار ما صنع المليكُ
عيونٌ من لُجينٍ شاخصات
على ورقٍ هو الذهبُ السبيكُ
على كُثب الزبرجد شاهدات
بأنّ الله ليس لهُ شريكُ

جزاكم الله خير فضيلة الشيخ لكن ذكرتُم قبل قليل الدعوة الهشة كيف هي الدعوة الهشة لماذا هشة وهو مُسلم ومُؤمن بالله سُبحانهُ وتعالى وهو يتعمّق في بحُور هذا القرآن العظيم ؟؟؟

لا لابُد أن يُصاحب هذا التبحُر يقيناً بما يقول فليس كُل من حفظ متناً أو قرأ علماً أو تلا آيةً بلغت يقينهُ فيها مبلغا فلابُد أن تُرث القراءة يقين عند المرء لابُد أ، يكون الإنسانُ يجد ثمرة ما يقرأهُ في قلبهِ أولاً كم منّ صاحب علم قرأ متوناً ونظر في أقوال العُلماء ورُبما حفظ أحاديث ورُبما أكمل حفظ القرآن لكنّهُ ليس مُقتنعاً بما يدعُ إليهِ ولا بما يقولهُ فينجُم عن ذالك بلا شك ضعفاً في يقينهِ هو . وأنّا لمثلهِ أن يدعُ الناس بعد ذالك على بصيرةٍ وعلى بينهِ أو أن يجد الناس لقولهِ قبولا.
ففاقدُ الشيء لا يُعطيهِ ،،،
وكُلُ إناءٍ بما فيهِ ينضح .


أحسن اللهُ إليكم فضيلة الشيخ صــالح بن عواد المغامسي نحنُ معكم أيُها الأخوة والأخوات ونحنُ نعيش هذهِ الدقائق في رحاب القرآن الكريم سائلين الله سُبحانهُ وتعالى أن يجعلنا ممّن قال فيهم صلى الله عليهِ وسلم " ما أجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونهُ بينهم إلا نزلت عليهم السكينه وغشّتهُم الرحمة وحفّتهُم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ،،
فضيلة الشيخ يتواصل الحديث عن هذا القرآن العظيم ولعلّنا ننتقل إلى سورةٍ من سور هذا القرآن الكريم وهي سورة يوسف وتعلمون أنها السورة حوت قصة نبينا يوسف عليهِ السلام بأكملها ولم تأتي مُجزئة في سورٍ عديدة وقد حوت أيضاً على عظــــات عدة لعلّي أترُك لك الحديث عن هذهِ السورة العظيمة بما فيها من التنبيهات والفوائد العظيمة حظكُم الله .؟؟؟

تُدرك يا شيخ خالد كما يُدرك الأخوةُ المُستمعُون والأخوات المُستمعات أن الحديث عن سورة يوسف يطول لكنّنا سنقتصر على بعض الفوائد من هذهِ السورة الكريمة .
يوسُف نبيُ الله ابنُ نبي اللهِ ابنُ نبي اللهِ ابنُ خليل اللهِ صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ وعلى آبائه هذهِ السورة كما ذكرتُم جاءت كاملةً في سورةٍ واحدة ولم تأتي مُجزئة نظير سورة إبراهيم نظير قصة إبراهيم ، أو نظير قصة موسى فهذهِ جاءت مُتفرقة في عدة سور بخلاف سورة يوسف عليهِ الصلاة والسلام .
لكنّنا نبدأ بالقضية الأولى بالفائدة الأولى التي حوتها تلك السور طبعاً نحنُ لا نُرتب حسب الأهمية لكن حسب وضع البرنامج عموماً فقد تكلّمنا عقدياً في قضية شُعيب فلا حاجة لأن نُعيدها في مسألة يوسف نعم أو نُكّررها ..
فنقول من أعظم ما حوتهُ القضية :
أن الإنسان لا يتعجّل في الوصول إلى الثمرة..
فإنّهُ قد قيل ما بين رُؤيا يوسف وما بين تحقيقها أكثر من أربعين عام الله يقول (( ورفع أبويهِ على العرش وخرّوا لهُ سُجدا وقال يا أبتِ هذا تأويلُ رُؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا )) وقد رآها علية الصلاة والسلام وهو صغير يافع وبين هذهِ الرؤيا وبين تحقيقها أحدث بل حلقات من أحداثٍ داميات وكم حصل فيها من مواطنُ حزن ومواطنُ فرح عاش هذا النبيُ الكريم ثم انتهى بهِ المآل إلى ما انتهى إليهِ ،،،،،
من هنُا نأتي لطلبة العلم على وجه الخصوص بما أنّا نتكلم عن القرآن والقرآنُ وعاء العلم الأعظم نقول ينبغي على العاقل أن يتأنّى في الوصول وأن لا تكون الدُنيا همّهُ وأن يعلم أن الذي يمشي على خطوات ثابتة ويتدبّر العلم تدريجياً ويأخُذه مُؤصلاً ويجنح بنفسهِ خطوةً خُطوة لا يستعجلُ ظهوراً ولا يبحثُ عن أضواء سيصلُ بحمد الله جل وعلا ورعايتهِ إلى مقصدهِ ومرادهِ .
ولنضرب مثلاً
نعم
تعلم أيُها الأخُ المُبارك عن أبي حنيفةً النُعمان أول الأئمة الأربعة ظهوراً رحمهُ الله كان لأهُ تلميذ يُقال لهُ أبو يُوسف وأبو يُوسف كان يومها غُلاماً صغيراً يتيماً تجنح أُمهُ إلى أن تجعلهُ يعملُ عند حائك حرصاً منها على أن ينال دانقاً يقتاتُ بهِ و الدانقُ أيُها المُستمعُ الكريم آنذاك أقل ما يُمكن أن يُترك كالهلل والقروش وما يُسمّى بالفلس في دول الخليج يعني شي زهيد تماماً لكنّ المرأة كانت تنظُر إلى أن هذا هو البُغية هو الغاية بينما كان أبو حنيفة رحمةُ الله تعالى عليهِ ينظُر إلى يعقوب الذي هو أبو يوسف ينظُرُ إليهِ على أنهُ سيكونُ ذات يومٍ رجُلٌ ذا بال في العلم فكانت هذهِ المرأة تأتي إلى أبي حنيفة في حلقتهِ وتذُمّهُ وتقولُ ما أضاع ابني إلا أنت وما جعل الغُلام يفرُّ عن موطنهِ إلا أنت فيقول خلي منك يا رعناء ــ هذا أبو حنيفة يقول لها ــ [ والله إنّ ابنك ليأكُل الفالوذج بدهُن الفُسق ] هذا الفالوذج نوعٌ من الحلوى لم يكُن يوجد آنذاك إلا في بيوت الأثرياء أما الفالوذج الممزوج بدُهن الفُستُق فهذا لا يُوجد إلا في بيوت الخُلفاء ولا يُوجد إلا على أحيان يعني ليس دائماً ، فلمّا قال أبو حنيفة لأُمي أبي يوسف هذا الكلام قالت إنك شيخٌ كبرت وخرّفت فمضت عنه وأصرّ أبو حنيفة أن يدرُس أبا يوسف عندهُ ثم مضت سنون مات أبو حنيفة ماتت الأم تقلّد أبو يوسف القضاء في العراق حتى أصبح قاضي القُضاة في الدولة فكان يأكلُ على مائدة الرشيد أمير المُؤمنين ماذا يقول أبو يوسف ؟؟
يقول أكلتُ يوماً على مائدة الرشيد فقُدّم لهُ طعام فقال لي يا أبا يوسف كُل فهذا قلّما يوجد في قصرنا قُلتُ أصلحك الله ما هذا يا أمير المؤمنين قال هذا فالوذج بدُهن الفُستق فتذكر أبو يوسف الحادثة وضحك فتعجّب الرشيد قال ما الذي يُضحكُك يا أبا يوسف ؟ قال خيراً يا أمير المؤمنين قال أخبرني فأخبرهُ بالقصة فقال عندها هارون الرشيد قال يا أبا يوسف [ إنّ أبا حنيفة كان يرى بعيني عقلهِ ما لا يراهُ غيرهُ بعيني رأسهِ ] أي بعيني بصرهِ.
.يستشرفُ المُستقبل عندما قرأهُ جيداً .
إذاً يوسف علية الصلاةُ والسلام مرّ بحلقات داميةِ ثم آل بهِ الأمر أراد لهُ إخوتهُ أن يضيع في غيابات الجُب فيُخرجهُ اللهُ من غيابات الجُب إلى دهاليز القصُور تتأمرُ عليهِ امرأةُ العزيز فتُودعهُ السجن فيُخرجهُ الله جل وعلا من غياهب السجن إلى أن يُصبح عزيزاً على مصر .
هذهِ الفائدة الأُولى والعُظمى

الفائدة الثانية :
أن الإمامة في الدين لا تُنال إلا بالتقوى والصبر قال الله جل وعلا (( وجعلنا منهُم أئمةً يدعون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآيتنا يوقنون ))
وقال عن يوسف عليه الصلاةُ والسلام لمّا أظهرهُ الله وعفا عن إخواتهِ قال بعد أن قال لهُ أخوتهُ (( أءنّك لأنت يوسُف قال أنا يوسف قال أنا يوسُف وهذا أخي قد منّ اللهُ علينا )) فنسب الفضل إلى بارية وخالقهِ جل جلالهُ ثم قال (( إنّهُ من يتقِ ويصبرِ فإنّ الله لا يُضيعُ أجر المُحسنين ))
فأسند الأمر كلهُ إلى الأسباب التي وضعها الله لرفعةِ والعلو وعلو الشأن ألا وأنّ من أعظمها أمرين :
تقوى الله جل وعلا *** والصــــــــبر
فبالتقوى والصبر تُنالُ الإمامة في الدين .


دلت الأحداث أن ّالإنسان إذا ضاق الأمر وبلغ مُنتهاه فآخرُ لحظةٍ في مُنتهى العُسر هي أولُ لحظةٍ في أول اليُسر .
سُبحــــــــــــــــان الله
فآخرُ لحظةٍ في مُنتهى العُسر هي أولُ لحظةٍ في أول اليُسر .

وراء مضـــــــيق الخوف مُتســـــعُ الأمرِ
وأولُ مـــــــفرُحٍ بهِ غـــايةُ الفـــــجر
الم ترى أن الله ملّــــك يوسفــــاً
خزائنهُ بعــــــــد الخلاص من السجــــنِ

وصل يوسف إلى مُنتهى أحداث الله أُلقي مع المُجرمين ،، يأكلُ ويطعم ويعبدُ رهبِ في غياهب سجنهِ
وكــــان داعية
وكان داعية حتى في السجن لكن كما قُلت أيُها المُبارك نحنُ ضربنا عنها الذكر صفحاًَ لأننا تكلّمنا عن قضية شُعيب ،، ثم بعد ذالك انتقل إلى أن أصبح على الكُرسي الذين يتعاملون مع الله بحق رابحـــــــــــــون لا محالة .
يجب أن نُحسن الظن بربنا تبارك وتعالى حُسن الظنُ بالله يُرثُ حُسن العاقبة في الدُنيا والآخرة نســـــــــأل الله للجميع التوفيق
هذا ما يُمكن أن يُقال أيُها المُبارك حول فوائد سورة يوسف وقد اختصرتُها حتى لا تكون الحلقة كُلّها عن سورة هذا النبي الكريم ..

لكن نتعشم أن يكون الحديث عنها أطول وأطول رغبةً مني ومن أيضاً المُستمعين الكرام حفظكُم الله إذا اخذتُم فائدة أُخرى حفظكُم الله .؟؟؟

نأخُذ فائدة أُخرى ،، من الفوائد التي دلّت عليها هذهِ السورة:
أن الإنسان لا يُضيرهُ أن ينظُر الناس إليهِ نظرة نقص إن كان عظيماً في ذاتهِ فيوسف عليهِ الصلاة والسلام بيعِ بثمنٍ بخس
جميل
والله يقول (( شروه )) أي باعُوه (( بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة )) وقال (( وكانوا فيهِ من الزاهدين ))
نعم
فزهدُوا فيهِ وهو نبيُ الله وأُدخل السجن وهو نبيُ الله فالمؤمنُ الحق عظمتهُ في ذاتهِ ليست في غيرها وقد قُلنا مراراً في دروسٍ سلفت وأيامٍ خلت لنا نأتي بمثال من السُنة يشهد لهذا :
النبيُ صلى الله عليه وسلم كما تعلمُ أيُها المُبارك في هجرتهِ مرّ ومعهُ أبو بكرٍ وعامرُ ابنُ فُهيرة وعامرُ ابنُ أُريقط مرّوا على أم معبد امرأةُ جلدةٌ برزةٌ من خُزاعة تُطعم الناس جهة الآن يعني عندنا في بلادنا المُباركة وادي قديد بين طرق الهجرة بين مكة والمدينة لمّا مرّوا عليها وصل بهم الأمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم سألها عن الشاه فأخبرتهُ أنها شاةٌ عازب يعني لم تذهب مع الغنم لعجزها قال هل تأذنين لي أن أحلبها قالت نعم فلّما ناخ صلى الله عليه وسلم الشاة ومسح على ضرعها وسمّ الله درّت
مـــا شاء الله
لمّا درّت لأنهُ عظيم صلى الله عليه وسلم لم يقُل لأبي بكر أحلب لنا حتى يُبين لأم معبد أنهُ النبي أو يقول لعامر الخادم أحلب لنا أو يقول لدليل أحلب لنا لو كان غيرهُ لفعل هذا حتى يُميز نفسهُ عن أصحابهِ لكنّه صلى الله عليه وسلم عظيم خلب لهم أو لم يحلب ، شرب أول القوم أو شرب أخرهم حيث ما هو فهو صلى الله عليه وسلم عظمتهُ أعطاهُ اللهُ إياه في ذاتهِ عليهِ الصلاة والسلام فيما أكرمهُ اللهُ بهِ من النبوة والرسالة.
فمثلُ هذا لا يحتاج أن يدعُ أضواءً أن تُسلّط عليهِ أو صحفيين يكتبون عنه أو ما إلى ذالك هو صلى الله عليه وسلم كأخيهِ يوسف عظمتهُم في أنفُسهم فيوسف نبيُ الله ابنُ نبيُ الله ابنُ خليل الله وهو في السجن وهو عند أبيهِ وهو يُباع بثمنٍ بخس وهو على كُرسي العرش وفي كُل الأحوال كريمٌ على الله تبارك وتعالى عظيمُ الشأن عند ربهِ هذا ما يُمكن أن يُقال.

فأنا أُوصي نفسي وغيري بأن يكون اعتزازُ المرء بربهِ وأن يكون غناه في نفسهِ وأن يكون على ثقةٍ بأن الله جل وعلا وحدهُ من يُبت من يشاءُ بفضلهِ ويُقّرُ من يشاء بعدلهِ كما أنهُ تبارك وتعالى لا يسألهُ مخلوقٌ عن علّة فعلهِ ولا يعترضُ عليهِ ذو عقلٍ بعقلهِ . نعـــم
نعم بارك الله فيكم أيضاً بس فائدة أخيرة قبل أن ننتقل إلى محاور أُخرى حفظكُم الله عدم اليأس والقنوط كما حث الله؟؟؟

نعم عدم اليأس والقنوط وهذا قد يكون قُلناهُ في مُدرج ما قُلناهُ من قضية الصبر إلى الوصول لأنهُ لن يكون صبرٌ حتى يكون هناك عدمٌ يأسٍ وقنوط
و لكن تخصيص ذالك
كما قُلت أنت قضية يعقوب تقصد
نعم
أيهِ تنبهت الآن قضية يعقوب الذي يرفع البلوى هو الله .
سُبحانهُ
ويعقوب أُبتلي بيوسف أولاً ثم أُبتلي بفقد بنيامين ثم أُبتلي بفقد الابن الأكبر الذي رفض أن يرجع قٌال (( لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي )) ولهذا قال (( عسى اللهُ أن يأتيني بهم جميعــــــاً )) جميعاً هذي أكثر من واثنين قصد يوسف وبنيامين و رُوئيل على قول من يقول أن أسمهُ رُوئيل هؤلاء الثلاثة كانوا ابنائهُ عليهِ السلام كلُهم فقدهم واحداً بعد الآخر فقد الأبناء لكنّة لم يفقد ثقتهُ وحُسن ظنّهِ بربهِ قد جاء في الأثر " أن يعقوب كلّما ازددتهُ بلاءً ــ حديث قُدسي ــ كلّما ازددتهُ بلاءً ازداد حُسن ظنٍ بي "
وقد قُلنا أن حُسن الظن بالله يُورث حمداً عظيماً أسأل الله أن يجعلني من يُحسن الظن بهِ ويجعل منقلبهُ ومآلهُ إلى خير .

بارك الله فيكُم فضيلة الشيخ حفظكُم الله نتواصل مع المُستمعين الكرام هذا عدد من الفاكسات والتي سنُخصص لها في ختام هذهِ الحلقة للرد عليها لأنها تحوي بعض الآيات ويطلبون تفسيرها أو الشرح عنها إذا أذنتُم لنا لكن أتواصل معك فضيلة الشيخ صـــالح بن عواد المغامسي عضو هيئة التدريس في كُلية المُعلمين في طيبة الطيبة وإمــام وخطيب مسجد قباء في أيضاً المدينة المنورة يقول الله سُبحانهُ وتعالى (( يا بني ءادم لا يفتنّنكُم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهُما لباسهُم ليُريهُما من سوءاتهِما إنّهُ يراكُم هو وقبيلهُ من حيث لا ترونهُم إنّا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يُؤمنون ))
هذهِ الآية حافلة بالمعاني والعظات نُريد إلقاء الضوء عليها وتجليتها علمياً أيضاً ووعظياً ونحنُ في هذا الموضوع آيـــاتٌ وعظــات ؟؟؟

فلنبدأ بالنداء في الآية قال الله جل وعلا ((يا بني ءادم)) النداء في القرآن يختلف من حالٍ إلى حال
أحياناً يكون نداء عام كقولهِ سُبحانهُ (( يا أيُها الناس أعبدوا ربكُم)) ،
وقد يكون نداءً لتقرير الواقع (( يا أهل الكتاب )) فهم أهلُ كتابٍ فعلاً ،
قد يكون النداء لتنبيهِ والتذكير (( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي )) لتنبيهِ على أنهُم أبناءُ نبي ويُنسبُون إلى نبي وهو يعقوب فيُنبههُم ويُذكّرهُم بأن يذكروا النعمة على أبيهِم الذي ينتسبُون إليهِ ،،
قد يكون نداء كرامة وهذا في حق أهل الإيمان (( يا أيُها الذين ءامنوا اتقوا الله )) فهذا نداء كرامة و (( يا أيُها الذين ءامنوا كُتب عليكُم الصيام )) هذا نداء كرامة .
يكون نداء يجتمعُ الناس فيهِ جميعاً نسبتهُم إلى أبيهم وهذا يندرج في نداء الواقع وهو الذي بين أيدينا ((يا بني ءادم)) فنسبنا الله جل وعلا إلى أبينا ءادم و ءادم أبو البشر خلقهُ الله جل وعلا بيدهِ وأعطاهُ خصائص منها :
أنهُ خلقهُ بيدهِ ،، نفخ فيهِ من روحهِ ،، أسجد لهُ ملائكته ،، علّمهُ أسماء كُل شيء هذهِ لم تُعطى لأحدٍ غيرهِ عليهِ الصلاةُ والسلام وقد صحّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ءادم كان نبياً بل قال عليهِ الصلاةُ والسلام لمّا سُئل أكان ءادم نبيا ؟؟ قال " كان نبياً مُكلّما " أي أن الله جل وعلا كلّمهُ وإن كان التكليم في اصطلاحهِ الشرعي إذا أُطلق ينصرف إلى نبي اللهِ موسى صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ .

(( يا بني ءادم لا يفتنّنكُم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة )) المقصود بالأبوين هُنا ءادم وحواء وهذا يُسمّى عند اللغويين مسألة التغليب والتغليب أيُها المُبارك يكون لهُ أسباب فعندما نقول الأبوان نقصد الأب والأُم في القرآن هُنا المقصود ءادم وحواء .
نعم
فقُدّم الأب على الأُم لذكوريهِ لأن الذكر أفضل من الأُنثى كما نقول الحسنان ونقصد الحسن والحُسين في التغليب والتغليبُ هُنا معيارهُ أن الحسن أكبرُ من الحُسين ،، ونقول المكتان ونقصدُ مكة والمدينة وإنما قُلنا المكتين لأن مكة أفضل من المدينة ،، ونقول العُمران ونقصدُ بهما شيخا الإسلام أبا بكر وعُمر رضي الله تعالى عنهُما وإنّما غلّبنا عُمر لأن أبا بكر مُركب تركيب إضافي لا يتأتى تثنيتُهُ وعُمر اسمٌ مُفرد يُمكنُ تثنيتُهُ عُمر مُفرد مفرد يعني لا نقصد أنهُ غير مُثنى ولا جمع لا ، نقصدُ بمفرد هنا أنّهُ غير مُركب وأبو بكر اسم مُركب تركيب إضافي أبو وكلمة بكر وهو الفتى من الإبل على هذا قيل العُمران .
الذي يعنينا هُنا قال الله ((لا يفتنّنكُم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ))
اختلف الناس وأنت قد أذنت لي بأن أتكلم بما فيها من مسائل علميهِ .

نعم أبداً تفضل على أساس نستفيد حفظكم الله والمُستمع أيضاً.

اختلف الناس في الجنة التي أُخرج منها ءادم ؟؟؟
والصوابُ والحق الذي عليهِ جمهور أهلُ السُنة أنها جنةُ عدن التي وعدنا اللهُ إياها والدليلُ على ذالك الدليل الظاهر على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر " أن الناس يوم القيامة يأتون الجنة فيجدونها مُغلقة فيأتون أباهُم ءادم فيقولون يا أبانا أستفتح لنا الجنة "
وجهُ الشاهد: أن النبي صلى الله عليهِ وسلم أخبر أنّ ءادم يقول وقتها " وهل أخرجكُم من الجنة إلا خطيئة أبيكم " فهذا دليل على أن الجنة التي وُعدنا بدخولها برحمة الله هي جنةُ عدنٍ الني أُخرج منها أبونا ءادم .
نعم
قال آخرون .. إنّ الجنة التي أُخرج منها ءادم هي جنةٌ إمّا في الأرض أو في السماء الدُنيا وليست الجنة المعهودة المعروفة التي انصرف الحديث إليها ولهم حُجج منها :
دخول إبليس إليها فقالُ لو كانت جنة عدنٍ لما تمكن إبليس من دخولها وهذا يُمكن أن يُجاب عنهُ بأن إبليس دخلها دخول مذلة فقد ورد وإن كانت هذهِ أثار منقولة عن بني إسرائيل لكنّ هذا ممّا قال عليهِ الصلاة والسلام فيهِ " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " بل أقول على علم أنّ هذا لهُ شواهد قوية صحيح أنّا لا نعلم نصاّ في كتابٍ ولا سُنّة صريح واضح يدلُ عليهِ لكن قولهُ جل وعلا (( اهبطوا منها )) وقولهُ جل وعلا (( وقاسمهُما أني لكُما من الناصحين )) كُلها قرائن على أن إبليس في غالب الأمر دخل الجنة .
يعني أُدخل الجنة مذلةٍ على هيئة في خياشيم الحية كما قيل والعلمُ عند الله .
الذي يعنينا هذا الجواب عن قولهم أن الجنة لن تكون جنة عدن كما قالوا أن ءادم أُخرج منها والجنة الأصل فيها الخلود لكن هذا يُجاب عنهُ :
بأن الخلود فيها إنما يكونُ بعد البعث والنشور .
على العموم نحنُ نقول أنها جنةُ عدن التي وعدنا الله جل وعلا إياها .

الله يقول ((كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهُما لباسهُم ليُريهُما من سوءاتهِما ))
السوءة تُسمّى سوءة وهي العورة لأن الإنسان يسوءهُ أن تظهر عورتهُ لناس فظهورها لناس أمرٌ يسوء .
لكن ثمّة أمر هنا وهو العظة من هذهِ الآية :
أن الشيطان لمّا أراد أن يضُر بالأبوين دخل عليهما من باب نزع الحياء منهما فلمّا أراد منهُما أن ينظُر كُلٌ منهُما إلى عورة الآخر وأن يتحلّلا ويخرُجا من نطاق اللباس والارتداء والستر إبليس فهم من هذا أنهُ إذا وقع منهُما هذا يسهُل عليهِما المعاصي .
ومن هُنا نفهم أن أعداء الأُمة اليوم ومن يُنافس الأُمة أو من يُنازعُ الأُمة في أخلاقها بالذات يعمد إلى قضية الحياء فيحُول أن يأتي لناس من باب أنهُم إذا استمرأُ النظر إلى وجوه المومسات استمرأُ النظر إلى قضية المرأة تظهر شبهة عارية في الشاشات هذا يكسر حاجز المعصية صحيـــــــــــح فيهون الأمرُ على الناس فلهُم عُمدة في هذا وهو إبليس ولنا عُمدة أن الله أخبرنا عن هذا (( كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهُما لباسهُم ليُريهُما من سوءاتهِما )) فأولُ خيطٍ بدأ إبليس أن يحُل عُقدتهُ مع الأبوين قضية الحياء .
فإّذا ازدلفنا أيُها المُبارك إلى قضية الحياء فالحياء عند بعض أهل العلم مُقسّم :
منهُم من يقولون حياء الجناية :. وحياءُ الجناية أن تقع من العبد معصية ثم يقع منهُ ندمٌ عليها فيُرثهُ ذالك حياءً من ربهِ ويضربون لهُ مثلا فيقولون ..
أن ءادم عليهِ السلام لم ينظُر إلى السماء حياءً من ربهِ بعد أن أُهبط من الأرض .
وهُناك حياء الإجلال كما وقع لبعض الصحابة لأنهُم كانوا يستحيون النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهُ قول الشاعر:
أهابُك إجلالاً وما بك بُلغةٌ
علي ولكن ملءٌ عينٍ حبيبُها
هذا النوع الثاني وهو حياء الإجلال .
ومنهُ حياء أن الإنسان أحياناً يستقلُ الأمر مع غيرهِ فيستحي أن يسأل الإنسان شيئاً يسيراً كمن يدخُل على ملكٍ أو أميرٍ أو ذي سُلطان ويستحي أن يسألهُ أمراً هيّن لكنّ هذا الحياء وإن كان محموداً بين الناس أمّا مع ربنا جل وعلا فإنهُ ينبغي على العبد أ، يسأل الله جل وعلا ما قلّ وكثُر لأنّنا جميعاً فُقراء إلى ربنا تبارك وتعالى وقد جاء في الأثر أن الله قال لموسى " يا موسى سلني علف دابتك وملح عجينتك وشسع نعلك " وهذا يدلُ على عظيم فقر العباد أجمعين إلى ربهم تبارك وتعالى .

((لا يفتنّنكُم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهُما لباسهُم ليُريهُما من سوءاتهِما )) ثم قال الله (( إنّهُ يراكُم هو وقبيلهُ من حيث لا ترونهُم))
المخلوقات التي تعقل ثلاثة :
الإنس والجن والملائكة يجتمع بعضُها مع بعض في أشياء وتختلف في أشياء .
بالنسبة لنا معشر الإنس نحنُ لا نرى الملائكة ولا الجن والجنُ يتفقون معنا في أنّهُم يتناكحون ويتناسلون والملائكة تختلف في أنهّم لا يتناكحون ولا يتناسلون ،،
الجن ّيتفقون معنا أنّنا جميعاً مُكلفين في حين أن الملائكةُ غيـرُ غيرُ مُكلفين . وهذا منهُ ينجُم أن الجنّ يروننا ولا نراهم كما أنّنا أيضاً لا نرى الملائكة (( إنّهُ يراكُم هو وقبيلهُ من حيث لا ترونهُم إنّا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يُؤمنون ))
الإنسان إمّا أن يكون وليهِ أولياء من الملائكة إذا كان مُسارعاً في الخيرات ، وإمّا أن يكون لهُ أزٌ من الشياطين أعاذنا الله إذا كان بعيداً مُعرضاً عن ذكر ربهِ تبارك وتعالى . نعـــــم*



بارك فيكم فضيلة الشيخ لا زلنا معكم أحبتنا في الله في إذاعة القرآن الكريم من المملكة العربية السعودية ونتواصل معكُم من خلال هذا البرنامج وموضوع هذهِ الحلقة آيـــاتٌ وعظات مع فضيلة الشيخ صـــالح بن عواد المغامسي بارك الله فيكم لعلّك أستأذنُك في بعض
تفضل
أستأذنُك في استعراض بعض الفاكسات التي وصلتنا أو حقيقة هذي أُختكُم المُحبة صفية تقول يا شيخ صالح حفظك الله ما هو الأفضل حفظ القرآن أم قراءتهُ تلاوةً بتدبُر ؟؟؟

لا تعارُض أيُها الأُخت المُباركة بين الاثنين يُمكن الجمع تضعين أوقات تُراجعين فيها حفظكِ وتضعين أوقات تقرأين فيها بتدبُر ولا يوجدُ مانعٌ بين الأمرين إذا وُفقتي في ترتيب الوقت ولا بُد من الاثنين تقرأين بتدبُر وأن يكون القرآن في صدرك وهذهِ منقبةٌ عظيمة أسأل ألله أن يرزُقكِ إيــاها .

نعم بارك الله فيكم هذي إحدى الأخوات وهي سامية محمد الشهري تطلُب قراءة الفاكس كاملاً لعلي أقتطف منهُ تقول أتمنى قراءة الفاكس تأثير القرآن في نفوس المؤمنين بمعانية لا بأنغامهِ ولا بمن يتلون بهِ أو يتأوهُ بهِ .. إلى أن تقول يا شيخ صالح حفظك الله ورعاك أشكل علي آية في كتاب الله الكريم وهي (( وإنّ منكُم إلا واردُها )) فما التفسير الشافي الكافي لهذهِ الآية ؟؟؟

الحديثُ هنا أيُها الأُخت المُباركة عن الصراط قال الله تعالى في سورة مريم (( وإنّ منكُم إلا واردُها )) يردُ الناسُ النار أي يسيرون على الصراط ودُعاء المُسلمين المؤمنين يومئذٍ وهو دُعاء النبيين " اللهم سلّم ســلّم " فيمُر الناس على الصراط بحسب أعمالهم في الدُنيا منهم من يمُر كأجاود الخيل ومنهُم من يمُر كالريح ومنهُم من يمُر كالبرق ومنهُم من يمشي مشيا ومنهُم من يحبوا حبوا هذا هو التفسير الصحيح في قول الله جل وعلا (( وإنّ منكُم إلا واردُها كان على ربك حتماً مقضيا)) لأن الله قال بعد ذالك (( ثم نُنجّي الذين اتقوا ونذرُ الظالمين فيها جثيا)) نعــــم.

بارك الله فيكم أتواصل معكُم أيضاً ومع الفاكسات أيضاً حفظكُم الله ثم نعود إلى بعض أو بقية محاور هذا البرنامج أخواتكُم في اللهِ فتيات الدعوة أسماء وعزيزة من الزلفي كتبن هذهِ الرسالة :
كان القرآن ولا يزال المُعجزة الباقية الخالدة كما أراد الله سُبحانهُ وتعالى لهُ أن يكون وها هو في كُل عام تظهرُ كنوزهُ ويبدوا على العالم منهُ إعجازهُ فهو المُتجدد الذي لا تُبليهِ الأيام والمُعجز الذي لا يظهرُ عليهِ أحدٌ من الأنام قضى اللهُ بحفظهِ وقيّض لهُ من يجمعهُ في صدرهِ وتعهدهُ الله سُبحانهُ وتعالى وتعهد الناس بتلاوتهِ والتعبُد بهِ فضيلة الشيخ ما رأي فضيلتكُم بمن يُفسّر القرآن وفق هواه . والسلام عليكم ؟؟؟


كتابُ اللهِ جل وعلا مُعجز
جاء النبيُون بالآيـــــــــات فانصرمت
وجئتنا بحـــــــــــــكيمٍ غير مُنصرم
آياتهُ كُلّما طــــــــــــــال المدى جُددٌ
يزينهُنّ جــــــــــــــــــــلال العتق والقدمِ

الذكرُ آيةُ ربك الكُبرى التي *** فيها لباقٍ المُعجزاتِ فناءُ
ولا يجوزُ لأحدٍ أبداً أن يُفسّر القرآن بهواه من أُعطي حظاً من علم وقُدرةً من آلةٍ علمية وعرف ناسخهُ ومنسوخة وأسباب نزولهِ وأطلّع على لُغة العرب وقرأ أساليب كلامها في شعرها ونثرها وعلم أصول الفقهِ وأدرك كثيراً من الواقع وجمع حظاً من هذهِ العلوم كُلها أصبح مُؤهلاً بعد ذالك إذا رُزق التوفيق أن ينظُر في كلام الله قال علي رضي الله عنهُ لمّا سُئل هل أختصّ النبيُ صلى الله عليه وسلم بشيءٍ قال " لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يُؤتيهِ اللهُ من يشاء في كتابهِ" .
وهذا الفهم هذا مبنيٌ على آلةٍ عُلمية تُؤهل العبد أو الأمة من النظر في كلام اللهِ جل وعلا . نعــــم**


نعم بارك الله فيكم أمينة الصافي تقول ذكر الله تعالى إسحاق بخصائص وميزات تفوقُ أخاهُ إسماعيل فنرجو توضيح ذالك وذكرت قول الله سُبحانهُ وتعالى : (( واذكُر عبادنا إبراهيم وإسحاق )) وكذالك أيضاً ذكرت قول الله (( واذكُر إسماعيل و اليسع وذا الكفل )) ... إلى آخر الآية ؟؟؟

كُلهُم أنبياءُ الله
الحمدُ لله
وإسماعيلُ وإسحاق ابنان لخليل الله جل وعلا إبراهيم والله جل وعلا ذكر إسماعيل ووصفهُ بأنهُ صادق الوعد وبأنهُ كان عند ربهِ مرضيا ، ووصفهُ بأنهُ كان يأمُر أهلهُ بالصلاةِ والزكاة. وصف إسحاق بأنهُ كان ممّن مُنّ عليهِ بخالصة وهي ذكرى الدار وكُلٌ منهُم ذو فضلٍ في نفسهِ وعلى غيرهِ وهُما نبيان كريمان من أنبياء الله الكرام صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ .
أمّا إسماعيل فهو جدُ العرب المُستعربة ، وأمّا إسحاق فهو والدٌ ليعقوب وهو جدٌ لبني إسرائيل .
ولا يعني يحسُن النظر بهذا المقياس في ظني إلى أنبياء الله وإن قال الله (( تلك الرُسل فضّلنا بعضهُم على بعض )) لكن يكون النظر بذكر مناقب كُلٌ أحدٍ لوحدهِ لا بالموازنة بينها . نعــم **

نعم بارك الله فيكم ولكنّني أنا أيضاً أسأل مثلي مثل هؤلاء الأخوة والأخوات يقول الله سُبحانهُ وتعالى (( النبيُ أولى بالمؤمنين من أنفُسهم وأزواجهُ أُمهاتُهم )) أولاً لو تحدثتُم عن مُناسبة الآية لما قبلها ولماذا أطلق ولم يُحدد فيما تختصُ بهِ الآية ؟؟؟

هذهِ الآية من سورة الأحزاب (( النبيُ أولى بالمؤمنين من أنفُسهم وأزواجهُ أُمهاتُهم )) كان الله جل وعلا قد قال قبلها (( ادعُوهم لآبائهِم هو أقسطُ عند الله ))
وفي هذا يُخاطب بهِ أولاً زيدُ ابنُ حارثة رضي الله تعالى عنه الذي كان يُعرف بزيد ابن مُحمد فكأن زيداً قد سُلب شيءً أُعطيهُ من قبل لأن الله جل وعلا نفى قضية الأدعياء التي كانت موجودة قال الله (( ما جعل اللهُ لرجُلٍ من قلبين في جوفهِ )) وبيّن أنهُ لا يجوزُ للأدعياء أن يكونوا أبنائهم على هذا ذالك الشعورُ بنوعٍ من النقص الذي ربُما كان في قلب زيد جاءت آياتٌ عامة للمؤمنين فهذا النبيُ الكريم والرسول الخاتم هو للأُمة كُلها (( النبيُ أولى بالمؤمنين )) والإطلاقُ هنا أن الولاية لهُ صلى الله عليهِ وسلم لا تُحدد بشيء بمعنى أنّهُ لا يوجدُ أحدٌ لديهِ من الحرص بنا والشفقة علينا منه صلى الله عليه وسلم فهو صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ كما نعتهُ ربهُ (( بالمؤمنين رءوفٌ رحيم )) وهو صلى الله علية وسلم الحريصُ على أُمتهِ قال عليهِ الصلاةُ والسلام وقد خرج من المقبرة " وددتُ لو أني رأيتُ إخواني قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك ؟ قال: بل انتُم أصحابي ولكنّ إخواني لم يأتوا بعد وأنا فرطهُم على الحوض قالوا يا رسول الله كيف تعرفُ من يأتي بعدك من أُمتك؟ قال أرأيتُم لو أن لأحدكُم خيلاً غُراً مُحجلةٍ في خيلٍ دُهمٍ بُهم أكان يعرفُ خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنّ إخواني يأتون يوم القيامةِ غُرٌ مُحجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض "
موضعُ الشاهد منه:
ها هو صلى الله عليهِ وسلم وهو حيٌ يُرزق ويخرجُ من المقبرة ومع ذالك كما ترحّم على الموتى تذكّر من سيأتي بعده وهذا تحقيق لقول الله جل وعلا (( النبيُ أولى بالمؤمنين ))
وقد جاء في البُخاري حديث في هذا الباب يُخبر النبي صلى الله علية وسلم أنهُ وليُ كُلُ مؤمن وهذا ممّا يدلُ على كمال رسالتهِ صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ ورفيع منزلتهِ عند ربهِ ومّما يُوجبُ علينا معشر المؤمنين أن نُحبهُ ونُعزّرهُ ونوقرهُ صلواتُ الله وسلامهُ عليه وأن نمتثل لأمرهِ وأن نجتنب نهيهِ ونتبع هديهُ ونلتزم سُنته بهذا تتحقق مسؤولية ولايتهُ صلى الله وسلامهُ عليهِ على الوجه الأكمل .
أمّا قول الله جل وعلا إذا أذنت (( وأزواجهُ أُمهاتهُم )) فهذا الحديث الذي ذُكر في الآية يتحدث عن أُمهات المؤمنين ونحنُ نعلم أن البرنامج المُبارك هذا يسمعهُ الرجال.
جميل وهي فُرصة طيبة للحديث عنها نعم
وهي فرصة طيبة لمُقابلة أخواتنا المؤمنات ــ لأن لا يمكن أن نقول لناس افعلوا ، اتركوا ولا نضعُ قدوة أُمهاتُ المؤمنين نساء اختارهُنّ الله أن يكُنّ أزواجاً لسيد الخلق صلى الله عليهِ وسلم وهُنّ أزواجهُ في الدُنيا وأزواجهُ في الآخرة :.
أولهُن :
خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها وهذهِ المرأة عظيمةُ الشأن جليلةُ القدر قال صلى الله عليه وسلم من حُبهِ لها تقول عائشة لمّا رأت حُبهُ لها " ما غرتُ على أحد كما غرتُ من خديجة " وقد قالت لهُ مرة ــ أي عائشة ــ " وهل كانت إلا عجوزاً في غابر الأزمان قد أبدلك اللهُ خيراً منها ، قال لا والله ما أبدلني الله خيراً منها لقد ءامنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمني الناس " ثم قال " وكان لي منها الولد " وكان صلى الله عليهِ وسلم يُحبها حُباً جمّا ولمّا ماتت دفنها ولم يُصلي عليها لماذا لم يُصلي عليها ؟
لأنها ماتت في مكة ولم يكُن يومها إذٍ شُرعت الصلاةُ على الميت ولم يتزوج عليها في حياتها صلى الله علية وسلم فلم يجمع معها غيرها .
ثم من أُمهات المؤمنين الصديقة بنتُ الصديق حبيبةُ حبيب الله عائشة بنتُ أبي بكر رضي اللهُ تعالى عنها و أرضاها وهي البكر الوحيدة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بكرا وهذهِ الصديقة أُبتليت كما هو معلوم بحديث الإفك فبرأها الله جل وعلا من فوق سبع سماوات وهي من أعلم نساء الصحابة بل تفوقُ بعض رجالات الصحابة علماً أخذت عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً جمّاً رضي الله عنها وأرضاها .
تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنتُ حُيي ابن أخطل وهي يهودية كانت تحت رجُلٍ من اليهود فلمّا كانت معركةُ خيبر وانتصر صلى الله عليه وسلم وقعت في أسر بعض الصحابة في سبي بعض الصحابة ثم اصطفاها النبيُ صلى الله عليه وسلم وتزوجها وجعل عتقها مهراً لها صداقاً هذهِ الصحابيةُ الجليلة زوجةُ نبينا صلى الله عليهِ وسلم جاء في الأثر أن النبي وجد على وجهها أثر من ضربة فسألها فأخبرتهُ أنها رأت رُؤيا أن هلالاً يسقُطُ في حجرها فلمّا أخبرت زوجها غضب وصفعها على وجهها فأثرت الصفعةُ على خدها حتى ندبت وقال لها تتزوجين هذا النبي الذي في يثرب فكان الأمر كما قال في تأويل رُؤياه أُسرت سُبيت ثم أعتقها النبيُ صلى الله عليهِ وسلم وجعل عتاقها صداقها وتزوجها صلواتُ الله وسلامهِ عليهِ ولمّا عيّرتها بعضُ أُمهات المُؤمنين بأنها يهودية قال ــ يعني أجيبي من عيّرك ــ قولي " والله أني لبنتُ نبي وعمي نبي وتحتُ نبي " لأنها كانت من ذُرية هارون وعمُّها موسى عليهما الصلاةُ والسلام وهي تحتُ نبينا صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ .
من أُمهات المُؤمنين رضي الله عنها وأرضاها بنتُ عُمر ابنُ الخطاب رضي اللهُ عنها وأرضاها ومنهُن جُيرية ومنهُنّ زينب بنتُ جحش وغير ذالك مّما لا يخفى .
الذي يعنينا الذي نُريد أن نُصلهُ لناس أنّهُنّ هؤلاء الفُضليات يختلفن في مواهبهنّ مثلاً زينب كانت كثيرة الصدقة ، وعائشة رضي الله عنها كانت كثيرة العلم ، و خديجة كانت عظيمة النُصرة لنبينا صلى الله عليهِ وسلم ، صفية أُثر عنها كثرت العبادة رضي الله عنها وأرضاها ..
هذا يدُل على أن المرأة تنظُر القدر الذي تُحسنهُ من أمرٍ ما تعبُدي أو ما ينفعُ الناس فتحاول قدر الإمكان أن تجنح إليهِ والإنسانُ العاقل يُحاول أن يأتي الصنعة أو الأمر الذي يُتقنُهُ ويُحسنُهُ ويغلبُ على ظنّهِ أنهُ ينفع الناس فيهِ .
في زماننا هذا تجدُ المرأةُ المُسلمةُ نوعين من محاولةِ انتقاصها :
إمّا من قومٍ لم يفقهُ الدين باسم التشدُد يُضيقون عليها الخناق حتى لا يُريدونها أن تخرُج من بيتها ولا أن تعبُد ربها على وجهِ أكمل ولا أن تُقدم شيئاً لمُجتمعها بحُجة الخوف عليها وهؤلاء حسُنت نيتهُم لكنّهُم ما فقهُ معنى الشرع .
وآخرون عياذاً بالله إنّما أرادُ أن يجعلوا منها طُعمةً لرجال وأن يُخرجُها عن نطاق الشرع فهؤلاءِ بئس العمل عملهُم نيتاً وفعلا .
لكنّنا نقول إنّ الله جل وعلا دلّ كتابهُ العظيم وسُنةُ نبيهِ صلى الله عليهِ وسلم على أن ّالله جعل للأُنثى خصائص لم يجعلها لرجال فإذا كانت مسيرةُ الأُنثى تتفقُ مع خصائصها كانت مسيرةً موفقه قال اللهُ جل وعلا : (( وليس الذكرُ كالأنثى ))
هذا ما يُمكن قولهُ حول قول الله جل وعلا (( و أزواجهُ أُمهاتهُم )) .


بارك الله فيكُم وأسأل الله سُبحانهُ وتعالى أن ينفعنا جميعاً بما سمعنا أتواصل إذا أذنت لي مع المُستمعين الكرام هذا أحدُ الأخوة يقول ما هو تفسير قول الله تعالى (( قال يا نوحُ إنّهُ ليس من أهلك إنهّ عملٌ غيرُ صالح )) ما علاقة ذالك بعدم صلاح بعض الأبناء في وقتنا الحاضر لبعض الصالحين ؟؟؟

نعم هذا الكلام عن أحد أبناء نوح ونوح عليهِ الصلاة والسلام شيخُ المُرسلين وأولهُم صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ وأطولهُم عُمراً وأهلُ التفسيرُ يقولون كان لهُ أبناء حام وسام و يافث وكنعان وعلى قولهم هذا الحديث في الآيات عن كنعان (( قال يا بُني اركب معنا قال سآوي إلى جبلٍ يعصمُني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر اللهِ إلا من رحم وحال بينهُما الموجُ فكان من المُغرقين وقيل يا أرضُ ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقُضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بُعداً للقوم الظالمين ))
لمّا رست السفينة تذكر نوحٌ ابنهُ أصابتهُ شفقةُ الوالد فأخذ يُناجي ربهُ وهو يعلم أن لهُ عند ربهِ كرامة وهو شيخُ المُرسلين يتلقى الوحي وعبدٌ صالح وعبدٌ شكور بنص القرآن قال الله جل وعلا أنهُ قال (( قال ربِ إنّ ابني من أهلي وإنّ وعدك الحق وأنت أحكمُ الحاكمين )) فالله جل وعلا وعدهُ أن يُنجّي أهله
نعم
فقال الله جل وعلا لهُ ((إنّهُ ليس من أهلك )) لأنهُ خرج بالكُفر.
والذين يُريدون أن يفقهُ القرآن لا يُطبقُ هذا على أبناءهم لأن المعصية غير الكُفر فقول الله جل وعلا ((إنهّ عملٌ غيرُ صالح )) وفي قراءة (( إنّهُ عَملَ غيرُ صالح )) المقصودُ منها الكُفر والكُفر هو الذي تحدُث بهِ المُفارقة والمُفاصلة بين الابن وأبيه فلا يتوارثان أمّا مُجرد المعاصي ولو كانت كبائر التي لا تُخرج من الملة فهذهِ لا تُخرج من الملةِ وبالتالي لا تنطبقُ عليها الآية لكن يحسُنُ أو يجبُ على الآباء السعي في صلاح أبناءهم على الوجه الأتمّ والنحو الأكمل ، فالله جل وعلا خاطب هذا النبي الكريم بقولهِ ((إنّهُ ليس من أهلك )) لأنهُ كفر فغلبت مُفارقةُ الكُفر على بنوة وأُبوة النسب والاختلاف العقدي هو الفيصلُ بين الناس.نعــم **


بارك الله فيكم وأتواصل معكم أيضاً يقول الله سُبحانهُ وتعالى (( يا قومنا أجيبوا داعي الله و ءامنوا بهِ يغفر لكُم )) هذهِ الآية لها مُناسبة ولها أيضاً فوائد كثيرة فلعلّكُم شرحتُم المقصُود من هذهِ الآية حفظكم الله ورعاكم ؟؟؟

نعم هذهِ الآية في سورة الأحقاف
نعم
تتكلم عن الجن والجنُ مرّوا على النبي صلى الله عليهِ وسلم وهو يقرأ القرآن فأعجبهُم تلاوتهُ أراد الله بهم خيراً ءامنوا قال الله (( وإذ صرفنا إليك نفراً من الجنِّ يستمعون القرآن فلّما حضروه قالوا أنصتوا فلمّا قُضي ولّو إلى قومهم مُنذرين قالوا يا قومنا إنّا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى مُصدقاً لما بين يديهِ يهدي إلى الحق وإلى طريقٍ مُستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله و ءامنوا بهِ يغفر لكُم ويُجركُم من عذابٍ أليم ))
فالآية تتحدث عن مُؤمني الجن جنُ نيصبين الذين وافقوا النبي صلى الله عليهِ وسلم وهو يقرأُ القرآن عند عودتهِ من الطائف إلى مكة.
لكن أيُها الأخُ المُبارك هنا مسألة تُقال أو تُثار في بعض كُتب التفسير وهي مسألة أن الله هنا قال على لسان الجن (( يا قومنا أجيبوا داعي الله و ءامنوا بهِ يغفر لكُم ))
تُلاحظ يا شيخ خالد
نعم
أنهُ لم يقُل تدخلون الجنة على هذا اختلف العُلماء هل مُؤمنو الجن يدخلون الجنة أو لا يدخلون ؟
نعم
بناءً على هذهِ الآية ؟؟
والأقوال فيها :
// قال بعضهُم أنهُم تُغفر لهُم الذنوب ولا يدخلون الجنة وهذا القول وإن قال بهِ بعضُ الفُضلاء إلا أننا نراهُ بعيداً وقد استبعدهُ أيضاً الشيخُ المُفسّر الحافظُ ابنُ كثير رحمةُ الله تعالى عليهِ .
// قال بعضُ العلماء أنهم يدخلون الجنة لكن هُم في ربض الجنة يعني لا يصلون إلى قلبها .
// وقال آخرون أنهُم يدخلون الجنة لكنّهُم يُعاملون بالمثل في الدُنيا نحنُ لا نراهُم وهو يروننا يقول بعضُ العلماء في الجنة يدخلون الجنة ونراهُم ولا يروننا وهذا يحتاجُ إلى دليل ولا أعلم في هذا دليلاً .
والصوابُ أنهُم يدخلون الجنة والدليل على أنهُم يدخلون الجنة أن الله قال في آية إمتنان (( ولمن خاف مقام ربهِ جنتان * فبأي ألاء ربكُما تُكذبان )) ونحنُ مُتفقون على أن المُخاطب بها الجن والإنس .
قال الحافظ ابن كثير كلاماً مفادهُ أنهُ لا يُمكن أن يمُنّ الله جل وعلا عليهم بمقام فضل ثم يحرمهُم إياه في قولهِ جل وعلا (( ولمن خاف مقام ربهِ جنتان *)) هذا امتنان من العلي الكبير عليهم على الإنس والجن فلا يُمكن أنت الله تبارك وتعالى يُمنيهم ويعدهم إذا خافوا مقامهُ بالجنّة ثم لا يدخلهم إياها وقد أدوا ذالك العمل هذا بعيدٌ جداً .
فنقول إن ّالذي عليهِ جماهيرُ أهلُ العلم أن مُؤمني الجن يدخلون الجنة مثلهُم مثلُ الإنسِ بسواء قال الله جل وعلا (( حورٌ مقصوراتٌ في الخيام * فبأي ألاء ربكُما تُكذبان * لم يطمثهُنّ إنسٌ قبلهُم ولا جان )) فهذهِ دليل ظاهر على أنهُم يدخلون الجنة والعلمُ عند الله تعالى


بارك الله فيكم وفي علمكم أتواصل معكم فضيلة الشيخ صــالح المغامسي حفظكم الله هذا يقول " من صلى الفجر أربعين يوماً يُدركُ تكبيرة الإحرام خلف الإمام يُؤمن من النفاق " هل هذا الحديث صحيح وهل هناك حديث شبيهِ بهذا المعنى وما هو فضل صلاة الفجر في جماعة ؟؟؟

صلاةُ الفجر من أوكد الصلوات قال الله قد أفردها (( وقرآن الفجر إنّ قُرآن الفجر كان مشهودا)) أما ممّا ذكرهُ السائل في هذا حديثان :
حديث يقول " من حافظ على تكبيرة الإحرام أربعين يوماً كُتبت لهُ براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق " هذا بعضُ أهل الصناعة الحديثيهِ حسّنهُ .
وحديث من صلى أربعين يوما يعني له كذا يعني نص مُعين يعني مُكافأة مُعينة لكن هذا الحديث ضعّفهُ أكثروا العلماء لا نعلم أحداً حسّنهُ الثاني أما الأول "من حافظ على تكبيرة الإحرام أربعين يوماً كُتبت لهُ براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق " هذا يوجد من العُلماء من حسّنه والعلم عند الله .
صلاةُ الفجر يعني كما قُلنا في دروسٍ عدة هي آخرُ صلاة صلاّها النبي صلى الله عليهِ في يوم بدر وآخرُ صلاة صلاّها الصحابة رضي الله عنهم والمؤمنون والنبي صلى الله عليهِ وسلم حيٌ أفردها الله في كتابهِ (( وقرآن الفجر)) " من صلّى الفجر فهو في ذمة الله فلا يطلبُنكُم الله بشيءٍ في ذمتهِ" إلى غير ذالك من النصوص العظيمة التي تدلُ عليها وعلى أخواتها من الصلوات الخمس .

بارك الله فيكم عفواً هذهِ إحدى الأخوات تقول أنا امرأة مسحورة منذُ ثماني سنوات ولها يعني قصة وفي كربٍ شديد لكن تقول أرجوا الدُعاء لي بظهر الغيب من الشيخ صالح بأن يرفع اللهُ عني هذا المرض ويفُك سحري ويرزُقني الذُرية الصالحة تقول جزاكم الله خير يا شيخ بماذا تنصحوني في مسألة النوم وأنا أرقي نفسي وأُحافظ على الذكر لكن ما زلتُ أُعاني من الألم والمرض والضعف ؟؟؟

إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون كل ما أساء المؤمن فهو مُصيبة ...
أسأل الله الذي في السماء عرشهُ وفي كُل مكانٍ رحمتهُ وسُلطانهُ أن يكشف عنك الضُرّ والبلوى وأقول لك إن كانت والدتُكِ حية فأطلُبي من والدتكِ أن تدعُوا لكي دُعاء الوالدة لهُ شأن ومقام عظيم عند الله جل وعلا فإن كانت الوالدة موجودة فاطلُبي منها أن تدعُوا لكِ كذالك أنتي ادعُ لنفسكِ كثيراً ويُمكن أن تقولي في دُعاءكِ تأخُذين بما ورد تقرأين على نفسكِ آية الكُرسي وخواتيم البقرة وما جاء كما تعلمين أكيد اطلعتي على كثيراً مما يُقال في هذا لكن قولي في دُعائكِ { اللهُم يا ولي نعمتي وملاذي عند كُربتي اجعل هذا الأمر الذي أخافهُ برداً وسلاماً علي كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم }
أُعيد لكِ الدُعاء إن كُنتِ تكتُبين قولي { اللهُم يا ولي نعمتي وملاذي عند كُربتي اجعل هذا الأمر الذي أخافهُ برداً وسلاماً علي كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم }
إلى غير ذالك ممّا ورد من أدعيةٍ مأثورة أسأل الله أن يكشف عنّا وعنكِ وعن المُسلمين جميعاً الضُرّ والبلوى .

نعم بارك الله فيكم ونحنُ نتواصل معكم ومع المُستمعين الكرام ومع هذهِ الآيات الكريمات المُباركات ونحنُ في رياض القرآن الكريم وفي إذاعة القرآن الكريم على الهواء مُباشرةً أنتقل إلى أحد الإخوة يقول قال الله تعالى (( فليحذر الذين يُخالفون عن أمرهِ أن تُصيبهُم فتنةٌ أو يُصبهُم عذابٌ أليم )) نريُدّ شرحاً للآية وما هي الفائدة العُظمى عندما يتصبر المُسلم عند المُصيبة ؟؟؟

نعم المقصود بالأمر هنا الإسلام ..
نعم
من حيث الجملة وهديُ النبي صلى الله عليهِ وسلم ولا يُتصور أن مُسلماً يعلمُ هدي النبي صلى الله عليهِ وسلم في شيء ويقعُ في قلبهِ ثبوت ذالك الهدي وتقوم عندهُ الأدلة والبراهين والحُجج على أن هدي النبي صلى الله عليهِ وسلم في هذا الأمر كذا وكـــذا ثم يصدُ عنه هذا ممّن قال الله فيهم (( فليحذر الذين يُخالفون عن أمرهِ أن تُصيبهُم فتنةٌ أو يُصبهُم عذابٌ أليم)) وقد قال بعضُ العُلماء أن قضية أو هنا قد تكون فتنة في الدُنيا بصرفهِ عن الدين أو أنهُ قد يُؤخّر لهُ العذاب في الآخرة وليس هناك مجال لإطالة تفسير الآية لكن قضية الصبر على البلاء هو طلب هذا الظاهر .؟
أي نعم
ينبغي الإنسان يُحسن الظنّ بربهِ وبعضُ أهل الفضل يقول إذا وقع في قلب المؤمن اليقين بأنهُ لا يرفع البلوى إلا الله تُرفع إذا وقع في قلب المؤمن اليقين بأنهُ لا يرفع البلوى إلا الله تُرفع عند ذالك تُرفع والعلم عند الله .
وقد لا أجزمُ بهذا القول كُليةً لكن أحياناً الإنسان يُربيهِ الله جل وعلا ويُخلّصهُ من الذنوب بما يبتليهِ بهِ . نعـــم **


نعم بارك الله فيكم آية أُخرى بعثها أحد الأخوة يقول قال الله تعالى (( يجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء )) ما المقصود بهذهِ الآية وهل الأرض كانت مسكونة من قبل ؟؟؟

ظاهرُ القرآن أن الأرض كانت مسكونة من قبل من قِبل الجن وهذا هو ظاهرُ قول الملائكة الذي حكاهُ اللهُ جل وعلا في القرآن (( قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفك الدماء ونحنُ نُسبح بحمدك ونُقدّسُ لك قال إني أعلم ما لا تعلمون )) فظاهرُ الآية أن ثمّةَ من كان يسكُنُ الأرض ولمّا كان أبونا ءادم لم يكُن أحدٌ من قبلهِ نُنسب إليهِ دلّ ذالك على أنهُ من غير الإنس فلم يبقى إلا الجن لكن مع ذالك نقول هذا ظاهرُ القرآن ونتأدب ولا نستطيعُ أن نجزم بهِ .

نعم بارك الله فيكم هذي إحدى الأخوات تقول إذا وصل الإنسان بالصبر على عدم الإنجاب وصل بهِ إلى درجة الرضا على قضاء الله وما كتبهُ عليها هل عليهِ ذنب إذا لم يدعُو بذالك أي أني لا أدعُو الله بالذُرية لنني راضية بذالك وأرجوا الثواب في الآخرة ؟؟؟

والله يا أُختي لا أنصحُكِ بعدم الدُعاء كونك تكونين راضية لا يمتنع معهُ الدُعاء فإنّ زكريا عليهِ الصلاةُ والسلام لن نكون لا أنا ولا أنت ولا غيرُنا من أهل عصرنا أفضل منه ولا شك أن زكريا كان راضياً بقضاء الله وقدرهِ ومع ذالك دعا الرضا بقضاء الله وقدرهِ منزلة عظيمة لكنني أنصحُكِ أنت تدعو فإذا دعوتي فالإنسان لا يدري أين الخير أكثري من قول ربنا ءاتنا في الدُنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، قولي ربِ هب لي من لدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُعاء ، توسلي إلى الله جل وعلا بأسمائهِ الحُسنى وصفاتهِ العُلا وهذا كُلهُ كما أخبرتُكِ لا يتعارض مع الرضا بقضاء اللهِ جل وعلا وقدرهِ أســــــأل الله بمنّهِ وكرمهِ وسُلطانهِ العظيم أن يمُنّ عليك بالذُرية الطيبة الصالحة .

بارك الله فيكُم هذي أم عبد الرحمن الفارس أرسلت بهذهِ الرسالة تحمل سبع خطوات من أجل قراءة مؤثرة للقرآن الكريم تقول : أولاً أن يقصد القارىء التدبُر والتفكُر وأن يخشع قلبُه ويهتدي بنور القرآن .
ثانياً : تعظيم القرآن باستحضار جلالة قدرهِ وعلوّ منزلتهِ وجزيل إنعام اللهِ على من قرأه .
ثالثاً : الاستعاذة بالله من كيد الشيطان فإنّ الشيطان يسعى لصد القارىء من أمرين :
تدبُر كلام الله والتأثُر بهِ ،،، ثانياً : الانتفاع بالتدبُر والاهتداء بهِ .
رابعاً : الحذر من هجر تدبُر القرآن فإنّ ترك الخشوع في قراءتهِ سبب لقسوة القلب .
خامساً : الترتيل والترسُل في القراءة فتكون همّهُ عرض المعاني على القلب عسى أن يتأثر أو يخشع وليس همّهُ متى يختم القرآن .
سادساً : إطالة النظر في مقصُود الآيات .
سابعاً : أن يفرح بتدبُرهِ فإذا تأثر بآية وأنتفع قلبهُ فلا يتجاوز هذهِ الآية حتى تنطبع معانيها في قلبهِ وينشرح صدرهُ بها .
تعليقكُم بارك الله فيكم ؟؟؟

هذا حسنٌ
جميل
لكنني أقول هذهِ الأشياء النظرية محمودة لكن ينبغي أن يقع في القلب أولاً تعظيمُ الله جل وعلا وتعظيم كلامهِ والبُعد عن الكلفة وما ذكرتهُ الأُخت المُباركة في مُجملهِ حسنٌ ومقبول لكن كما قُلت كم من علمٍ نظريٍ يعني قد يعجزُ الإنسانُ عن تطبيقهِ لكن للأعمال الصالحة والخوف من مقام الله وصلاح السريرة وحُسن الطوية دورٌ عظيم في أن يُتقن العبدُ قراءة كلام اللهِ جل وعلا .

نعم بارك الله فيكم معنا اتصال أو مًداخلة تفضل نعم
أعود مرة ثانية إليكُم ريثما يتم الاتصال أو المُشاركة هذا أحد الأخوة ولكن أتواصل معكم حفظكُم الله ولكن لعلي أستعرض بعض الآيات الكريمات إذا سمح الوقت ونحنُ في ختام هذا الوقت والدقائق معدودة لكن يقول الله سُبحانهُ وتعالى (( أفلا يتدبرُون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها )) ما المقصُود بالأقفال حفظكُم الله ؟؟؟

هذا استفهام إنكاري ذكره الله جل وعلا في هاذهي الآيات المُباركة (( أفلا يتدبرُون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها ))
الجهل بالله يحجب عن تدبُر القرآن ، سوءُ النية يحجب عن تدبُر القرآن ، ظُلمُ الناس يحجب عن تدبُر القرآن ، يكون الإنسان يجعل من القرآن زاداً دُنيوياً محضا هذا يحجب عن تدبُر القرآن .
تدبُر القرآن منزلة رفيعة يُؤتاها من وفقه الله جل وعلا وفطر قلبهُ على خوف الله جل وعلا وعلم يقيناً أن هذا كلام ربهِ يقول اللهُ جل وعلا (( قُل ءامنوا بهِ أولا لا تُؤمنوا إنّ الذين أُوتوا العلم من قبلهِ إذا يُتلى عليهِم يخرّون للأذقانِ سُجدا * ويقولون سُبحان ربنا إن كان وعدُ ربنا لمفعولا * ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهُم خشوعا ))
تدبُر القرآن الحق ليست قضايا حقائق اللُغة وأسرار البلاغة لكن تدبُر القرآن الحق أن يُورث عملاً أن يُورث قلباً خاشعاً وعيناً دامعة وكبداً رطبة يعرفُ بذالك كُلهِ العبد أين مواطن رضوان الله فيسعى إليها ويعلم منها أي مواطن غضب الله جل وعلا فيفرّ منها فلا يُحبُ أن يراهُ الله حيث نهاه ولا أن يفقدهُ الله جل وعلا حيث أمره إذا وقع هذا من العبد يكون هناك تدبرٌ عظيمٌ لكلام الرب جل وعلا أو فلنقُل قد أحسن هذا العبدُ تدبُر القرآن . نعــم **

نعم بارك الله فيكم هذي أم عبد العزيز من جدة حفظكم الله تقول لقد ذكر بعضُ أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ أعلى المقامات وجُمع لهُ أعظم صفات الأنبياء من قبلهِ تسأل تقول أرجوا فضيلتكُم تكرُماً منكُم وإحساناً لنا أن تذكرُوا لنا أشرف المقامات التي ذُكر لرسول الله صلى الله عليهِ وسلم أو ذُكر في القرآن الكريم ومنها مثلاً مقام العبودية في سورة الإسراء ومقام التحدي ومقام التنزيل بارك الله فيكم ؟؟؟

النبيُ صلى الله عليه وسلم خاتم الرُسل وأفضلُ الأنبياء قال عليه الصلاةُ والسلام " ما من نبيٍ يومئذٍ ءادم فمن سواه إلا وهو تحت لوائي " أعظمُ مقامٍ أعطاهُ اللهُ جل وعلا إياه هو المقام المحمود وقد أشار الله إليهِ في سورة الإسراء بقولهِ (( ومن الليل فتهجد بهِ نافلة لك عسى أن يبعثكُ ربُك مقاماً محمودا ))
هذا أعظمُ المقامات وهي الوسيلة قال عليهِ الصلاةُ والسلام " فهي درجةٌ لا ينبغي أن تكون إلا لعبدِ صالح وأرجوا أنا أن أكون أنا هو "
من دلائل إكرام اللهِ جل وعلا لنبيهِ قول الله جل وعلا (( وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحقُ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو أتنا بعذاب أليم )) قال اللهُ جل وعلا يُبيّن مقام نبيهِ عنده (( وما كان الله ليُعذبهُم وأنت فيهم )) وعلى القول بأنهُ أقسم بهِ جل وعلا فهذا مقام رفيع لهُ صلى الله عليه وسلم قال الله في سورة الحجر (( لعمرُك إنّهُم في سكرتهِم يعمهُون )) كما أ، من دلائل اصطفائه جل وعلا أقسم بالأرض التي يطأُها نبيهُ فقال جل وعلا (( لا أُقسمُ بهذا البلد * وأنت حلٌ بهذا البلد )) على وجهِ من أوجه التفسير في معنى كلمة حل .
هذهِ بعضُ المقامات التي أعطاهُ الله جل وعلا نبيهُ الكريم صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ وهو أعلى الأنبياء درجة وأرفعهُم منزلة صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ.
أحيــــــــــانا الله في الدُنيا على سُنتهِ و أمـــــــــاتنا الله على ملتهِ ونســــــــــــأل الله أن يحشًُرنا يوم القيامة في زُمرتهِ ...


بارك الله فيكُم فضيلة الشيخ صـالح ونحنُ في ختام هذهِ الحلقة عن ماذا تود أن تختم هذهِ الحلقة وهذا الموضع المُهم حقيقةً ؟؟؟

نُريد أن نختم بالوصية لأنفُسنا ولغيرنا بتقوى الله فإنّ تقوى الله جل وعلا الزادُ الذي بهِ يسود المُؤمن في أمر دُنياه وأخرتهِ وصّى اللهُ بها خلقهُ أجمعين بلا استثناء (( ولقد وصينا الذين أُتوا الكتاب من قبلكُم وإياكُم أن اتقوا الله )) تكفل الله لأهل تقواه بالأمن ممّا يخافون وبالنجاة ممّا يحذرون وبالرزق من حيث لا يحتسبون (( ومن يتقِ الله يجعل لهُ مخرجا ويرزقهُ من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبُهُ إنّ الله بالغُ أمرهِ قد جعل اللهُ لكُل شيءٍ قدرا ))
نسأل الله جل وعلا أن يرزُقنا وإيــــــــــــاكم التقوى وأن يُوفقنا وإيـــــــــاكم لما يُحبُ ويرضى ..

عفواً هذا اتصال ثم نعود نُختم الحلقة تفضل يا أبو أحمد

السلامُ عليكم ورحمة الله
عليكم السلام
أُحييكم وأُحيي فضيلة الشيخ صالح أنا اسمي أحمد أتمنى لكم التوفيق وأدعو لكُم بالتسديد والحقيقة إذا سمحت لي في نصف دقيقة أن يعني أحمد إلى الشيخ صنيعهُ في التفسير لكن سيما أنا أذكُر كلمة للحسن أنا أود من السيخ أن يُعلق عليها الحسن البصري
نعم
لمّا قال إنّ الله أنزل كتابهُ ليُعمل بهِ فاتخذ الناس تلاوتهُ عملا صار مُجرد التلاوة عند كثيرين هو العمل دون تدبُرهُ أو تأمُل في المعنى يعني لمّا نسمع للشيخ وكلامه في تفسير سورة يوسف والمعاني الجميلة التي أثارها وكان الأستاذ خالد يُثيرها معهُ تجعل الإنسان فعلاً يقف عند معاني وآثار عظيمة أنا أدعو لمثل هذا مثلاً حتى في كُل السور التي نُكررُها سورة الكهف التي نقرأُها كُل جُمعة ما هي الدروس والفوائد ولماذا
شكراً
السؤال الأخير لفضيلة الشيخ لماذا لا يُوجد كثير من أهل العلم والفضل والذي هُم ذا قُدرة وبلادنا وبلاد المُسلمين تزخرُ بهم ممّن يُحاول أن يُفهم الناس القرآن ليُلامس جرُحهم فيُداويها ويأتي إلى هُمومهِم ويُخففها ويأتي إلى مثلاً سلواهُم فيزيدهُم سعادة وغير ذالك من المعاني التي يحملُها كتابُ الله في دفع الظُلم مثلاً في محبة الخير في نشر الفضيلة أتمنى لكم التوفيق وأُشير وأشدُ على أيديكُم وأدعو لكُم من خالص قلبي الحقيقة بالتوفيق ولفضيلة الشيخ صالح الذي نُشهدُ الله على الهوا أننا نُحبهُ اسأل الله أن يجمعنا وإياها على خير وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتهُ

شكر الله لك يا شيخ أحمد شُكراً جزيلاً والله إنّنا إن قيل للإنسان شيء من الفراسة فإنّا لا نُزكيك على الله لكن والله نحسبُك أنك صادقاً فاهماً مُدركاً لما تقول وهذهِ منزلة عظيمة رزقنا الله وإيـــاك إياها وثبّتنا الله وإيـــاك عليها وما دعوتُم إليهِ أيُها الشيخُ المُبارك الفاضل هو الذي يجبُ أن نحمل جميعاً همّهُ يجب أن يفيء الناس إلى القرآن يجب أن يفيء الناس إلى العمل بالقرآن وما نقلتهُ بارك اللهُ فيك عن التابعي الجليل الحسن البصري هي كلمةٌ عظيمةٌ جليلة من رجُلٍ معروف بالصدق والصلاح فيما نُقل عنه رحمةُ الله تعالى عليهِ وهو أبي سعيد الحسن البصري .
الذي يعنينا أنه ينبغي أن يفقه الناسُ القرآن ويعملوا بهِ ويعلموا أنهُ لا نجاة للأُمة إلا بكتاب الله وسُنة نبيها صلى الله عليهِ وسلم لكنّهُ إذا وقف الناس فقط عند تلاوتهِ وإتقان قرأتهِ وتنافسوا في ذالك فقط وظنُوا أن ذالك هو المُنتهى فلم يفقهُوا شيئاً فكلامُ الله جل وعلا أو كتابهُ ما أُنزل لنضعهُ في مؤخرة السيارات أو على مكاتبنا أو خلف كراسينا إذا أُلتُقطت لأحدنا صورة أو ما أشبه ذالك كلامُ الله يجب أن يستوطنُ القلوب يجب أن يُعمل بهِ يجب أن يكون هو الحاكمُ على أمرنا كُلهِ وهو المُسيّرُ لنا وما السُنةُ إلا في آيةٍ واحدة قال الله جل وعلا (( وما أتاكُم الرسول فخذُوهُ وما نهاكُم عنهُ فانتهوا )) لكن لا يُمكن أن يُفقه الكتاب من غير السُنة فهُم مُتلازمانِ تلازُماً تاما " تركتُ فيكُم ما أن تمسكتُم بهِ لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسُنة نبيهِ " كما قال صلواتُ الله وسلامهُ عليهِ .
رزقنا اللهُ وإيــــــــــاك والمُسلمين العلم النافع والعمل الصالح .

بارك الله فيكم يا شيخ صــالح وأسأل الله سُبحانهُ وتعالى أن ينفع بكُم وأن يجعل ذالك في موازين حسناتكُم ...
أمــــــــــــــــــين
بودي أن يطول اللقاء ولكن يبدوا أنك على موعد بعد مغرب هذا اليوم بمشيئة الله تعالى في جامع الحسن بن علي في البديعة في مدينة الرياض أسأل الله سُبحانه وتعالى أ يُسدد الخُطى وأن يجعل ذالك عملاً مُباركاً إنهُ على كُل شيءٍ قدير...
اللهم آمين
أيُها الأخوة والأخوات إلى هُنا ونأتي إلى ختام هذهِ الحلقة من برنامج معكم على الهوا آيـــــــــــــــاتٌ وعظـــــــــــــــــات ضيف الحلقة فضيلة الشيخ صـــالح بن عواد المغامسي عضو هيئة التدريس في كُلية المُعلمين في طيبة الطيبة وإمــام وخطيب مسجد قباء في المدينة المنورة
جزا اللهُ الشيخ خير الجزاء وجعل ذالك في موازين حسناتهِ كما نسأل الله العلي القدير أن ينفعنا بما سمعنا وأن يُبارك لنا في القرآن والسُنة وبما فيهما من الآيات والحكمة وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء هُمومنا وذهاب أحزاننا إنهُ على كُل شيءٍ قدير
اللهم آمين

مريم العلي
17-08-2009, 12:31 PM
الأيام النظرة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم

الشيخ صالح بن عواد المغامسي


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق الكون بما فيه وجامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده تقدست عن الأشباه ذاته ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصرًا وأولهم وأرفعهم يوم القيامة شأنًا وذكرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع نهجه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد .
التعـريف بصـاحب التصنيف - و بدء الشـرح من أول المتن :

فهذا بحمد الله وتوفيقه وعونه أول دروسنا العلمية في التعليق على "الدرة المضيئة في السيرة النبوية" للعلامة عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى، وإن من التأدب مع أهل التصنيف أن يُذكر ما لهم من فضل وما قدموه لدين الله جلّ وعلا من عملٍ نافع، وصاحب هذا التصنيف الذي بين يديكم أحد أئمة المسلمين الذي عاشوا في القرن السادس الهجري، وكان ذا ورعٍ وعبادة، وممن اشتغل بطلب العلم وتعليمه، وممن عُرف عنهم كثرة التعبد والتماس الأثر، وكان فقيهًا حنبليًا رحمه الله تعالى.
ومما يُذكر عنه أنه في يوم وفاته - والخواتيم تدل على أيام الإنسان ومراحله التي مضت - أنه رحمه أصابه المرض حتى لم يقدر على الذهاب على المسجد، فلما اشتد عليه المرض دخل عليه أحد أبنائه فقال له يا أبتاه ما تشتهي؟ قال أشتهي الجنة، ثم إنه صلى الفجر، ثم قال له ابنه يا أبتاه هاهنا دواء، قال يا بني لم يبق إلا الموت –شاعرًا بدنو الأجل-، ثم إنه قال له ابنه مُكررًا له السؤال ماذا تشتهي، قال أشتهي أن أنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، فدخل عليه جماعة من أصحابه يعودونه فلما سلّموا عليه رد عليهم بصوتٍ ضعيف، ثم أخذوا يتحادثون فيما بينهم فكان العجب أنه وهو المريض الذي يُعاد قال لهم قولوا لا إله إلا الله، اذكروا الله، فيم أنتم تخوضون، فلما قاموا عنه أخذ يُردد لا إله إلا الله ويحرك بها شفتيه حتى فاضت روحه وانتقل إلى جوار ربه.
هذا يدلك على ما كان عليه بعض علماء السلف من البركة، وما أفاءه الله جلّ وعلا عليهم من الفضل، وهذا الفضل الذي بين يديك خاصٌّ بالسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وتعريفًا بجملة من أصحابه، هم العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم.
وإننا قبل أن نشرع في شرح المتن يجب أن ننبه إلى أمور، إن الإنسان لا يمكن أن يُهيأ
له مقام بعد أن يُدرس كتاب الله جلّ وعلا أعظم من أن يدرس سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن نبينا عليه الصلاة والسلام ختم الله به الرسالات، وأتم الله جلّ وعلا به النبوات، وبعثه بين يدي الساعة هاديًا مُبشرًا ونذيرًا، وأمر العباد بمحبته وطاعته والتماس هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا فإنه ينبغي أن يُقرر شرعًا قبل أن نشرع مُتكلمًا وسامعين في شرح هذه الدرة المضيئة أن نقول: إنه يجب علينا أن نتعلم سيرته صلى الله عليه وسلم لاأن نبز أقراننا ونفوق إخواننا ونترفع على من بين أيدينا، وإنما حتى نتأسّى به صلوات الله وسلامه عليه ونجعله بيننا وبين ربنا فنقتفي أثره، ونلتمس سنته، ونتبع هديه، ذلكم الذي أمرنا الله جلّ وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحـزاب: 21].
وقد فطر الله جلّ وعلا كثيرًا من خلقه على محبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحًا بصعوده، فقال عليه الصلاة والسلام ( اثبت أُحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان )، وترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما صُنع له المنبر فحنّ الجذع إليه، فقام عليه الصلاة والسلام والتمس الجذع وضمه إليه، وكان الحسن البصري رحمه الله إذا حدث بهذا الحديث يقول "يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بال قلوبكم لا تحن إليه".
وقد أعطاه الله من المزايا والعطايا ما لم يُعط أحدٌ من العالمين، أشار إلى القمر وأومأ إليه فانفلق بإذن الله تأييدًا لرسالته، وأشار إلى السحاب فتفرق إكرامًا لإشارته، إلى غير ذلك مما سيأتي في المتن من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه، هذا كله يدفع المؤمن وطالب العلم في المقام الأول إلى أن يكون عالمًا فقيهًا مُطلعًا على سيرته صلى الله عليه وسلم؛ حتى يدعو الناس إلى هديه عليه الصلاة والسلام فإن الله سد كل بابٍ موصلٍ إليه إلا ما كان عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه.
والرسالة والنبوة لا تنال بالسعي ولا بالكد ولا بالعمل ولا بطلب العلم وإنما هي هبةٌ من الله، يقول الله جل شأنه ﴿ اللَّهُ َأَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124]، فالله تبارك وتعالى اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة فكانوا أئمة هدًى ومصابيح دُجى، نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور حجةً من الله تبارك وتعالى على خلقه كما قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165].
والمقصود من هذا كله إخلاص النية والسعي قدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه
النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلا في ذكرها.
وصاحب هذا المتن قال في أوله: أنه موجز وأنه مُختصر، وأن المراد به الإلمام الشامل بسيرته عليه الصلاة والسلام، وسنحاول أن نعرج قدر الإمكان على ما أطلق منها لأن بعض النصوص في المتن كما هو معلومٌ لا يكاد يجهلها أحد، وإنما سنقف على ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى أن يقف الإنسان معه ويبينه لغيره، والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم صلاح النية وإخلاص القصد، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه يُبتغى بها رضاه ويُتقى بها سخطه إنه سميعٌ مجيب.

( الحمد لله خالق الأرض والسماء، وجاعل النور والظلماء، وجامع الخلق لفصل القضاء،
لفوز المحسنين وشقوة أهل الشقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة يسعد بها قائلها يوم الجزاء، وصلى الله على سيد المرسلين والأنبياء، محمد، وآله، وصحبه النجباء.
أما بعد:
فهذه جملة مختصرة من أحوال سيدنا ونبينا، المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يستغني عنها أحد من المسلمين، نفعنا الله بها، ومن قرأها، وسمعها.

نسبه صلى الله عليه وسلم:

فنبدأ بنسبه:
فهو أبو القاسم، مُحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هَاشِمِ بن عبد مَنَاف بن
قُصَيِّ ابن كِلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ بن فِهْرِ بن مَالِكِ بن النَّضْرِ بن كِنَانَة بن خُزَيْمَةَ ابن مُدْرِكَةَ بن إِلْيَاسَ بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَانَ بن أُدَد ابن الْمُقَوَّم بن نَاحُورَ بن تَيْرَحَ بن يَعْرُبَ بن يَشْجُبَ بن نَابِت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تَارح – وهو آزر – بن نَاحُورَ بن سَارُوعَ بن رَاعُو بن فَالِخ ابن عَيْبَر بن شَالِخ بن أَرْفَخَشْد بن سَام بن نُوح بن لَمْكِ بن مُتُوشَلْخ بن أَخْنُوخ – وهو إدريس النبي فيما يزعمون، وهو أول بني آدم أعطي النبوة، وخط بالقلم ابن يَرْدَ بن مَهْلِيلَ بن قَيْنَن بن يَانِش بن شِيث بن آدم صلى الله عليه وسلم.
هذا النسب ذكره محمد بن إسحاق بن يسار المدني في إحدى الروايات عنه. وإلى عدنان متفق على صحته من غير اختلاف فيه، وما بعده مختلف فيه.
وقريش: ابن فهر بن مالك، وقيل: النضر بن كنانة ) ( )
بدأ المصنف رحمه الله كتابه بذكر أن كنية نبينا صلى الله عليه وسلم هي أبو القاسم، والكنية ما صُدِّر بأبٍ وأم أو ابن، كما يقال ابن أم مكتوم، أو ابن أم عبد، أو أبو القاسم، أو أبو حفص، هذه كلها تُسمى كُنى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له من خديجة رضي الله تعالى عنها أولاد ذكورًا وإناثًا، كان له القاسم والطيب المُسمى عبد الله، وكان له أربع بنات، فكان بديهيًا أن الأصل أن الإنسان يُكنى بأكبر بنيه، فكُني صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم، وقد وردت كثيرًا في كتب الأحاديث كما في حديث ثوبان في صحيح مُسلم وغيره "يا أبا القاسم ما أول أشراط الساعة"، إلى آخر ذلك مما ورد هاهنا وهناك في الصحيحين وفي غيرهما مناداة اليهود أو بعض كفار قريش له بأبي القاسم، فهذه كنيته صلوات الله وسلامه عليه.
أما اسمه فإن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره النسابون عنه يُمكن تصنيف النسب الشريف إلى ثلاثة أقسام، نسبه صلى الله عليه وسلم منه إلى جده عدنان، وهذا أمرٌ مُتفقٌ عليه، مُتفقٌ على صحة هذا النسب، ومن عدنان إلى إسماعيل مُختلفٌ فيه، ومن إسماعيل وإبراهيم إلى آدم عليه السلام كثيرٌ منه غير صحيح ويمكن أن يُقال علميًا أنه يصعب إثبات وذكره، فعلى هذا يتحرر أن النسب الشريف المذكور ثلاثة أقسام، قسمٌ ثبتت صحته، وقسمٌ مُختلفٌ فيه لكن الصحيح منه أكثر، وقسمٌ مُختلفٌ فيه وأكثره غير صحيح؛ لصعوبة الإثبات.
أما النسب الذي هو مُثبت فهو مُحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هَاشِمِ بن عبد مَنَاف ابن قُصَيِّ بن كُلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ بن فِهْرِ بن مَالِكِ بن النَّضْرِ بن كِنَانَة صلوات الله وسلامه عليه، كنانة هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( واصطفاني من بني كنانة )، ولذلك توقفنا عنده، والذي يعنينا في هذا المقام أن تعرف أن الله جلّ وعلا اختار هذا النبي ليتم به الرسالات ويكمل به النبوات، فكان حقًا على الله –ولا ممتن على الله- أن يحفظه صلى الله عليه وسلم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فكان صلى الله عليه وسلم يولد من نكاحٍ إلى نكاح محفوظًا في أصلاب الرجال وفي أرحام النساء حتى وضعته أمه آمنة بنت وهب من أبيه عبد الله بن المطلب.
وهذا النسب ليس معناه أن جميع آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأجداده كانوا مؤمنين، وهذا لا يدل الواقع التاريخي عليه، نبينا صلى الله عليه وسلم من أباءٍ وأجدادٍ من كان من أهل الفطرة، والله أعلم بهم، ولاشك أن من إبراهيم إلى آدم من كان على غير ملة الإسلام، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظًا برعاية ربه تبارك وتعالى.
وهذا النسب عندما نقول النبي العدناني فإنما ننسبه إلى جده عدنان الذي هو قطعًا من ذرية إسماعيل، وعندما نقول النبي المضري نسبة إلى مُضر الذي هو خصيم ربيعة، فإن مُضر له أخٌ يُقال له ربيعة انفلقت منه العرب فلقتين، المضريون كانوا يسكنون مكة وهم عرب الحجاز، وربيعة من كانوا يسكنون جهة البادية في بادية نجد والعراق، ولما ظهر مسيلمة كان من ربيعة، فكان أتباع مسيلمة يقولون كاذب ربعية يقصدون مسيلمة، ولاصادق مُضر يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم -أخذتهم الحمية-، أو عندما يُقال النبي العدناني أو يُقال النبي المُضري، لكن لا يتعلق بهذين الاسمين أي حكمٍ شرعي.
ويصل بك الأمر حتى تصل إلى هاشم فتقول : صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن
عبد المطلب بن هاشم، عندما يصل الأمر إلى جده هاشم يتعلق به أمرٌ شرعي وهو أنه إذا
قيل آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المقصود منه بنو هاشم، والحكم الشرعي
الذي يتعلق بهذا النسب هنا أن الزكاة لا تُعطى إليهم كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
على أنه كذلك يُضاف إلى بني هاشم أن هاشمًا هذا هو ابن عبد مناف، وعبد مناف ترك أربعة من الولد، ترك نوفل وترك عبد شمس وترك المطلب –بدون عبد- وترك هاشمًا، وهذه يجب تحريرها لأنه يتعلق بها مسائل شرعية، فهؤلاء الأربع إخوان من أبيهم الذي هو عبد مناف، قال عليه الصلاة والسلام عندما ننسب ننسب إلى بني هاشم، هاشمٌ هذا له إخوة ثلاثة الذين ذكرناهم، قلنا عبد شمسٍ والمطلب، لما حصل ما حصل في شعب بني طالب وحاصرت قريشٌ النبي عليه الصلاة والسلام في الشعب انضم إليه أبناء المطلب، انضموا إلى بني هاشمٍ في الشعب كافرهم ومؤمنهم، وبقي بنو عبد شمس وبنو نوفل مع قريش ضد النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم .
هذه الخصيصة لبني المطلب حفظها النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فلما كانت غزوة خيبر وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم وجاءه وفدٌ من بني عبد شمس وبني نوفل، جاءه جبير بن مطعم وجاءه عثمان رضي الله عنه من بني عبد شمس فقالوا "يا نبي الله إنك أعطيت إخواننا من بني هاشم وهذه لا تثريب فيها؛ لأن الله شرفهم بك، وإنك أعطيت إخواننا من بني المطلب ونحن وإياهم شيءٌ واحد"، لأن المطلب أخٌ لنوفل وأخ لعبد شمس، قال صلى الله عليه وسلم ( لا، إن بني المطلب لم يُفارقونا في جاهلية ولا في إسلام، وشبك بين أصبعه )، من هذا ذهب جمهور العلماء إلى أن بني المطلب يدخلون في آل البيت بمقتضى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه أهم ما يُعرف من فوائد ذكر النسب الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه عليه .
ثم إذا نزلت قليلا فإن هاشمًا هذا اسمه عمرو، وإنما سُمي هاشمًا لأنه كان يكسر الخبز ويضعه مع المرق ويُسمى عند العرب حين ذاك الثريد ويطعم به الحجاج، وهو الذي سن رحلتي الشتاء والصيف لقريش، وكان اسمه الحقيقي عمرو كما بينت، وقد قيل فيه
عمرو الذي هشم الثريد لقومه *** قوم بمكة مسنتين عـجــاف
سنت إليه الرحلتان كلاهمـا *** سفر الشتاء ورحلة الأصياف
هذا الذي يُنسب إليه صلى الله عليه وسلم في المقام الأول، ويُقال النبي الهاشمي، وقلنا كما يُقال النبي المضري يخرج بني ربيعة، وعندما يُقال العدناني المقصود نسبته إلى إسماعيل وسيأتي بيان هذا، ثم دون ذلك يكون عبد المطلب –وليس المطلب الأول-، واسمه شيبة، وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم وأحد الذين كفلوه كما سيأتي تحريره في موضعه، واسمه شيبة، قيل له شيبة الحمد ، وإنما سُمي عبد المطلب؛ لأن المطلب الذي ذكرناه في الأول أخو هاشم لما جاء المدينة كان شيبة هذا صغيرًا ابنًا لأخيه هاشم، فلما مات هاشم أخذ المطلب شيبة هذا وأردفه وراءه ودخل به مكة، فلما دخل به مكة ظنه الناس من قريش أنه عبدًا للمطلب فأخذوا يقولون عبد المطلب عبد المطلب عبد المطلب حتى غلبت عليه، وإلا فاسمه شيبة.
وتظهر فائدة ثانية قلما ينتبه إليها إلا القليل وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مُفتخرًا ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب )، هذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين والشُرَّاح عندما يأتون إلى ذكر الإنسان أنه لا يُذكر الإنسان أنه عبدٌ لغير الله فيقولون يجوز من باب النسب، ويأتون بهذا الدليل، يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب )، وهذا وهمٌ ممن قاله، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال ( أنا ابن عبد المطلب) العبودية هنا لم يقصد بها القرشيون عبودية الذل وعبودية التعبد وإنما قصدوا بها عبودية الرق، كما يقول زيدًا من الناس مثلا عبدٌ لبني فلان، عبدٌ بمعنى رقيق ليس أنه يعبدهم.

فقوله عليه الصلاة والسلام ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) لم يُغير عليه الصلاة والسلام اسم جده ولم يقل أن عبد المطلب لم يكن عبدًا؛ لأنه فهم الوضع الذي ذُكر منه الاسم وهو أن شيبة فهمت قريشٌ أنه عبد للمطلب أي أنه أجير غلام بمعنى عبودية الرق، وحتى نحرر المسألة العبودية أصلا ثلاثة أقسام :
عبودية رق وضدها الحرية، وهذه تُسمى عبودية شرعية والدليل قوله تعالى : ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ﴾[البقرة:178] .
وعبودية ذل وقهر وهذه يشترك فيها كل الخلق، الملائكة والجن والإنس، كلهم عبيدٌ لله تبارك وتعالى من هذا الباب، عبودية ذل وقهر من جانب الرب تبارك وتعالى، ودليلها من القرآن ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93] .
العبودية الثالثة عبودية الطاعة، وتنقسم إلى قسمين :
عبودية طاعةٍ لله، وعبودية طاعة لغير الله تبارك وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام ( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة )، والطاعة لله هي التي يتنافس فيها المتنافسون ويشمر فيها العاملون، وهي التي بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الذروة منها فكان كما سمّاه الله جلّ وعلا قال ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ [الفرقان: 1]، أرادالله بها هنا عبودية الطاعة.
هذا عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم الأول، من هذا نفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه وأمه عربيٌ من العرب المستعربة .
والعرب أمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، أما العرب البائدة فهم ثمود وعاد فهذه أمم عربية كانت موجودة ثم بادت ولم يبق منها على الأرض من نسل، وعربٌ عاربة أي عرب أقحاحٌ جدًا، وهم ذرية يعرب بن قحطان، والمصنف هنا رحمه الله تعالى لم يذكر أن يعرب ابنًا لقحطان، فأهمل قحطان ما بين يعرب والجد الذي يليه، يعربٌ هذا هو جد العرب، ويُسمى العرب هؤلاء بالقحطانيين نسبةً إلى يعرب بن قحطان وهؤلاء هم العرب العاربة.
بقي القسم الثالث وهم العرب المستعربة،
والألف والسين والتاء في اللغة غالبًا ما تعني الاكتساب، تعني الطلب، تعني الاكتساب، مسائل عدة تعني اكتساب الشيء، فعربٌ مستعربة أي ليسوا عربًا في أصلهم وإنما اكتسبوا العروبة، إسماعيل عليه الصلاة والسلام ابن إبراهيم، وإبراهيم لم يكن عربيًا -وإن كان من ذرية سام-، لكنه لم يكن عربيًا، ولذلك تقرأ في القرآن ﴿ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ بالفتح، ويقولون النحاة ممنوع من الصرف للعلمية وللعُجْمى، أي غير عربي ،
فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وبالتالي إسماعيل ليس عربيًا، لكن إسماعيل اكتسب العربية من ماذا؟ من جهة زوجته، لأنه أخذ من جُرهم، وجُرهم قبيلة عربية قحطانية، فمن تولد من ذرية إسماعيل وزوجته التي من جُرهم يُسمون عربًا مُستعربة ومنهم نبينا صلى الله عليه وسلم.
فالعرب قحطانيون وعدنانيون ، هذا تقسيم، ويُسمون عرب الشمال وعرب الجنوب هذا تقسيم ، ويُسمون عرب الحجاز هم العرب المستعربة في الغالب، وليس لهذا التقسيم قسيم، يعني إذا قلنا عرب الحجاز لا يوجد له قسيمٌ آخر نحيل عليه، على هذا يُفهم أن العرب أمةٌ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعربٌ عاربة، وعرب مستعربة، ونبينا صلى الله عليه وسلم من العرب المستعربة الذين اكتسبوا العربية من جرهم قبيلة قحطانية نزلت مكة وتزوج منهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام، هذا كله في ذكر نسبه صلى الله عليه وسلم، وقد بينا أهم ما فيه.
ذكر المصنف في جملة ما قرأ القارئ أن إدريس أو من نُبئ وأول من خط بالقلم، وهذا ذكره أبو هلال العسكري في الأوائل، ولا دليل عليها، وإذا أطقنا النبوة فمن الخطأ أن يُقال إن إدريس عليه السلام أول من نُبئ لأن هذا قد يُفهم منه بادي الرأي أن آدم عليه السلام ليس بنبي، والمعلوم شرعًا المقـرر فـي هـذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام سُئل عن آدم أنبيٌ هو؟ قال ( نعم، نبيٌ مُكلم )، فآدم نبي، فالقول أن إدريس أول من نُبئ غير صحيح إلا أن يكون المقصود أول من نُبئ بعد آدم عليه السلام، أما أن يُقال أنه أول من خط بالقلم وما إلى ذلك فلا سبيل ولا دليل إلى إثباته.
قال المصنف في آخر ما قرأنا أن قريش هو ابن فهر، والصواب أنه هو فهرٌ نفسه، أن قريش
لقبٌ على فهر، واختلفوا لماذا سُمي قريش، والأظهر أنه كان قادرًا على أن يجمع الناس، كان ذا سلطان، لهذا سُمي قريش، فقريشٌ لقبٌ على فهر غلب عليه ، وليس ابن فهر، ولكن فهر هو قريش على الأرجح من أقوال العلماء، هذا ما يتعلق بالنسب الشريف.

أمه صلى الله عليه وسلم وولادته :
( أمه صلى الله عليه وسلم : وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة بن كِلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ.

ولادته صلى الله عليه وسلم:
وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام "الفيل" في شهر ربيع الأول لليلتين خلتا منه، يوم الاثنين.
وقال بعضهم: بعد "الفيل" بثلاثين عامًا، وقال بعضهم: بأربعين عامًا. والصحيح أنه ولد عام الفيل )
ذكر المصنف هنا أن أم النبي صلى الله عليه وسلم هي آمنة، ولم يقل أبوه هو فلان لأنه ورد ذكره في النسب الأول، وأفرد الأم لأنه لم يرد ذكرها في النسب الأول ، آمنة بنت وهب هي أم نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي من بين زهرة، وبنو زهرة بطنٌ من بطون قريش فتجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، آمنة هذه تزوجها أبوالنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، فلما تزوجها حملت منه بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
ولحكم أرادها الله أن يموت الأبوان قبل أن ينشأ صلى الله عليه وسلم النشأة التي يمكن أن نقول إنها بلغت سن التمييز، فأبوه عبد الله لما تزوج آمنة وحملت به على أظهر أقوال العلماء أن أباه مات وهو حملٌ عليه الصلاة والسلام، كان له أخوالٌ من بني النجار في المدينة –مدينة النبي صلى الله عليه وسلم- فذهب عبد الله هذا لتجارة لأبيه فمات هناك في المدينة، ودُفن في دار النابغة أي في دار النابغة الجعدي أحد شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم وحسن إسلامه.
الاختلاف وقع فيما ذكره المصنف في قضية متى وُلد النبي صلى الله عليه وسلم، يجب أن تعلم أن المُتفق عليه أنه ولد في الاثنين وفي شهر ربيعٍ الأول، ودائمًا الإنسان في طلب العلم يأخذ ما اتُفق عليه في الأول، وما اختلف عليه يبدأ بعد ذلك بالأقوى، لكن لابد في المسيرة العلمية من شيءٍ قوي تركن إليه، ثم تُخرج الأضعف فالأضعف، فالثابت أنه صلى الله عليه وسلم وُلد في يوم الاثنين وسئل فقال ( هو يومٌ وُلدت فيه )، فهذا قطعيٌ أنه وُلد يوم الاثنين ، وأصلاً لا أعلم أن هناك خلافًا في أنه وُلد في غير يوم الاثنين، الأمر الثاني المُتفق عليه أنه وُلد في شهر ربيعٍ الأول.
الخلاف في أي يومٍ من شهر ربيعٍ الأول وُلد، الذي عليه عامّة الناس في عصرنا أنه يوم الاثنين الثاني عشر ربيع الأول، وقال المصنف أنه في يوم الاثنين الثاني من ربيعٍ الأول، والأظهر -والله أعلم- التي دلت عليه الدراسات المعاصرة أنه وُلد يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول، لأن الفلكيين كالعلامة محمود باشا وغيره كالمنصور فوزي وغيره ذكروا أنه لا يمكن أن يكون يوم الاثنين في العام الذي وُلد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلكيًا أن يكون يوم اثني عشر، وإنما هو يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول الموافق في السنة الميلادية الثاني والعشرين من شهر إبريل لعام خمسائة وواحد وسبعين من ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام.
لكننا كطلبة علم لا يعنينا هذا، يعني دائمًا الإنسان لا يتعلق كثيرًا بما لا فائدة من ورائه، إنما الذي يعنينا أنه وُلد يوم الاثنين لأنه صامه صلى الله عليه وسلم، لكنه من الناحية التاريخية حتى لو فرضنا أن القول الذي قلناه أنه اليوم التاسع خطأ هذا لا يُغير من الموضوع شيئًا، قد يكون يوم الاثنين التاسع كما قال الفلكيون وهو الذي نعتمده وهو الأظهر، وقد يكون قبله أو بعده، لكنه قطعًا يوم الاثنين من شهر ربيعٍ الأول.
وُلد في عام الفيل، جرت العادة عند العرب قديمًا وعند الأمم كلها أنهم يؤرخون بالحدث العظيم، فالنصارى كانوا يؤرخون بميلاد المسيح، فلما كانت العرب أمة لا احتكاك لها بالأمم الأخرى أرخوا بحادثة الفيل،
والفيل قصته شهيرة وهي أن أبرهة نائب النجاشي على اليمن قدم إلى مكة يريد هدم البيت في القضية والقصة والمعروفة حتى وصل إلى وادي مُحتم ما بين مزدلفة ومنى، هناك ناخ الفيل وبرك ورفض التوجه إلى الكعبة -كما هو معلومٌ- وحيث ما وُجِّه توجه إلا إذا ذُهِبَ به إلى مكة، ووكل جلّ وعلا عليهم طيرًا أبابيل، هذا العام لعظيم الحادثة التي وقعت فيه أرخ العرب آنذاك بعام الفيل، لأنه أصبح أمرًا مُميزًا، ولعل هذا شيء خاصاً لحدوث شيءٍ عظيم وهو مولده صلوات الله وسلامه عليه.
المقصود أنه وُلد عليه الصلاة والسلام في عام الفيل، أما القول أنه بعد الفيل أو قبل بثلاثين عامًا أو أربعين عامًا فهذا خلاف الصحيح، وهي أقوالٌ وإن كانت موجودة إلا أنها أقوالٌ مردودة يردها كثرة الروايات التي تُدل على أنه صلى الله عليه وسلم وُلد في عام الفيل.

وفاة والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه، وجده:
( وفاة والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه، وجده: ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتى له ثمانية وعشرون شهرًا. وقال بعضهم: (مات أبوه وهو ابن سبعة أشهر). وقال بعضهم (مات أبوه في
دار النابغة وهو حمل). وقيل: (مات بالأبواء بين مكة والمدينة).
وقال أبو عبد الله الزبير بن بكار الزبيري: (توفي عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن شهرين).
وماتت أمه وهو ابن أربع سنين. ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين. وقيل: (ماتت
أمه وهو ابن ست سنين) )
هنا ذكر المصنف يُتمه صلى الله عليه وسلم مع الخلاف في زمن اليتم، فقيل إنه وهو حمل، وقيل غير ذلك كما هو مذكور عندك، والأظهر أنه صلى الله عليه وسلم أكثر الروايات على أن أبوه مات وهو حملٌ في بطن أمه، وقد يكون مات أبوه بعد ولادته، هذه الروايات كلها موجودة والأظهر كما قلت الرواية الأولى أنه وهو حملٌ صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا أن أباه عبدالله مات في المدينة، أما القول بأنه مات في الأبواء بين مكة والمدينة كما هو مكتوب فهذا خلاف الصحيح، والصحيح أن أمه ماتت بالأبواء ، أمه مرضت بالمدينة وماتت بالأبواء صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد دفنه كفلته أمه مدة أربع سنوات وماتت بعد ذلك، ثم كفله جده عبد المطلب إلى ست أو ثمان ، ثم كفله عمه أبوطالب.
الذي يعنينا في هذا المقام في فقه السيرة أن يُفهم أن الله جلّ وعلا لحكمةٍ أرادها أن يعيش نبيه صلى الله عليه وسلم يتيمًا حتى تكتمل عليه منة الله، والله إذا أراد أن يمن على عبدٍ من عباده بشيء جنبه الناس، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قدم ولده للقربان وقدم جسده للنيران، وقدم قلبه للرحمن، فلما هم قومه بأن يلقوه في النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعبد أهل زمانه، بل أعبد الناس على الإطلاق بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان ملك المطر يعلم أن الله لن يُخزي إبراهيم فيحرقه بالنار، وأن الله سينصر إبراهيم لا محالة، ولكن يعلم أن النار لا يطفئها إلا الماء فغلب على ظنه
أن الله جلّ وعلا سيأمره أن ينزل القطر على النار يطفئها فيسلم إبراهيم، فعجل ميكال يطأطأ رأسه ينتظر متى يؤمر أن ينزل القطر، ولكن الله جلّ وعلا إكرامًا لإبراهيم خاطب النار بذاته العلية بقوله ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، فخرج منها صلوات الله وسلامه عليه بعد أن جعلها الله بردًا وسلامًا معافًاً يمشي على قدميه والناس ينظرون.
ما لا يفقهه الناس هو أنه خرج وليس لأحدٍ من أهل الأرض عليه منة صلوات الله وسلامه
عليه إلا منة الله، وهذه منزلة لا ينالها الإنسان إلا إذا بلغ درجة عظيمة في العبودية، فإن الإنسان إذا تحرر قلبه من غير الله كان أقرب إلى الله، وكلما تعلق قلبه بأحدٍ غير الله كان أبعد من الله جلّ وعلا، ومن أراد الله يرزقه الفلاح الحق الكامل لم يجعل في قلبه أحد غير ربه تبارك وتعالى، يحب بحبه، ويُبغض ببغضه، ويوالي بموالاته، فإن كان هذا القلب لا يعرف إلا الله جلّ وعلا في سرائه وضرائه وليله ونهاره وإقامته وسفره كان رعاية الله جلّ وعلا به أعظم وعنايته به أكمل تبارك وتعالى، وهذا هو المقصود الأسمى من كونه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا لم يرعاه أب حتى إذا بلغ النبوة نسب الناس نبوته إلى أبيه، ولم ترعاه أمه حتى إذا بلغ المجد نسب الناس رعايته وتربيته إلى أمه، قال الله جلّ وعلا مُمتنًا عليه ﴿ ألم يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6- 8].
ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكـنون في اليتم
الله قسم بين الخــلق رزقهم وأنت خُيِّرتَ في الأرزاق والقسم
إن قلت في الأمر ( لا ) أو قلت فيه ( نعم ) فخِيرةُ الله بلا منك أو نعم
يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم
جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم
آياته كلما طال المدى جـــددٌ يزينهن جلال العتق والقدم
صلوات الله وسلامه عليه .

رضاعه صلى الله عليه وسلم:
( رضاعه صلى الله عليه وسلم : وأرضعته صلى الله عليه وسلم ثويبة جارية أبي لهب، وأرضعت معه حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، أرضعتهم بلبن ابنها مسروح . وأرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية )
بعد أن ذكر أنه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا -وبينا الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا- ذكر المصنف رحمه الله من نلنا شرف رضاعته صلوات الله وسلامه عليه ، ممن أرضعنه بلا شك أمه آمنة، وممن أرضعنه ثويبة جارية كانت لعمه أبي لهب، ولم يكن بالطبع أبو لهب يعلم أن هذا سيكون نبيًا رسولا وأنه سيعاديه، ولكن جاريته ثويبة أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، وممن أرضعنه –وهي أكثر من أرضعته- حليمة السعدية المشهورة ، خرجت به إلى بادية بني سعد في قصة نُقلت عنها، أنها جاءت إلى مكة وأخذته صلوات الله وسلامه عليه إلى بادية بني سعد، وتغير حالها وحال قومها مما هو مذكورٌ مشهور في كتب السيرة، أنا قلت أنه في منهجنا في التدريس أن ما كان مشهورًا لا نُعرج عليه، وإنما نُعرج على ما كان مخفيًا يحتاج الناس إلى بيانه، هؤلاء الثلاثة هن اللاتي أرضعنه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من لطف ربه به عليه الصلاة والسلام.


فـصـل فـي أسـمـائـه ـ صلى الله عليه و سلم :
فصل في أسمائه:
(روى جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي حَشَرَ الناس، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي ) صحيح متفق عليه )
هذا فصلٌ في ذكر أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وتحرير المسألة أن يُقال إن من أسمائه صلى الله عليه وسلم ما يُشاركه فيه الناس مثل محمد وأحمد، فالناس يُسمَوْن بمحمد وأحمد، ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في تفسيرهما شيئًا، قال ( أنا محمد ) ولم يُبين، وقال ( أنا أحمد ) ولم يُفصل، لأنها من الأسماء المشتركة التي يُسميها كل أحد، لكن عندما قال ( أنا الماحي ) ( أنا العاقب ) فسر صلوات الله وسلامه عليه، لأن الماحي والعاقب تتعلق بكونه نبيًا ورسولا لا تتعلق بكونه رجلا يُنادى بين الناس.
كونه عليه الصلاة والسلام ماحيًا فللكفر، وعاقبًا أي جاء عقب النبيين عليه الصلاة والسلام، هذا يتعلق برسالته، فلهذا بين ما معنى (الماحي)، وبين ما معنى (العاقب) الذي يُحشر الناس على يديه، بمعنى أنه من أشراط الساعة خروجه صلى الله عليه وسلم، لكنه عندما قال ( أنا محمد وأنا أحمد ) فهذا من الأسماء التي يشترك فيها صلى الله عليه وسلم في أصل التسمية مع الناس.
وأحمد هو الاسم المُسمى به في الإنجيل، ومحمد هو الاسم المُسمى به في التوراة، في التوراة جاء أن اسمه محمد، وفي الإنجيل جاء أن اسمه أحمد.
( وروى أبو موسى عبد الله بن قيس، قال: سمَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماءً، منها ما حفظنا، فقال: ( أنا محمد، وأنا أحمد، والمُقَفِّي، ونَبِيُّ التوبة، ونَبِيُّ الرحمة ) وفي رواية: ( ونبي الملحمة ) وهي المقتلة، صحيح، رواه مسلم )
أبو موسى هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل المعروف عبد الله بن قيس، أحد الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن، والحديث كما بيّن المصنف أخرجه الإمام مسلمٌ في الصحيح، وقد ذكر به النبي صلى الله عليه وسلم أسماءً خاصةً به هي محمد وأحمد بالنسبة للنبيين، ومعنى بالنسبة لنبيين لا يوجد نبيٌ من الأنبياء اسمه محمد، ولا يوجد نبي من الأنبياء اسمه أحمد، لكن كلمة نبي التوبة تُطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء، ونبي الرحمة تُطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا رحمةً وتوبةً للناس، لكن الفرق بينه وبينهم أنه له منها صلى الله عليه وسلم الحظ الأوفر والنصيب الأكمل.
( وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم ).
وسماه الله – عز وجل – في كتابه العزيز: ﴿ بَشِيرًا ﴾ و﴿ َنَذِيرًا ﴾ [البقرة: 119]، و﴿ رَءُوفًا ﴾ و﴿ رَّحِيمًا ﴾ و﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] صلى الله عليه وسلم )
الأسماء الأولى التي ذكرها صلى الله عليه وسلم ونقلها المصنف تدل على رفيع مقامه عليه الصلاة والسلام عند ربه، وعلو منزلته، وله عليه الصلاة والسلام خصائص في الدنيا وخصائص في الآخرة، والمقام المحمود خصيصةٌ في الآخرة وهي أعظم خصائصه صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبدٍ وأرجو أن أكون أنا هو ) صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نقول كما علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام: وابعثه
مقامًا محمودًا الذي وعدته، والله جلّ وعلا قال له في الإسراء ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ
فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسـراء: 79]، فالمقام المحمود له صلى الله عليه وسلم.
ولواء الحمد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ( ولواء الحمد يومئذٍ بيدي )، كل الناس آدم فمن سواه تحت هذا اللواء الذي يحمله صلوات الله وسلامه عليه. المقصود رفيع مقامه وجليل مكانته، ولا نريد أن نفصل فيها أكثر لأنها سيأتي بيانها في فصول قادمة، لكن معلومٌ من الدين بالضرورة مقامه صلوات الله وسلامه عليه بين خلق الله أجمعين ورفيع منزلته وعلو درجته عليه الصلاة والسلام عند ربه.
ثم قال المصنف ( وسماه الله – عز وجل – في كتابه العزيز: ﴿ بَشِيرًا ﴾ و﴿ َنَذِيرًا ﴾ [البقرة: 119]، و﴿ رَءُوفًا ﴾ و﴿ رَّحِيمًا ﴾ و﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ )،
هذه الأفضل أن يُقال أنها صفات أكثر من كونها أسماءً، هذه صفات له عليه الصلاة والسلام أكثر من كونها أسماءً، لأن جميع الرسل كانوا مبشرين وكانوا منذرين، وكانوا رؤوفين بأممهم، وكانوا راحمين للعالم أجمع، لكن كما قلنا أن الفرق بينه وبينهم صلوات الله وسلامه عليه أن له المقام الأعلى وأنه أوفر حظًا وأكمل نصيبًا عليه الصلاة والسلام.

فصل: نشأته صلى الله عليه وسلم بمكة، وخروجه مع عمه أبي طالب إلى الشام، وزواجه بخديجة :
(: ونشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيما يكفله جده عبد المطلب، وبعده عمه أبو طالب ابن عبد المطلب.
وطهره الله – عز وجل – من دنس الجاهلية، ومن كل عيب، ومنحه كل خُلق جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين، لما شاهدوا من أمانته، وصدق حديثه، وطهارته )
لا ريب أن الله أعد نبيه صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر العظيم منذ الأزل، فكان
منطقيًا أن يتعهده ربه جلّ وعلا، والله جلّ وعلا قال لموسى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طـه: 39]، فإذا كان في حق موسى فكيف بحق محمدٍ صلى الله عليه وسلم!
والمصنف هنا ذكر ما أفاءه الله جلّ وعلا عليه من إيواء جده أبي طالبٍ أول الأمر، ثم عمه أبي طالب، وكلا الرجلين بذلا جهدًا عظيمًا في كفالة نبينا صلى الله عليه وسلم، أما عبد المطلب فقد كان يقربه منه، وكانت يُفرش له فراش عند الكعبة فيجلس صلى الله عليه وسلم بجوار جده ولا يُعاتبه أحدٌ رغم أن عبد المطلب كان وجيهًا سيدًا مُطاعًا مُهابًا، لكن كانت الحَظْوَة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صبيٌ عند جده عظيمة.
فلما مات كفله عمه أبو طالب، أبو طالب اسمه عبد مناف –على الأظهر-، وهذا العم مات على غير إسلام، لكن ذلك لا يمنع أنه كان من أعظم النصراء لنبينا صلى الله عليه وسلم، ومما يُقال عنه في تعهده بنبينا عليه الصلاة والسلام صغيرًا وكبيرًا أنه كان – والنبي عليه الصلاة والسلام صغيرًا ـ تطلب قريشٌ من أبي طالبٍ أن يستسقي لهم إذا أجدبت الديار – كما نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق- فجاء أبو طالبٌ وحمل النبي صلى الله عليه وسلم – وكان يوم إذٍ صغيرًا أبيضًا- فألصقه بجدار الكعبة، فلما ألصقه بجدار الكعبة أشار صلى الله عليه وسلم بإصبعه إلى السماء وهو صبي، فجاء السحاب من كل مكان فسُقوا حتى سال الوادي، فقال أبو طالبٌ في لاميته بعد ذلك:
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل
هذا من حظوة النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب، فلما كبر بقيت هذه الحَظْوَة كما هي، وكان صلى الله عليه وسلم قد ربّاه الله وتعهده أنه يفقه ماذا يفعل وماذا يصنع من دون أن يعلم أنه سيكون نبيًا، فكان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة من أجل أن يسد العوز والفقر والمسكنة المالية التي كانت موجودة عند أبي طالب حتى لا يكون عبئًا عليه، فلما حوصرت بنو هاشمٍ في الشعب كان أبو طالب – رغم كفره- أحد الذين حوصروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب.
وبلغ من محبته – رغم الكفر- مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا جاء الليل يحمل النبي عليه الصلاة والسلام من مكانه ويضعه في مكانًا آخر، ثم يأتي بأحد أبنائه ويضعه مكان النبي عليه الصلاة والسلام حتى إذا أراد أحدٌ قد بيت النية أن يغتال النبي عليه الصلاة والسلام وهو نائم يغتال ابنه لصلبه ولا يغتال النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يفعله كله وهو مشرك، يقول الله في الأنعام ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 26]، ﴿ يَنْهَوْنَ ﴾ عن أحدٍ أن يقتل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ أي أنه لا يقبل أن يدخل في الدين، حتى تعلم أن الهداية مردها إلى الرب تبارك وتعالى.
ويجب على العاقل المسلم أن يستفيد من الأوضاع التاريخية التي يعاصرها، فأبو طالبٍ كان كافرًا فاستفاد النبي صلى الله عليه وسلم من جاه عمه ومن نصرته، ولم يقل إنه كافرٌ ولا أستعين به ولا ألجأ إليه لأن الأوضاع تختلف من زمنٍ إلى زمن ومن مرحلةٍ نصرة الدين
فاعمل به ولا تبالي، لأنه لا يخلو الأمر من مصالح ومفاسد، لكن إذا كان الإنسان يقدم أعظم المصلحتين ويدرأ أعظم المفسدتين فإن المقصود الأعظم نصرة الدين، وقد قبل صلى الله عليه وسلم أن يكون مع عمه وهو كافرٌ يسجد لغير الله في شعبٍ واحدٍ استفادةً من جاه عمه ونصرته، وكان عليه الصلاة والسلام يُثني على عمه وتشفع له عند ربه أن يكون أهون أهل النار عذابًا، هذه الفائدة الأولى.
قلنا في الفائدة الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من نصرة عمه أبي طالب، الفائدة الثانية أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان قلبه كقلب غيره مُعلقٌ بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنت لا تفرح بشيءٍ أعظم من نعمة الهداية، فإن نعمة الهداية التي رزقك الله إياها أو رزقكِ الله إياها يا أختاه حُرمها أبو طالب من نصر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تعلم فضل الرب تبارك وتعالى عليك، ولا ييأسن أحدٌ من أحدٍ وهو يدعوه، ولا يُجزم أحدٌ في أحدٍ وهو يراه، بمعنى مهما رأيت على رجلٍ من الصلاح لا تقطع له بجنةٍ ولا بنار، ومهما رأيت على أحدٍ من سوءٍ وفساد لا تقطع له بجنةٍ ولا نار، إنما الأعمال بالخواتيم.
كان عبد الله بن أبي الصرح أحد الصحابة، أسلم قديمًا ثم هاجر إلى المدينة، وكان يجيد الكتابة، وكان يكتب الوحي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فلما نزلت سورة المؤمنون كان جبريل يمليها على النبي عليه الصلاة والسلام وعبد الله بن أبي الصرح يسمعها منه، فقرأ جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ [المؤمنون: 12] فكتبها عبد الله، يقرأها النبي عليه الصلاة والسلام فيكتبها عبد الله، ثم قرأ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ [المؤمنون: 13] فكتبها، ثم أتم الآية، ثم أتم الآية حتى قال ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ ﴾ [المؤمنون: 14] فكتبها عبد الله، فقال عبد الله قبل أن يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14]، فقال صلى الله عليه وسلم ( هكذا أُنْزلت عليّ ) أو ( هكذا أملاني إيّاها جبريل )، فطبق المصحف – وما كان يُسمى مُصحفًا، سُمِّي مُصحفًا في عهد أبي بكر-، فطبق الورقة التي كان يكتبها وقال: إن كان محمدٌ كاذبًا فأنا أكذب كما يكذب محمد، وإن كان محمدٌ صادقًا فأنا يوحى إليّ كما يوحى إلى محمدٍ، وترك الإسلام وخرج من الدين ورجع إلى الكفر، وأصبح كافرًا حتى كان عام الفتح.
عبد الله هذا أخٌ لعثمان رضي الله عنه من الرضاعة، فلما كان عام الفتح دخل عثمان به على النبي صلى الله عليه وسلم – وكان عليه الصلاة والسلام قد أباح دمه أو هدر دمه- فطلب له العهد – أي طلب له أن يصون دمه- فسكت صلى الله عليه وسلم وهو في ملئٍ بين أصحابه وجعل يحدق النظر فيه مدةً طويلة، فلما ألحَّ عثمان على رسول الله قال ( نعم ) أي أجرناه، فخرج عثمان بأخيه عبد الله خارج معسكر المسلمين،
فلما خرجوا قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه ( أما قام منكم من أحدٍ إذ قد رآني قد أبطأتُ عنه فيضرب عنقه )، قالوا يا رسول الله لم نكن ندري ما مرادك، لو أشرت إلينا بعينيك، قال ( لا ينبغي لنبيٍ أن تكون له خائنة الأعين ).
موضع الشاهد هذا الرجل الذي ارتد أصابه الندم على ما كان من الردة، فلما أسلم يعمل من الصالحات تعويضًا عما فات، فلما كانت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ترك الفتنة واعتزلها وسكن في عكة في أرض فلسطين، ومكث حريصًا على الصلوات خوفًا من أن يُختم له بسوء، حتى كان ذات ليلة دعا ربه: اللهم أمتني وأنا أصلي الفجر، فلما كانت صلاة الفجر صلى بالناس إمامًا، قرأ في الأولى والعاديات ضبحًا -ولم ينقل الرواة ماذا قرأ في الركعة الثانية-، ثم سلم التسليمة الأولى – لم تتحقق الإجابة- وقبل أن يُسلم التسليمة الثانية فاضت روحه إلى ربه جلّ وعلا وقد مات في صلاة الفجر كما دعا.
المقصود من هذا انظر الرجل كيف تقلب ثم استقر على خير حال، فالقلوب بين يدي الرحمن، هذا أبو طالب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الحرب والسلم والسراء والضراء، وأقول الحرب تجويزًا فلم يكن في مكة حرب، ومع ذلك لم يُرزق الهداية، وقد يُرزقها رجلٌ في أقاصي الأرض كما قال الله ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، نسأل الله لنا ولكم الثبات على هذا.

( فلما بلغ اثنتي عشرة سنة، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بُصْرَى فرآه بحيرى الراهب، فعرفه بصفته، فجاء وأخذ بيده وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجرة، ولا حجر، إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب فرده خوفًا عليه من اليهود )
هذه رحلة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى إلى الشام وفيها خبر بُحيرى الراهب، لكن قبل بحيرة ما نُقل أن الراهب قال أنه "لما دخل لم يبق حجرٌ ولا شجرٌ إلا سجد له" نقول فيها ما يلي هذه غير ثابتة، وإن ثبتت فيكون تخريجها على أن المقصود بالسجود هنا سجود تحية لا سجود عبادة، إن ثبتت فيكون تخريجها على أن من سجد من حجرٍ أو شجر يكون سجد سجود تحية لا سجود عبادة، لأن الله لا يأذن لأحدٍ شرعًا أن يسجد لغيره تبارك وتعالى، فسجود الملائكة لآدم وسجود أخوة يوسف ليوسف كله كان سجود تحية ولم يكن سجود عبادة، والمقصود منه أنه صلى الله عليه وسلم كان معروفًا في التوراة، وهذا الراهب اطلع على ما في التوراة، فقطعيٌّ أنه عرف فيه من الدلائل ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم سيكون خاتم الأنبياء.
( ثم خرج ثانيًا إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة رضي الله عنها في تجارة لها قبل أن يتزوجها، حتى بلغ إلى سوق بُصْرَى، فباع تجارته )
هذه هي الرحلة الثانية، وكانت كما ذكر المصنف مع ميسرة غلام خديجة، وهذه أحد الأسباب التي أرادها الله تبارك وتعالى حتى يتزوج صلى الله عليه وسلم من خديجة بنت خويلد، ونقف هنا عند خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ونقول علميًا لها خصائص لا يشاركها فيها أحدٌ من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها أحدٌ من نساء العالمين، فمن الخصائص التي لم يُشاركها في أحدٌ من أمهات المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين أحدٍ من النساء، والثانية أن الله رزقه منها الولد ولم يرزقه بولدٍ من غيرها إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم، هذه الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين.
أما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين أن الله جلّ وعلا بلغها سلامه مع جبريل عليه السلام، وهذه خصيصة لا يُعلم نقلا أن أحدًا من نساء العالمين نالها، رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين- أنه قال ( إنّي رُزقتُ حبها )، أي حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
والمقصود أن هذه كانت هي الرحلة الثانية له صلى الله عليه وسلم إلى الشام، وخديجة هي أول نسائه، وسيأتي فصلٌ عن نسائه صلوات الله وسلامه عليه.

( فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة عليها السلام.فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته، وابتعثه برسالته، أتاه جبريل عليه السلام
وهو بغار حراء – جبل بمكة -، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وقيل خمس عشرة، وقيل: عشرًا، والصحيح الأول.)
هذا ذكر ما كان له صلى الله عليه وسلم عند تمام الأربعين، في تمام الأربعين لما قاربها بدأ ما يدل على أن الله جلّ وعلا سيختصه بأمرٍ عظيم، فكان لا يمشي في طرقات مكة إلا ناداه الحجر والشجر "السلام عليك يا نبي الله" فيلتفت يمينًا وشمالا فلا يرى شخصًا ولا خيالا فيتعجب ويمضي، ثم حُبب إليه الخلاء بعد أن أصبح يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، فحُبب إليه الخلاء فأخذ معه سويقًا وماءً وكان يتحنث ليالي ذوات عدد في غار حراء يتأمل في ملكوت الله، وكل هذا يمضي بقدر الله حتى أتم عليه الصلاة والسلام رأس الأربعين.

فلما أتمها جاءه جبريل بالوحي من الله ليعطيه أعظم شرفٍ على الإطلاق وهو أنه خاتم النبيين، ولم يكن عليه الصلاة والسلام قد رأى الملك من قبل لا في صورته الحقيقية ولا في غيرها، كان رجلا من عامة الناس، ما بين هذه اللحظة وهذه اللحظة أصبح خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، جاءه الملك قال: اقرأ، فقال ( ما أنا بقارئ ) أي لا أجيد القراءة، فالملك يردد الطلب، والنبي صلى الله عليه وسلم يردد الإجابة، ثم قال له الملك ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1-5]، الخمس الآيات الأول من سورة العلق، فنزل صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده تتسابق خطواته يَشْكُلُ عليه أمران، لذة المناجاة، والخوف والفزع الذي أصابه مما رآه لأول وهلة.
حتى وصل إلى خديجة رضي الله عنه وأرضاها، فلما أخبرها بما رأى صدقته فأصبحت خديجة أول خلق الله إيمانًا برسولنا صلى الله عليه وسلم، فأصبحت خديجة أول هذه الأمة إيمانًا برسولنا صلى الله عليه وسلم، فضمته وهو يقول ( دثروني دثروني زملوني زملوني )، ولما أخبرها الخبر كانت تعلم أن باطنه وظاهره سواء: فقالت: والله لا يخزيك الله أبدًا، ثم هذا اليمين استدلت عليه بدلائل، قالت: إنك لتعين على نوائب الحق وتحمل الكل وتُقري الضيف، وأخذت تُعدد ما تراه وما تُشاهده من زوجها صلوات الله وسلامه عليه، وأنه أهلٌ للنبوة عليه الصلاة والسلام فلم تُفاجأ أنه سيُنبأ لما علمت رضي الله عنها وأرضاها وهي تعاشره وتخالطه ويأوي إليها من عظيم صفاتها وجليل مناقبه التي فطره الله جلّ وعلا عليها قبل أن يُنبأ.
الإنسان إذا خاف يحتاج إلى شيءٍ ثقيل يُمسك جوارحه حتى تقل وحشته، فكانت بدهيًا أن يقول ( زملوني زملوني دثروني دثروني ) لأن الخوف بلغ به مبلغا، فدثرته خديجة فأنزل الله جلّ وعلا عليه قوله ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ [المدثر: 1، 2] و ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [المزمل: 1، 2]،
فأخذ صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ربه.
ثم انقطع الوحي فترةً لحكمةٍ إلهية، لما انقطع الوحي لفترة ذهب الخوف وبقيت لذة المناجاة، فأصبح صلى الله عليه وسلم في أعظم الشوق للمناجاة، فلما جاءه الوحي مرةً أُخرى بالقرآن كان صلى الله عليه وسلم في أكمل حال يبلغ رسالة ربه على أكمل وجه.
ثم قال المصنف أنه عاش بمكة ثلاثة عشر سنة هذا هو الصحيح، وغيره شاذٌّ لا يُعوّل عليه، وفي المدينة عشر سنين بعد أن هاجر إليها صلوات الله وسلامه عليه.
الصلاة أعظم فرائض الدين، وكان صلى الله عليه وسلم يُصلي قبل أن تُفرض عليه الصلوات الخمس –على الأظهر- ركعتين قبل الغروب وركعتين قبل طلوع الشمس، وكان يُصلي بين الركنين اليمانيين، فالإنسان إذا وقف بين الركنين اليمانيين واستقبل القبلة يُصبح بيت المقدس أمامه، فيكون صلى الله عليه وسلم في آنٍ واحدٍ قد جمع بين استقبال بيت المقدس لأنه شمال مكة، وما بين استقبال الكعبة، يعني لم يجعل الكعبة وراء ظهره، فكان يصلي على هذه الحال. ثم فُرضت عليه الصلوات الخمس في رحلة الإسراء والمعراج، ثم هاجر إلى المدينة فمكث فيها ستة عشر شهرًا ثم أنزل الله جلّ وعلا قوله ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 144]، فولى النبي صلى الله عليه وسلم شطر المسجد الحرام، وعلى هذا يُفهم أن ما يُنقل من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبني المسجد جاءه جبريل فمحى ما بينه وبين مكة حتى رأى الكعبة فجعل القبلة عليها غير صحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بنى المسجد كانت قبلته جهة الشمال، ولم تكن جهة مكة جهة الجنوب، وإنما بُدل هذا بعد ستة عشر شهرًا، لكن إن قيل أن هذا حصل بعد التبديل فربما يكون له وجهٌ من النظر.
هجرته صلى الله عليه وسلم:
(ثم هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام.وأقام بالمدينة عشر سنين )
صلوات الله وسلامه عليه، ذكر لنا المصنف هنا هجرته إلى المدينة، النبي عليه الصلاة والسلام لما اشتد عليه أذى الكفار رأى رؤيا أنه يهاجر في أرضٍ ذات نخل، فجاء في ظنه أنها أرض هجر ـ الأحساء ـ ، ثم استبان له عليه الصلاة والسلام أنها المدينة نخلٌ بين حضرتين، فهاجر إليه عليه الصلاة والسلام. والهجرة قصتها معروفة، لكن الذي يعنينا في الهجرة كدرس أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هناك أمورٌ تتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، وأمور تتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عظيمٌ عند الله، فما كان يتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عند الله لا علاقة لنا به من حيث الاقتداء، وما يتعلق بكونه نبيًا يُقتدى به هذا الذي لنا علاقةٌ به، وحتى تتضح الصورة نقول أن الله جلّ وعلا أسرى به في برهةٍ من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به في نفس الليلة إلى السماوات السبع، وعاد به ليلتها، ولأنها رحلةٌ لا يتعلق بها اقتداءٌ جعلها الله جلّ وعلا رحلة خارجة عن نطاق البشر، ولذلك لما يتعلق برفيع مقامه، ولا نؤمر نحن بالعروج. أما الهجرة فتتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، فلما كان النظر إليه صلى الله عليه وسلم هنا على أنه يُقتدى به في هذا الأمر كانت الرحلة أمرًا بشريًا بحتًا أخذ له صلى الله عليه وسلم الأسباب التي يأخذها البشر عادةً فتخفى، ووارى، وخرج في الجهة التي لا يُعتقد أنه سيخرج إليها، وجعل عليًا مكانه على الفراش، واختفى في الغار ثلاثة أيامًا، وأمر من يمسح آثاره بعد صعوده إلى الجبل، ووُضع له الطعام يُذهب به إليه ولم يمت من الجوع، زادٌ مادي، وزادٌ معنويٌ مع الله، وجلس في الغار ثلاثة أيام، ثم مكث تقريبًا أحد عشر يومًا في الطريق معه دليلٌ كافرٌ يدله على الطريق، ومعه مولًى لأبي بكرٍ يعينه في الطعام والشراب، ومعه صاحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه كلها أسبابٌ مادية، ولو استغنى عن الأسباب أحدٌ لاستغنى عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم.
والناس في هذا الباب على ثلاثة فرقٍ، فرقة تترك الأخذ بالأسباب كليةً وتقول: جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ ويُرزق في غياهبه الجنين وهذا باطلٌ لا تدل السنة عليه.
وفرقةٌ لا تعرف الله أبدًا، وإنما تنظر إلى الماديات، وهو ما تمليه العلمانية المعاصرة. وفرقةٌ هداها الله للإيمان وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فتأخذ بالأسباب وتعتمد على الملك الغلاب جل شأنه، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه حتى يقتدي الناس به عليه الصلاة والسلام، هذه هي القضية الأولى.
القضية الثانية بالهجرة أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانت الولاة تكتب لعمر فيرد عليها حصل هذا في شعبان، حصل هذا في رمضان، حصل هذا في شوال، فكتبت الولاة الأمراء العمال الذين لعمر كتبوا له إننا لا نفهم منك، أي شوالٍ تقصد؟ أي شعبان، فلو جعلت لنا شيئًا نفيء إليه نؤرخ.
فاجتمع رضي الله عنه الله مع الصحابة واختاروا أن يختاروا حدثًا يُرخون به، فنظروا في ثلاثة أمور، مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وهجرته، ووفاته، فأعرضوا عن المولد، وأعرضوا عن الوفاة، واختاروا الهجرة ورأوها أنها يومٌ فرق الله به بين الحق والباطل وأقام به بعده دولة الإسلام، وكان هذا مشورة من عليٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأقره عمر، ثم أجمع المسلمون عليه، وهذا من أعظم الدلائل على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي.
واستعانة النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أرقيط –على رواية وعبد الله بن أريقد بالدال على رواية، ولا يعنينا هذا الاختلاف- دلالة على أن المؤمن يستعين بما يمكن الاستعانة به إذا احتاج إليه إذا كان المقصود نصرة دين الرب تبارك وتعالى.

وفاته صلى الله عليه وسلم:
(وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وقيل: خمس وستين. وقيل ستين، والأول أصح.وتوفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين اشتد الضحى لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاستهلال شهر ربيع الأول. ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: ليلة الثلاثاء )
السن التي مات فيها صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثًا وستين، هذه هي الروايات الصحيحة، وتوجد روايات في الصحيح أنه كان ابن خمسٍ وستين، لكن الصواب أن هذه روايةٌ شاذة في متنها وإن كانت مثبتةٌ في أحد الصحيحين، قال هذا بعض العلماء، وقال بعضهم إنه يمكن الجمع بأن العرب تتجاوز عن الكسر، هذه العبارة أن العرب تتجاوز عن الكسر يمكن إمرارها على القول في رواية بأنه مات ابن ستين سنة، يمكن أن نقول إن من قال إنه مات وهو ابن ستين لم يقصد بها. أما القول على أنه مات وهو ابن خمس وستين صلوات الله وسلامه عليه فلا يمكن تخريجها إلا أن تُرد الرواية، لأنه لا يمكن الجمع ما بين القول بأنه مات وهو ابن ثلاث وستين ومات وهو ابن خمس وستين، وأكثر الروايات الصحيحة والتي دلت عليها الروايات المتعددة وأشياء أخرى وقرائن كُثر على أنه مات صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة.
( وكانت مدة علته اثني عشر يومًا، وقيل: أربعة عشر يومًا.وغسله علي بن أبي طالب، وعمه العباس، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولياه، وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري )

هذا ما يتعلق بوفاته صلى الله عليه وسلم، واعلم أن الأمة لم تُصب بشيءٍ أعظم من وفاته عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال ( تعزوا عن مصائبكم بمصيبتي )، والحديث عن وفاته صلى الله عليه وسلم يحرك القلوب ويثير الشجون، ولكنني مُلزمٌ بالحديث عنه وفق المتن، ثم أتكلم عن الحديث عنه إجمالا.
ذكر المصنف رحمه الله تعالى الاختلاف في مدة مرضه عليه الصلاة والسلام وذكر منها ثلاثة عشر يومًا أو أربعة عشر يومًا أو اثني عشر يومًا، والحق أن مدة مرض الوفاة عشرة أيام، وإن كان الأمر في هذا واسع بغير التحديد في بداية المرض، والمحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم، كان أول ما اشتكى وهو راجعٌ من جنازةٍ من البقيع، شعر بصداعٍ في الرأس وحُمّى أصابته معها، ثم لما دخل بيته وجد عائشة قد عصبت رأسها تقول وارأساه، فقال ( بل أنا وارأساه )، هذا أول ما اشتكى المرض صلوات الله وسلامه عليه، وهذا في آخر صفر وأول ربيعٍ الأول.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الذين تولوا غسله عليه الصلاة والسلام عليٌّ والعباس وقثم والفضل وشقران وأسامة بن زيد وحضره أوس بن خولي، هذا فيه تفصيل، الإنسان الميت أولى الناس به أهل بيته، والنبي صلى الله عليه وسلم تولى أهل بيته وعصبته من بني هاشم أمر غسله، والذي باشر الغسل مباشرةً عليٌ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أسند النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميتٌ إلى صدره، والذي كان يقلب النبي عليه الصلاة والسلام لعليٍّ عمه العباس وابنا العباس قثمٌ والفضل، هذان ابنا العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان يصب الماء أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وشقران –واسمه صالح-، وسيتكرر شقران هذا مرةً باسمه ومرة بلقبه، اسمه صالح ولقبه شقران مولى النبي صلى الله عليه وسلم.
قبل أن يشرع عليٌ رضي الله عنه في غسل نبينا صلى الله عليه وسلم ناداه أوس بن خولي من بني عوفٍ من الخزرج من خلف الدار:يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أدخلتني أشهد غسله، فوافق عليٌّ رضي الله عنه لأن زمام الأمر بيده وبيد بني هاشم، لأن القضية الآن قضية عصبة وليست قضية صحبة، ولذلك لا دخل لأبي بكرٍ ولا عمر، فأذن عليٌّ لأوسٍ أن يدخل وأن يجلس دون أن يُباشر غسل النبي عليه الصلاة والسلام، فأوسٌ شهد الغسل لكنه لم يشارك فيه، شهده رغبةً منه رضي الله عنه وأرضاه أن يحظى بأن يكون ممن يشهد غسل نبي الأمة صلى الله عليه وسلم.
وقلتُ إن الذي باشر الغسل عليٌ فقط، والقثم والفضل وأبوهم العباس يقلبون النبي عليه الصلاة والسلام، وشقران وأسامة يصبان الماء، وعليٌّ مسندٌ رسول الله إلى صدره من غير تجريدٍ من ثيابه وبيده خرقة يغسل بها النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول ما أطيبك يا رسول الله حيًّا وميتا. هذا ما ذكره المصنف في غسل نبينا صلى الله عليه وسلم.
( وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول – بلدة باليمن – ليس فيها قميص ولا عمامة. وصلى عليه المسلمون أفذاذًا، لم يؤمهم عليه أحد )
ذكر المصنف بعد ذلك أنه لما فرغوا من غسله كفنوه، وكُفن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثوابٍ سحولية –بلدةٌ في اليمن-، والثياب كانت من قطن، ولذلك جاءت في بعض الروايات أنها من كرسف، والكرسف هو القطن، فكفن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثواب، أدرج فيها إدراجًا دون أن يخلعوا ما كان عليه من ثيابٍ، ثم شرع المسلمون يصلون عليه، والناس الآن يصلون على الميت جماعةً خلف إمام كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام على أموات المسلمين في حياته، صفهم لما صلى على النجاشي، وصفهم لما صلى على غيره، لكن الصحابة رضي الله عنهم لم يصلوا على النبي عليه الصلاة والسلام خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفرادًا، هذا معنى أفراد ، هذا معنى أفذاذًا ، كل شخصٍ يُصلي لوحده من غير إمام. والروايات جملة تدل على أن أول من صلى عليه عمه العباس لكون كبير بين هاشم وعم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخذوا يصلون عليه عشرة عشرة، فصلى عليه أول الأمر بنو هاشم آله عليه الصلاة والسلام، ثم صلى عليه المهاجرون، ثم صلى عليه الأنصار، ثم صلى عليه باقي الناس، ثم صلى عليه النساء ثم الصبيان، وقيل الصبيان ثم النساء، والمقصود المتفق عليه أنهم لم يصلوا عليه خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذًا –أي أفرادًا-.
واختلف العلماء في العلة التي من أجلها صلى المسلمون الصحابة على نبيهم صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة، وقيل في هذه أجوبة، قيل إن هذا من باب التعبد الذي لا يُعقل معناه، لك أجمل الأجوبة التي قيلت ما قاله أبو عبد الله الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال إن الصحابة صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم أفذاذًا لعظيم قدره وعلى أنه لا يمكن أن يأمهم عليه أحد لمنافستهم على أنه يأمهم عليه أحد، يعني استعظموا أن يأمهم أحدٌ وهم يصلون على نبيهم صلى الله عليه وسلم ولعظيم قدره، هذا تعليل الشافعي رحمه الله، وقال غيره –ولا تعارض بين تعليل الشافعي وتعليل غيره- أنه حتى تكثر الصلاة عليه لكثرة من يصلي عليه أفرادًا، تكثر الصلاة عليه جماعةً بعد جماعة، عشرةً بعد عشرةً، كلهم يصلي عليه فردًا فردًا . هذا من إكثار الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل حتى تكون الصلاة فردية من المصلي إليه صلوات الله وسلامه عليه.
كل هذه أجوبة ذكرها العلماء في سبب أن الصحابة رضي الله عنهم لم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم خلف إمامٍ واحد، وقلنا إن الأمر المتفق عليه أنهم لم يصلوا عليه خلف إمامٍ واحد.

مجموعة فوائد - فصل في أولاده :
كنا قد ذكرنا شيئًا من نسبه عليه الصلاة والسلام ومولده وهجرته، ثم انتهينا إلى وفاته صلوات الله وسلامه عليه، وذكرنا جملةً من الفوائد لعله قد يكون من المناسب استحضار بعضها، فإننا ذكرنا زواجه عليه الصلاة والسلام من خديجة بنت خويلد، وقلنا إن هذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين خصّها الله جلّ وعلا ببعضٍ من الخصائص، منها من انفردت به عن أمهات المؤمنين، ومنها ما انفردت به عن نساء العالمين أجمعين،
فما الذي انفردت به عن أمهات المؤمنين؟
أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها أحدًا في حياتها.
والثانية: أن الله جلّ وعلا رزقه منها الولد. هذا من انفردت به عن أمهات المؤمنين، ثم قلنا إن لها خصيصة ليست لأحدٍ من نساء العالمين، أن الله أمر جبريل أن يُبلغها السلام، وهذه الخصيصة لم تكن لأحدٍ –فيما نعلم- من نساء العالمين.
ثم إننا ذكرنا أن الهجرة حدثٌ يتعلق بشخصيته صلى الله عليه وسلم كقدوة، وقلنا ما كان يتعلق به كقدوة هذا الذي يُحتذى به، أما ما كان لا يتعلق به كقدوة فهذا يُعلم ويُعرف له قدره عليه الصلاة والسلام، لكن الأمة غير ملزمةٍ به، وذكرنا على هذا مثالا حادثة الإسراء والمعراج.
كما أننا تكلمنا عن أبي طالب، وقلنا إنه ناصر النبي عليه الصلاة والسلام وعضده وكان معه في شعب بني هاشم حينما حاصرت قريشٌ النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أنه يتعلق بنصرة أبي طالبٍ للنبي عليه الصلاة والسلام فوائد ذكرنا منها فائدتين:
• أن الإنسان يستخدم الوسائل التاريخية المتاحة إذا كان في ذلك نُصرةً للإسلام.
• والثانية الهداية، وقلنا إن كون أبي طالبٍ رغم نصرته للنبي عليه الصلاة والسلام لم يُرزق الهداية يدل على أن الهداية بيد الرب تبارك وتعالى، ونسأل الله جلّ وعلا أن يثبتنا وإيّاكم على هديه.
( وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها )
الأصل أن الميت لا يُفرش له شيءٌ في قبره، دفن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من أصحابه ماتوا في حياته ولم يُنقل أنه أُدخل معهم في قبرهم شيءٌ، ولكن هذه القطيفة كان عليه الصلاة والسلام يفرشها ويجلس عليها ويلبسها أحيانًا، فأنزلها شقران الذي هو صالح مولاه معه في القبر، ثم فرشها وجعل النبي عليه الصلاة والسلام عليها، وأصل هذا الكلام الذي ذكره المصنف في صحيح مسلمٍ من حديث ابن عبّاس.
على هذا تتحرر مسألة هل يجوز أن يُفرش تحت الميت قطيفة أم لا؟
قال بعض العلماء في الإجابة عن هذا وحكاه النووي عن الجمهور أنه يُكره فعله وأن شقران فعلها دون علم الصحابة لأنه كره –أي شقران- أن يلبسها أحدٌ بعد نبينا صلى الله عليه وسلم.
وهذا التعليل الذي ذكره النووي رحمه الله غير صحيح، أو بتعبيرٍ أصح ضعيف، لأننا نقول إن الله جلّ وعلا لا يختار لنبيه إلا الأفضل، فما كان الله ليسمح قدرًا لشقران أن يضع هذه القطيفة تحت النبي صلى الله عليه وسلم والله يكره ذلك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يكفله ربه ويرعاه ويحفظه ويُحيطه بعنايته حيًا وميتًا، فينجم عن هذا تخريجًا أسهل فنقول إنه يُكره بل قد يصل أحيانًا إلى حد المنع أن يوضع تحت أي ميّت قطيفة حمراء أو قطيفة من أي نوع، وإنما هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن قال قائل ما وجه الخصوص هنا، قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأرض حرّم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، فلأن الأرض لا تأكل جسده أذن الله قدرًا لشقران أن يضع هذه القطيفة تحت نبينا صلى الله عليه وسلم.
وبهذا يمكن تخريج المسألة بأن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وأن هذا من خصائصه، وممن نص من العلماء على أن هذه خصيصةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وكيع بن الجراح المحدث المشهور، شيخ كثير من السلف كالإمام أحمد وغيره، فوكيعٌ نص على أنها خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يظهر لنا أنه ينجلي الإشكال في المسألة، والله أعلم.
( ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم وشقران، وأطبق عليه تسع لبنات، ودُفن في الموضع الذي توفاه الله فيه حول فراشه، وحفر له وألحد في بيته الذي كان بيت عائشة، ثم دفن معه أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما - )
أما كون من نزل معه القبر فقد ذكر المصنف رحمه الله أنه نزل القبر خمسة، العباس وقثمٌ والفضل وعليٌ وصالحٌ مولاه الذي هو شقران، وهذا روايةٌ أضعف والصحيح أن الذي نزل القبر أربعةٌ فقط ليس منهم العباس، ذكر المقدسي رحمه الله في هذا أن العبّاس منهم كما ذكره النووي، لكن الصحيح أن الذي نزل القبر أربعة هم قثمٌ والفضل ابنا العبّاس بن عبد المطلب وعليٌّ ومولاه شقران، هؤلاء الأربعة الذين تولوا نزول قبره وإجنانه –أي ستره صلى الله عليه وسلم – دون الناس، هؤلاء الذين نزلوا القبر.
ثم وُضعت عليه تسع لبناتٍ، وقبلها كانوا قد اختلفوا هل يلحدون له لحدًا كما هو صنيع أهل المدينة، أما يجعلون القبر شقًا كما هو صنيع أهل مكة، فبعثوا إلى الاثنين وقالوا: اللهم خِر لنبيك –أي اختر لنبيك-، فالذي ذهب ليأتي بالحفار الذي يشق لم يأت ولم يجده، والذي ذهب إلى بيت أبي طلحة وكان يلحد لأهل المدينة -أي يضع لحدًا في القبر- جاء وحفر القبر للنبي عليه الصلاة والسلام.
وقبل أن يحفروا القبر اختلوا أين يُدفن، وهذا أحد أسباب تأخير دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما أقول أحد الأسباب يدل على أن هناك أسبابٌ أخرى، هذا أحد الأسباب التي دعت الصحابة إلى أن يتأخروا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكرٍ رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ما مات نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض )، وهذا القول أحد خصائص الأنبياء، وهذا –إن صحّ القول- يقودنا –من باب الاستطراد العلمي- لمعرفة بعض خصائص الأنبياء كفوائد.
الله جلّ وعلا جعل للأنبياء خصائص نذكرها إجمالا:
• منها الوحي، وهو أعظم خصائص الأنبياء، الوحي الذي هو أعظم خصيحة فرق الله بها بني
الأنبياء وغيرهم من الناس.
• الأمر الثاني أنهم يُخيرون عند الموت.
• الأمر الثالث أنهم يُدفنون حيث يموتون.
• الأمر الرابع أن الأرض لا تأكل أجسادهم.
• الأمر الخامس أنهم جميعًا رعوا الغنم، قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر ( وما من نبيٍ إلا رعاها )، لما جنى معهم الكَبَاث قال ( عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه )، قالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى الغنم، قال ( وهل من نبيٍ إلا رعاها، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ).
• الأمر السادس أنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
هذه ستةٌ من خصائص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ذكرناها استطرادًا، وجاء معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام دُفن في الموقع الذي مات فيه –أي في حجرة عائشة-، وهذا مما تناقل تواترًا بين المسلمين وتحرر أنه في المكان المقبور فيه.
ثم قال المصنف ( ثم دفن معه أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما - )
أبو بكرٍ وعمر دُفنا في نفس حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها –وهذا من الفوائد وفرائد العلم- قد رأت قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم في منامها أن ثلاثة أهلة أو أقمار سقطت في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقصت عليه الرؤيا وكان أبو بكرٍ مما يُعبر، فسكت عنها ولم يجبها أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات عليه الصلاة والسلام ودُفن في حجرة عائشة جاء أبو بكرٍ إلى عائشة وقال لها "هذا أول أقمارك يا عائشة"، ثم دُفن أبو بكرٍ رضي الله عنه بجوار النبي صلى الله عليه وسلم.
وكانت عائشة رضي الله عنه تريد أن تدخر ما بقي من الحجرة لها، فلما مات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يموت أرسل ابنه عبد الله يستأذن عائشة في أن يُدفن ما صاحبيه وقال: قل لها عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فدخل عليها عبد الله وقال لها: عمر بن الخطاب يستأذن أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: لأوثرنه اليوم على نفسي وقد كنت أدخره –أي الموضع- لنفسي، فوافقت، فلما رجع عبد الله إلى أبيه كان عمر مازال حيًّا طريح الفراش من طعنة أبي لؤلؤة المجوسي، فلما دخل قال: ما وراءك، يعني يسأل ما الجواب، قال عبد الله ابنه: أبشر بالذي يسرك يا أمير المؤمنين فإنها قد وافقت، فقال عمر رضي الله عنه: والله ما من شيءٍ كان أهم عليّ من هذا الأمر، أن يُدفن مع صاحبيه.
ثم ظهرت عدالة عمر بجلاء فقال: فإذا أنا مت فغسلوني وكفنوني ثم استأذنوا لي منعائشة مرةً أُخرى فإنني أخاف أنها وافقت في الأول استحياءً مني أنني حيٌّ، فلما مات عمر وغُسِّل وكُفن وصُلِّي عليه وحُمل قيل لها وهو محمولٌ على أعناق الرجال: عمر بن الخطاب يستأذن أن يُدفن مع صاحبيه مرةً أُخرى، فوافقت رضي الله عنها فدُفن عمر مع النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه، وقال بعض المؤرخين بقي موضع جملةٌ من الروايات تدل على أنه سيدفن فيه عيسى بن مريم، والله تعالى أعزُّ وأعلى وأعلم.
قبل أن نُكمل هذا ما تقيدت به في شرح النص الذي ارتبط بالمتن، أما الكلام عن وفاته عليه الصلاة والسلام جملةً فسأسردها إجمالا مُّبينًا بعض ما فيها من فوائد بعد أن انتهينا بما يتعلق بذمتنا الشرعية حول النص. لم يفقد الناس أحدًا أعظم من رسولهم صلى الله عليه وسلم، وقد شعر صلى الله عليه وسلم بدنو الأجل في حجة الوداع لما أنزل الله جلّ وعلا عليه قوله ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3] عرف صلى الله عليه وسلم أن الأمر الذي بُعث من أجله قد تم، فأخذ يودع الناس ويقول ( لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا )، فيخطب ثم يقطع ويقول ( أيها الناس لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وإنكم ستُسألون عني فما أنتهم قائلون )، فيجيبون: نشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة، فيرفع إصبعه الطاهر إلى السماء ثم ينكتها إلى الأرض ويقول ( اللهم فاشهد، اللهم فاشهد ).
ثم رجع إلى المدينة تشرف به الوهاد والنجاد في حتى دخلها، في آخر صفر وأول ربيع حضر جنازةً فلما رجع شعر بصداعٍ في رأسه وحمَّى تُصيبه فدخل على عائشة فقالت: وارأساه، فقال ( بل أنا وارأساه )، فلما شعر بدنو الأجل خرج إلى شهداء أُحد فاستغفر لهم ودعا لهم كالمودع، ثم خرج في ليلة مع غلامٍ له يُقال له أبو مُويْهبة فأتى أهل البقيع فدعا لهم واستغفر لهم وقال ( لِيهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شرٌّ من الأولى )، ثم قال ( يا أبا مُويْهبة إن الله خيَّرني ما بين خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وما بين لقاء ربي ثم الجنة فاخترت لقاء الله ثم الجنة )، فقال له مُويهبة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال ( يا أبا مُويْهبة إنني اخترتُ لقاء الله ثم الجنة ).
ثم خرج يومًا عاصبًا رأسه فخطب على المنبر وقال ( إن رجلا خيره الله ما بين الدنيا ثم الجنة وما بين لقاء الله ثم الجنة ) فقال أبو بكرٍ: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، وجعل يبكي فتعجب الناس من بكاء أبي بكر، ثم قال عليه الصلاة والسلام ( على رِسلك يا أبا بكر ) ومدح وأثنى على أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه كأنه يُشير إليه بالخلافة من بعده، ثم قبل وفاته بيوم تصدّق بالدنانير، تسعة أو سبعة كانت عنده، ثم أعتق غلمانه تحررًا من قيود الدنيا، ثم لم يُبق إلا بغلته وسيفه وشيئًا يتجمل به الأئمة والملوك بعده.
ثم إنه عليه الصلاة والسلام في يوم الإثنين الذي مات فيه كُشف ستار حجرة عائشة وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يُصلي بالناس فأطل عليه الصلاة والسلام، يقول أنس: يتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وقرت عينه أن الأمة اجتمعت بعده على إمامٍ واحدٍ في صلاتها، فاقترب الناس وكادوا أن يُفتنوا، ثم أُعيد الستار كما كان ورجع صلى الله عليه وسلم إلى حجرته، وخرج أبو بكرٍ فرحًا إلى بيتٍ له بالسُنى حوالي المدينة، وتفرق الناس على الخير.
ثم دخل عليه صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم ابنته فاطمة فأسرها أنه سيموت في مرضه هذا فبكت، ثم قالت: واكرب أبتاه، قال ( ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم )، ثم إنه عليه الصلاة والسلام دخل عليه أسامة وجعل يسأله الدعاء فدعا له دون أن يرفع صوته، وهو نبي الأمة ورأس الملة وسيد الفصحاء وإمام البلغاء، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكرٍ وفي يد عبد الرحمن سواك، فجعل يحرك النظر فيه دون أن يستطيع أن يطلبه من عبد الرحمن ففهمت عائشة مراده فأخذته من أخيها وقضمته وطيبته وأعطته نبينا عليه الصلاة والسلام واستاك.
ثم جاءه الملك يُخيره، قال قبل أن يُخير يضع يده في ركوة فيها ماء ويمسح بها وجهه الطاهرة الشريفة ويقول ( لا إله إلا الله، اللهم إن للموت سكرات فأعني على سكرات الموت )، ثم جعل يُخيره الملك وهو يقول ( مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا )، والملك يخيره وهو يقول ( بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى )، قالها ثلاثًا ثم ماتت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في الملكوت الأعلى والمحل الأسنى صلوات الله وسلامه عليه.
قال حسّان:
بطيبة رسم للنبي ومعهد منير وهل تمحو الرسوم وتهمد

بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد

معالم لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد

عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبرا به واراه في الترب مُلحد

وهل عدلت يوما رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد

وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يُفقد

صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيِّبون على المُبارك أحمد


فصل في أولاده:
(وله صلى الله عليه وسلم من البنين ثلاثة:القاسم: وبه كان يكنى، ولد بمكة قبل النبوة، ومات بها وهو ابن سنتين، وقال قتادة: عاش حتى مشى. وعبد الله: ويسمى الطيب والطاهر، لأنه ولد في الإسلام. وقيل: إن الطاهر والطيب غيره، والصحيح الأول.وإبراهيم: ولد بالمدينة، ومات بها سنة عشر، وهو ابن سبعة عشر شهرًا أو ثمانية عشر. وقيل: كان له ابن يقال له: عبد العزى، وقد طهره الله – عز وجل–من ذلك وأعاذه منه )

بعد أن ذكر المصنف رحمه الله مولد النبي صلى الله عليه وسلم وحياته ووفاته ذكر جملةً مما يتعلق بأولاده عليه الصلاة والسلام، والأولاد في اللغة إذا أُطلقت يُراد بها الذكر والأنثى سويًا، قال الله جلّ وعلا في كتابه الكريم ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، فتعبير العامّة أن فلانًا رُزق ولدًا على أنه ابن غير صحيحٌ من حيث اللغة، لكنهم يقولون خطأٌ شائعٌ ولا صحيح مهجور، وعلى العموم فإنه عليه الصلاة والسلام رُزق من الأولاد ذُكورًا وإناثًا.
بدأ المصنف رحمه الله بذكر الأولاد، فالأولاد الذين رُزقهم عليه الصلاة والسلام القاسم، وهذا أكبر أبنائه وأول من رُزق على الأظهر، لكنه رُزِقه قبل أن يُبعث ومات وهو صغير، قيل سنتين وقيل غير ذلك، وأيان كان فإنه لم يُدرك النبي عليه الصلاة والسلام وقد نُبئ، وكان يُكنّى عليه الصلاة والسلام كما مرّ معنا بأبي القاسم.
ورُزق عبد الله بعد النبوة، ولذلك اقترن اسم عبد الله بالطيب والطاهر كلقب، لكن عبد الله هذا مات كذلك هو صغير.
ثم رُزق إبراهيم من سُريته مارية القبطية التي أهداها إليه المُقوقس حاكم مصر، أهدى للنبي عليه الصلاة والسلام جارية يُقال لها مارية، فتسراها عليه الصلاة والسلام فأنجب منها إبراهيم، وإبراهيم هذا عاش ثمانية عشر شهرًا، ومات في شوال من السنة العاشرة قبل حجة الوداع، وهو الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام فيه ( وإنّا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ).
وكانت له مُرضعة اسمها فاطمة ظئر ترضعه في عوالي المدينة، قال أنسٌ رضي الله عنه "ما رأيتُ أحدًا أرحم بالعيال من رسولنا صلى الله عليه وسلم"، وكان عليه الصلاة والسلام يأتي إلى عوالي المدينة فيحمل ابنه إبراهيم ويشمه ويضمه ويُقبله، ثم فُجع به عليه الصلاة والسلام بوفاة ابنه إبراهيم فحزن قلبه ودمعت عيناه وقال ( إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون ).
وهذا من الدلائل على أن الإنسان مهما علا شرفه وعظم قدره فإنه عُرضةٌ للبلاء، والصالحون أعظم عُرضة، ونبينا عليه الصلاة والسلام إمام الصالحين، بل إمام الخلق أجمعين، فلم يُكتب له أن يعيش له ولدٌ كبير يعضده، وهذا من حكمة الله تبارك وتعالى، وإبراهيم لما رُزقه عليه الصلاة والسلام بعد كِبر سنه مات وعمره ثمانية عشر شهرًا، والله يقول في كتابه ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]، وكذلك الناس يُعطون ويُمنعون ويُحرمون ويأخذون، والداعي وطالب العلم والمُوفق والمُسدد في سبيل الله يعلم أن الدنيا أخذٌ وعطاء وصبرٌ وابتلاء، وهذا ما جبل الله جلّ وعلا عليه الدنيا وجعلها سجنًا للمؤمن وجنةً للكافر.
والمؤمن يأخذ من هذا العبر في وفاته عليه الصلاة والسلام ووفاة ابنه، وأنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولو لم يظفر طالب العلم بكلمةٍ أعظم من هذه لكفى، لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، أي عناء وأي مشقة تعتريك في طريقك إلى الله تذكر جيدًا أنه لا راحة للمؤمن دون لقاء الله، لن ترتاح حتى تلقى الله تبارك وتعالى على الإيمان، أما دون ذلك لا يمكن أن يصفو لك أمر، لا القبر ولا القيام بين يدي رب العالمين، النبي عليه الصلاة والسلام دفن سعد بن مُعاذ وقد نزل سبعون ألف ملك من السماء يُشيعونه ثم قال ( لقد ضم القبر عليه ضمة لو نجى منها أحدٌ لنجى منها هذا العبد الصالح ).
فالمؤمن لا راحة له حتى يلقى الرب تبارك وتعالى، نسأل الله أن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه.

بناته صلى الله عليه وسلم :
(البنات: زينب: تزوجها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وهو ابن خالتها، وأمه هالة بنت خويلد، ولدت له عليًا – مات صغيرًا – وأمامة التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وبلغت حتى تزوجها علي بعد موت فاطمة.
وفاطمة: بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها علي بن أبي طالب، فولدت له الحسن والحسين، ومحسنًا – مات صغيرا – وأم كلثوم، تزوجها عمر بن الخطاب، وزينب، تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب )
ذكر البنات، وذكر هنا بعضًا منهن، بناته عليه الصلاة والسلام أربع، رقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة، ذكر المصنف أولهن زينت والأظهر أنها الكبرى، هذه زينب رضي الله عنها تزوجها أبو العاص بن الربيع، وكان مُشركًا في أول الأمر ثم أسلم، وهي التي أهدتها أمها خديجة بنت خويلد قلادة يوم أن دخلت على زوجها. ثم لمّا كانت معركة بدر أُسر زوجها ضمن الأسرى الذين أسرهم المسلمون، فلمّا شُرع الفداء ليفدوا أسراهم أخرجت زينب -وهي بنت رسول الله- هذه القلادة التي أعطتها إيّاها أُمها خديجة لتفدي بها زوجها الكافر العاص بن الربيع، فلما أخرجتها ورأى النبي صلى الله عليه وسلم القلادة التي أهدتها زوجته خديجة أم زينب زينب يوم زواجها دمعت عيناه صلوات الله وسلامه عليه وتحرك قلبه لأنه تذكر أيّام خديجة، والإنسان جبلةً إذا رأى شيئًا يُذكره بشيءٍ قديم يحزن إذا كان أمرًا مُحزنًا ويفرح إذا كان أمرًا مُفرحً
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فهذا كله قبرُ مالك
هذا عن زينب، زينب هذه ولدت منه –أي من العاص- أمامة، وهي اسم جارية، وهي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها، هذا ما يتعلق بزينب.
أما رقية فقد تزوجها عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وستأتي رقية في الورقة الثانية.
وأما فاطمة رضي الله تعالى عنها فقد تزوجها عليُّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي أصغر بناته على قول، والقول الآخر أن الأصغر أم كلثوم، لكن تُلاحظ في المتن أنه المصنف رحمه الله قال ( فولدت له ) أي ولدت لعلي ( الحسن والحسين، ومحسنً )، والنبي عليه الصلاة والسلام لما ولدت فاطمة ابنها الأول دخل على عليِّ وفاطمة قال ( أي ابني؟ ما سميتموه؟ )، قالوا: سميناه حرب، قال ( بل هو الحسن )، فلما حملت بالحسين وولدت قال ( أين ابني؟ ما سميتموه؟ ) قالوا: سميناه حرب، قال ( بل هو الحسين )، فلما ولدت الثالث قال ( ما سميتموه ) قالوا: حرب، كأن حرب هذا اسم كان عليٌّ وفاطمة يحبون أن يُسمُّوه، قال ( لا، بل هو مُحسِّن )، ثم قال سميتهم بولد هارون ( بشّار وبُشير ومُبشر ). مُحسن مات وهو صغير، فمن الذي بقي؟ الحسن والحسين، فهما ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا. ثم قال المصنف ( وأم كلثوم، تزوجها عمر بن الخطاب )، ليست هذه أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم، هذه بنت علي رضي الله عنه من فاطمة، أخت الحسن الحسين، وُلدت في السنة السادسة من الهجرة، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وعمرها أربع سنوات، وتزوجها عمر رضي الله عنه وأصدقها أربعين ألفًا يريد –لشرفها- أن يحظى بقرابةٍ مع آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
( ورقية: بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها عثمان بن عفان فماتت عنده، ثم تزوج أم كلثوم فماتت عنده، وولدت رقية ابنًا فسماه عبد الله، وبه كان يكنى.
فالبنات أربع بلا خلاف، والصحيح من البنين أنهم ثلاثة، وأول من وُلد له القاسم، ثم زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم في الإسلام عبد الله، ثم إبراهيم بالمدينة. وأولاده كلهم من خديجة إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية، وكلهم ماتوا قبله إلا فاطمة، فإنها عاشت بعده ستة أشهر )
ذكر المصنف ما تبقى من البنات، وهن رقية وأم كلثوم، زوجها –أي رقية- من عثمان، فماتت عنده –أي تحته-، ماتت في أيّام عزوة بدر، ولذلك لم يشهد عثمان رضي الله عنه عزوة بدرٍ كان يُمَرِّض زوجته رقية، فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم وجدها قد ماتت على الأظهر، ثم زوجه النبي عليه الصلاة والسلام أختها أم كلثوم، ثم ماتت عنده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لُقب عثمان بذي النورين لأنه تزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال المؤرخون إنه لا يوجد أحدٌ من أهل الأرض جمع الله له ابنتي نبيٍ تحت سقفٍ واحدٍ إلا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ثم ذكر فاطمة وهي أحب بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه، والإمام الذهبي لمّا ترجم لها في الأعلام قال "هي البضعة النبوية والجهة المصطفوية"، وكانت أشبه الناس مِشيةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يحبها ويجلها ويعظمها وإذا دخلت قام لها ويقبلها ويضمها، كانت قطعةً منه، ويقول ( فاطمة بضعةً مني، يريبني ما رابها، ويُضيرني ما أضرها )، أو كلمةً نحوها.
وأنجب منها عليٌ الحسن والحسين، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يُحب الحسن والحسين حبًّ جمًّا، وكان يضعهما على كتفيه ويُقبل هذا مرة وهذا مرة ويقول ( اللهم إني أحبهما فأحبهما )، وقال ( هما ريحانتاي من الدنيا )، وقطع خطبته وهو المنبر لمّا دخلا عليهما قميصان أحمران يمشيان فيعثران، فنزل من المنبر وقطع الخطبة وتركها ونزل وحملهما ووضعهما بين يديه ثم التفت إلى الناس وقال ( صدق الله ورسول إنما أموالكم وأولادكم فتنة، لقد نظرت إلى ابني هذين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى نزلت وحملتهما ).
ومع ذلك يوجد من الناس سهوًا أو خطأً أو جهلا يتباعد على أن يُسمِّي بالحسن والحسين ويقول إن هذا تقر به أعين الشيعة، والحق لا يُترك إذا تلبس به أهل الباطل، الحق لا يُترك إذا تلبس به أهل الباطل، فتسمية الحسن والحسين تسميةٌ نبوية، لا يمكن أن تُترك لأن أحدًا نُبغضه فعلها، وكذلك ترك الناس تسمية بعض أهل البيت كقثم والعباس والفضل، قلما يوجد هذا بين الناس رغم أنه تسمية بآل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم، والله يقول ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: 23]، وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على حب آل بيته وعلى نصرتهم وعلى موالاتهم في أحاديث كُثر، منها أنه قال ( تركت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي فإنهما لا يختلفا حتى يردا عليَّ الحوض ).
لكن حب آل البيت يكون مُقيدًا بالضوابط الشرعية، ويكون المؤمن فيه لا مُجافٍ ولا مُغالٍ كما هو ديدن المسلم في سائر أمره والله أعلم.

فصل في حجه وعمره :
( فصل في حجه وعمره : روى همام بن يحيى عن قتادة، قال: قلت لأنس: كم حج النبي صلى الله عليه وسلم من حجة؟ قال: "حجة واحدة،واعتمر أربع عمر عمرة النبي صلى الله عليه وسلم حين صده المشركون عن البيت، والعمرة الثانية حيث صالحوه من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين في ذي القعدة، وعمرته مع حجته" صحيح متفق عليه.
هذا بعد قدومه المدينة، وأما ما حج بمكة واعتمر فلم يحفظ، والذي حج حجة الوداع، ودع الناس فيها، وقال: ( عسى ألا تروني بعد عامي هذا ) )
بعد أن ذكر المصنف أولاده عليه الصلاة والسلام ذكر حجه وعمرته، ذكر الحج والعمرة لأنها لا تُفعل عادةً بكثرة، ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يصوم ويُصلي بين الناس بشكلٍ يرونه يوميًا، ثم بيّن ما تتالى من حجته وعمرته عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر أربع عمر، عمرةٌ هي التي كانت في عام الحديبية سنة ست، أحرم من ذي الحليفة من المدينة فخرج حتى وصل إلى مكة، فلما وصل إلى مكة وجاء عند الحديبية بركت الناقة، فقال الصحابة: خلأت القصواء، فقال ( والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، والذي نفسي بيده لا يسألونني اليوم خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إيّاها )، ففقه عليه الصلاة والسلام من هذا زيادةً في فهم عظمة حرمة البيت، وكانت إشارة من الله أنه لن يدخل البيت، وقول الصحابة "خلأت القصواء"، بمعنى بركت وحرمت من غير علةٍ ظاهرة، وقال عليه الصلاة والسلام ( حبسها حابس الفيل ) أي أن بيت الله عظيم.
فطلبت منه قريشٌ ألا يدخل مكة، في صلح الحديبية المشهور وليس هذا وقت شرحه، فقبل عليه الصلاة والسلام ورضي، وهذا الذي يجب أن يفقهه كل من يدعو إلى الله، من يدعو إلى الله لا ينتصر لنفسه، ليس شيئًا تلبست به لابد أن يمضي، المهم أين مصلحة الإسلام، فهذا نبي الأمة ورأس الملة يُحرم من ذي الحليفة ويقطع كل هذه المسافات حتى يصل إلى مكة، ثم يقبل أن يحل إحرامه ويرجع كما جاء من غير أن يدخل مكة، لأنه رأى –ولو كان هذا فيه شيءٌ يتعلق بذاته- أنه فيه أمرٌ عظيمٌ ومصلحةٌ لمن؟ للإسلام والمسلمين، لأن بعد صلح الحديبية كان فتحًا عظيمًا، دخل كثيرٌ من الناس في دين الله أفواجًا، فأنزل الله عليه وهو عائد ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1].
ولما أمر الصحابة أن يُحلوا إحرامهم لم يقبلوا، أو بتعبيرٍ أصح لم يستجيبوا، ولا يعني هذا أنهم كانوا يُعاندون النبي عليه الصلاة والسلام -حاشاهم-، وإنما قد لايُطيعك من يُحبك، تتغلب عليه حالةٌ نفسية، فلما أمرهم عليه الصلاة والسلام أن يُحلوا إحرامهم لم يفعل أحدٌ، فدخل على أم سلمة فأخبرها بما لقي من الناس، وأم سلمة تعلم محبة الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام فأشارت عليه أن يحلق رأسه وينحر الهدي، فحلق رأسه ونحر الهدي فاستجاب الصحابة لأنهم رأوا أنه أمرٌ واقع فحلقوا رؤوسهم ونحروا هديهم حتى أصابهم الغم وكاد يقتل بعضهم بعضًا.
هذه العمرة لم تتم، لكن المصنف ذكرها كما ذكرها أهل السير من قبل لأنه أحرم بها صلى الله عليه وسلم، كان من شروط صلح الحديبية أن يعود صلى الله عليه وسلم في العام التالي ليدخل مكة، فلذلك دخلها في العام التالي –يعني في السنة السابعة-، أحرم من ذي الحليفة حتى دخل مكة وأقام فيها ثلاثة أيام، فهذه أول عمرة أدّاها النبي صلى الله عليه وسلم كاملةً في الإسلام.
العمرة الثالثة كانت بعد غزوة حنين، بعد أن وقعت معركة حنين نزل عليه الصلاة والسلام إلى الجعرانة -وهي حلٌّ خارج مكة، دخل مكة ليلا ثم اعتمر ورجع في نفس الليلة أو صباحًا، أي رجع عاجلا إلى الجعرانة وأكمل مسيره بعد ذلك إلى المدينة، دخل مكة وأحرم من الجعرانة، ودل على أن الجعرانة ماذا؟ حلٌّ، لأنها لو كانت حرمٌ لما جاز أن يُحرم منها.
ابن القيم رحمه الله تعالى أغلظ كثيرًا في زاد المعاد على ما كان يصنعه أهل مكة في أيامه من أنهم كانوا يحرمون من الجعرانة، وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها لأنها وافقت محله، وبعض المالكية يقول إن الجعرانة هي أفضل حلٍّ على وجه الأرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها ولم يُحرم عليه الصلاة والسلام من حلٍّ إلا الجعرانة، لأنه أحرم من المدينة والمدينة حرمٌ، وأحرم في الحج من مكة ومكة حرم، ولم يحرم من حلٍّ إلا الجعرانة، هذه فوائد قد يصيب أصحابها ولا يصيبون، لكن يفقهها طالب العلم، هذه العمرة الثالثة.
العمرة الرابعة كانت مع حجته، لأنه حج قارنًا عليه الصلاة والسلام فكانت الحجة قارنةٌ. من هذا يتحرر أن العمر الثلاث كلهن كن في شهر ذي القعدة، حتى عمرة الحج أحرم بها في شهر ذي القعدة لكنه لم يؤديها إلا في شهر ذي الحجة، لأنه ما وصل مكة إلا وقد دخل هلال شهر ذي الحجة.
هذه الأربع عمر التي ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم.
أما الحج فلم يحج في الإسلام إلا حجة واحدة سُميِّت بحجة الوداع لأنه ودّع الناس فيها، وهي حجّةٌ عظيمة، علم عليه الصلاة والسلام أنه لن يحج غيرها فأعلم الناس أنه سيحج، فقدم المدينة خلقٌ كثير كلهم يريدوا أن يأتمُّوا بحجته عليه الصلاة والسلام، وكان فيها من عظيم الفوائد ما أرجو أن يأتي في فصلٍ آخر لأن الوقت لا يشفع بأن نُطنب فيها، لكنه ذكر فيها كثيرًا من قواعد الدين، وأوصى بالنساء خيرًا، وجعل مآثر الجاهلية تحت قدميه، وأقام كثيرًا من قواعد الإسلام، وبين حرمة الدماء والأعراض والأموال، وهي حجته صلوات الله وسلامه عليه. أما غير ذلك فكله لم يثبت وغير محفوظ، والله أعلم إن كان قد حجّ عليه الصلاة والسلام أو اعتمر قبل الإسلام وهو في مكة، هذا كله غير ثابت، وما نُقل يُنقل بطرائق غير مكتملة السند الذي نستطيع أن نحكم عليه بالصحة.


فـصـل فـي غـزواتـه ـ صلى الله عليه و سلم :
(غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه خمسًا وعشرين غزوة، هذا هو المشهور، قاله محمد بن إسحاق، وأبو معشر، وموسى بن عقبة وغيرهم. وقيل: غزا سبعا وعشرين، والبعوث والسرايا خمسون أو نحوها.
ولم يقاتل إلا في تسع: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وقد قيل: إنه قاتل بوادي القرى، وفي الغابة، وبني النضير ).
ذكر المصنف هنا رحمه الله تعالى غزواته صلوات الله وسلامه عليه، والفرق ما بين الغزوة والسرية أن الغزوة ما يقودها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، أما السرية أو البعث فكلاهما بمعنًى متقارب، والمقصود منها ما يبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل عليه قائدًا من الصحابة دون أن يكون معهم، فالمعركة التي يحضرها صلوات الله وسلامه عليه غزوة، والتي لا يحضرها وإنما يبعث بعثًا تُسمى سرية أو بعث، وكلاهما بمعنًى مُتقارب، فلا يكون صلى الله عليه وسلم مُشاركًا فيها، هذا من باب المدخل للموضوع.
ومعلومٌ أن المصنف يذكر هذه الأمور وهي واضحة، فلا ينبغي لمن يتصدر في الشرح أن يكرر ما يقوله صاحب المتن لأن هذا لا يُسمَّى شرحًا، وإنما نذكر ما وراء هذا المتن، فنقول هذه الغزوات من أعظم الدلائل على جهاده بالسنان كما جاهد باللسان صلوات الله وسلامه عليه، فقد قاتل من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، والعدد الذي ذكرها المصنف عددٌ تقريبيٌّ قد يزيد قليلا وقد ينقص قليلا، وهي كلها في جملتها تدل على ما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه من جهادٍ في سبيل إعلاء دين ربه تبارك وتعالى.
والنبيون الذين قبله عليه الصلاة والسلام لم يكن الجهاد مشروعًا لديهم، وإنما شُرع الجهاد من موسى فما بعد، أما قبل موسى فلم يكن الجهاد مشروعًا، وإنما كانت القضية أن النبي يدعو قومه فيختلفون فيه إلى فريقين، يكون أكثرهم غير متبعين وقليلٌ منهم متبعٌ للنبي، ثم إن الله يُهلك من لم يتبع ذلك النبي فينتهون، كما أهلك الله ثمود وأهلك الله عاد وأهلك الله كثيرًا من قوم نوح وكثيرًا من الأمم دون أن يكون هناك جهادٌ ما بين النبي وأتباعه من المؤمنين مع أولئك الكفار.
وإنما شُرع الجهاد في شريعة موسى كما قال الله جلّ وعلا ﴿ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 21]، وبعد ذلك في الأنبياء من بني إسرائيل وفي عهد عيسى بن مريم، ثم جاء نبينا صلى الله عليه وسلم فشُرع الجهاد بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، هذا المدخل الثاني.
المسألة الثالثة أو المدخل الثالث في القضية رؤوس الغزوات وأعظمهن وأصولها سبع، وهن على ترتيب وقوعها التاريخي بدرٌ، وأُحدٌ، والأحزابُ -وتُسمَّى أحيانًا بالخندق-، وخيبر، وفتحُ مكة، وحنين، وتبوك، هذه الغزوات التي ورد ذكرها في القرآن، ذكر الله بدرًا في "الأنفال"، وذكر أُحدًا في "آل عمران"، وذكر حنينًا في "التوبة"، وذكر فتح خيبر في "الحشر"، وغيرها، كل هذه السبع نص تعالى عليها أو أرشد إليها أو أشار في القرآن جملةُ إليها، هذه السبع.
من الفوائد العلمية أن بدر إذا أُطلقت يُراد بها بدر الكبرى، وإلا بدرٌ على التحقيق ثلاثة، بدر الصغرى، وبدر الكبرى وبدر الموعد،
فأما بدر الصغرى فقد كانت على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة، جاء رجلٌ يُقال له كرز الفهري فأغار على سرح المدينة فتبعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى وادٍ يُقال له وادي صفوان قريب من بدر، النبي عليه الصلاة والسلام لما أغار كرز الفهري على سرح المدينة تبع كرزًا هذا إلى وادٍ قريب من بدر يُسمَّى وادي صفوان، فهذه عند بعض أهل السير تُسمَّى بدر الصغرى.
أما بدر الكبرى فغنية عن التعريف، هي الموقعة المشهورة التي وقعت عند ماء بدر في شهر رمضان، والتي أسماها الله جلّ وعلا بيوم الفرقان.

أما بدر الموعد – وهي غير مشهورة - فهذه ذكرها أبو إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم وعده أبو سفيان يوم أحد، أبو سفيان توعد المسلمين بحرب في العام القادم لما انتصر في أحد، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدرٍ في القادم إتمامًا للموعد ولكن أبا سفيان خرج حتى مضى في بعض الطريق ثم رجع مُحتجًا بأن ذلك العام عام جدب، فلم يقع فيها قتال، لكننا نذكرها من باب السرد التاريخي، فيتحرر أن بدرًا تُطلق على ثلاثة، بدر الصغرى، وبدر الكبرى، وبدر الموعد، هذه الثالثة.
المسألة الرابعة في القضية، هذه الغزوات كلٌ منها كان يحمل حدثًا بعينه ينبئ عن عظيم قدره وعظيم جهاده وما الذي يٌقتفى به صلى الله عليه وسلم، فمثلا في يوم بدر قال عليه الصلاة والسلام ( امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين )، كان يقصد بإحدى الطائفتين إما العير التي كانت مع أبي سفيان، وإما النصر على قريشٍ إذا حاربها، قال الله ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 7].
كان مطمع المسلمين في العير، ومع ذلك – وهذا موضع الشاهد في القضية كلها- أنه عليه الصلاة والسلام ليلة بدر في العريش وقف يدعو ويرفع يديه ويذكر الله ويُثني عليه ويدعوه ويُلح بالدعاء حتى أشفق عليه أبو بكر، مع علمه صلى الله عليه وسلم أنه سينتصر فإنه قال لأصحابه وهو الصادق المصدوق ( إن الله وعدني إحدى الطائفتين )، وقلنا إن إحدى الطائفتين إما العير وإما النصر، والعير فلتت ومضت، خرج بها أبو سفيان ونجت، فأصبح لا محالة بالنسبة له بتبليغ الله له أنه سينتصر.
ومع أنه يعلم يقينًا أنه سينتصر إلا أنه وقف صلى الله عليه وسلم يدعو، فلماذا وقف يدعو – وهذا أعظم ما دلّت عليه غزوة بدرٍ من فوائد-؟ وقف يدعو حتى يحقق كما التوحيد لربه جلّ وعلا، ويظهر من نفسه كمال العبودية لربه جلّ وعلا، فأظهر صلى الله عليه وسلم في يوم بدرٍ كمال العبودية لله والتضرع وسؤال الله وهو يعلم عليه الصلاة والسلام يقينًا أنه مُنتصر لأنه قال لأصحابه قبل أن يصل إلى العريش ( امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين )، فهو مُتحققٌ من وعد الله له، لكنه فعلها ليظهر عبوديته لربه جلّ وعلا، وهذا أحد أعظم أسباب عُلُوِّ شأنه على جميع الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
في يوم أُحدٍ شُجَّ رأسه وكُسرت رباعيته فقال ( كيف يُفلح قومٌ شجوا رأس نبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟! ) فأنزل الله جلّ وعلا قوله ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [أل عمران: 128]، وكان الأمر كما أرد الله، فقد وقع ممن شهد أحدًا مع أهل الإشراك أسلم بعد ذلك وكان مُدافعًا عن الدين، وهذا يُذكّر بدرسٍ قديم وفائدة قديمة أن القلوب بيد الله وأن الإنسان لا ييأس من أحدٍ وهو يدعوه، بل إنه يُحاول أن يستثمر من حوله كيف يدعوهم إلى دين الرب تبارك وتعالى.
كذلك من الفوائد تواضعه صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة، فقد دخلها مطرقًا رأسه وعلى رأسه المِغفر تواضعًا لربه جلّ وعلا، والعظماء إذا سادوا وحققوا مرادهم يُظهرون لله جلّ وعلا تواضعهم حتى يُعلِم من حوله -بسلوك الحال فضلا عن لسان الحال- أنهم نالوا ما نالوا بما أعطاهم الله تبارك وتعالى إياه، هذه جملة مما يمكن أن يُقال عن فوائد ما ذُكر عن غزواته صلى الله عليه وسلم.
بقي التعليق على ما ذكره المُصنف في آخر هذه الفصل أنه عليه الصلاة والسلام قيل إنه قاتل في غزوة وادي القرى والغابة وبني النضير، وادي القرى وادٍ بين تيْمَاء وخيبر، وخيبر أقرب إلى المدينة من تيماء، وسُمي بوادي القرى لكثرة القرى التي فيه، وهي معركة حصلت بعد غزوة خيبر، هذا ما يتعلق بوادي القرى، أما الغابة فهو مكانٌ غير بعيدٍ عن المدينة، جاءت في سيرة ابن إسحاق ما يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سريةً إليها، أما بني النضير فإنه قومٌ من اليهود، إحدى قبائل اليهود التي كانت تسكن المدينة، أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها في شهر ربيعٍ الأول من السنة الرابعة.

فصل في كتابه ورسله:
(كتب له صلى الله عليه وسلم:أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعامر بن فُهيرة، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وأُبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شمَّاس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشُرَحْبيلُ بن حسنة، وكان معاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت ألزمهم لذلك، وأخصهم به )
بعد أن ذكر المصنف رحمه الله بعضًا مما يُشير إلى غزواته صلوات الله وسلامه عليه أشار إلى من كان يكتب له عليه الصلاة والسلام، وهذا يسوقنا إلى مسألةٍ مهمة وهي أن الله جلّ وعلا بعث نبيه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش عليه الصلاة والسلام لا يقرأ ولا يكتب أربعين عامًا قبل النبوة، وهذا لحكمةٍ أرادها الله حتى لا يأتي أحدٌ ويقول إن هذا النبي حصل على ما حصل عليه مما يقوله من قرآن بمعرفته بأخبار الأمم السابقة، وهذا أكّد القرآن عليه كثيرًا، قال الله جلّ وعلا ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 48]، وقال جلّ وعلا ﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، وقال الله جلّ وعلا ﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ [القصص: 86]. فالنبي عليه الصلاة والسلام حفظه الله من أن يقرأ ويكتب قبل النبوة حتى لا يتسلط أحدٌ عليه ويكون عذرًا لأحدٍ ممن يعترض على دينه بأنه عليه الصلاة والسلام كان يجيد القراءة، قال الله عنهم –أي أهل قريش- أنهم قالوا عنه في سورة الفرقان ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان: 5]، و﴿ اكْتَتَبَهَا ﴾ أي طلب من غيره أن يكتبها له، فرد الله جلّ وعلا عليهم ذلك كله كما هو ظاهرٌ في القرآن.
فلما كان الله قد حفظ نبيه من هذا جعل له كتبةً، والشيء الذي لا يحسنه الإنسان يكله إلى غيره، وليس هذا بنقصٍ فيه، بل هذا من مقومات كمال الأمر، والنبي عليه الصلاة والسلام هو رأس الملة وإمام الأمة وهو يقود الناس، شرع الله جلّ وعلا له أن يتخذ كتبة يُعينونه على أمره عليه الصلاة والسلام، فيكتبون الوحي الذي ينزل من السماء، ويكتبون كتبه التي يبعثها إلى غيرهم، ويكتبون بعض الأحكام التي وُجدت عندهم، كما في كتاب عمرو بن حزم.
هذا كله قام به ثلة من الصحابة لأن العرب كانت -في الغالب- أمةٌ أمية لا تكتب ولا تحسب، فالذين كانوا يكتبون كانوا قليلا، منهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان هناك بعض الصحابة جمع المزيّتين، كان خطيبًا للنبي عليه الصلاة والسلام وكان كاتبًا كما هو شأن ثابت بن قيس، وكان من هؤلاء الكتبة من هو مُتميِّز كما يوجد في الطلاب أو الوزراء أو في المساندين لأي حاكمٍ قومٌ مميّزون، كان زيد بن ثابت رضي الله عنه أميز الصحابة في الكتابة، وتعلم لغة يهود، وهو الذي طلب منه الصديق رضي الله تعالى عنه والفاروق بعد ذلك أن يجمع القرآن، فهؤلاء رضي الله عنهم وأرضاهم ثلةٌ من الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ودليلٌ على أن العاقل يتخذ من أسباب العصر الذي هو فيه ما ينفعه في أموره خاصةً تلك التي تتعلق بشئون الدعوة.

( وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم:عمرو بن أمية الضمري رسولًا إلى النجاشي واسمه أصحمة، ومعناه عطية، فأخذ كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض، وأسلم وحسن إسلامه، إلا أن إسلامه كان عند حضور جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه يوم مات، وروي أنه كان لا يزال يرى النور على قبره )
ذكر المصنف هنا من بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وبدأ بالنجاشي، قبل أن نشرع فيه هذا نقول إن هذا الطور طورٌ جديدٌ في الدعوة إلى الله، هذه المرحلة تُسمَّى طورٌ جديدٌ في الدعوة إلى الله جلّ وعلا، وهذا الطور وقع بعد صلح الحديبية، كان القرشيُّون يمثلون الوثنية في جزيرة العرب، وكان اليهود يمثلون – بطبيعة الحال- اليهودية، وكانت القوى التي تُحارب الإسلام ثلاثة، اليهود وقريش وغطفان، فلما صالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا في صلح الحديبية انكسرت شوكة الوثنيين فتفرغ صلى الله عليه وسلم للدعوة عمومًا، والله يقول عنه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]،
وقال ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [سبا: 28]، وقال صلى الله عليه وسلم ( وكان النبي يُبعث في قومه خاصةُ وبُعثت إلى الناس كافة ).
فكان هذا كله يتطلب طورًا جديدًا ومرحلةً دعوية، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يبدأ بهذا الطور من قديم – مع الحاجة إليه-، لكن المسلم العاقل لا يقيم الإسلام في غيره حتى يقيمه في نفسه، فلما شكل صلى الله عليه وسلم وأقام دولة الإسلام وتخلص من خصومه القريبين تفرغ للدعوة إلى الله جلّ وعلا، والعاقل لا يستعدي الناس عليه في يومٍ واحد ولا يكون جبهاتٍ متعددة تُحاربه لأن هذا أدعى لأن يخسر ويفشل، لكن العاقل يؤمن بالمرحلية في حياته، يؤمن بالواقع الذي يعيشه.
فهو عليه الصلاة والسلام لم يُخاطب كسرى ولا قيصر ولا أقيال25 اليمن ولا غيرهم حتى كسر شوكة قريش، كسر شوكتها بصلح الحديبية على أن يستمر الناس عشر سنين ليس بينهم حرب، لما توقفت الحرب كان هذا هو الفتح العظيم الذي بشّر الله به نبيه يوم انصرف من الحديبية ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ [الفتح: 1]، فكان هذا سببًا في أن يتهيّأ صلى الله عليه وسلم ليُخاطب الآخرين غير جماعته وعشيرته الأقربين الذين أُمر أن يبدأ بهم أولا وهم قريش الذي هو منهم صلوات الله وسلامه عليه، وهو عليه الصلاة والسلام وهو يدعو إلى الله -كما دعا بالسنان كما مر معنا في غزاته- دعا باللسان واتخذ الأسباب المشروعة في الدعوة التي توافق عصره آن ذاك.
فلما أخبروه –أي الصحابة- أن العرب أو الملوك والسلاطين والأمراء لا يقبلون إلا كتابًا مختومًا لم يُعاند وإنما اتخذ خاتمًا من فضة عليه الصلاة والسلام، جعل له ثلاثة أسطر "محمد رسول الله"، كما في البخاري وغيره، فجعل كلمة محمد أسفل وكلمة رسول في الوسط وكلمة الله –الذي هو لفظ الجلالة- في الأعلى، فأصبح الخاتم نقشه محمد، أعلى منها رسول، وأعلى منها لفظ الجلالة الله، فأصبح يُقرأ من الأدنى "محمد رسول الله"، فحتى في نقش خاتمه عليه الصلاة والسلام تأدب مع ربه جلّ وعلا، ولا يوجد أحدٌ تأدب مع ربه تبارك وتعالى كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام مُتأدبًا مع ربه يعرف لله قدره، وهذا واحدٌ من أسبابٍ كثيرة أفاءها الله عليه جعلته أعظم النبيين وأكمل الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
لما عُرج به إلى سدرة المُنتهى لم يلتفت يمينًا ولا شمالا لم ينظر إلى أي شيءٍ إلا وِفق ما يُريه الله، فما أراه الله رآه، وما لم يريه الله لم يتحرك منه جارحة واحدة تلتفت من غير أن يؤذن له، ولذلك زكى الله بصره في القرآن فقال الله في سورة النجم ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17]، أي لم يتجاوز حدوده، وكان عليه الصلاة والسلام في كل حاله وآله مُتأدبًا مع ربه جلّ وعلا، وأنت إذا تُريد الرفعة فالرفعة لها أسبابٌ من أعظمها الأدب مع الله جلّ وعلا، وما أورث أنبياء الله ورسله الناس شيئًا أعظم من أدبهم مع الله.
قال الله عن خليله إبراهيم وهو يُعرف ربّه ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ﴾ فلما ذكر المرض نسبه إلى نفسه قال ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ ولم يقل فإذا أمرضني تأدبًا مع ربه جلّ وعلا، ثم قال ﴿ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ﴾ [الشعراء: 75-81]، كل ذلك من كما أدبهم مع الله جلّ وعلا.
ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يخطب في صلاة الجمعة فدخل رجلٌ يشتكي جدب الديار وقلة الأمطار وقال: يا رسول الله استسق الله لنا، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه يقول ( اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ) فتكون السحاب بأمر الله وأُمطر الناس أُسبوعًا، ثم في يوم الجمعة المُقبل دخل رجلٌ -هو أو غيره- من نفس الباب يشكو كثرة أن السيول قطعت السُبل وفرقت الناس وأضرت بالطرق فقال يا رسول الله كذا وكذا حصل من أثر السيول فادع الله أن يمسكها عنّا، فكان لكمال أدبه في المرة الأولى حينما قال الرجل أغثنا قال ( اللهم أغثنا )، في المرة الثانية قال امسكها عنّا فلم يقل صلى الله عليه وسلم لربه أمسك عنّا رحمتك لأنه يعلم أنها رحمة، قال ( اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ) وجعل يشير بيديه، قال أنس "فوالله ما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها "، صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الأدب يغفل عنه كثيرٌ من الناس وهو يتأدب به مع ربه، كما حظي به النبيون حظي به الأتقياء عبر التاريخ كله، قال الله عن الجن ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾ [الجن: 10]،
فلما ذكروا الرشد نسبوه إلى الله ﴿ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾، ولما ذكروا الشرّ نسبوه إلى ما لم يُسمَّى فاعله كما يقول النحويون، قالوا ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ولم ينسبوه إلى الله مع أن الله خالق الخير وخالق الشر.
وكذلك الخضر عليه السلام لما ذكر السفينة وعيبها قال –كما أخبر الله عنه- ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ أسند العيب إلى نفسه، ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾[الكهف: 79-82]، فلما ذكر الزكاة والرحمة نسبها إلى الرب قال ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ ﴾، ولم يقل فأردت ، ولما ذكر العيب نسبه إلى نفسه قال ﴿ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾، وهذا كله مُندرجٌ ضمن أدب رسولنا صلى الله عليه وسلم مع ربه، وهو أعظم ما يُنقل عنه ويُتأسى به صلوات الله وسلامه عليه.
نعود إلى فقه الواقع الذي كان عليه صلوات الله وسلامه عليه، كتب الكتب وبعث بها إلى الملوك والزعماء يدعو إلى الله ويبلغ رسالة ربه، وهو في كل رسالة يبعثها يختار من يحملها،
والعاقل تدل على عقله ثلاثة أشياء: هديته، وكتابه، ورسوله، بمعنى أنه لو أتاك خطابٌ من أحدٍ أو مرسول من أحد أو هدية من أحد فإنما الكتاب والهدية والمرسول تدلك على عقل من بعثها، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يختار قومًا مُعينين من أصحابه وهو يبعثهم إلى الملوك والرؤساء بما يوافق حالهم –أي حال هؤلاء الملوك-، لأن ليس المقصود التجبر والتكبر وإنما المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا.
فكان ممن بعث لهم النجاشي، والنجاشي لقبٌ يُطلق على من ملك الحبشة، واختلف في النجاشي الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية إليه هل هو النجاشي الذي هاجر إليه المهاجرون الأوائل؟ قال بهذا قوم، وهل هو غيره؟ قال بهذا قومٌ آخرون – أقصد من العلماء-، والذي يظهر – والله تعالى أعلم- أنه غير النجاشي الأول كما يدل عليه حديث أنس، والله تعالى أعلم.
( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل، فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنده صحة نبوته، فهم بالإسلام، فلم توافقه الروم، وخافهم على ملكه فأمسك.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، فمزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مزق الله ملكه ). فمزق الله ملكه وملك قومه.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس ملك الإسكندرية ومصر، فقال خيرًا، وقارب الأمر، ولم يسلم، فأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مارية القبطية وأختها سيرين، فوهبها لحسان بن ثابت، فولدت له عبد الرحمن بن حسان.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ملكي عُمَان جيفر وعبد ابني الجلندي، وهما من الأزد، والملك جيفر، فأسلما وصدّقا، وخلَّيا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل عندهم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَليط بن عمرو بن العامري إلى اليمامة، إلى هوذة ابن علي الحنفي، فأكرمه وأنزله، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا خطيب قومي وشاعرهم، فاجعل لي بعض الأمر، فأبى النبي، صلى الله عليه وسلم ولم يسلم، ومات زمن الفتح.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء من أرض الشام، قال شجاع: فانتهيت إليه وهو بغوطة دمشق، فقرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم رمى به، وقال: إني سائر إليه، وعزم على ذلك، فمنعه قيصر.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجر بن أبي أُميَّة المخزومي إلى الحارث الحميري أحد مقاولة اليمن.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المُنذر بن ساوي العبدي ملك البحرين، وكتب إليه كتابًا يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وصدّق.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل الأنصاري رضي
الله عنهما إلى جملة اليمن، داعيَيْن إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن وملوكهم
طوعًا من غير قتال ).
ذكر المصنف رحمه الله جملةً ممن بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك وأمراء ذلك العصر، وهذا فيه دلائل من أهمها ما قدمناه مما بذله صلى الله عليه وسلم في سبيل الدعوة إلى الله، وفيه فضيلة أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام وأنهم حملوا تلك الكتب والرسائل وأوصلوها إلى أولئك الملوك غيرَ مُبالين من أن يُقتلوا، قاطعين الفيافي والصحراء والجبال والوِهاد، كل ذلك ليُشاركوا في تبليغ دعوة الرب تبارك وتعالى.
الأمر المهم في القضية كلها، حاول أن تربط ما بين المتن الذي سمعته وما بين واقع المسلمين اليوم، الناس هم الناس والأحداث هي الأحداث، وإنما يختلف الناس فقط، أولئك الزعماء تعاملوا مع الخطاب النبوي تعاملا متباينًا مُتفاوتًا، فلم يتعاملوا جميعًا تعاملا واحدًا، منهم من قبله وجعله بين عينيه وأسلم، ومنهم من أسلم من غير تقبيل، ومنهم من مزقه، جبَّارٌ عنيدٌ مزّقه، ومنهم من حاول أن يسوس الناس الذين عنده هل يُوافقونه أو لا يُوافقونه، فلما غلب عن ظنه أنهم لا يُوافقونه خاف على ملكه، ومنهم من لم يقبل الإسلام لكنه تأدّب مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعث له بهدية، ومنهم أقوام ليست فيهم قوة آن ذاك كجملة اليمن فبعث إليهم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل، وقد تُوفي النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذٌ في اليمن، فمُعاذ لم يشهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.
فالآن العالم الإسلامي الذي نعيشه نظرة غير المسلمين من حكومات وشعوب العالم من المسلمين هي نفسها تمامًا نظرة الأوائل في ذلك الزمان، فلا يُعقل أن يكون جميع زعماء العالم وشعوب العالم نظرتها إلى الإسلام اليوم نظرةً واحدة، وهناك من يُحاربه وهناك من يستحيي منه، وهناك من يود أن يدخل فيه لكنه غير قادر، وهناك من يدخل في الدين، فيتفاوت الناس، فالمسلم العاقل –والعاقل في كل شيءٍ كما قلت في مقدمة الدرس- لا يستعدي الناس، يتعامل مع من حوله بذكاء حتى يُحقق مصالحه، لا يهدم الأمر على قومه وعلى نفسه وعلى عشيرته فيضيع الأمر كله أو يتخبط الناس فيه.
كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتهز فرصة من حوله فيبعث ذلك الخطاب الذي يسترق به الناس، والله جلّ وعلا بعث موسى وهارون إلى أعظم الجبابرة في عصره وقال ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طـه: 44]، فأعظم ما يقتبسه المسلمون من السنة أن يعقلوا كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصًا على أن يدعو الناس، النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الأنبياء ثم قال ( وإني لأرجو الله أن أكون أكثرهم تابعًا )، فأعظم رغبةً له عليه الصلاة والسلام أن يكون أكثر الأنبياء استجابةً، وهذا لا يتحقق إلا بالدعوة، فالعاقل الذي يريد أن يُحقق الرغبة النبوية يُسهم في الدعوة إلى الله لا في التنفير من الدين، وقد قلنا إن النبي أخّر مسألة دعوة الملوك حتى يُقيم الإسلام في ماذا؟ في المسلمين، وأنت لن تُقيم الإسلام في غيرك حتى تُقيمه في نفسك.
أما قضية التعامل بالمثل هذه قضية خاطئة، أنت قدم الإسلام كما هو الإسلام، لا تقدم الإسلام كما يريد الأعداء أن يروه، قدم الإسلام كما قدمه جلّ وعلا لنا، مثلا عندنا في المدينة -للأسف- يسكن طائفة، لا داعي للذكر، يسكن طائفة معينة غير أهل السنة، وكنت قديمًا أعمل في الإشراف التربوي، يعني مُشرف على المدارس، فيأتيك معلم يسبهم ليل نهار ويفعل أمور أُنزه المسجد لهم، ثم يقول والله يا فلان –يُخاطبني- يا فلان ما استجابوا ما آمنوا ما تركوا البدع.
من الذي تقابله ويمد يده يسلم عليك تسحب يدل وتبصق في وجهه وترميه ولا تهنئه بشيء ولا تعزيه إذا مات أحد ثم تريده أن يدخل في هذا المبدأ الذي تدعو إليه؟! هذا جنون لا يمكن أن يقع، ما فيه عاقل يتبعك وأنت على هذه الحال، لكن قدم الإسلام كما جاء به الله جلّ وعلا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم يدخل الناس في دين الله أفواجًا، أما تأتيني أنا أمد يدي لأصافحك وأنت تسحبها وأُرزق بمولود لا تُهنئني ويموت لي ميِّت لا تعزيني ثم تقول لي ادخل في السنة التي أنا أتبعها، أنت لم تقدم السنة كما قدمها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا مرضٌ في القلب.
النبي عليه الصلاة والسلام بعث عليًّا في حربه مع يهود، واليهود بأسلحتهم في حصونهم، يحاربونه، وغدروا به، وأعطوه شاةً مسمومة، والله لعنهم في القرآن، وهم حاملو أسلحة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لعليٍّ ( فادعهم إلى لا إله إلا الله، فلأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم )، ولم يقل له لو قتلت يهودي تدخل الجنة، قال له ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النعم ).
فالدعوة إلى الله تبارك وتعالى مقدمة على شيء، والإنسان الذي يتبع هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم أول أمر ينزع الهوى الذي في قلبه والرغبات الشخصية يرميها وراء ظهره، ثم يجعل نهج محمدٍ صلى الله عليه وسلم بين يديه، هذا هو المحك الحقيقي في اتباع السنة، هل تأتي للإنسان وتسأله أنت مسلم أم كافر؟ قال أنا كافر تقتله وتمضي! هذا لا يمكن أن يأتي به محمدٌ صلى الله عليه وسلم عن ربه، قال الله عنه ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]، انصرف صلى الله عليه وسلم من بدر وهو مُنتصر فقال بعض المسلمين من الأنصار "إن وجدنا إلا عجائز صُلعى" يقصد كُفار قريش، فقال صلى الله عليه وسلم ( على رِسلِك يا ابن أخي أولئك الملأ لو أمروك لأجبتهم )، أي أنهم أشراف الناس، فلم يُنقص قدرهم صلى الله عليه وسلم.
فكان يدعو إلى دين الله جلّ وعلا، حارب النبي عليه الصلاة والسلام من حال بينه وبين أن يدعو إلى الله، حارب النبي صلى الله عليه وسلم من حال بينه وبين من يدعو إلى الله، وهذا نهج الأنبياء من قبل، موسى يقول ﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ [الدخان: 21]، أي لا تمنعوني أن أدعو الله، فما أحوج المسلمين اليوم إلى من يفقه الدعوة النبوية التي جاء بها محمدٌ صلى الله عليه وسلم عن ربه، فهؤلاء الرسل يقطعون الفيافي يبلغون رسالات الله بالحكمة والموعظة الحسنة، هذا كله لا يعني أبدًا أن يُترك الجهاد، فالجهاد ذروة سنام الإسلام، لكن كما قلت حارب الرسول من وقف بينه وبين أن يدعو إلى الله جلّ وعلا.
هؤلاء القوم الذين حاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان الصحابة كأبي بكرٍ وغيره يمنع الناس أن يتعرض إلى الذين في الكنائس والدِيَر، يقول لا تتعرضوا لهم، يعني هؤلاء مشغولون بما هم فيه لا يمنعونك من أن تدعو، ادع كما شئت لا يمنعونك، يتركونك تدعو فلم يتعرض لهم المسلمون.
والمقصود من هذا كله أن الوضع المعاصر يفرض على من يعقل من علماء المسلمين أن يقول الحق، أما أن يلتمس الإنسان من كلامه رغبة الناس –وهذا من أعظم أخطائنا في الصحوة-، إذا جئت تتكلم لا ينبغي أن تقول ما يريده الناس، ينبغي أن تقول ما هو مراد الله، لأن العلماء هم الذين يقودون العامة، وليس العامة الذين يسوِّرون أقوال العلماء، هذه الكلمة التي يقولوها النقَّاد السينمائيون "ما يريده الجمهور" هذا عند شبَّاك السينما، أما هنا في شرع الله جلّ وعلا فليس الأمر متروك لي ولا لك.
هذا نورٌ أتى به محمدٌ صلى الله عليه وسلم من ربه فنبلغه كما بلغه نبينا صلى الله عليه وسلم، بلغه بالسنان بالقتل مع من حرمه أن يبلغ دين ربه، وبلغه باللسان والحكمة والموعظة والحسنة مع من لم يتعرض لدعوته لربه جلّ وعلا، حتى قال العلماء إن النبي عليه الصلاة والسلام أقر من أسلم من الملوك على ملكهم ولم يبعث صحابة يسلبوهم الملك حتى لا يُفتنوا، ترك الملوك والرؤساء الذين أسلموا على ملكهم، لأن المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا وليس المقصود أن يأتي أحد الصحابة فيرث تلك الأرض ويُصبح زعيمًا على تلك الطائفة، المقصود أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، وأنت ستكون حظيظًا عظيمًا إذا كنت سببًا في دخول الناس إلى دين ربك جلّ وعلا.
نعلق كذلك على بعض ما جاء بالمتن وقلت هذا هو الزبدة منه، هرقل هذا عظيم الروم، والآن انظر في أشياء ما هي غيب، لكن تظهر في نصف الحديث تكشف لك أشياء أخرى، كسرى مزق الكتاب، ماذا قال صلى الله عليه وسلم؟ ( مزّق الله ملكه )، قيصر ما قبل الإسلام لكن ما قال صلى الله عليه وسلم مزق الله ملكه، الآن انظر إلى الواقع، لا يوجد ملك كسراوي كافر، ويوجد ملك للروم كافر، واضح؟، قال صلى الله عليه وسلم ( مزّق الله ملكه ) انتهى ملكه، وبقي ملك الروم كما هو، لماذا لم يدعُ عليهم؟ حتى يبقى قدر الله، فما أراده الله قدرًا لا يجريه على لسان نبيه شرعًا، وهذا من دقائق العلم، ما يريده الله أن يقع قدرًا لا يجريه الله على لسان نبيه شرعًا.

الله جلّ وعلا قال في سورة الأنعام –وأنا قلت هذا في محاضراتنا في التفسير الموجودة-، قلنا إن الله جلّ وعلا قال في سورة الأنعام لما ذكر أنه ﴿ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ [الأنعام: 65]،، فلما قرأ جبريل ﴿ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾ استجار النبي صلى الله عليه وسلم بربه، هذه الأمة لا يمكن أن تُعذب بالحجارة، لا يمكن أن تُعذب عذاب هالك بالحجارة من السماء، وقال ﴿ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾ فلا يمكن لهذه الأمة أن يُخسف بها وتنتهي، ثم وجبريل يتلو على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ ما قال صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله من ذلك كما قال في الأولين، لأنه لو قالها شرعًا تقع قدرًا، والله قد كتب في الأزل أنها ستقع قدرًا فلم يجريها على لسان نبيِّه شرعًا، قال صلى الله عليه وسلم ( هذا أهون وأيسر )، وأنت ترى الأمة إلى اليوم يُذيق بعضها بأس بعض، تتقاتل، منذ مقتل عثمان إلى اليوم والأمة يذيق بعضها بأس بعض، ولم يقل صلى الله عليه وسلم لمّا نزلت الآية أعوذ بالله من ذلك حتى يمضي قدر الله.
فما أراده الله أن يقع قدرًا لا يجريه على لسان نبيه شرعًا، وما أراد الله منعه شرعًا يجريه على لسان نبيه شرعًا، فقال في كسرا وهو كافر ( مزّق الله ملكه ) فانتهى ملك الأكاسرة، ولكنه لم يقل في هرقل مزق الله ملكه فإلى اليوم أوربا –طبعًا هي الروم- باقي ملكها إلى اليوم، ولن تقوم الساعة حتى تكون الروم أكثر الناس.



أعمامه و عماته و أزواجه ـ صلى الله عليه و سلم :
فصل في أعمامه وعماته:
(وكان له صلى الله عليه وسلم، من العمومة أحد عشر؛ منهم:
الحارث: وهو أكبر ولد عبد المطلب، وبه كان يكنى، ومن ولده وولد ولده جماعة لهم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقثم: هلك صغيرًا، وهو أخو الحارث لأمه.
والزبير بن عبد المطلب: وكان من أشراف قريش، وابنه عبد الله بن الزبير، شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، وثبت يومئذ، واستُشهد بأجنادين، ورُوي أنه وجد إلى جنب سبعة قد قتلهم وقتلوه.
وضُباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأم الحكم بنت الزبير، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وحمزة بن عبد المطلب: أسد الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة، أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وقُتل يوم أحد شهيدًا، ولم يكن له إلا ابنة.
وأبو الفضل العباس بن عبد المطلب: أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وكان أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، وكان له عشرة من الذكور: الفضل، وعبد الله، وقثم لهم صحبة، ومات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ابن عفان بالمدينة. ولم يسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا العباس وحمزة.
وأبو طالب بن عبد المطلب: واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله – أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم – لأمه، وعاتكة صاحبة الرؤيا في بدر وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.وله من الولد طالبٌ – مات كافرًا – وعقيل، وجعفر، وعلي، وأم هانئ – لهم صحبة – واسم أم هانئ فاختة، وقيل: هند. وجمانة ذكرت في أولاده أيضًا.
وأبو لهب بن عبد المطلب: واسمه عبد العزى، كناه أبوه بذلك لحسن وجهه، ومن ولده عتبة، ومُعتَّبٌ، ثبتا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، ودرة، لهم صحبة. وعُتَيْبَةُ قتلة الأسد بالزرقاء من أرض الشام على كفره بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم .
وعبد الكعبة، و حِجْلٌ واسمه المغيرة، وضرار أخو العباس لأمه، والغَيْدَاق، وإنما سمي الغيداق لأنه أجود قريش، وأكثرهم طعامًا )
هؤلاء كما ذكر صاحب المتن من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل التعليق على هذا يحسن أن تعلم أن الأصل أن العمّ معروفٌ هو أخو الوالد، أن عبد المطلب هو جد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن له في أول الأمر إلا ابنٌ واحد، ثم إنه اشتد عليه بعض الخلاف مع زعماء قريش فنذر إن رزقه الله أولادًا يمنعونه أن يذبح أحدهم –هذا في الجاهلية-، فرزقه الله جلّ وعلا أولادًا،
فأراد أن يذبح ابنه عبد الله ثم حصل ما حصل من قضية الاستهام، فُديَ عبد الله بمائة من الإبل، هؤلاء كلهم إخوة لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم فأصبح إخوة أبيه أعمامًا له. نعود لأصل الموضوع، أصل الموضوع أن لوطًا عليه الصلاة والسلام، ويحسن لطالب العلم أن يربط بين حياة الأنبياء ويفقه السنن التي يبعث الله جلّ وعلا من أجلها الرسل، الأصل أن لوطًا عليه الصلاة والسلام كان ابن أخٍ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلما هاجر لوطٌ ونزل أرض سدُّوم في جهة البحر الميِّت اليوم وجاءته الملائكة في صورة وجوهٍ حسانٍ تام الخلقة وفُتن بهم قوم لوطٍ ودخلوا عليه وراودوه عن ضيفه كما قال القرآن، قال لوطٌ –كما نص الله- ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هـود: 80]، فكان يتمنّى أن يكون له قومٌ ينصرونه على هؤلاء، لأنه لو كان منيعًا لما تجرأ هؤلاء عليه، قال صلى الله عليه وسلم كما في البخاري وغيره ( فما بعث الله بعده من نبيٍّ إلا في منعةٍ من قومه ).
فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أعمامًا، وبنو هاشم كانوا لهم سيتُ عند القرشيين، هذا كله من أجل حفظ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وقد بيّنا في السابق أن الإنسان قد يستفيد حتى من الكافر، فبنو هاشم مؤمنًا وكافرًا كانوا عصبة للنبي عليه الصلاة والسلام، وقلنا إنهم جميعًا دخلوا معه الشعب المؤمن منهم والكافر، وقبلوا الحصار لأنهم يشعرون بالأنفة والحميّة لمن يحمونه ولو كانوا يخالفونه، والشاهد من هذا كله، هذه قضية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان له أعمامٌ كثيرون، لكن هؤلاء الأعمام أنت لست مُلزمًا بحفظهم، وإنما ذكرهم صاحب المتن من باب التعلم، ولست مُلزمًا كطالب علم بحفظ أسماء الأحد عشر، لكن ما الذي أنت مُلزمٌ به؟ التصور الكامل للمسألة، أن تعلم أن أعمام النبي صلى الله عليه وسلم يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول : قسمٌ لم يُدرك نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ومبعثه، وبالتالي عندما لم يدرك النبوة ولم يدرك المبعث يكون مات على ماذا؟ يموت على دين آبائه فهو من أهل الفطرة، يجري عليه ما يجري على أهل الفطرة، لأنه ما أدرك بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا قسمٌ أول.
القسم الثاني: أدرك مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن، وهذا يضم اثنين شهيرين، أبو طالب وأبو لهب، فكلاهما أردك البعثة النبوية ولم يؤمن، إلا أن هذا القسم نفسه –أي الثاني- هو نفسه ينقسم إلى قسمين:
• قسمٌ لم يؤمن وناصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أبو طالب.
• وقسمٌ لم يؤمن وعاد النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينصره وهو أبو لهب، وسُمِّي أبو لهب لجمال خديه ونورهما، واسمه الحقيقي عبد العُزّى، وإنما أبو لهبٍ كنيته، وفي هذا نزل قول الله جلّ وعلا ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿1﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿2﴾ ﴾ [المسد: 1، 2].
وهذه الآية من أعظم الصور الدالة على أنه لا يمكن لأحدٍ أن يخرج عن مشيئة الله، كيف هي دالة على هذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا القرآن من عند الله، وقريشٌ تقول ومن ضمنها أبو لهب هذا القرآن ليس من عند الله، فلمّا قال أبو لهب للنبي عليه الصلاة والسلام تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا أنزل الله على نبينا هذه السورة، فقال عليه الصلاة والسلام يتلوها ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿1﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿2﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿3﴾ ﴾ [المسد: 1-3].

ومعلومٌ أن النار ذات لهب لا يصلاها المؤمن، يصلاها الكافر، فهو يقول للناس وأبو لهب يسمع ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾، أنا قلت أن فيها دليلا أنه لا يسع أحدٌ أن يخرج على مشيئة الله، فأين الدليل؟ كان بإمكان أبي لهب أن يقول للناس محمد يقول إنني في النار، أنا الآن مؤمن بمحمد حتى يُبطل على النبي القرآن، يعني كان بإمكان أبي لهب أن يقول أمام الناس هذا محمدٌ يقول إنني سأدخل النار، كلام ربه يقول أنني سأصلى نارًا ذات لهب، وهو يقول لكم أن المؤمن لا يدخل النار، فأنا أريد أن أُبطل قرآن محمد فأنا أقول لكم الآن أنا أشهد أن لا إله إلا الله، فكيف أدخل النار؟ إذا محمدٌ كذّابٌ.
هذه على سهولتها لم يستطع أن يقولها، و إلا لو قالها لخرج، لكن الله جلّ وعلا يعلم يقينًا أنه لن يقولها، ولذلك قال الله ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾، وأنا لا أريد أن أخرج من السيرة إلى التفسير، ولكن من أراد أن يخشع في القرآن فليتدبر القرآن في المقام الأول، وفي القرآن كنوزٌ ليس هذا وقت إخراجها، من رُزق قدرةً على التفسير سيرى شيئًا عجبًا في دلائل قدرة الله، لكن كما قلت لا أريد أن أخرج إلى هذا المنحى المقصود أن أبا لهب لم يؤمن بالرسول – صلى الله عليه وسلم - وعاداه.

والقسم الثالث هو من أدرك بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وآمن، وهذا يشمل اثنين فقط رضي الله عنهما وأرضاهما، وهما العباس وحمزة ابنا عبد المطلب، فهذان – حمزة والعبّاس- عمَّا الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن الفرق أن حمزة تقدم إسلامه والعبَّاس تأخر إسلامه،
وحمزة رضي الله عنه لم يترك إلا ابنة، وهو أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الشهداء – كما صحَّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وقاتل قتالا عظيمًا يوم بدرٍ ويوم أحد.
فأراد أحد المشركين ممن وُتِرَ في بدرٍ جاء لغلامٍ اسمه وحشي، وحشيٌّ هذا غلامٌ ليس له ناقة ولا جمل في دين قريش، فقيل له تشتري حريتك بأن تقتل حمزة، فأعد حربةً ومكث في يوم أحد لا يريد أن تنتصر قريش ولا أن ينتصر محمدٌ صلى الله عليه وسلم، المهم عنده أن يفوز بحريته، فاتخذ الحربة وتربص بحمزة ثم رماه بها فقتله، ثم جاءت هندٌ قبل إسلامها فقطعت بعضًا من جسده –رضي الله عنه وأرضاه-، أخذت كبده ولاكتها بفمها، وحصل ما حصل له من التمثيل رضي الله عنه وأرضاه، مُثل به، مُثل به قليلا.
ثم إن وحشيًّا هذا أُعتق فاشترى حريّته بقتل حمزة، ثم مرت الأيام ومرت السنون وكل شيءٍ بقدر، ( وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بينه وبنيها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعلم بعمل أهل النار حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها )، فلما أسلم وحشيٌ، فلما أسلم قصَّ على النبي صلى الله عليه وسلم كيف قتل حمزة، فقال له عليه الصلاة والسلام ( غرِّب وجهك عني )، أي لا أستطيع أن أراك، ولم يرد إسلامه لأن هذا دين، ليس للنبي عليه الصلاة والسلام أن يتحكم فيه، لكن مسألة العاطفة مع العم أمرٌ متروكٌ له، وهو شيءٌ بشريٌ فلم يستطع عليه الصلاة والسلام بعد ذلك أن يرى وحشيًّا،وقُدِّر لوحشيٍّ كما قتل حمزة أن يقتل مُسَيْلِمَةَ الكذاب في حرب اليمامة، ولعل هذه تُكفر تلك وإن كان الإسلام يجبُّ ما قبله.
أما العبّاس رضي الله عنه فقد عُمِّر حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أكبر من النبي عليه الصلاة والسلام بثلاث سنين، فإذا سُئل أيهما أكبر أنت أم رسول الله يتأدب ويقول: هو أكبر مني وأنا أسنُّ منه، يتأدب ويجيب ويقول: هو –أي النبي- أكبر مني وأنا أسنُّ منه، كلمة "أسن" تُشعرك بالضعف، كلمة أكبر تُشعرك بالقوة، فينسب القوة والعلو للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني أكبر مني قدرًا، وأنا أسن منه يعني في السن، ولا يقول أنا أكبر لأن هذا من الأدب في الألفاظ، هذا العبّاس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
إذًا ينجم عن هذا أنه لم يُسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنان هما حمزة والعبّاس رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.


وعماتُه صلى الله عليه وسلم ست:
(صفية بنت عبد المطلب: أسلمت وهاجرت، وهي أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب، وهي أخت حمزة لأمه.
وعاتكة بنت عبد المطلب: قيل إنها أسلمت، وهي صاحبة الرؤيا في بدر، وكانت عند أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له عبد الله، أسلم وله صحبة، وزهيرًا، وقريبة الكبرى.
وأروى بنت عبد المطلب: كانت عند عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له طليب بن
عُمير، وكان من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا، وقُتِل بأجنادين شهيدًا، ليس له عقب.
وأميمة بنت عبد المطلب كانت عند جحش بن رئاب، ولدت له عبد الله المقتول بأحد شهيدًا، وأبا أحمد الأعمى الشاعر واسمه عبد، وزينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وحبيبة، وحمنة، كلهم لهم صحبة، وعبيد الله بن جحش أسلم ثم تنصر، ومات بالحبشة كافرًا.
وبَرَّة بنت عبد المطلب: كانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة، واسمه عبد الله، وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوجها بعد عبد الأسد أبو رهم بن عبد العزى بن أبي قيس، فولدت له أبا عبرة بن أبي رهم.
وأم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب، كانت عند كُرَيْز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له أروى بنت كُرَيْز، وهي أم عثمان ابن عفان رضي الله عنه ).
بعد أن ذكر المؤلف أعمام النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عمّات النبي عليه الصلاة والسلام، وكما قلنا في الأعمام نقول في العمّات، الذي يلزم منهم المعرفة الإجمالية، ومن يثبت منهن من الست أنها أسلمت إلا صفية، صفية ثبت إسلامها، وهي أم الزبير بن العوام والأخت الشقيقة لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه. وأما عاتكة وأروى فاختلف في إسلامهما، وأروى بعض العلماء يُصحح إسلامها، أما عاتكة فقليلٌ من قال به، وقد قال المصنف إن عاتكة هي صاحبة الرؤيا يوم بدر، والمقصود برؤيا بدر أن عاتكة هذه قبل موقعة بدر رأت في منامها أن رجلا يأتي على مكة ويقول: يا أهل بدر هلم إلى مصرعكم، ثم إن صخرةً جاءت فانفلقت وخرجت منها شظايا فلم تترك بيتًا في مكة إلا أصابته، فلمّا شاع الخبر في قريش –وهذا قبل بدرٍ- جاء أبو جهلٍ إلى العباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: يا بني عبد المطلب أما يكفيكم أن يتنبأ رجالكم حتى يتنبأ نساؤكم، لقول عاتكة أنها رأت كذا وكذا، ثم تحققت هذه الرؤيا وصدّق الله رؤياها ووقع ما وقع في بدرٍ وكان كما قالت هؤلاء الناس أكثرهم صرعى في قليب بدر، ولم تترك بدرٌ أحدًا من قريشٍ إلا قليلا إلا أصابته بسوء وناله من كربها كما هو معلومٌ. فهؤلاء على الإجمال عمّات النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك ننتقل إلى أزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن.

ذكر أزواجه عليه وعليهن الصلاة والسلام:
(وأول من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصي بن كلاب، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه حتى بعثه الله – عز وجل – فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا أصح الأقوال، وقيل: قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين )
هذه أولى أمهات المؤمنين، وقد سبق التعليق عليها بما سلف، وهي خديجة بنت خُويلد، وقلنا إن لها مزايا، من مزاياها أن الله جلّ وعلا أبلغها السلام عن طريق جبريل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج أحدًا عليها في حياتها، وأنها رضي الله تعالى عنها وأرضاها رزق الله نبينا منها الولد كما قال عليه الصلاة والسلام، ورزق الله جلّ وعلا نبينا حبها، وكان عليه الصلاة والسلام يحبها حبًّا جمًّا، تقول عائشة "ما غرت من أحدٍ من النساء ما غرت على خديجة".
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح الشاة ثم يبعث بها إلى من له علاقة أو قرابة أو معرفة بخديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ورد أن عائشة قالت للنبي عليه الصلاة والسلام "وهل كانت إلا عجوزًا في غابر الأزمان أبدلك الله خيرًا منها" –تقصد نفسها-، قال ( والله ما أبدلني الله خيرًا منها، لقد آمنت بي إذ كفر بيَ الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، وصدقتني إذ كذّبني الناس، ورزقني الله منها الولد ).
وهي إحدى سيدات نساء العالمين كما صحّت بذلك الأخبار وجاءت بذلك الآثار، وهي –كما يظهر- أعظم أمهات المؤمنين قدرًا، رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد سبق الكلام عنها تفصيلا فيما سبق.
( ثم تزوج: سودة بنت زُمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي، بعد خديجة بمكة قبل الهجرة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو، وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة فأمسكها )
هذه ثاني أمهات المؤمنين سودة بنت زُمعة، وقد كانت رضي الله عنها وأرضاها بدينة ثقيلة الحركة، ولذلك رخّص لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنزل في يوم مزدلفة قبل الناس ومن كان في وضعها، أذن لها أن تخرج من مُزدلفة عند مُنتصف الليل كما هو معروفٌ في كتب الفقهاء، وأذن لها أن تأتي منًى قبله، وقلنا إنها كانت امرأة ثبطة، ثم إنها في آخر أيامها خشيت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم وأرادت أن تكون زوجته في الجنة فقبلت معه أن تمنح ليلتها لعائشة رضي الله وأرضاها.
على هذا أصبح أن النبي عليه الصلاة والسلام اجتمع عنده من النساء تسع، وكان يقسم على ثمان لأن سودة تنازلت عن ليلتها لعائشة رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع سنين، والأول أصح، وبنى بها بعد الهجرة بالمدينة وهي بنت تسع سنين على رأس سبعة أشهر، وقيل: على رأس ثمانية عشر شهرًا. ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، أوصت بذلك، سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة سبعٍ وخمسين، والأول أصح، وصلى عليها أبو هريرة، ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرًا غيرها، وكُنيتها أم عبد الله، وروى أنها أسقطت من النبي صلى الله عليه وسلم سقطًا، ولم يثبت )
هذه هي الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله صلى الله عليه وسلم، وهي أمنا أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكرٍ، ولها خصائص منها:
• أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرًا غيرها، هذا ذكره المصنف.
• أن الوحي لم ينزل عليه عليه الصلاة والسلام في لحاف امرأة غير عائشة.
وقد شاع عنها حديث الإفك المعروف، وأصله أن النبي عليه الصلاة والسلام انصرف من بني
المصطلق على غير بعيدٍ عن المدينة لما أناخ الجيش مطاياه –وأنا أقوله بإسراعًا لأنه يتلعق بخبرها رضي الله عنها وأرضاها- خرجت تلتمس عقدًا لها فقدته كانت أمها أم رومان قد أهدته لها، فلما ذهبت تلتمسه مضى الجيش، وكانت امرأة آن ذاك سنها تقريبًا في الرابعة عشر عندما حصلت غزوة بني المصطلق، لأنها حصلت تقريبًا في السنة الخامسة، والنبي صلى الله عليه وسلم تُوفي في العاشرة وقد كان لها ثمانية عشر عامًا، ينجم عن هذا أن عمرها في حادثة الإفك تقريبًا في الرابعة عشر، وكانت امرأة خفيفة اللحم، خفيفة البدن غير مكنزة اللحم، بل إنها كانت قبل أن يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم نحيلةً جدًا فأشار النبي عليه على أبويها على أبي بكرٍ وعلى أم رومان أن يُطعموها القثاء بالرطب حتى يمتلئ بدنها يسيرًا، ودخل عليها النبي صلى الله عليه
وسلم بالمدينة في شهر شوال عام تسع.
والمقصود لما جاء الذين يحملون الهودج حملوه ولم يخطر ببالهم أبدًا أن أم المؤمنين ليست موجودةً فيه، فحملوا الهودج وذهبوا، فلما ذهبوا جاءت رضي الله عنها وأرضاها ولم يكن في ظنها أن يحدث أمور عظام على تأخرها هذا، ظنت أن الجيش سيفقدها على بعد قليل ثم يعود إليها فأناخت تحت شجرة وتقنعت رضي الله عنها وأرضاها، وكان قد تأخر عن الجيش صفوان بن مُعطلة السُلمي فلما جاء صفوان ورآها عرفها، فلما عرفها رزقه الله وألهمه أن يقول "إنا لله وإنا إليه راجعون"، والإنسان إذا ابتلي قبل أن يقع يوطن نفسه على كثرة أن يقول هذه الكلمة "إنا لله وإنا إليه راجعون"، فقال صفوان كأنه علم أن هذا الأمر لن يتم بسهولة ولن يتركه المنافقون يمضي فقال "إنا لله وإنا إليه راجعون".
ثم أناخ بعيره عندها وتنحى فركبت على البعير رضي الله عنها وأرضاها، وقاد صفوان -وهو رجلٌ طاهرٌ- البعير دون أن يكلمها بكلمةٍ واحدة، فلما أشرف على الجيش رآه المنافقون، فقام عبد الله بن أُبي فقال للناس: امرأة نبيكم مع رجلٍ غيره والله ما سلمت منه ولا سلم منها –عياذًا بالله-، فألاك الناس الخبر وهي كل ذلك لا تدري، والله يقول ﴿ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [النـور: 23]، يعني لا يعلمون ما يُدار ويُحاك حولهن، فلما رجعت إلى بيتها رضي الله عنها وأرضاها وجدت تغيُّرًا من النبي صلى الله عليه وسلم رغم وجعها، لكنه لم يخطر ببالها أن يكون هذا الأمر، حتى إن أمها أم رومان لم تكن تعلم. ثم إنها خرجت مع أم مسطح لبعض شأنها تقضي حوائجها -ولم يكن الناس قد اتخذوا الكُنُف آن ذلك- فعثرت أم مسطح، فلما عثرت أم مسطح قالت: تعس مسطح، فسكتت عائشة، ثم عثرت مرة ثانية فقالت: تعس مسطح –تسب ابنها-، فتعجبت عائشة، هي تريد أن تفتح الموضوع معها، فقالت لها: عجبًا لك رجلا شهد بدرًا تسبينه، فذكرت لها القصة، فتعجبت قالت:
أو خاض الناس في هذا، ورجعت إلى البيت تبكي، ثم استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تُمرض عند أمها أم رومان فوافق عليه الصلاة والسلام.

فكان أبو بكرٍ رضي الله عنه يجلس على سقف البيت -وهو الصديق الأكبر وأول الناس إسلامًا وخير العباد بعد النبيين والمرسلين رضي الله عنه وأرضاه-، لكن المؤمن مُبتلى، جالسٌ على سطح البيت يقرأ القرآن، وهو يقرأ القرآن يسمع بكاء ابنته تحت، فينزل فيسمع بكاء عائشة رضي الله عنها فلا يملك إلا أن يزرف دمعة ويقول: والله إنه لأمر ما فعلناه لا في جاهلية ولا في إسلام، يعني الزنا والخوض في الفواحش أمرٌ لا نعرفه لا في جاهلية ولا في إسلام، ثم لا يلبث أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون، ويستحيي أن يُكلم النبي صلى الله عليه وسلم في الموضوع، ويصبر على ما يجد.
حدثت أمور بعد ذلك منها اختصام الأوس والخزرج لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، المهم بعد شهرٍ تقريبًا والنبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيه وحيٌ حتى يعلم الناس أن النبي لا يأتي بقرآن من عنده، لو كان القرآن من عنده لكان أول ما قال أن يُبرئ زوجته، لكنه سكت لأن الله سكت، شهرًا من الأسى قضاه عليه الصلاة والسلام والناس يخوضون في عرض أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها. ثم لما بعد شهرٍ دخل عليها صلى الله عليه وسلم في بيت أبويها وأم رومان وأبو بكرٍ عندها وهي تبكي، فقال لها ( يا عائشة إن كنت قد ألممت بذنبٍ فاستغفري الله )، وأخذ يعرض عليها الأمر، فقالت رضي الله عنها وأرضاها: والله إن قلت أنني بريئة لن تصدقوني ولكن أقول كما قال العبد الصالح –نسيت اسم يعقوب على شهرته- ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴿18﴾ ﴾ [يوسف: 18]، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام نزل عليه الوحي، فإذا نزل عليه الوحي تصبب منه العرق كأنه في يومٍ صائف رغم أنه في يوم شاتٍ، ثم قال لها بعد أن نزل عليه الوحي ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ [النور: 11] إلى آخر الآيات في سورة النور المتعلقة بالحدث، قال رسول الله ( يا عائشة أبشري فقد برأك الله )، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله فاحمديه، فرفضت أن تقوم تدللا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهارًا لمكانتها، وقالت: لا أحمد إلا الله، فنجاها الله جلّ وعلا من حادثة الإفك، وبرأها الله تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات.
وبرأ صفوان بن المعطل وقال جلّ وعلا فيما قاله ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ [النور: 26]، ولم يقل جلّ وعلا -وهو أعلم- أولئك مبرءون مما قالوا، قالها في صيغة المضارع ولم يقلها في صيغة الماضي مما يدل على أنه سيبقى في الناس –والعياذ بالله- من يخوض في عرض هذه الطاهرة التي برأها الله جلّ وعلا من فوق سبع سماوات وهو ما هو حاصلٌ من بعض الفرق.
الذي يعنينا براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُسنِدٌ رأسه الشريف إلى صدرها ونحرها رضي الله عنها وأرضاها، وجمع الله بين ريقه وريقها أنها أعطته المسواك قبل أن يموت صلوات الله وسلامه عليه ومات في بيتها ودُفن في حجرتها رضي الله عنها وأرضاها وعن جميع أمهات المؤمنين.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: حفصة بنت عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – وكانت قبله عند خُنَيس بن حذافة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي بالمدينة، وقد شهد بدرًا. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها، فأتاه جبريل – عليه السلام - فقال: ( إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة ).

وروى عقبة بن عامر الجُهني قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنتِه بعد هذا، فنزل جبريل من الغد على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( إن الله – عز وجل – يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لِعمر )، توفيت سنة سبع وعشرين. وقيل: سنة ثمان وعشرين عام أفريقية )
عام أفريقية يعني عام فتح أفريقية، أما حفصة فهي بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما أن عائشة بنت الصديق، فعائشة وحفصة يتفقان في أنهما ابنتا وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفصة رضي الله عنها وأرضاها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة زوجها، وكان أبوها عمر قد عرضها على عثمان فأخبره أنه لا حاجة له في النساء، ثم عرضها على أبي بكرٍ فسكت، فوجد عمر في نفسه شيئًا على أبي بكر، فلما خطب النبي عليه الصلاة والسلام حفصة أفصح أبو بكرٍ عن السبب الذي جعله يمتنع على أن يقبل حفصة عندما عرضها عليه عمر، وقال "النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها".
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها: رَمْلَةُ بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بأرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشي بأربعمائة دينار، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري فيها إلى أرض الحبشة، وولي نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاصي. توفيت سنة أربع وأربعين )
هذه أم حبيبة بنت أبي سفيان، كما كانت عائشة وحفصة بنت وزيريه فإن أم حبيبة عندما تزوجها على أنها بنت من؟ بنت عدوه أبا سفيان قبل أن يسلم أبو سفيان، ولا أريد أن أدخل في أم حبيبة أكثر مما أدخل في القضية التي دائمًا نؤكد عليها قضية القلوب وتغيرها، فزوجها عُبيد الله بن جحش خرج من مكة مُسلمًا إلى الحبشة فارًا بدينه، وهناك في الحبشة تنصر ومات على الكفر، فالقلوب بيد الرحمن جلّ وعلا.
لكنني سأذكر سببًا واحدًا مهمًّا من أسباب سوء الخاتمة، من أسباب سوء الخاتمة الخوض في أعراض الناس، أعظم أسباب سوء الخاتمة الخوض في أعراض الناس، كان أحد الصالحين –وأحيانًا أترك الأسماء عمدًا- محبوبًا من طلابه، وهذه ذكرها الذهبي في الأعلام، وذكرها ابن خلان –إن لم أنسَ- في وفيات الأعيان، والشاهد فكان رجلٌ يحسده على هذه المنزلة من طلابه، فكان إذا جاء الشيخ يحدث يقوم هذا ويُشغب عليه في الحلقة، فقام ذات يومٍ والناس مُستمعون للشيخ فقام، وهذا الذي قام حافظٌ للقرآن حسن الصوت به، فلما أغضب الشيخ قال الشيخ: اجلس فوالله إني لأخشى أن تموت على غير ملة الإسلام , ثم قدر لهذا الرجل الذي شغب على الشيخ أن يزور بغداد رجلٌ من النصارى من السفراء من القسطنطينية من سفراء الروم، فلما أراد الرجوع أحب هذا الذي يحفظ القرآن وندي الصوت به أن يرى بلاد الروم فذهب معه إلى القسطنطينية، فلما ذهب معه إلى القسطنطينية أعجبه عالمهم وترك الإسلام وبقي على النصرانية، ثم إن أحد تجار المسلمين دخل القسطنطينية فرآه وعرفه وكان يعرف جمال صوته بالقرآن، فرآه وهو على باب إحدى الكنائس يهش الذباب عن نفسه، فقال له: يا هذا ما فعل الله بك؟، قال: أنا كما ترى، قال: إنني كنت أراك حافظًا للقرآن فما بقي في صدرك منه؟، قال ما بقي منه ولا آية إلا آيةً واحدة ثم مات –والعياذ بالله- على الكفر، فصدقت عليه مقولة الشيخ لما كان يراه في الحلقة يُشغب عليه أنه قال له: إني لأخشى أن تموت على غير ملة الإسلام.

والإنسان إذا سلم قلبه من الحقد على الناس وسلم لسانه من الخوض في أعراضهم كان أدعى إلى أن يُوفق إلى حسن الخاتمة، وقد كان عندنا في المدينة -مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم- رجلٌ يمني، وهذا من دلائل حسن الخاتمة، وقد ذكرت هذا في بعض المحاضرات، كان رجلٌ يمني ليس له علاقة بالناس، يدخل إذا جاء وقت الصلوات ويخرج وليس له أي ارتباط بالناس، وكان لا يقرأ ولا يكتب، فكان إذا دخل المسجد يأتي لأي إنسان ليس عنده شيء –يعني خالٍ- فيأخذ مصحفًا ويُعطيه للرجل الخالي ويقول: اقرأ عليَّ من كلام ربي ويستمع، والناس يعرفونه خاصةً من يُكثر الصلاة في الحرم , فيأتي على هذه الطريقة سنين، حتى كان عام 1418هـ دخل الحرم فرأى رجلا خاليًا فأخذ مصحفًا كالعادة وأعطاه للرجل هذا وقال اقرأ عليَّ من كلام الله، فلما قال له اقرأ عليَّ من كلام الله مرَّ بآية سجدة، لما مرَّ بآية سجدة سجد الاثنان القارئ والأخ اليمني، فانتهى القارئ من التسبيح ورفع رأسه وبقي الأخ اليمني ساجدًا وقبضه الله جلّ وعلا وهو ساجدًا، فمات في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هيأة ليس بعدها ولا أشرف منها هيأة وهي هيأة السجود لرب العالمين.
نحن نتكلم عن الظاهر، أما سريرته فأمرها إلى الله، لا نحكم لأحدٍ بجنةٍ ولا نار، لكن أقول هذا عُبيد الله بن جحش يأخذ زوجته ويفر من مكة إلى الحبشة بدينه ثم يتنصر، ثق تمامًا أنه لا يهلك على الله إلا هالك، دواخل القلوب هي من أعظم أسباب سوء الخاتمة، لكن الله جلّ وعلا أكرم وأرحم أن يكون أحدٌ صادق معه ثم إن الله جلّ وعلا يقدر ويُميته ميتة السوء، لكن من صدقت سريرته تصدق خاتمته، ومن صدق إلى الله فراره صدق مع الله قراره، أعيد، من صدق إلى الله فراره صدق مع الله قراره، من صدق إلى الله فراره -أي صادق في أوبته إلى الله- صدق مع الله قراره، أي يبقى مع ربه جلّ وعلا، المقصود بيبقى مع ربه يعني في إيمانه بربه تبارك وتعالى.
فلما مات زوجها وتنصر –أي أم حبيبة- أكرمها النبي صلى الله عليه وسلم بأن طلبها وخطبها وتزوجها عليه الصلاة والسلام وسيقت له من الحبشة.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع بالمدينة، وهي آخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفاة، وقيل: إن ميمونة آخرهن )
هذه أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، لما مات زوجها استرجعت، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واعوضني خيرًا منها، وكانت تقول في نفسها من يخلفني في أبي سلمة، فلما مات خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذرت بثلاث حجج، اعتذرت بأنها مُصبِية -أي لديها صبيان كثيرون-، وأنها غيرة –أي شديدة الغيرة-، وأنها ليس لها عائلٌ يزوجها، فأما التزويج فاختلف في من زوجها وقيل عمر بن الخطاب، وأما كونها مُصبية فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( هم إلى الله وإلى رسوله )، وأما أنها غيره فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( أنا أسأل الله أن يذهب غيرتك )، فتزوجها عليه الصلاة والسلام , وابنها عمرو بن سلمة الذي طاشت يده بالصفحة وقال عليه الصلاة والسلام له ( يا غلام سم الله كل بيمينك وقل مما يليك ) ابن أم سلمة، وعمر هذا ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم من أبنائها عمر فكان يأكل النبي عليه الصلاة والسلام فطاشت يده في الصفحة، وأنت تسمع هذا الحديث بكثرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( يا غلام سم الله كل بيمينك وقل مما يليك )، هذا قاله لربيبه عمر بن أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَد بن عدنان، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها، فزوجها الله إياه من السماء، ولم يعقد عليها، وصح أنها كانت تقول لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: " زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات ". توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع )
هذه زينب بنت جحش التي قالت مُفتخرةً "زوجكن أهليكن وزوجني الله جلّ وعلا من فوق سبع سماوات"، هذه باختصار زينب، النبي عليه الصلاة والسلام كان قبل البعثة تبنّى زيد بن حارثة، فكان يُسمّى عند الناس زيد بن محمد، فلما قال الله جلّ وعلا ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [الأحـزاب: 40]، وقال ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأحـزاب: 5] أصبح يُدعى زيد بن حارثة باسمه الحقيقي.
زيدٌ هذا تزوج زينب بنت جحش ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما تزوجها كانت ترى في نفسها أنها أعلى منه لأنه هو مولى وهي قرشية، فأخبر الله نبيه أن زينب هذه التي هي الآن تحت زيد ستصبح زوجةً لك، أعيد لأن هذه آية شغب حولها المُستشرقون كثيرًا، الله جلّ وعلا أخبر نبيه وزينب تحت زيدٍ أنها ستكون زوجته، فجاء زيدٌ يشتكي زوجته زينب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له عليه الصلاة والسلام ( اتق الله وأمسك عليك زوجك )، فقال الله جلّ وعلا في كتابه ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴿36﴾ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿37﴾ ﴾ [الأحـزاب: 36، 37]. من القائل؟ النبي صلى الله عليه وسلم، من الذي أنعم الله عليه وأنعم عليه الرسول؟ زيد، ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ ما الذي أخفاه في نفسه صلى الله عليه وسلم؟ أنها ستكون زوجتك، ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ما معنى ﴿ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾؟ الذي سيظهره الله وسيقع وسيكون وهو زواجك من زينت، ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ تخشى الناس في ماذا؟ تخشى الناس أن يقولوا تزوج محمدٌ ابنة
ابنه، ابنة ابنه على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية. ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ ﴾ وليس في القرآن ذكرٌ لأحدٍ من الصحابة إلا زيد، وليس في القضية فضلٌ في ذاته، وإنما القضية قضية حادثة عين، فلابد أن يُذكر باسمه حتى ينجلي ما في القلوب، وإلا أبو بكرٍ وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من زيد على فضل زيدٍِ لم يُذكر اسمهم صراحة في القرآن، لم يُذكر في القرآن إلا النبيون وثلاث أو أربعة اختلف فيهم كلقمان وعيسى بن مريم لحادثة عينٌ به هو، والنساء لم يُذكر في القرآن إلا مريم ابنة عمران لشرفها وفضلها، والمقصود هذا معنى قول الله جلّ وعلا ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿37﴾ ﴾. هذا ما يتعلق بزينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وكانت تسمى "أم المساكين"؛ لكثرة إطعامها المساكين، وكانت تحت عبد الله بن جحش، وقيل: عبد الطفيل بن الحارث، والأول أصح. وتزوجها سنة ثلاث من الهجرة، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا: شهرين أو ثلاثة )
لم تلبث زينب بنت خزيمة بن الحارث عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا شهرين، وورد في بعض الروايات أنها لبثت عنده ثمانية أشهر، وكونها لم تلبث مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذه المدة اليسيرة لذلك المصادرالتاريخية شحيحة بالكثير من أخبارها، لكن أنت كطالب علم تضمها مع من الآن؟ تضمها مع خديجة لأنها هي وخديجة فقط اللتان ماتتا في عصمته صلى الله عليه وسلم أو في حياته صلى الله عليه وسلم، أما باقي أمهات المؤمنين كلهم ماتوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أما زينب هذه وخديجة ماتتا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب ابن عائذ بن مالك بن المصطلق الخزاعية، سُبِيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها، وتزوجها في ست من الهجرة، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين ).
هذه جويرية بنت الحارث الخزاعية، سُبيت في بني المصطلق وكان أبوها زعيمًا، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم تريد أن تدفع ثمن لتخرج من الأسر، جمعت يسيرًا بقي عليها، ودخلت على النبي عليه الصلاة والسلام تطلب منه زيادة مال، فلما رآها جعلها الله جلّ وعلا يطلبها على أنه يساعدها ويتزوجها فوافقت رضي الله عنها وأرضاها، فتزوجها، فلما علم الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها تركوا من بأيديهم من الأسرى من بني المصطلق، فكانت امرأة عظيمة البركة على قومها، ثم جاء أبوها الحارث إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلبها فخيرها النبي عليه الصلاة والسلام ما بين البقاء معه أو بين أن تذهب مع أبيها فاختارت البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم الحارث بعد ذلك وجعله النبي عليه الصلاة والسلام على صدقات قومه.
تـابع ذكـر أزواجه - خدمـه - أفراسـه صلى الله عليه و سلم :
كنا قد انتهينا في ذكر أزواجه صلوات الله وسلامه عليه، وتكلمنا عن أكثرهن، ولم يبق لنا إلا الحديث عن زوجتين من أزواجه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: صفية بنت حيي بن أخطب بن أبي يحيى ابن كعب بن الخزرج النضرية، من ولد هارون بن عمران – أخي موسى بن عمران عليهما السلام – سُبيت في خيبر سنة سبع من الهجرة، وكانت قبله تحت كنانة ابن أبي الحقيق، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ثلاثين. وقيل سنة خمسين )
هذه صفية بنت حيي بن أخطب زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين، حيي ابن أخطب أحد زعماء يهود، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة رآه حُيَيٌّ فعرف أنه نبيٌّ، واليهود كانت تعرف النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما قرأت عنه في التوراة، وهي حدثت بعد ذلك –أي صفية– أن أباها وعمّها التقيا بعد أن رأيا النبي عليه الصلاة والسلام،فقال عمُّها لأبيها: أهو هو؟ –يسأل–، قال: نعم أعرفه بوجهه –أو بنعته–، قال: فما في صدرك له؟، قال: عداوته ما بقيت، وهذا مصداق قول الله جلّ وعلا: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ [البقرة: 89]،
وقال تبارك وتعالى ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146، الأنعام: 20]، أي أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام لا يُخطئون في وصفه كما يعرف الرجل منهم ابنه، والرجل عادةً لا يُخطئ في معرفة ابنه. ثم إنه ذهب إلى خيبر في الإجلاء الأول وهو من بني النضير، فلما ذهب إلى خيبر وقعت معركة خيبر كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد أن كانت في سبيه، فأصبحت أمةً له، فأعتقها وجعل عتقها صداقًا لها .
واختلف العلماء رحمهم الله – من باب الفائدة الفقهية – هل يكون العتق صداقًا أو لا؟
منهم من قال: إن هذا خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنه غير ذلك، والذي يعنينا في شرح السيرة هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها، وجعل عتقها صداقها سواءٌ كان هذا خاصًا به أو كان شاملا لأمته.وقد كانت جميلةً رضي الله عنها وأرضاها، وهي من ولد هارون بن عمران أخي موسى ـ على موسى وعلى هارون السلام ـ ، وقد أغضبتها بعض أمهات المؤمنين – وقد مر معنا هذا في الدرس الأول– فجاءت للنبي عليه الصلاة والسلام تبكي فقال لها عليه الصلاة والسلام ( بم تفخر عليك، فإنك ابنة نبي، وعمك نبي ) يقصد موسى ( وإنك لتحت نبي ) يقصد نفسه عليه الصلاة والسلام.ولما تزوجها عليه الصلاة والسلام في منصرفه من خيبر أراد أن يدخل عليها على مقربة من خيبر فامتنعت وأبت، ثم لما تقدم قليلا نحو المدينة قبلت ودخل عليها صلى الله عليه وسلم، فسألها عن المانع الأول فقالت: "خشيت عليك من اليهود"، مما يدل على أنه وقر في قلبها محبة الدين ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خشي أبو أيوب الأنصاري على نبينا عليه الصلاة والسلام يوم أن دخل عليها فبات يحرصه خوفًا أن يكون بها شيءٌ من غدر يهود وهو لا يعلمها، ثم تبين مدى حبها لنبينا صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامها، وبقيت كذلك حتى توفاها الله جلّ وعلا، فهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير ابن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وهي خالة خالد بن الوليد، وعبدالله بن عباس، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف، وبنى بها فيه، وماتت به، وهو ماء على تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنة ثلاث وستين.فهذه جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشرة، وعقد على سبع ولم يدخل بهن ).
هذه ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، فالعباس رضي الله عنه وأرضاه عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منها الصلاة والصيام والقيام؛ فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، وهي أخت زوجته، أخت أم الفضل، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في مُنصرفه من عمرة القضاء في وادٍ يُقال له سَرف على وزن كَتف، وهو وادٍ في مكة، في طريق المدينة
الخارج من مكة إلى المدينة بعد النوارية بقليل يأتي وادي سرف، وهو الآن معمور به بقالات ومحطات تأتي على يمنك وشمالك، هذا الوادي هو وادي سرف الذي تزوج فيه النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
وكان من فائدة زواجه بها بالنسبة للأمة أن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما تُصبح هذه المرأة خالته فكان يبيت عندها، فإذا بات عندها يرى قيام النبي صلى الله عليه وسلم، فنقل عبد الله بن عبّاس كثيرًا من أخبار النبي عليه الصلاة والسلام لكونه يستطيع أن يدخل على خالته ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وقد ذكر المصنف أنها آخر أمهات المؤمنين موتًا –هذا على قول–، والقول الثاني أن آخر أمهات المؤمنين موتًا هي أم سلمة، إذًَا هناك خلاف في آخر أمهات المؤمنين موتًا هل هي ميمونة أو هي أم سلمة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، هذا علمٌ تاريخي لا يتعلق به حكم، كما أنهم اتفقوا على أن زينب بنت جحش هي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم موتًا بعده، ماتت بعد عشرين سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم، فهي أول نسائه لحوقًا به عليه الصلاة والسلام.
يتحرر من هذا كله أمهات المؤمنين، وقد ذكر المصنف في آخر المقال أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على سبعٍ ولم يدخل بهن، وهذا بعيدٌ بعض الشيء، والأشهر أنه على خمس أو أربع ولم يدخل بهن، منهن من استعاذت به ـ ولعل الأصح "استعاذت منه"، فقد ثبت عند البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ قَالَ : ( ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ قَالَ قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي...) ـ ومنهن من وجد في كشحها بياضًا، وأخريات لم تثبتهن كتب المصادر إثباتًا جيدًا، لكن الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسعٍ من النساء، وكان يقسم –كما قلنا بالأمس– لثمان، لماذا؟ قلنا أن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله تعالى عنهن جميعًا وأرضاهن.
في عصرنا الحديث ما شغّب المُستشرقون والطاعنون بالسنة في شيء كما شغّبوا في قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتزوج هذا العدد من النساء؟
وهذا مما يطول شرحه لكن نقوله على وجه الإجمال، لو كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد ما يفهمه الناس من زواجه من النساء لكان إلى الأبكار أقرب منه إلى الثيب، ومع ذلك لم يتزوج بكرًا إلا عائشة، ولم يُثني –يتزوج الثانية– إلا وقد جاوز الخمسين صلوات الله وسلامه عليه، وعاش قرابة ثلاثين عامًا مع زوجته خديجة وهي أكبر منه سنُّا ولم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، وإنما تزوج لأمورٍ متعددة وأغراضٍ، منها ما يكون إبطالا لحكم جاهلي كزواجه من زينت، ومنها ما يكون نصرةً للدين، فإن العرب في عادتها وأعرافها السابقة كانت ترى أن الصهر يقرب بين بطون القبائل، فكان صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة له خصوم وأعداءٌ في القبائل فكان يتزوج حتى يكسر ثورة غضب واجتماع القبائل عليه حتى يكون له عندهن رحمًا وصهرا فيكون هناك نوع من الحمية بالنسبة لهن أن بناتهن تحت نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
ثم إننا نقول إن هؤلاء الأمهات رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن صبرن على شظف العيش، فليس في الزواج منه صلى الله عليه وسلم متاعٌ دُنيويٌّ ظاهرٌ، وإنما المكسب العظيم في أنهن زوجاته في الآخرة، ولذلك كان بيت النبي عليه الصلاة والسلام لو رفعت يدك للمست سقفه، ولو اتكأت على أحد حائطه ومددت قدمك للمست الحائط الآخر من ضيق حجرات أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
ثم إنهن كما قال الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿28﴾ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28، 29]، فالنبي عليه الصلاة والسلام خيّر نساءه ما بين البقاء معه والصبر على شظف العيش في الدنيا؛ لأن الله خيره هو نفسه من أن يكون ملكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا فاختار العبودية، ولم يختر الملك كما اختارها داود واختارها سليمان عليهما السلام، فبقي صلى الله عليه وسلم عبدًا يشبع ويجوع، ويمرض ويصح، وتجري عليه أحكامٌ عديدة عليه الصلاة والسلام حتى أنه كان يظهر الهلال ثلاث مرات في الشهرين الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يُوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ، فهو أكرم الخلق على الله، فلما سُئلت عائشة عن ذلك –عن طعامهم– قالت "الأسودان، التمر والماء".
فلم يكن مما قاله المستشرقون شيء، وإنما صبرن أولئك الأمهات وقدمن نماذج إنسانية فريدة، ومنهن من اشتهرت بالصلاة والصيام، ومنهن من اشتهرت بحب المساكين، ومنهن من اشتهرت بالعلم، تنوع عطاؤهن حتى يستفيد المجتمع من قربهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنزل الوحي،
ولذلك قال حسان يذكر حجرات أمهات المؤمنين ونزول الوحي عليها:
بها حجرات كان ينزل وسطه
من الله نور يستضاء ويوقد
فخرجن أمهات المؤمنين يُحدثن بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتهن، هذا ما يمكن التعليق عليه إجمالا، ونحن كما قلت من قبل مُقيدون بالمتن حول زواجه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من أمهات المؤمنين.

ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم :
(أنس بن مالك بن النضر الأنصاري.وهندٌ وأسماءٌ ابنا حارثة الأسلميان. وربيعة بن كعب الأسلمي.
وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه،، كان إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم. وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقودها في الأسفار.وبلال بن رباح؛ المؤذن. وسعد، مولى أبي بكر الصديق.وذو مِخمر ابن أخي النجاشي، ويقال: ابن أخته. ويقال: ذو مخبر بالباء.وبكير بن شداخ الليثي، ويقال: بكر. وأبو ذر الغفاري ).
هؤلاء هم خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أنهم قد أصابهم من الشرف ما لا يعلم قدره إلا الله، فإن الله سخرهم رضي الله عنهم وأرضاهم ليكونوا خدمٌ لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقد علموا أيَّ شرفٍ يكتسبوه، فلذلك كانوا يفتخرون رضي الله عنهم بأنهم كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، فخدمته عليه الصلاة والسلام شرفٌ عظيم، وهؤلاء يتفاوت المهام التي أوكلها النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والعاقل إذا تبوأ مكانةً يختلف اصطفاؤه للرجال من واحدٍ إلى آخر، فليس كل الناس يصلح لمهمةٍ واحدة، فقد يُحسن الرجل مهمة ولا يحسن أخرى، ولذلك تفاوتت مهام خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.فأما أنس فهو الذي جاءت به أمه وجعلته وهو صغير ووهبته للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون خادمًا له، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بكثرة المال والولد فتحققت دعوته عليه الصلاة والسلام لأنس، ولما جاءت خلافة عبد الملك بن مروان وصلت الحجاج بن يوسف على مكة والمدينة آذى الحجاج بن يوسف أنسًا، فكتب أنسٌ رضي الله عنه إلى عبد الملك –وكان يومئذٍ أميرًا للمؤمنين– يشكو تسلط الحجاج بن يوسف عليه، وكان فيما كتبه أنس قال "لو أن رجلا من بني إسرائيل خدم موسى يومًا لعظمته بني إسرائيل، فكيف وقد خدمتُ نبينا صلى الله عليه وسلم عشر سنين"، فبعث عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكف يده عن أنس.هذا أنسٌ رضي الله تعالى عنه، وقد كان أنس من مهامه يذهب في الحوائج اليومية، يغدو ويروح في الحوائج اليسيرة، وقد نقل لنا أنسٌ ما كان عليه الصلاة والسلام من خلق فقال "خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فلم يقل لشيءٍ لم أفعله لِمَ لَمْ تفعله، ولا لشيءٍ فعلته لم فعلته"، وهذا من جميل خلقه وكريم أدبه، وحسن معاملته صلى الله عليه وسلم من الأهل والخدم والموالي وسائر الناس.
وممن خدمه عليه الصلاة والسلام عقبة بن عامر، وهذا كان يقود له البغلة، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم في أحد أسفاره لما هبت ريح أمره أن يتعوذ بالمعوذتين ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ وقال ( ما تعوّذ مُتعوِّذٌ بمثلهما ).
ومنهم بلال وهو مؤذنه، وهذا مشهور.ومنهم ربيعة بن كعب الأسلمي وكان من مهامه أنه يضع الوَضوء للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يفعل هذا تطوعًا، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكافئه فقال ( يا ربيعة سلني حاجتك ) ، قال: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، ولقد وجد ربيعة من الشرف والحَظْوَة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والفخر بخدمته له في الدنيا ما جعله يتطلع لأن يكون رفيقه في الجنة، فقال له صلى الله عليه وسلم ( فأعني على نفسك بكثرة السجود )، فدل على أن كثرة الصلوات مما تجعل العبد قريبًا من جوار نبينا عليه الصلاة والسلام.
ومن خدمه عليه الصلاة والسلام بُكير بن شدّاخ الليثي، وكان صغيرًا، وقد نقل الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى عنه قصةً مفادها أن بكيرًا هذا كان يبعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيوت أمهات المؤمنين، فلما بلغ واحتلم جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إنني بلغت مبلغ الرجال فلا تبعث بي إلى
نسائك، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من صدقه، وقال له ( اللهم صدّق قوله وبلغه الظفر )، فكانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مُتحققة فيه، فلما كانت ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخرج المجاهدون في أصقاع الأرض يحملون لواء الدين، كان ممن خرج أحد الأنصار فترك زوجته، وكأن الأنصاري هذا أوصى بكيرًا بأهل بيته، فكان هناك يهودي يأتي إلى تلك المرأة ويراودها عن نفسها، فقام بكيرٌ فقلته.فلما قتله وُجد هذا اليهودي مُلقًا في أحد أحياء المدينة مدرجًا في دمائه فحُمل، فقام عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين على المنبر فخطب خطبةً ثم قال: أنشد الله كل رجلٍ يعرف عن هذا القتيل شيئًا إلا أخبرنا، فقام بكيرٌ والناس يسمعون وقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين، فتعجب عمر من صراحته وجرأته، قال: ما دفعك إلى هذا؟ فأخبره القصة، فتذكر عمر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتركه ولم يصنع به شيئًا إكرامًا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه جعل دم اليهودي في هذه الحالة أنه مُهدر.والذي يعنينا أن بكيرًا هذا خدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فهؤلاء جميعًا رضي الله عنهم وأرضاهم شرفوا بخدمة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.

ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم:
(زيد بن حارثة بن شُراحيل الكلبي، وابنه أسامة بن زيد، وكان يقال لأسامة بن زيد: الحب بن الحب.
وثوبان بن بجدد؛ وكان له نسب في اليمن.وأبو كبشة من مُولدي مكة. يقال: اسمه سُليم، شهد بدرًا، ويقال: كان من مُولدي أرض دوس.وأنسةُ مُولدي السراة.وصالح، شقران. ورباح، أسود. ويسارٌ، نوبي.وأبو رافع، واسمه أسلم. وقيل: إبراهيم، وكان عبدًا للعباس، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه.وأبو مويهبة، من مُولدي مزينة. وفضالة، نزل بالشام.ورافع كان لسعيد بن العاص فورثه ولده، فأعتقه بعضهم، وتمسك بعضهم، فجاء رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه، فوُهب له، وكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومِدعم، أسود، وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، وكان من مولدي حِسمي، قتل بوادي القرى.
وكركرة، كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم.وزيد، جد هلال بن يسار بن زيد، وعُبيد.وطهمان، أو كيسان، أو مهران، أو ذكوان، أو مروان.ومأبور القبطي، أهداه المقوقس.وواقد، وأبو واقدٍ، وهشام، وأبو ضميرة، وحنين، وأبو عسيب، واسمه أحمر، وأبو عبيد.وسفينة كان عبدًا لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم حياته، فقال: لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء المشهورون، وقيل: إنهم أربعون.
ومن الإماء: سلمى أم رافع، وبركة أم أيمن، ورثها من أبيه، وهي أم أسامة بن زيد، وميمونة بنت سعدٍ، وخضرة، ورضوى )
ذكر المصنف هنا موالي النبي صلى الله عليه وسلم، والمولى في اللغة تُطلق على أربعة أو أكثر –وهذا من الفوائد–:
• تُطلق على السيد، فتقول للغلام: أين مولاك؟
• وُتطلق على العبد إذا أُعتق فيُصبح ولاؤه لسيده، فيُقال له: مولى بني فلان، أي أن ولاءه لهم، كان عبدًا عندهم ثم أُعتق، وهذه هي التي أرادها المصنف حينما قال ( ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم )
• وتُطلق على النصير والظهير، ودليلها من القرآن ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا
مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 11]، أي أن الله نصيرٌ وظهيرٌ للمؤمنين، والكافرين ليس لهم ظهيرٌ ولا نصيرٌ.
• وتُطلق على الرب جل جلاله، ودليلها من القرآن ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ
أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62]، فمولاهم هنا بمعنى ربهم، ليست بمعنى نصيرهم لأن الله ليس نصيرًا ولا ظهيرًا للكفار.
هذه كفائدة لغوية، أما الموالي المقصود بها هنا من كان عبدًا ثم أُعتق، وقد بدأ المصنف بزيد بن حارثة وابنه أسامة، فأما زيدٌ وأسامة فهما حبَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أسامة حبًّا جمًّا، وأسامة هو الذي طلبت قريشٌ منه أن يتشفع عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال له ( أتشفع يا أسامة في حدٍ من حدود الله )، لعلم المخزوميين من قريش بمكانة أسامة عند النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد كان زيدٌ أبوه أبيضًا، وكان أسامة أسمر اللون، فكان هذا يثير التساؤلات عند الناس، وكان هذا يحدث أسًى في قلبه صلى الله عليه وسلم، أي التساؤلات التي يثيرها الناس من كون أسامة يختلف لونه عن لون أبيه، حتى ناما ذات يومٍ بجوار بعضهما وظهرت أقدامهما دون أن تظهر وجوههما فجاء رجلٌ من بني مدلج له علمٌ بالقفاية والأنساب والأثر، فلما نظر إلى قدمي أسامة وقدمي زيد وهو لا يعرف أن هذا أسامة وهذا زيدٌ ابنه، وإنما نظر إلى الأقدام بعضها سمراء وبعضها بيضاء، قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فتهلل وجهه صلوات الله وسلامه عليه وظهر الفرح عليه ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه وهو يقول ( أما علمت أن فلانا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد فقال كذا وكذا )، لأن الإنسان إلى أحب شيئًا أحب ما يتعلق به وأحب ما يفرحه، وإذا أبغض شيئًا –عياذًا بالله– أبغض ما يتعلق به، فكان صلى الله عليه وسلم مُحبًّا لزيدٍ ومُحبًّا لأسامة، فكان يحب أي شيء يدخل الفرح أو يظهر الكرامة أو الفضل لأسامة ولزيدٍ رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.
فهما موالي النبي عليه الصلاة والسلام، وزيدًا كان عبدًا للنبي عليه الصلاة والسلام أهدته إياه زوجته خديجة ثم أعتقه صلوات الله وسلامه عليه.
وممن ذكر المصنف رحمة الله عليه من الموالي سفينة، واسمه على الأشهر مهران، وأما سفينة فلقبٌ قيل إن النبي عليه الصلاة والسلام أطلقه عليه كما رواه الإمام أحمد بسندٍ حسن، كان يحمل المتاع فألقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم متاعهم في ردائه، فكأن الرداء حمل أكثر من المعهود، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( بل أنت سفينة )، كناية على أنه يحمل شيئًا غزيرًا، فقال سفينة: فلو أنني حُمِّلت حمل بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة لحملتها من قول النبي صلى الله عليه وسلم.


سفينة وإذعان الأسد له :
وسفينة هذا أدرك زمن عثمان، وركب البحر فرمت به ألواح البحر، كان مُتكئًا على لوح قارب في البحر فضربتهم الأمواج ورماه البحر إلى أجمة –يعني غابة–، فلما رماه البحر إلى أجمة ضل الطريق فرأى الأسد، فلما أبصر الأسد –والعرب تُسمي الأسد أبا الحارث–، فلما رآه سفينة أخذ ينظر إلى الأسد ويقول: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ الأسد رأسه وأقبل على سفينة وحمله على عاتقه وخرج به من الغابة حتى دله على الطريق، ثم رجع قليلا، ثم أقعى على ذنبه، ثم أخذ يهمهم كأنه يودعه،
فهذا كما قال العلماء وحشٌ كاسرٌ وسبعٌ مُفترس لما علم أن الذي بين يديه مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تغير طبعه وتغير حاله، فالمؤمنون أولى أن يكونوا أرق قلوبًا وعاطفة مع بعضهم البعض في المقام الأول، لماذا؟ لأن يجمعني ويجمعك شهادة التوحيد ومحبتنا لرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وممن كانوا من موالي النبي صلى الله عليه وسلم كُثر، لكن ذكر المصنف بعضًا منهم، ثم ذكر زيدًا وذكر أسامة وذكر سفينة، وهؤلاء أشهر موالي النبي عليه الصلاة والسلام.
وذكر من النساء أم أيمن، وهي اسمها بركة، وهي إحدى حواضن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها، وهي زوجة زيدٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

ذكر أفراس رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أول فرس ملكه: السكب، اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه السكب، وكان أغر محجلًا طلق اليمين، وهو أول فرس غزا عليه، وكان له سبحة، وهون الذي سابق عليه، فسبق، ففرح به.
والمرتجز: وهو الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له خزيمة بن ثابت، والأعرابي من بني مرة.وقال سهل بن سعد الساعدي: " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ثلاثة أفراس: لزاز، والضرب، واللحيف. فأما لزاز: فأهداه له المقوقس، وأما اللحيف: فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الضرب: فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي.وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر، فحمل عليه، فوجده يباع.وكانت بغلته الدُلدُل، يركبها في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبِرت وزالت [أسنانه]، وكان يجش لها الشعير، وماتت بينبع، وحماره [عُفَير] مات في حجة الوداع.
وكان له عشرون لقحة بالغابة، يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان فيها لقاح غزار: الحناء، والسمراء، والعريس، والسعدية، والبغوم، واليسيرة، والريا.وكانت له لقحة تدعي بردة، أهداها له الضحاك بن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان.وكانت له مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل. والشقراء.وكانت له العضباء، ابتاعها أبو بكر من نعم بني الحريش، وأخرى بثمانمائة درهم، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة درهم، وهي التي هاجر عليها، وكانت حين قدم المدينة رباعية،وهي القصواء والجدعاء، وقد سُبقت، فشق على المسلمين.
وكان له منائح سبع من الغنم: عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورسة، وأطلال، وأطراف.وكان له مائة من الغنم )
هذه الأخبار جملةً بعضها قد لا يكاد يثبت، لكن الذي يعنينا حرص سلف الأمة رضي الله عنهم ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم دوّنوا ما كان يركبه صلى الله عليه وسلم وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمرٌ محمودٌ لهم، وقد كان السلف كذلك من عنايتهم بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من قبل أن من أحب شيئًا أحب ما يتعلق به.
أما ما ذكره المصنف فبالنسبة لك كطالب علمٍ لا يلزم حفظ هذا كله، لكن هو المقصود عندما تتذكر الأحاديث تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما سمعت الآن في السيرة، فمثلا حديث خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا من رجلٍ من بني مرة لم يكن هناك شاهد، فكأنهما اختلفا في أمر فطلب الأعرابي شاهدًا يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه هذا الفرس، لأن النبي عليه الصلاة والسلام اتفق معه على سعر، ثم أن الأعرابي كأنه طمع فقال ما بعتك بهذا السعر أريد سعرًا أرفع، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( إنك بعتني إياه، سبق أن انتهينا من الأمر )، فلم يجد شاهدًا، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منك بكذا وكذا، فلما شهد قال له عليه الصلاة والسلام ( كيف تشهد؟ ) وهو يعلم أنه لم يحضر، فقال: يا رسول الله إنني أصدقك بخبر السماء ـ أو كلمةٍ نحوها ـ أفلا أصدقك أنك اشتريت فرسًا من أعرابيٍّ بكذا وكذا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
وهذا يُسمى –إن صح التعبير– في علم الاجتماع، الإنسان أحيانًا يرزقه الله موهبة انتهاز الفرص الحسنة، وذكرنا على هذا أمثلة من السيرة كأبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل المدينة كان فيها حيَّان عظيمان، الأوس والخزرج، فكان راكبًا على الناقة فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، يقول ( خلو سبيلها فإنها مأمورة )، ويقول الأوس نفس القضية ويقول عليه الصلاة والسلام ( خلو سبيلها فإنها مأمورة )، فلما بركت الناقة وقامت تركها النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبرك ولم ينزل، ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول، هنا لم ينزل عليه الصلاة والسلام حتى لا يقولن قائل لو نزل عند الأوس لقال الخزرج مال علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس ذلك وبقي على الناقة. فجاء أبو أيوب الأنصاري، وهذا الذي نتحدث عنه عن انتهاز الفرص، فعمد إلى متاع النبي عليه الصلاة والسلام وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حُسم الأمر، فلما جاء الناس المجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجدًا يقولون: يا رسول الله هاهنا هاهنا قال عليه الصلاة والسلام ( المرء مع رحله )، فظفر أبو أيوب رضي الله عنه وأرضاه بسكنى النبي عليه الصلاة والسلام عنده من دون غيره من الأنصار لتبكيره وانتهازه للفرصة الحسنة هنا.
كذلك خزيمة بن ثابت، كل الصحابة أصلا من أبي بكر فمن دونه –وليس فيهم من يُسمى بالدون– يصدقون النبي عليه الصلاة والسلام بخبر السماء، لكن خزيمة استغل الأمر أكثر من غيره وقال: أنا أشهد، ومعلومٌ لما يُقال هذا الأمر النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد شهادته، فظفر بأن شهادته بشهادة رجلين رضي الله عنه وأرضاه، وهذه من المناقب المحمودة في الرجال.
إذا هبت رياحك فاغتنمها فـــإن لكل خافقة سـكون
و إن درت نياقك فاحتبلها فلا تدري الفصيل لمن يكون
هذه أسباب يضعها الله تبارك وتعالى في الناس، هذا يصيب وهذا يُخطئ، لكن هذه سنن الله في الخلق، وإذا أراد الله شيئًا هيَّأ أسبابه.
ونقف عند العضباء وهي القصواء لمُسمًّى واحد،
وهي الناقة –إذا صح التعبير– الرئيسة التي كانت تحمل النبي عليه الصلاة والسلام، والتي حملته في الهجرة، وحملته في يوم عرفة، حلمته في الحج وحملته في الهجرة، وهذه الناقة كانت لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابيٌّ بقعود فسابق هذه الناقة وسبقها، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة، لماذا شق على الصحابة؟، نُعيد نفس القاعدة، إن من أحب شيئًا أحب ما يتعلق به، الصحابة ما الذي يعنيهم أن قعودًا يسبق ناقة؟! لا يعنيهم شيءٌ، لكن شق عليهم وتغير حالهم أن هذه الناقة ناقة من؟ ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هنا جاء التأديب النبوي للأمة،
وهذا من أعظم وسائل تربية الناس على التوحيد أن يُربوا عمليًّا، فإن متون التوحيد على جلالة قدرها مما دونه العلماء أمرٌ عظيم لا خلاف فيه، لكنه لا يُدرس التوحيد بشيءٍ أكثر من تدريس كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة التوحيد، الآن ناقة تُسبق أين التوحيد في ناقةٍ تُسبق؟، فلما سُبقت الناقة وتغير وجوه الصحابة قال صلى الله عليه وسلم ( إنه حقٌّ على الله ألا يرفع شيئًا إلا وضعه )، لا يرتفع شيءٌ إلا وضعه الله .
هذا هو التوحيد، أين التوحيد؟، الشمس والقمر فتنةٌ للناس، ولذلك كتب الله على الشمس والقمر الكسوف والخسوف حتى يُعلم أنا مهما بلغت قابلة للنقصان، وجهه صلى الله عليه وسلم ليس هناك وجهٌ أشد نورًا من وجهه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يُشج وتُكسر الرباعية وينزل الدم، لأنه مهما بلغ فهو وجه مخلوقٍ، كل من حولك من العظماء يريك الله جلّ وعلا فيهم آية تدل على أنهم بشر تجري عليهم أحكام البشر، انظر إلى جمعٍ من الممثلين والممثلات ممن يوصفون بالجمال، غالبهم يموت بمرضٍ يشوه جماله، حتى آخرهم موتًا، كنت أدرس في المدينة، آخرهم موتًا –ولا أتكلم عن أسماء– عفا الله عنه وغفر الله له، الجنة والنار ليس لنا فيها سبيل، هذا الرجل كان فتنة في زمانه قديمًا لكثيرٍ من الصبايا والنساء، فلما قربت وفاته دخلته أمراض حتى تغير وجهه حتى إن أهله كانوا يخفون وجهه عن الناس، حتى مات ووري في جنازة مستورة حتى لا يرى الناس وجهه بعد أن رأوه أنه كان فتنة في السابق، فسنة الله في خلقه أن كل شيءٍ مهما عظم يعتريه النقص، قال الله جلّ وعلا ﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88] ، وقال سبحانه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿26﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27].
فكل عظيمٍ مهما ارتقى فينزل، ونبينا صلى الله عليه وسلم لما ساد الجزيرة ودخل مكة فاتحًا وخطب الناس في خطبة الوداع وبلغ الأمر منتهاه مرض وأصابته الحمَّى وأصبح وهو سيد الخلق الذي جاهد في أرجاء الجزيرة كلها يعجز أن يصل إلى المسجد، ثم كان عليه الصلاة والسلام أفصح من نطق الضاد وأفصح الفصحاء وسيد البلغاء يعجز أن يتكلم ويدعو لأسامة بصوتٍ مرتفع، بل يصل إلى أنه يرى السواك –كما قلنا قبل درسين– ولا يستطيع أن يقول أعطوني السواك، فسبحان ربنا الذي لا شيء مثله، ولا نظير له ولا ند، وهو الذي يرينا عظمته وجلاله وكماله وقدرته، وأنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، يرينا هذه الآية في كل غدوة ورواح، لكن المتعظين بتلك الآيات قليل، جعلني الله وإياكم من أولئك القليل.
هذا ما يتعلق سبق القصواء من قبل القعود الذي مع الأعرابي.
مما يتعلق بذكر أفراسه ودوابه عليه الصلاة والسلام أنه كان عليه الصلاة والسلام بشرٌ من الناس، يعيش كما يعيش الناس، يركب كما يركبون، ويمشي كما يمشون، ويفرح كما يفرحون، فلما سبق فرسه فرح، ولما رأى فرسًا أعجبه اشتراه، وقلما نُقل عنه البيع، البيع في حياته صلى الله عليه وسلم قليل، أما الشراء فهو كثيرٌ، فكان يشتري ما كان يعجبه، وكان يأخذ ويعطي ويفاوض ويبيع ويساوم، وسمحًا إذا باع وسمحًا إذا اشترى.
فهذا كله يدل على أنه بشر، وقد كان القرشيون يتعجبون في أول الأمر كيف يكون هذا نبيًا ويقولون ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 7]، فأخبره الله جلّ وعلا بآياتٍ عديدة أن الدنيا ليست مكافأةً لأحد، ولو كانت مكافأةً في ذاتها فلمنعها الله جلّ وعلا أهل الكفر، فعاش نبيه صلى الله عليه وسلم بشرًا كما يعيش الناس، ونُعِّم أهل الكفر، بعضهم ينعم وبعضهم لا ينعم، تجري على الجميع أحكام الله جلّ وعلا القدرية، ولا علاقة لها بالإيمان ولا بغيره. لكن الآخرة هي دار الجزاء، فالله يقول في "الزخرف" ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿33﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿34﴾ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 33–35]، فجعل الله جلّ وعلا الآخرة هي دار التقوى، ولما كان يحمل الّلبِن ويحمل أصحابه اللبن كان عمّار يحمل لبنتين لبنتين، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم عمار أنه يحمل لبنتين لبنتين فقال ( ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية )، ثم قال ( اهتدوا بهدي عمّار )، الشاهد منه لما أراد أن يبث فيهم العلاقة الأخروية قال لهم عليه الصلاة والسلام يدعو ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة ).
فالمؤمن وطالب العلم في المقام الأول لا يجعل من العلم حظًا للكسب الدنيوي، وإنما يجعل العلم الذي علم به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وفقهه وما إلى ذلك طريقًا إلى الآخرة، وكلما كان للإنسان حظٌ من الدنيا بعلمه قل حظه في الآخرة وقل قبول علمه عند الناس في الغالب.
العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغفر له لما بُشر بأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية حاول الصحفيون أن يجعلوا من فوزه بها مادةً ثريةً في الصحافة، واتصل به أحد الصحفيين ليهنئه ويسأله عن مشاعره فقال الشيخ رحمه الله ﴿ وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 35]، ثم أقفل الهاتف وأنهى المكالمة، فالعالم الرباني بحق هو من ينشد ما عند الله وأجر الآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء وطلبة العلم في المقام الأول.
فبادره وخذ بالجد فــيه فإن أعطاكه الله انتفعت
وإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رأست
فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملت
وإنما العلم العمل، والله جلّ وعلا يقول ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، هذا أهم ما يمكن أن يكتسبه الإنسان في هذه المقطوعة من السيرة.



ذكر سلاحه صلى الله عليه و سلم و الانتهاء من شرح المتن :
و سنشرع ا إن شاء الله تعالى في ختم الكتاب وإتمامه، وقد يقول قائل: إنه كيف يُعطى في يوم واحد ما أعطى قرابته في أسبوع كامل؛ حتى يزيل اللبس فإن المتبقي من الكتاب أكثره أسماء تتعلق بالعشرة المبشرين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وأما ما يتعلق بصفته صلى الله عليه وسلم فهذا ما سنقف عنده كثيراً .
أسلحته صلى الله عليه وسلم :
قال المصنف رحمه الله: ( وكان له ثلاثة رماح أصابها من سلاح بني قينقاع، وثلاثة قسي، قوس اسمها الروحاء، وقوس شوحط، وقوس صفراء تدعى الصفراء.وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش، فكره مكنه، فأصبح وقد أذهبه الله عز وجل.وكان سيفه ذو الفقار، تنفله يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وكان لمنبه بن الحجاج السهمي.وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيف قلعي، وسيف يدعى بتارا، وسيف يدعى الحتف.وكان عنده بعد ذلك المخدم، ورسوب، أصابها من الفلس، وهو صنم لطيء.
قال أنس بن مالك: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، وقبيعته فضة، وما بين ذلك حلق فضة .وأصاب من سلاح بني قينقاع درعين: درع يقال لها: السعدية، ودرع يقال لها: فضة.وروي عن محمد بن سلمة قال: رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين: درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسعدية ).
هذا ما ذكره المصنف النبي صلى الله عليه وسلم كان إمام المجاهدين، ولا يمكن إن يكون إمام المجاهدين حتى يكون لديه سلاح، وهذه الأسلحة التي ذكرت ونقلت عنه صلى الله عليه وسلم نُقلت بأسانيد تختلف منها ما هو صحيح منها ما هو دون ذلك، لكن جملة قُبلت عند العلماء وتناقلوها هذا الفكرة الأولى في الموضوع.
الفكرة الثانية في الموضوع إذا أردت أن تدون سيفه ذو الفقار هذا السيف الذي كان لا يكاد يفارقه صلى الله عليه وسلم، سيف ذو الفقار هو السيف الذي كان لا يكاد يفارقه صلوات الله وسلامه عليه بمعنى أنه كان يحمله كثيراً ولذلك قال المصنف ( وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ) فلو سُئلت وأنت درست المتن ما معنى قول المصنف ( وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ) أي أن هذا السيف قبل معركة أحد النبي صلى الله عليه وسلم رأى في هذا السيف ثلمة رأى فيه ماذا؟ ثلمة يعني شبه كسر، وسيف الإنسان هو الذي يدفع به عن نفسه فأُول في المنام بأنه أحد عصبته، وكان مقتل من ؟ مقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه وموته شهيداً، فالرؤيا التي رآها رأى بقراً تنحر هذا موت أصحابه ورأى في سيفه ثلمة؟ هذا هو مقتل من مقتل حمزة في أي سيف رأى هذه الرؤيا في سيفه ذي الفقار، فعلى هذا قلنا إن سيفه ذا الفقار هو السيف الذي لا يكاد يفارقه.
الفائدة الثانية: ما لم يذكره المصنف أن له صلى الله عليه وسلم سيفاً يقال له مأثور ورثه عن أبيه، بمعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث هذا عن أبيه عبد الله أي أن مأثور في الأصل لمن ؟ لعبد الله هو والد النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: وهذه هي أهم الفوائد مر معنا يا أُخي السلاح الآن ومر معنا قبله الدواب ومر معنا قبل الدواب الإماء والموالى والعبيد، السؤال أين ذهبت هذه؟ الإماء والعبيد والسلاح والدواب الذي ذكرنها جميعاً تكتب في المتن قال الحافظ بن كثير رحمه الله : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه إنه مات ولم يترك ديناراً ولا درهماً وأن درعه كانت مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، وأن جميع ما ذكر من قبل من
العبيد والإماء والدواب والسلاح قد أنجز التصدق به صلى الله عليه وسلم قبل موته؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقه ) الآن انتهينا من قضية سلاحه.

فصل في صفته صلى الله عليه وسلم :
( روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم، مقبلا يقول:أمين مصطفى بالخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينشد قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان، حيث يقول: لو كنت من شيء سوى بشر كنت المضيء ليلة البدر.ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولم يكن كذلك غيره ) .
هذا إجمال ما ذكره المصنف هنا قد يكون في الأول بالذات فيه نظر بأن أبا بكر ما يعرف عنه الشعر، لكن جملة مقبولة لأن المعنى صحيح قد لا يصح نسبة هذه الأمور إلى أبي بكر لكن المعني صحيح، ثم جاء عن وصفه صلى الله عليه وسلم من حيث التفصيل قال ( وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض اللون، مشربًا حمرة ).
الأبيض إما أن يكون أبيض أمهق كما سيأتي فيكون بياضه غير ممدوح ولكن بياضه صلى الله عليه وسلم كما قال علي كان مشرباً بحمرة أي مخلوطاً بحمرة ( أدعج العينين) المعني شديد سواد العينين.
( سبط الشعر ) معنى سبط الشعر أي أن شعره ليس مسترسل، الآن اليوم العامية يقولون ناعم ليس مسترسلاً ولا ملتوي أي أن شعره صلى الله عليه وسلم ليس مسترسلاً تماماً ولا ملتوي مسترسل ليس مسترسلاً خبر ليس ولا ملتوياً.
( كث اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة ) والمقصود الشعر الذي من أعلى الصدر إلى أدني السرة دقيق المسربة وليست المشربة مكتوبة في الكتاب بالشين وهي المسربة والمعنى الشعر الممتد من أعلى الصدر إلى أدنى الصدر .
( ليس في بطنه، ولا صدره شعر غيره ) هذا واضحة ( شئن الكفين والقدمين) هذه معناها غليظ أصابع الكفين وغليظ أصابع القدمين.
( إذا مضى كأنما ينحط من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت التفت جميعً) هذه واضحة ينحط من صبب، الصبب المكان العالي.

( كأن عرقه اللؤلؤ، ولَريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، ليس بالطويل ولا بالقصير،ولا الفاجر ولا اللئيم) هذه واضحة جداً .
( لم أر قبله ولا بعده مثله ) من القائل ؟ علي ابن أبي طالب، وفى لفظ أي لعلي بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين، خاتم النبوة شعيرات ما بين الكتفين من الخلف إلى جهة الشمال أقرب، خاتم النبوة شعرات من الخلف اجتمع بعضها إلى بعض إلى الشمال أقرب، واضح وهو خاتم النبيين .
( أجود الناس كفا ) كناية عن الكرم ( وأوسع الناس صدرًا ) هذه ظاهرة (وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم )
( وقال البراء بن عازب: صاحبي معروف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعًا ) أي لا بالطويل ولا بالقصير ( بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئًا قط أحسن منه صلى الله عليه وسلم ) مربوعاً قلنا واضح ما بين الطول والقصر بعيد ما بين المنكبين هذان المنكبان والمقصود أن صدره وظهره ممتد .
( له شعر يبلغ شحمة أذنيه ) هذه شحمه الأذن ( رأيته في حلة حمراء ) الحلة الثوب المكون من قطعتين، الإزار والرداء ( لم أر شيئًا قط أحسن منه صلى الله عليه وسلم ) لم هذه أداة نفي جاء بعدها بقط لأنه نفى شيئاً ماضي ولو أراد أن ينفي شيئاً في المستقبل يأتي بأبداً .
( وقالت أم معبد الخزاعية في صفته، صلى الله عليه وسلم ) أم معبد أين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ رآها أين ؟ أم معبد في الهجرة في طريقه من مكة على المدينة مر على أم معبد، أم معبد امرأة من خزاعة كان عندها خيمتان تكري الأضياف فمر النبي صلى الله عليه وسلم عليها ونزل ضيفاً عندها وجاءت معها قصة الشاة المعروفة :
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمة أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمد
هذه أم معبد رأته وكانت خزاعية فصيحة فلما جاء زوجها سألها فأجابته بالتالي:
( رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة ) هذه ثجلة وصعلة تحتاج إلى شرح لم تعبه ثجلة، الثجلة الضخامة في البدن والصعلة صغر الرأس، فهو عليه الصلاة والسلام ضخم إلى حد لا يعاب ولا صغير الرأس إلى حد يعاب به (قسيمًا، في عينيه دعج ) أي سواد ( وفي أشفاره غطف ) الأشفار شعر الجفن ( وفي صوته صحل ) أي في صوته بحة، الصحل هو ماذا ؟ البحة ( وفي عنقه سطع ) تقصد نور تقصد أن عنقه منير ( وفي لحيته كثاثة ) هذه واضحة أي كثرة ( أزج أقرن ) أما كونه أزج فالمعنى أن خيط الجفن هذا دقيق قليلاً، أما قولها أقرن هذا لا يقبل فإما أن يكون خطأً منها وإما أن يكون خطأً من الرواة الذين نقلوا قالت ( أزج أقرن ) فإما أن يكون خطأً منها وإما أن يكون خطأً ممن من الرواة؛ لأن معنى أقرن أن يكو ن هذان ملتصقان بعضهما ببعض الحاجبان إذا اتصلا يسمى أقرن بمعنى مقترنين وهذا عيب مذموم عند العرب قديماً وهو لا يعيب الرجل إذا وجد فيه؛ لأن هذا خلق لكن الله جلّ وعلا لا يجعل نبيه بهذا الأمر وسيأتي وصفه عليه الصلاة والسلام بأنه أزج في غير قرن سيمر معك أظن المصنف تعرض له هذا محفوظ وما أدري إن كان المصنف ذكره أو لا أزج في غير قرن، فقولها أزج أقرن إلا أن تكون قصدت شيئاً لم أفهمه أنا، واضح إذا؟ كم تخريج الآن ؟ ثلاثة.
الأول : أن يكون خطأ ممن؟ من أم معبد.
والخطأ الثاني أن يكون ممن ؟ من الرواة، والخطأ الثاني يكون في فهمنا نحن لكن الصواب الذي لا محيل عنه أن الرسول لم يكن أقرن واضح .
( أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء ) وهذه ظاهرة ( أجمل الناس، وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصلٌ، لا نزل ولا هذر، كأن منطقه خزرات نظم تحدرت ربعة لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين ) تتكلم عن من الغصنين الأخرين؟ أبو بكر وعامر بن فهيرة ( وهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال؛ أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره محفود محشود ) ما معنى محفود ما معنى محشود ؟ المحفود من يعظمه أصحابه ومن حوله ويسارعون في طاعته هذا معنى محفود.
محشود: أي يجتمع إليه الناس ( لا عابس، ولا مفند ) التفنيد الصد الرد التهجين، ومعنى لا عابس، ولا مفند، أي جميل المعاشرة لا يهجن أحداً ولا يحتقره.
( وعن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه أنه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان ربعة ) مستحيل طبعاً أن تكون ربعة لماذا؟ خبر كان ما يكون مرفوعا منصوبا ( كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن) هذه مرت معنا ( ولا بالقصير المتردد، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم ) الآدم الأسمر الآدم من يميل إلى السمرة أي أن بياضه صلى الله عليه وسلم كما قلنا مشرباً بحمرة والأبيض الأمهق الكريه البياض.
فائدة مَن من الأنبياء كان يميل إلى السمرة؟ موسى ولذلك الله قال أن يده بيضاء من غير سوء.
موسى كان أسمر ( ليس بجعد، ولا قطط، ولا سبط، رجل الشعر ) هذه مرت معنا أي ليس مسترسلاً .
( وقال هند بن أبي هالة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب ) المشذب يعني الطويل ( عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون ) مر معنا أي بياض معقول ( واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير ) ماذا؟ ( في غير قرن ) كما أثبتناه في الأول ( بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين) العرنين الأنف، العرنين الذي ارتفع أعلى أنفه واحدودب وسطه وضاق منخراه ( كث اللحية، أدعج العينين ) مرت ( سهل الخدين، ضليع الفم ) أي كبير الفم وكان عنوانا
عند العرب على الفصاحة والبلاغة ( أشنب ) يعني جميل الفم ( مفلج الأسنان ) الثنايا كان فيها فلجة لم تكن متلاصقة ( دقيق المسربة ) هذه مرت معنا ( كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنًا متماسكًا، سواء البطن والصدر ) ما معنى سواء البطن والصدر، هذه ظاهرة بتعبير البطن يعني فرق ما بين البطن والكرش كل إنسان له بطن لكن ليس كل إنسان يوصف بأن له كرش، إذا البطن برزت يسمى كرش، أما إذا لم تبرز فهي بطن لأنه لا يوجد إنسان ليس له بطن.
( سواء البطن والصدر مسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس ) الكراديس رؤوس العظام أي عظم هذا أو هذا في الركب يسمى كراديس ( أنور المتجرد ) المتجرد أي المواطن التي لا شعر فيها تظهر كأنها نور هذا معنى أنور المتجرد أي المواطن التي لا شعر فيها من جسمه تظهر كأن لها نور ( موصول ما بين اللبة والسرة) اللبة هذه الفتحة الذي في أسفل الصدر في أسفل الرقبة هذه اللبة ( موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ) معنى هذا أن باقي الجسم من الأمام ليس فيه شعر ولذا قال ( عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك ) مما سوى ذلك من ماذا؟ من الشعر .
( أشعر الذراعين والمنكبين ) في الذراع والمنكب كان أشعر صلى الله عليه وسلم (عريض الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شئن الكفين ) مرت ( والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين ) هذه خمصان الأخمصين معناها الأخمص هو الذي ينطوي شيء من القدم في باطنها يعني أي إنسان الأصل أنه أخمص في جهة من القدم ما تصل إلى ماذا؟ ما تصل إلى الأرض، لكنه هذا الذي طبيعة الإنسان لكن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان أخمص أي أن قدمه كانت سواء ( ويمشي مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونًا، ذريع المشية ) ذريع المشية أنه مشيته ماذا متباعدة ( إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا خافض الطرف ) أي النظر ( نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، ) كناية عن ماذا؟ التواضع ( جل نظره الملاحظة ) أي ما يدقق ( يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام ) صلوات الله وسلامه عليه.
هذه الصفة الخُلقية والآن طبيعي أن يأتي إلى الصفة الخَلقية.
قال ( فصل في أخلاقه صلى الله عليه وسلم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس.
قال على ابن أبي طالب رضي الله عنه ستمر معنا أشياء لا حاجة إلى الشرح وإنما سأتكلم بعد ذلك إجمالاً ( كنا إذا احمر البأس، ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسخى الناس ما سئل شيئاً قط فقال: لا ، وكان أحلم الناس )
إلا أن سخاؤه متى يظهر في أوجه؟ في رمضان، إذا لقيه جبريل ( وكان أحلم الناس، كان أشد حياء من العذراء في خدرها لا يثبت بصره في وجه أحد، وكان لا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون لله ينتقم، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقريب، والبعيد، والقوي، والضعيف عنده في الحق واحد ).
وهذا أمر لا خلاف فيه فالله جلّ وعلا زكى بصره، وزكى قلبه، وزكى لسانه، وزكى خلقه فأين زكى الله لسانه؟ ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾[النجم:3].وأين زكى الله قلبه؟ ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾[ النجم:11].
وأين زكى الله بصره؟ ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾[النجم:17].
وأين زكى الله خلقه؟ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾[القلم:4] هذه إجمالاً وجاءت مفصلة في آيات أخرى .
( وما عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهيه تركه، وكان لا يأكل متكئاً، ولا يأكل على خوان ) ما الخوان؟ المائدة التي يوضع عليها الطعام يعبر عنها أحيانا بالطاولة.
( قال أنس رضي الله عنه كما في الصحيح ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان قط ) ( ولا يمتنع من مباح، إن وجد تمراً أكله وإن وجد خبزاً أكله وإن وجد شواء أكله ) وهذا يدل على عدم التكلف، يعني لا يرد موجوداً ولا يطلب مفقوداً
( إن وجد خبز بر أو شعيراً أكله، وإن وجد لبناً اكتفى، أكل البطيخ بالرطب ) ما البطيخ ؟ المقصود
بالبطيخ هنا الخربز، أين الدليل على أنه الخربز؟ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم هذا البطيخ جاءت بثلاثة روايات.
جاءت برواية ( أكل البطيخ بالخربز ) وجاءت بنقل عن عائشة ( أكل البطيخ الأحمر بالخربز ) ( أكل البطيخ الأصفر بالخربز ) .وجاءت برواية أوضح ( أكل الخربز بالرطب ) .
علله لماذا أكل البطيخ بالرطب ؟ لماذا أكل البطيخ بالرطب ؟ ما الفرق ؟ لماذا جمع ما بين الخربز والرطب؟حار والبطيخ بارد، وقال صلى الله عليه وسلم ( نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا )
( وكان يحب الحلواء والعسل.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة ) ولا يأكل الصدقة خاصة به؟ هو وآل بيته، ويكافئ على ماذا؟ ( ويكافئ على الهدية )، إذا أخذ هدية يكافئ عليها، وأغلب أحواله أن يرد الهدية بأكثر منها.
( لا يتأنق في مأكلٍ ولا ملبسٍ، يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد.
وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويعود المرضى.
وكان أشد الناس تواضعًا، يُجيب من دعاه من غنيٍّ، أو فقيرٍ، أو دنيء، أو شريف ) لا يفرق.
( وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، لا يحتقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لمُلكه.
وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة ) هذا كله دليلٌ على عدم التكلف، ( ويُردف خلفه عبده، أو غيره، لا يدع أحدًا يمشي خلفه، ويقول ( خلوا ظهري للملائكة ).
ويلبس الصوف وينتعل المخصوف، وكان أحبُّ اللباس إليه الحبرة، وهي من برود اليمن، فيها حُمرةٌ وبياض ) الحبرة الثياب المقلمة ذات الخطوط، وهي من برود اليمين، فيها حمرة وبياض.
( وخاتمه فضةٌ، فضه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر.وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها.
وكان يُكثر الذكر ويُقل اللغو، ويُطيل الصلاة ويُقصر الخطبة.أكثر الناس تبسُّمًا، وأحسنهم بشرًا، مع أنه كان متواصل الأحزان دائم الفكر .وكان يحب الطيب، ويكره الريح الكريهة.يستألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحدٍ، ولا يجفو عليه.يرى اللعب المباح فلا ينكره، يمزح ولا يقول إلا حقًّا، ويُقبل معذرة المُعتذر إليه.له عبيدٌ وإماءٌ، لا يرتفع عليهم في مأكلٍ ولا ملبس.لا يمضي له وقتٌ في غير عملٍ لله، أو فيما لابد له ولأهله منه.رعى الغنم، وقال: ( ما من نبيٍّ إلا وقد رعاها ).وسُئلت عائشةُ –رضي الله عنها- عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن"، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه ) صلوات الله وسلامه عليه.
( وصحَّ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: "ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممتُ رائحةً قطُّ كانت أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ قطُّ، ولا لشيءٍ فعلته: لم فعلت كذا؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلت كذا وكذا؟".

قد جمع الله له كما الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وآتاه الله علم الأولين والآخرين، وما فيه النَّجاة والفوز، وهو أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا مُعلِّم له من البشر، نشأ في بلاد الجهل والصحاري، آتاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، فصلوات الله عليه دائمةً إلى يوم الدين ).
هذا كله ظاهر، ولا أعتقد أنه يحتاج إلى تعليقٍ.
فصلٌ في معجزاته صلى الله عليه وسلم :
(فمن أعظم معجزاته، وأوضح دلالاته "القرآن العزيز" الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ، الذي أعجز الفصحاء، وحيَّر البُلغاء، وأعياهم أن يأتوا بعشر سور مثله، أو بسورة، أو بآية، وشهد بإعجازه المشركون، وأيقن بصدقه الجاحدون، والملحدون ).
القرآن الكريم معجزة نبينا الخالدة، وهو مُعجزٌ في لفظه ومعناه، قال شوقي رحمه الله:
جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيمٍ غير منصرمِ
( وسأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آيةً فأراهم انشقاق القمر، فانشق حتى صار فرقتين، وهو المراد بقوله تعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: 1].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمتي ما زُوي لي منها ). وصدَّق الله قوله بأنَّ مُلك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال )، وهذا فيه نظر، فليس المقصود المشرق والمغرب تحديدًا، وإنما المقصود انتشار الدين في كل مكان.
( وكان يخطب إلى جذعٍ، فلما اتخذ المنبر وقام عليه حنَّ الجذع حنين العشار، حتى جاء إليه والتزمه، وكان يئن كما يئن الصبي الذي يُسكت، ثم سكن.ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة )، واختلف العلماء في معنى نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام على قولين، القول الأول: أن يكون الماء نبع فعلا من بين أصابعه، أي خرج من بين أصابعه، القول الثاني: أن يكون المعنى أنه ببركته عليه الصلاة والسلام لما وضع أصابعه تكاثر الماء ببركته عليه الصلاة والسلام، ولم يكن هناك نبعٌ حقيقيٌّ من أصابعه، والقول الأول هو الأظهر إذ لا مانع يمنعه وعليه الأكثرون، الأكثرون مِن مَن؟ من العلماء، هناك أشياءٌ تُحذف لدلالة المعنى عليها.
( وسبَّح الحصى في كفه، وثم وضعه في كف أبي بكرٍ، ثم عمر، ثم عثمان، فسبَّح.
وكانوا يسمعون تسبيح الطعام عنده وهو يؤكل.وسلَّم عليه الحجر والشَّجر ليالي بُعث.
وكلمته الذراع المسمومة، ومات الذي أكل معه من الشاة المسمومة، وعاش هو صلى الله عليه وسلم بعده أربع سنين. )، الذي مات معه مَن؟ بشر بن البراء رضي الله عنه.
( وأصيبت رجل عبد الله بن عتيك الأنصاري فمسحها فبرأت من حينها.
وأخبر أنه يَقتل أُبي بن خلفٍ الجُمحيَّ يوم أحد، فخدشه خدشًا يسيرًا فمات.
وقال سعد بن مُعاذ لأخيه أمية بن خلف: "سمعتُ محمدًا يزعم أنه قاتلك"، فقُتل يوم بدرٍ كافرًا.
وأخبر يوم "بدرٍ" بمصارع المشركين؛ فقال: ( هذا مصرع فلانٍ غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلانٍ غدًا إن شاء الله )، فلم يعدُ واحدٌ منهم مصرعه الذي سمَّاه.

وأخبر أن طوائف من أمته يغزون البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كما قال.
وقال لعثمان: إنه سيُصيبه بلْوى؛ فقتل عثمان.
وقال للحسن بن عليٍّ: ( إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين من المؤمنين عظيمتين ) فكان كذلك.
وأخبر بمقتل الأسود العنسيِّ الكذاب ليلة قَتْلِهِ، وبمن قتله، وهو بصنعاء اليمن، وبمثل ذلك في قتل كسرى.
وأخبر عن الشيماء بنت بُقيلة الأزدية أنها رُفعت له في خمارٍ أسود على بغلةٍ شهباء، فأُخذت في زمن أبي بكرٍ الصديق في جيش خالد بن الوليد بهذه الصفة.
وقال لثابت بن قيس بن شماس: ( تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا )، فعاش حميدًا، وقُتل يوم اليمامة شهيدًا.
وقال لرجلٍ ممن يدَّعي الإسلام وهو معه في القتال: ( إنه من أهل النار )، فصدَّق الله قوله بأنه نحر نفسه ).

جماع هذا علميًّا أن يُقال: الغيب الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أولا: غيبٌ يتعلق بالأمم والقرون الغابرة، ومثاله إخباره عن يوسف، أصحاب الكهف، قوم نوح، قوم عاد، هذا كله إخبارٌ عن غيبٍ سبق، كإخباره عن أهل الكهف، وإخباره عن يوسف وإخوته، وإخباره عن غير ذلك مما سلف.
الثاني: إخباره عن غيبٍ وقع في حياته قبل أن يموت، مثل إخباره بالذي قتل نفسه، و إخباره بمقتل قريش يوم بدر، ومقتل الأسود العنسي، هذا كله حصل في حياته صلى الله عليه وسلم.
الثالث: إخباره بغيبٍ وقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، مثل ( إن ابني هذا سيدٌ ) هذا وقع بعد وفاته، و قصة سراقة بن مالك أنه لبس سوار كسرى، وأشراط الساعة ستقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
هذا خلاصة ما يمكن أن يُقال في الغيب الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
( ودعا لعمر بن الخطاب، فأصبح عُمر فأسلم.ودعا لعليٍّ بن أبي طالب أن يُذهب الله عنه الحرَّ والبرد، فكان لا يجد حرًّا ولا بردًا.ودعا لعبد الله بن عبَّاسٍ أن يُفقهه الله في الدين، ويُعلمه التأويل، فكان يُسمَّى الحبر والبحر لكثرة علمه.ودعا لأنس بن مالكٍ بطول العمر، وكثرة المال والولد، وأن يُبارك الله له فيه، فوُلد له مائة وعشرون ذكرًا من لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين، وعاش مائة وعشرين سنة أو نحوها.وكان عتيبة بن أبي لهبٍ قد شقٌّ قميصه وآذاه، فدعا عليه أن يُسلط الله عليه كلبًا من كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام.وشُكي إليه قحوط المطر وهو على المنبر فدعا الله عزّ وجلّ وما في لسماء قزعة، فثار سحابٌ كثيرٌ أمثال الجبال، فمُطروا إلى الجمعة الأخرى حتى شُكي إليه كثرة المطر، فدعا الله عزّ وجلّ فأقلعت وخرجوا يمشون في الشمس.
وأطعم أهل الخندق –وهم ألفٌ- من صاع شعيرٍ أو دونه، وبهيمة، فشبعوا وانصرفوا والطعام أكثر ما كان.
وأطعم أهل الخندق أيضًا من تمرٍ يسيرٍ أتت به ابنة بشير بن سعدٍ إلى أبيها وخالها عبد الله بن رواحة.
وأمر عمر بن الخطاب أن يُزوِّد أربعمائة راكبٍ من تمرٍ كالفصيل الرابض، فزوَّد، وبقي كأنه لم ينقص تمرةً واحدةً.وشهد الذئب بنوَّته ).
شهادة الذئب بنوته رواها الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح من حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه.
(ومرَّ في سفرٍ ببعيرٍ يُستقى عليه، فلما رآه جرجر، ووضع جرانه فقال: ( إنه شكا كثرة العمل وقلة العلف).
ودخل حائطًا فيه بعيرٌ ) الحائط أي البستان ( فلما رآه حنَّ وذرفت عيناه، فقال لصاحبه ( إنه شكا إلىَّ أنك تجيعه وتؤدبه ).
ودخل حائطًا آخر فيه فحلان من الإبل، وقد عجز صاحبهما عن أخذهما، فلما رآه أحدهما جاءه حتى برك بين يديه، فخطمه، ودفعه إلى صاحبه، وفلمَّا رآه الآخر فعل مثل ذلك ).
هذه كلها أخبر تدل على ما سخره الله جلّ وعلا له صلوات الله وسلامه عليه.إلى أن قال في آخر صفحة ( وخرج على مائة من قريشٍ وهم ينتظرونه فوضع التراب على رؤوسهم ومضى ولم يروه.وتبعه سراقة بن مالك بن جُشعم يريد قتله أو أسره، فلما قرب منه دعا عليه، فساخت يد فرسه في الأرض، فناداه بالأمان، وسأله أن يدعو له، فدعا له، فنجاه الله.وله صلى الله عليه وسلم مُعجزاتٌ باهرةٌ، ودلالاتٌ ظاهرةٌ، وأخلاقٌ طاهرةٌ، اقتصرنا منها على هذا تحقيقًا ).
وفي الختام أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى وسلامة الصدر لجميع المؤمنين، والسعي بالعمل بما نعلم، لعل الله جلّ وعلا أن يبلغنا أعلى المنازل في الدنيا والآخرة.
هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمدٍ وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.